الثلاثاء 27 كانون2/يناير 2015
TEXT_SIZE

الفساد ومعوّقات التطور في العالم العربي

الفساد ومعوّقات التطور في العالم العربي
داوود خير الله*
المراقب للعالم العربي وأنظمة الحكم فيه يرى هوة بين الحاكم والمحكوم لا تنفك تزيد عمقا واتساعا. فمن الصعب أن نجد في دولة عربية حاكما يمثّل طموحات ومصالح شعبه، ويستمد شرعية حكمه من إرادة شعبية تجلّت من خلال مؤسسات دستورية تتوافر فيها ضمانات الحرية والنزاهة. كما يرى المراقب فوضى أمنية ودمارا في العديد من الأقطار العربية هي نتيجة تخبط سياسي وغياب لمقوّمات ومؤسسات الدولة التي تضمن أمن الوطن، وتخلق وتسهّل ظروف نموه وتطوره. ويلاحظ أن مفهوم الحرية لم يتخذ له جذورا، وأن العقل العلمي والثقة بقدرة الإنسان، ليس فقط على فهم مجتمعه وإنما على تطويره، قد تراجعا عما كانا عليه منذ عقود. ويلاحظ المراقب بدقة عالما تتوافر فيه إمكانيات اقتصادية هائلة ولكنه من أقل الدول نموا اقتصاديا.
إن هذا المشهد العربي للتخبط السياسي، والفوضى الأمنية، والتخلف العلمي، والركود الاقتصادي، لا يمكن أن يشكل مناخا للتطور والنمو، وهو انعكاس لمعوقات كثيرة سوف أقتصر على الدور الذي يلعبه الفساد في أهمها.
في مفهوم الفساد
ليس هناك إجماع على تعريف شامل يطال أبعاد الفساد كافة، ويحظى بموافقة جميع الباحثين فيه، وإن كان التعريف الأكثر رواجا هو الذي يدور حول استغلال أو سوء استعمال الوظيفة العامة من أجل المصلحة الخاصة. إلا أن لمثل هذا التعريف فائدة محدودة في محاربة ظاهرة الفساد بأوجهها المتعددة. لذلك تجنب مندوبو أعضاء الأسرة الدولية عندما اجتمعوا لصياغة أهم المواثيق الدولية حتى الآن بشأن الفساد، تبّني تعريف شامل للفساد معتبرين أن مثل هذا التعريف غير ممكن وغير ضروري(1). فاتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد (لعام 2003) تركت للدول الأعضاء إمكانية معالجة أشكال مختلفة من الفساد قد تنشأ مستقبلا على أساس أن مفهوم الفساد فيه من المرونة ما يجعله قابلا للتكيّف بين مجتمع وآخر(2).
علّة الفساد الأساسية تكمن في كونه يؤدي إلى تلف تدريجي وانحراف عن الصلاح لكل جسم تطاله، سواء كان الجسم ماديا أو معنويا ويحرفه عن القيام بالوظيفة التي من أجلها وجد. إنني أجد في التعريف الفيلولوجي (اللغوي) مساعدا هاما في توضيح مفهوم الفساد خاصة كمعوّق للتطور. ففي القواميس الفرنسية والانجليزية، واستنادا إلى الأصل اللاتيني للكلمة، يوصف الفساد بأنه حالة تعفّن، انحلال، انحراف، قبح، تلف تدريجي، تدهور. أما بالعربية فيعتبر الفيروزابادي في قاموسه "المحيط"، ومثله بطرس البستاني في "محيط المحيط" أن الفساد هو ضد الصلاح. وفي المنجد الجديد في اللغة العربية المعاصرة جاء تحت مادة "فسد فسادا: تفسّخ، أنتن، وأصبح غير صالح" وكذلك "جاوز الصواب والحكمة وانحطت أخلاقه" والفاسد هو الذي "لا صلاح فيه، مخالف للناموس الأدبي... ميّال إلى الشر يفعله عن معرفة وتعمّد أو يحرّض عليه".
إن الفساد داء ينهش النسيج الاجتماعي من جوانبه الثقافية والسياسية والاقتصادية، وتعتبر منظمة الشفافية العالمية إنه من أكبر التحديات التي تواجه عالمنا الحديث. فهو يقوّض الحكم الصالح، ويشوّه السياسة العامة، ويدفع إلى إساءة توزيع الموارد، ويضر بالقطاع الخاص وتنميته، ويلحق أكبر الضرر بالفقراء(3).
الفساد لصيق بالطبع البشري وهو موجود في جميع المجتمعات. لكن بعضها كان أكثر نجاحا في إدراك مخاطره والحد من انتشاره وفتكه. مع الأسف أن مجتمعنا العربي، بمسؤوليه ونخبه المثقفة، هو من أقل المجتمعات إدراكا لمخاطر الفساد وأكثرها تقاعسا في علاجه.
الباحثون في الفساد يميّزون بين ما يدعونه الفساد الصغير (Petty Corruption)، أي الفساد على المستوى البيروقراطي كالرشوة لموظف لاختصار مدة تقديم الخدمة، وسواه مما يعتبر ذا أثر ضئيل في المجتمع مقارنة بالأعمال الفاسدة التي يقوم بها أصحاب القرار السياسي والتي هي فساد سياسي ذو أثر سلبي كلي في المجتمع وتعتبر فسادا كبيرا.(4)
وبالرغم من أن الفساد بأشكاله كافة يلحق الضرر بالمجتمع ومكافحته ضرورة، فإنني سأركز هنا على الفساد السياسي بشكل خاص.
لعل الهوة بين الحاكم والمحكوم هي من أهم سمات الحكم في معظم إن لم يكن جميع الدول العربية، ولا يضاهيها وضوحا وانتشارا سوى آفة الفساد. والفساد السياسي ليس فقط انحرافا عن طاعة القوانين والأعراف والقواعد الخلقية. لكنه يتجلى أكثر ما يتجلى في التلاعب بالقوانين ومؤسسات الدولة من قبل السلطات الحاكمة لبلوغ أهداف شخصية. فالفساد السياسي هو انحراف عن القيم العقلانية والقانونية ومبادئ الدولة الحديثة(5)، وهو لا يؤثر فقط في توزيع الموارد، وإنما في كيفية اتخاذ القرارات والتلاعب بالمؤسسات والقوانين في الدولة، ما يؤدي إلى انحلالها وبطلان مفاعليها.
العلّة الأساس في انتشار الفساد في العالم العربي هي غياب حكم القانون وثقافة حكم القانون على الصيعدين الرسمي والشعبي، وبخاصة فعالية القواعد القانونية واجبة التطبيق في مساءلة الحاكم وتقييم عمله. وهذه علّة يسود انتشارها في الأنظمة القمعية وكذلك في الدول التي تقترب بسمات الحكم فيها من الدول الفاشلة.
إن حكم القانون هو انعكاس للنضح السياسي في المجتمع وهو تعبير عن إرادة الشعب في الحكم الذاتي ويسود في الدول التي بلغت مرحلة متقدمة من تنمية القيم والمؤسسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الحكم. فالقانون بما يحتويه من قيم وأهداف هو انعكاس للإرادة الشعبية ورمز سيادتها. والقانون هو الحاكم الفعلي في الدولة التي تعتمد نظاما ديمقراطيا في الحكم. ولذلك فإن لحكم القانون مقوّمات أساسية سوف أذكر بعضها. المجتمع الذي يسود فيه حكم القانون جميع المسؤولين فيه يُسألون أمام القانون كما جميع الأفراد والمؤسسات. نعلم يقينا أن هذا المبدأ مفقود في مجتمعاتنا العربية إن لجهة ممارسة المسؤول في السلطة أو لجهة الثقافة العامة التي تطالب المسؤول وتلزمه بالتقيّد بذلك. والمجتمعات المتقدمة سياسيا اعتمدت مبدأ فصل السلطات وتوزيعها بحيث لا تستطيع سلطة فرض هيمنتها في الحكم. وهذا المبدأ موجود بالشكل في معظم الدساتير العربية لكن السلطة الفعلية في معظمها تنحصر في رأس السلطة التنفيذية وبعض المتنفذين في الدولة. والقوانين في الدول التي يسود فيها حكم القانون يتم تبنيها وتطبيقها بشكل عادل وفعّال وضامن لحقوق جميع المواطنين. وغياب الفساد هو من أهم مميزات المجتمعات التي يسود فيها حكم القانون. فالفساد ينتشر في غياب حكم القانون وضعف الأجهزة التي تتولى تطبيقه.
غياب ثقافة حكم القانون لا بل جهل المسؤولين والنخب المثقفة أهمية القانون كمعبّر عن الإرادة الشعبية وحافظ للحقوق والواجبات في المجتمع هو في رأيي من أهم معوقات التطور في العالم العربي. فالقانون هو خزّان القيم، وهو وسيلة هندسة اجتماعية والطريق الأسلم والأرقى لكل تغيير في المجتمع. والقانون هو أداة توضيح وتعديل للعلاقة بين المواطن والدولة وبين المواطنين فيما بينهم، وهو وسيلة إنشاء المؤسسات وضمان فعاليتها، وهو الضامن لحقوق الشعب وأمنه ونموّه الاقتصادي والسياسي.
والجهل بأهمية القانون، وغياب ثقافة حكم القانون في المجتمعات العربية، هما من موانع إقامة عقد اجتماعي في ظل دولة يكون هو الرابط القيمي فيها، والجاذب الأساسي في الانتماء الوطني، والمانع لنمو هويات وانتماءات فرعية، تعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي كما نشاهد في أقطار عربية عدة، مسهّلا بذلك بلوغ أهداف من لا يريد سلاما ولا تقدما في العالم العربي.
ديناميكية العلاقة بين الفساد وحكم القانون تفرض صراعا وجوديا بين الإثنين. فالفساد يمنع تبني قوانين تحد من مضاره، ويعمل على إضعاف المؤسسات المولجة بالتطبيق الفعاّل للقوانين القائمة. وترسيخ حكم القانون وتطبيق القوانين بفعالية، هما أضمن الوسائل للقضاء على الفساد. وفضلا عن دوره في إضعاف أو تغييب حكم القانون، يشكل الفساد مانعا أساسيا من بناء نظام ديمقراطي. فالشفافية والمساءلة والانفتاح التي هي من أهم مقوّمات الحكم الديمقراطي، هي كذلك عناصر رئيسية في محاربة الفساد. وهناك باحثون يدعون إلى تبنّي الديمقراطية كوسيلة لمحاربة الفساد. ملفت أن الدول العشرين الأقل فسادا في العالم، حسب مؤشر منظمة الشفافية العالمية، بينها ثمان عشرة (18) دولة هي ديمقراطية بامتياز، والاستثناءان هما سنغافورة وهونج كونج وكلتاهما معروفة بفعالية استثنائية لحكم القانون لديها.(6)
أود الآن أن أسلط بعض الضوء على دور الفساد في إعاقة نمو أهم حاجات المجتمع: الاقتصاد والأمن.
الفساد والتنمية الاقتصادية
الاهتمام الجدي بدراسة موضوع الفساد على مستوى دولي بدأ مع التركيز على التنمية الاقتصادية في الدول الفقيرة وتلك التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة إنتهاء الاستعمار وخروج المستعمر منها. وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي لم تكن منظمات التنمية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، تولي اهتماما خاصا موضوع الفساد وأثره في إعاقة التنمية الاقتصادية بالرغم من توافر أدلة على أن ما يقارب نصف الأموال والمساعدات الخارجية المخصصة للتنمية كان ينتهي في الحسابات الخاصة لبعض القيادات والزعامات في بعض الدول الأفريقية لدى المصارف الخاصة في دول أوروبية.
الفساد يشكل إعاقة كبرى في وجه التنمية الاقتصادية. فهو يزيد كلفة المعاملات والمشاريع والصفقات ويحد من دوافع الإستثمار كما يحد من دخل الدولة بسبب التلاعب في التحصيل الضريبي.
إن مناخا اقتصاديا واجتماعيا يسوده الفساد يمكّن مقدمي الخدمات وملتزمي المشاريع من تجاهل معايير الجودة والمهنية فيقومون بأعمال تضر بالمجتمع وبالاقتصاد العام (كشّق الطرقات التي تنهار لأسباب كان بالإمكان تجنبها، والمستشفيات التي تقدم خدمات علاجية دون المستوى المطلوب). ثم أن الفساد يضعف حكم القانون كما ذكرنا وهو ما يسهّل إجراء معاملات وعقود غير مبررة اقتصاديا كأن ترسي المناقصات العامة ليس على من يقدم الخدمة الأفضل بالسعر الأنسب، بل على من يدفع الرشوة الأكثر إغراءا. هناك دراسات وأبحاث عدة شملت العديد من الدول تثبت أنه كلما تزايد الفساد تدنى الدخل القومي وكذلك الاستثمار والانفاق على التعليم(7).
وانطلاقا من الأدلة على ما للفساد من تأثير سلبي في التنمية الاقتصادية، واقتناع القيّمين على منظمات التنمية الدولية بمخاطر الفساد على النمو الاقتصادي، فقد قامت هذه المنظمات باتخاذ إجراءات وبذل جهود من شأنها الحد من انتشار الفساد وربط منح قروضها والقيام باستثماراتها باتخاذ إجراءات فعالة من قبل الدول المعنية للحد من الفساد.
ومن السمات البارزة للاقتصاد العربي التي تستحق اهتماما خاصا بالنسبة إلى انتشار الفساد، الاعتماد بصورة رئيسية على الدخل الريعي الذي قوامه الإيرادات النفطية والفوائض المالية في مؤسسات القطاع العام والتحويلات الخارجية. ومن خصائص الدخل الريعي أنه ينتج عن امتلاك الدولة مصادر هذا الدخل ويؤول للخزينة العامة، أو لبعض الفئات الحاكمة، تلقائيا ودون رضى أو تعاون أطراف أخرى في المجتمع، كما هي الحال في الإيرادات الضريبة، وبالتالي لا يمر في قنوات تعرضه للمساءلة والمحاسبة. فمعظمه نتاج لإتفاقيات تعقدها الدولة مع جهات خارجية بعيدا عن الشفافية والمراقبة العامة، خاصة مع وجود النظم العائلية والسلطوية في العديد من الدول العربية. وبذلك تصبح ملكية العوائد الريعية والتصرف بها عنصرا هاما في تعزيز قوة النظام وتمكينه من تخصيص مبالغ ضخمة لحماية نفسه وإدامة حكمه.
لا شك في أن مثل هذا الوضع من غياب الشفافية والمساءلة يباعد بين الحاكم والمحكوم ويبرر الشكوك حول شرعية الحكم ويضعف مؤسسات الدولة ويؤدي إلى انتشار الفساد والمزيد من القمع والتضييق على الحريات العامة وحقوق الإنسان.
قد لا يكون الفساد هو السبب الوحيد لتخلف العالم العربي في النمو الاقتصادي بالرغم من إمكاناته الهائلة، لكنه بالنظر لانتشاره الواسع في كافة مرافق الحياة فهو من أهم المعوّقات.
في الفساد والأمن
ليس للدولة مسؤولية تضاهي مسؤوليتها عن أمن المجتمع والمقيمين على أرضها. تكاد الوظيفة الأمنية للدولة تكون المبرر الأساسي لقيامها كدولة مستقلة ومنحها حقوقا سيادية ومنع الدول الأخرى من التدخل في شؤونها الداخلية. فالاستقرار الأمني المنبثق عن الرضا الشعبي هو من أهم معالم الشرعية للنظام السياسي والقيّمين عليه.
انطلاقا من هذه الحقائق، نلاحظ أنه لم يحدث أن عانى العالم العربي في الزمن المعاصر ما يعانيه الآن من فوضى أمنية، واضطراب وحروب داخلية، وتنامي هويات فرعية هي أدوات تفكيك للروابط الاجتماعية في الدولة وتقويض مناعتها.
غياب المشاركة الشعبية في الحكم والهوة بين الحاكم والمحكوم هي من أبرز سمات أنظمة الحكم في معظم إن لم يكن جميع الدول العربية. فالانتفاضات الشعبية والمظاهرات التي عمت العديد من العواصم العربية في مطلع ما سمّي ب "الربيع العربي" قبل اختطافه والتحكم بمساره، كانت تعبيرا صادقا عن نقمة شعبية ورغبة في إقامة إصلاحات جوهرية في أنظمة الحكم السائدة. واللافت أن الشكوى من الفساد تصدرت مبررات الانتفاضات الشعبية في جميع الأقطار التي عرفتها ومعها عرفت إضطرابا أمنيا. فالفساد عندما ينتشر ويتجذر، يقّوض سلطة الدولة ومؤسساتها ويفتح المجال للتمرد. والفساد يزيد من مخاطر النزاعات الداخلية، والنزاعات بدورها تضاعف من مخاطر الفساد. للإثنين علاقة متداخلة متفاعلة تهدد الأمن والاستقرار وبخاصة في الدول التي يحيق بها العنف(8).
الربط بين الفساد وعدم الاستقرار السياسي والنزاع المسلح أصبح من المواضيع التي تلقى اهتماما خاصا لدى الباحثين في الآونة الأخيرة. تقرير هام للبنك الدولي عام 2011 عن التنمية الدولية وموضوعه "النزاعات المسلحة والأمن والتنمية"، أظهر أن للفساد أثرا بليغا في تزايد مخاطر اللجوء إلى العنف عن طريق إثارة الشعور بالظلم وتدمير فعالية المؤسسات الوطنية والقيم الاجتماعية(9). وكذلك تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) حول الفساد وبناء الدولة، جاء فيه أن الفساد هو مكمن الهشاشة لدى الدول، وأن بعض أنواع الفساد هو أساس انتزاع الشرعية في الدول التي عرفت العنف والنزاع المسلح. وفي العديد من الدول التي تعرضت لنزاعات مسلحة أكدت استطلاعات الرأي أن الفساد يتصدر شكاوى المواطنين فيها(10).
إن إحدى عشرة دولة من أصل العشرين دولة الأكثر معاناة من آفة الفساد، حسب مقاييس ومؤشرات منظمة الشفافية العالمية، عانت كذلك من نزاعات مسلحة واضطراب أمني، وإن خمسا من هذه الدول الإحدى عشرة هي دول أعضاء في جامعة الدول العربية(11).
إن معظم الدول التي تعاني من الفساد، تعاني أيضا من مؤسسات سياسية وقضائية وإدارية واقتصادية ضعيفة. ونتيجة لذلك ليس فيها من رادع فعّال للسلوك الفاسد. والمؤسسات الضعيفة في الدولة هي عادة نتيجة خلافات داخلية وربما حروب أهلية وتدمير مادي ومعنوي لهذه المؤسسات. ولنا في لبنان مختبر ودليل حسّي على صحة هذه الاستنتاجات. ثم أن الحروب الأهلية والاضطراب الأمني يخلقان مناخا للابتزاز وفرض الخوات حيث يصبح انصياع المواطن ورضوخه للأمر الواقع ضرورة تفرضها طبيعة الحياة. ومع ذهاب الشعور بالأمن وغياب مؤسسات تضمن للمواطن ما يتوقعه من حقوق، يفقد ولاءه للدولة وشعوره بشرعية الحكم فيها. ومن آثار الفساد السلبية كذلك أنه يقضي على الثقة بين الأفراد في المجتمع. وبذلك يزيد في صعوبة التلاقي في تنظيمات تعمل على إزالة المعوّقات لاستقرار وتطوير المجتمع(12).
أود هنا التوقف قليلا عند الأثر المدمّر لنوع من الفساد يسود الآن في العالم العربي قد تكون عرفته مجتمعات أوروبية في القرون الوسطى، إبان الحروب الصليبية، ولكن لم تعرفه مجتمعات أخرى في العصر الذي نعيش، ألا وهو استغلال الحاجات الإيمانية لبلوغ أهداف سياسية، وقد قيل فيه أنه أسوأ أنواع الفساد. الفساد بطبيعته هو اعتماد وسيلة لبلوغ هدف أو إشباع حاجة لا مسوّغ قانونيا أو خلقيا لها. كأن يلجأ من يحتاج نفوذا سياسيا مثلا إلى شراء الذمم في عملية انتخابية من خلال استغلال الفقر والجهل لدى شرائح شعبية عن طريق إشباع حاجة مادية بتقديم بعض المال أو الغذاء أو سواهما مما يضمن له أصوات بعض الناخبين. وهناك العديد من الأعمال الفاسدة حيث الوسيلة هي اللجوء إلى إشباع الحاجات المادية أو الاجتماعية للمستهدف في العمل الفاسد. أما استغلال الحاجات الإيمانية كالوعد بنيل الشهادة ودخول الجنة عن طريق ازهاق أرواح أبرياء وتدمير مجتمعات بهدف بلوغ أهداف سياسية فهذا فساد لا يقارن بسواه ويستحضر التأمل بحكمة الآية الكريمة "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فإنما قتل الناس جميعا"(13). هكذا تضليل لا ينحصر ضرره بضحايا يقومون بأعمال العنف وضحاياهم. ولكن بالنظر لما يصحبه من تنام مشوّه للهويات الفرعية والانتماءات المذهبية والطائفية والدينية وإثارة الهواجس والضغائن لديها، كما نشاهد الانتشار السريع لهذا الوباء في مجتمعاتنا العربية، نرانا بصدد تفكيك الروابط بين المكوّنات البشرية للمجتمع. ما قد يعيق ربما لأجيال إعادة اللحمة فيما بينها وتمكينها من إقامة دولة متماسكة متضامنة بحد أدنى من الوحدة في الداخل التي هي مصدر المناعة، وهي السلاح الأقوى والأفعل في مقاومة التهديدات لأمنها، خارجية كانت أو داخلية.
نظرة عابرة لعالمنا العربي ترينا مجتمعات تتهددها نزاعات أهلية وأخرى هي في خضم حرب أهلية وثالثة خرجت لتوّها من هذه الحرب، لكن الفساد يلعب دورا محوريا فيها جميعا. فهناك دراسات قيمّة ومفيدة عن دور الفساد في التسبب بالنزاعات المسلحة والحروب الأهلية، وكذلك في المد بعمر هذه الحروب والنزاعات وخلق العقبات في وجه إيجاد حلول لها. ومعظم هذه الدراسات يقدم أدلة هي متوافرة في حالات العنف المسلح الذي يعانيه العديد من الدول العربية، ومنها تهريب السلاح، وإضعاف المؤسسات الأمنية للدولة، وإحلال عصابات مسلحة محلها تسيطر على موارد ومقدرات اقتصادية للدولة، ناهيك بأن الحروب بذاتها تخلق مناخا ملائما لانتشار الفساد والكسب غير المشروع.(14) وهناك أيضا دراسات عن علاقة الفساد بالأعمال الإرهابية يمكن الإفادة منها في فهم تعاظم دور الإرهاب في الإضطراب الأمني الذي يعاني منه العالم العربي.(15)
ما يمكن قوله عن استشراء الفساد ودوره في تعطيل مؤسسات الدولة لجهة حكم القانون والنمو الاقتصادي والاستقرار الأمني، ربما ينسحب على جميع مرافق الحياة العامة في العالم العربي ويشكل عنصر إعاقة أساسياً في وجه التطور من كافة جوانبه، إضافة إلى تجاهل حقوق الإنسان والمعاناة المؤلمة التي يعيشها المواطن العربي وبخاصة الفقراء والمهمشون الذين يجمع الباحثون على أنهم أكثر المتضررين من الفساد (16).
إزاء هذا المشهد من التخبط السياسي والاجتماعي العربي والتآكل في فعالية المؤسسات العامة، يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي هو لماذا يعيش العالم العربي هذه الحالة من التردي والانحطاط، ولماذا تمكن الفساد من هذا الانتشار الفتاك وهل من وسائل لوقف مفاعيله وعكس مسار المجتماعات العربية؟ تجارب مجتمات أخرى تشير إلى نجاحات لافتة من التطور في مجالات مختلفة بما فيها التغلب على آفة الفساد.
لن أتناول حالات النجاح في مكافحة الفساد لبعض الدول والوسائل التي اعتمدت في ذلك. فمنشورات منظمة الشفافية العالمية، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وغيرها وثّقت للعديد منها. لكن جميع التجارب الناجحة في مكافحة الفساد والحد من انتشاره انطلقت من وعي لمخاطره وإرادة لإزالة هذه المخاطر.
الشكوى والمعاناة من الفساد تعّم المجتمعات العربية جميعا ولكن ذلك لا يرقى إلى وعي مخاطر الفساد الذي يدفع الى رغبة جادة بالتخلص من هذه المخاطر. لأن إدراك الخطر من قبل عاقل يترجم عملا هدفه إزالة الخطر أو درؤه. فليس هناك ما يدل إطلاقا على أن في المجتمعات العربية إدراكا من قبل المسؤولين أو النخب المثقفة لأهمية المخاطر والأضرار التي يلحقها الفساد بالمجتمع وما يشكل من إعاقة في سبيل نموه وتطوره. ولعل العلة الأساس والمعوّق الأهم في وجه التطور هي الشح في رأس المال البشري. فهو العنصر الأفعل في كل تطور وتنمية بما في ذلك التنمية الاقتصادية. وفي اعتقادي إن النخب المثقفة تتحمل المسؤولية الكبرى عن العجز عن مواجهة التحديات والتغلب على الصعوبات التي تواجه المجتمعات العربية. فالنخب المثقفة في المجتمعات الحية هي إلى حد ما بمثابة الدماغ في الجسم الاجتماعي. فعليها بالدرجة الأولى يقع عبء وعي المخاطر التي تتهدد المجتمع واقتراح وسائل درئها. وهي التي يجب أن تلعب الدور الأساس في وضع قواعد السلوك السياسي والاجتماعي وفي شرح هذه القواعد وفي مراقبة المسؤول عن تطبيقها.
عندما أتكلم عن تقصير أو علة في النخب المثقفة العربية فأنا بالطبع لا أعني أن ليس هناك مثقفون عرب ربما يفوقون بقدراتهم الفكرية وإنتاجهم العلمي العديد من مثقفي أرقى المجتمعات الغربية وأكثرها تطورا، ولكن ما لم ينعكس التطور الفكري والعلمي لدى المثقف العربي في حياة وسلوك المجتمع الذي يعيش فيه يبقى مهمّشا وعديم الفاعلية.
من هذا المنطلق أقول أن هذه النخب تشكو عللاً ثلاثاً فيها الإجابة ربما على التساؤل عن فشل النخب المثقفة في القيام بدورها. فهي أولا لم تبلغ من النضج السياسي والاجتماعي والوعي لمسؤوليتها ما يدفعها إلى التعمق في فهم العلل التي يعاني منها مجتمعها والعمل الفعّال على حلول لهذه العلل تخلصا من الخطر الجسيم الذي تشكله على حياتها في المجتمع. وهذا التقصير باد في الانتاج العلمي لمراكز الأبحاث، إذا وجدت، وفي غياب الحركات الفكرية والتنظيمات السياسية. لا أعرف سببا مقنعا لهذا التقاعس ولا زلت غير مقتنع بالمألوف من الأعذار بأن الأنظمة القمعية هي العقبة الأساس في وجه ظهور الحركات الفكرية والتنظيمات السياسية. فالانظمة القمعية هي من التحديات الواجب مواجهتها وهي من العلل الرئيسية الواجب معالجتها. ثم أن وجود هذه الأنظمة لم يمنع ظهور تنظيمات هي عنوان التخلف الفكري وضحالة النضج السياسي وأداة تدمير وتفكيك اجتماعي عربي. ثم لو اعتمدنا مجتمعا أو بلدا عربيا كلبنان مثلا، الذي لا يندرج في خانة انظمة الحكم القمعية، وحاولنا أن نقيّم الدور الذي تلعبه نخبه المثقفة في معالجة العلل الفتاكة التي يعاني منها، والتي تدنو به من مصاف الدول الفاشلة، لما وجدنا ما يمكّن هذه النخب من المفاخرة به.
صحيح أن مفهوم الحرية، المنبثق عن ثقة بالنفس، والملازم للفضول العلمي وحب الاستطلاع، لم يتخذ له جذورا في الثقافة العربية المعاصرة وقد يكون لذلك بعض الأثر في تقصير النخب المثقفة عن لعب دور فعّال في مجتمعاتها، لكن هذا الموضوع يستحق وبإلحاح دراسة وربما دراسات معمّقة.
والعلة الثانية التي يعاني منها المثقف العربي، والإنسان العربي بعامة، هي هروبه من تحمّل المسؤولية، وافتقاره لفهم أهمية مبدأ الربط بين الجهد والنتيجة. وهذه العلة هي من سمات المجتمعات المتخلفة، ولعلها من أهم معالم الاختلاف عن المجتمعات المتطورة علميا وسياسيا. فالحروب الأهلية والتذابح بين المواطنين تصبح بنظر بعض مثقفينا حروب الآخرين على أرضنا. وعمليات التدمير الذاتي وهدم العمران والتمزق الاجتماعي من خلال تنمية هويات فرعية وانتماءات مذهبية وطائفية هي مسؤولية أطراف خارجية. واستعادة الحق العربي في فلسطين، هذا إذا بقي من يتذكر ذلك، هي مسؤولية سوانا. حتى التحليل السياسي لمآل نزاع داخلي غالبا ما يكون نوعا من التكهّن أو استقراء لمواقف ونشاطات الدول الخارجية. فنادرا ما نسمع أو نقرأ لمسؤول أو مثقف أن العلة فينا وعلاجها مسؤوليتنا الحصرية، وذلك انطلاقا من شعورنا بأننا شعب سيد حر، وعليه أن يتصرف تصرّف الأسياد الأحرار في تطوير حاضره وصناعة مستقبله.
والعلة الثالثة التي يعاني منها المثقف العربي بعامة هي نقص في الجرأة الأدبية وميل إلى الرضوخ لإغراءات الفساد. فلو توفر لعدد من المثقفين الذين يعون جيدا أسباب العلة ومخاطرها، ويدركون أيضا كيفية علاجها ومن هو الأكثر أهلية للقيام بهذا العلاج، لكنهم يقدرون أن المجاهرة برأيهم في هذا الصدد قد تكون له آثار سلبية على مصالحهم، كحرمانهم امتيازا أو وظيفة أو صفقة محتملة فيؤثرون الصمت. وسوف أحاول أن أعطي مثلا علّه يساعدنا على تصوّر مدى نضج رأس المال البشري لدينا وفاعلية مثقفينا.
من الصعب أن نجد في المجتمع هيئة تعكس حيويته في نموه وتطور مؤسسات الحكم فيه، وكذلك دور وفعالية نخبه المثقفة في ذلك كله، وخاصة في مكافحة الفساد، تضاهي الإعلام بوسائله المتنوّعة. فالإعلام الحر المسؤول هو من أهم دعائم الديمقراطية، وقد سمّي بالسلطة الرابعة في الحكم الديمقراطي بالنظر لدوره في مراقبة المسؤولين في السلطة، والتحقيق فيما يقومون به من أعمال وإطلاع المواطنين عليها. ربما هذا ما دفع توماس جيفرسون، أحد كبار الرؤساء المؤسسين للولايات المتحدة، إلى القول "لو خيّرت بين أن يكون لنا حكومة بلا صحف أو صحف بدون حكومة، لما ترددت لحظة في تفضيل الخيار الثاني"(17).
الأعلام المستقل الكفؤ يلعب دورا أساسيا في فضح الفساد وتعبئة المجتمع ضد مرتكبيه وممارسة الضغط من أجل الإصلاح. فالإعلام الحر المسؤول باستطاعته رفع مستوى المساءلة من خلال المراقبة والتحقيق في أعمال المسؤولين الذين خانوا الثقة الشعبية في توليهم الوظائف العامة، وذلك بفضح الفساد وجعل الثمن الذي يدفعه الفاسدون والمفسدون غاليا وموجعا. كما أنه يساعد على نشر النزاهة والشفافية والمساءلة كجزء من الثقافة السياسية والإجتماعية(18). وهناك من يعتبر أن الإعلام الدقيق، الموضوعي، الشامل، هو قلب التنمية العادلة وهو بمثابة الأوكسجين للأسواق والنشاط الاقتصادي(19). والإعلام الحر النزيه الذي ينقل المعلومة بصدق ودقة، يلعب دورا أساسيا في الحياة الديمقراطية. فالديمقراطية التي توصف بأنها حكم الشعب مبنية على فرضية أن للشعب الحق بالاطلاع على المعلومات التي هي أساس قراراته واختياره. وحق المواطن بالتعبير عن الرأي منوط بواجب السلطة تمكينه من الإطلاع على الوقائع الضرورية. والإعلام هو الواسطة وهو الضمانة لإلزام السلطة القيام بواجبها في تمكين المواطن من الحصول على المعلومات من جهة، وممارسته الحق في الاطلاع عليها من جهة أخرى.
فأين يقع الإعلام العربي وما هي إنجازاته في مكافحة الفساد وتفعيل مساءلة الحاكم وخلق واقع يجعل العقاب على ممارسة الفساد يفوق بكثير فوائده. وأين دور الإعلام العربي في نشر أسس النزاهة والشفافية وجعلها جزءا من ثقافة المجتمع السياسية والاجتماعية؟ وأين إنجازات الأعلام العربي في ترسيخ وتعزيز الممارسة الديمقراطية في الحكم؟ هناك لا شك بعض التجارب الجريئة لفضائية، أو صحيفة، أو شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي، قامت وسارت ضد التيار في التزامها الصدق في نشر المعلومة، والتعبير عن وعي الوجدان الشعبي أو بعض النخب المثقفة لمصلحة وطنية أو قومية. ولكن مثل هذه التجارب تبقى استثناءا للمألوف من الإعلام العربي. وبالتالي فإن فعالية الإعلام العربي على وجه العموم هي غالبة في تأثيرها السلبي كحليف للفساد والمفسدين وبعيدة كل البعد عن لعب دور فعّال في خلق ثقافة النزاهة والشفافية والمساءلة في المجتمع، ناهيك بتعزيز المؤسسات الديمقراطية في الحكم والقيام بدور الحارس للمصالح الشعبية في المجتمع. ولعل أسطع دليل على فشل، لا بل التأثير السلبي للإعلام العربي، يكمن في أن أضخم وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وأكثرها انتشارا، تموّلها وترعاها أنظمة وأموال دول عربية هي من أكثر الدول حاجة لمحاربة الفساد وأبعدها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون والمشاركة الشعبية في الحكم. ومع ذلك فليس لهذه الوسائل الإعلامية تأثير إيجابي يذكر في مجتمعات هذه الدول وأنظمة الحكم فيها. لا بل إن بعضها يلعب دورا بالغ الخطورة في الحضّ على تفكيك أواصر الدولة والدمار الذي نزل وينزل في العديد من الدول التي أصيبت بما سمي ب "الربيع العربي" وذلك بازدراء سافر للحد الأدنى للمعايير المهنية. فالإعلام عوضا عن أن يكون الرافعة الأساسية للقوى المناهضة للفساد والعاملة على تحرير المجتمع من معوّقات تطوره، هو ومعه مثقفون نافذون من ضحايا الفساد ومعوّقات التطور.
إن البحث في مسألة التطور الاجتماعي اقترن تاريخيا بتطور مفهوم الحرية ووعي الإنسان لقدراته العقلية على فهم مجتمعه والعمل على تطويره لما فيه مصلحته. ويقيني أن أي تطور يمكن توقعه في العالم العربي لن يكون سوى انعكاس لتطور في مفهوم الحرية المنبثقة عن ثقة بالنفس والقدرات العقلية للإنسان العربي ورغبة في مواكبة عصره في مجالات الحياة كافة.
=================================================
الهوامش:
(1) فيما يتعلق بالنقاش الذي دار في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الموافقة على تبنّي "إتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد" أنظر المستند رقم (GA10119).
(2) أنظر (UN Office on Drugs & Crime “High Level Conference for the Signature of the United Nations Convention Against Corruption” 9-11-2003, Merida, Mexico, Fact Sheet).
(3) أنظر Transparency International, http://www.transparency.de/mission.html (December 15, 1998).
(4) أنظر “Political Corruption: An Introduction to the Issues”. By Inge Amundsen 1999. CHR. Michelsen Institute: Development Studies & Human Rights, p.1.
(5) أنظر نفس المصدر ص 3.
(6) أنظر Transpnsparency International, Corruption Perception Index; Kaufmann, “Myths & Realities”, p.90; Mark E. Warren “Democracy Against Corruption” paper presented at the Conference on the Quality of Government at the University of Gotenberg, Nov. 17-19, 2005.
(7) أنظر “The Impact of Corruption on Regime Legitimacy: A Comparative Study of Four Latin American Countries”. By Mitchell A. Seligson. The Journal of Politics, Vol. 64, No. 2, May 2002, p.410.
(8) أنظر”Corruption as a Threat to Stability & Peace”. Publications of Transparency International, February 2014. P.11
(9) أنظر 2011 WDR pp.7-8
(10) أنظر "العوامل والآثار في النمو الاقتصادي والتنمية" لجورج العبد في الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية عام 2004، صفحة 18.
(11) أنظر المصدر نفسه، صفحة 18.
(12) أنظر الحاشية رقم (7) صفحة 427.
(13) أنظر المائدة، 32.
(14) أنظر “Corruption as a Threat to International Security & Conflict Resolution: A systems Approach to Preventing than Stopping Corruption” by Jonas Hartelius & Edgar Borgenhammer. Svensaa Carnegie Institutet. Carnegie International Report Series 1. Stockholm 2011, p.20.
(15) أنظر “To Bribe or to Bomb” by Teets J C, and Chenoweth E. (2009), in Rotberg R I (Ed) (2009), Corruption, Global Security & World Order, Washington, D.C. Brookings Institution Press, pp 167-193.
(16) أنظر “Corruption in Justice & Security”, publication of Transparency International, May 2011, No.285. كذلك أنظر الحاشية رقم (9) أعلاه.
(17) أنظر Daniels, Dustin R., “Freedom of the Media as Freedom from Corruption”, (2011) Honors Thesis. Parep 10. P.4. http://diginole.lib.fsu/uhm/10
(18) أنظر “Overview of Corruption in the Media in Developing Countries”, Publication Transparency International, Feb. 2013, No. 368, p.2.
(19) أنظر “The Media, Exposing Corruption & Economic Vitality”, by Richard N. Winfield. A paper delivered in Amman, Jordan, December 7, 2006 at Conference on Media Law in the Gulf: Challenges & Opportunities.
=======================
*د. داود خير الله--- أستاذ في القانون الدولي - جامعة جورج تاون – واشنطن، وعضو مجلس أمناء "المنظمة العربية لمكافحة الفساد"

 

هل النفوذ الأميركي ينحسر فعلاً؟

بقلم: صبحي غندور*

هناك مقولةٌ تتردّد الآن كثيراً مفادها أنّ النفوذ الأميركي في العالم ينحسر، وبأنّ الولايات المتحدة تشهد حالاً من الضعف في مواقع عديدة في العالم.
طبعاً، تعتمد هذه المقولة على ما حدث في السنوات العشر الماضية من بروز للدورين الروسي والصيني في أزماتٍ دولية مختلفة ومن ظهور لمجموعة "البريكس"، التي تضمّ إضافةً إلى روسيا والصين كلاً من الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، كمثال على وجود تعدّدية قطبية في عالم اليوم، بعد هيمنة القطب الأميركي الأوحد عقب انتهاء "الحرب الباردة" وسقوط المعسكر الشيوعي الذي كان يُنافس القطب الأميركي لنصف قرنٍ من الزمن.
صحيح أنّ الولايات المتحدة قد فشلت في تحقيق الكثير من أهدافها ومشاريعها في حروب وصراعات مختلفة حدثت في السنوات العشر الماضية. وصحيحٌ أيضاً أنّ هناك سعياً روسياً وصينياً دؤوباً لتكريس نظام متعدّد الأقطاب في العالم. وصحيحٌ كذلك أنّ عدّة دول في قارات العالم تحبّذ الآن حصول تعدّدية قطبية. لكن هل النفوذ الأميركي ينحسر فعلاً ؟ وهل تتصرّف أميركا الآن على أساس وجود تعدّدية قطبية في العالم، أو في الحدّ الأدنى، هل سلّمت واشنطن بهذه المتغيّرات الدولية الجارية حالياً؟!.
الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلّب رؤيةً دقيقة لواقع أزمات دولية حاصلة الآن، ولكيفيّة الانتشار الأميركي الراهن في العالم. فالرئيس الأميركي أوباما عاد مؤخّراً من جولة آسيوية كان هدفها الأول تعميق العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع دولٍ تُشكّل بيئةً جغرافية مهمّة للصين، وبعضها (كاليابان) له مشاكل مع الصين وتاريخٌ سيء في العلاقات. ومن بين الدول الأربع التي زارها أوباما، ثلاثٌ منها تحتوي على وجود عسكري أميركي مهم منذ الحرب العالمية الثانية: اليابان، الفيليبيين وكوريا الجنوبية. وهناك الآن قرار أميركي بتحويل ما يُقارب ثلثي القوة البحرية الأميركية إلى منطقة المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا. فواشنطن تقوم الآن بخطواتٍ استباقية لمنع تحوّل القوة الاقتصادية الصينية إلى قوّة عسكرية ضخمة منافسة للولايات المتحدة.
أمّا محاولات التحجيم الأميركي لروسيا فهي متعدّدة رغم حرص واشنطن على عدم حدوث تصادم عسكري مع القوة العسكرية الروسية، التي هي الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة وتملك صواريخ نووية عابرة للقارات ولم تصطدم معها أميركا في أسوأ ظروف "الحرب الباردة"، حيث حرصت موسكو وواشنطن (كما تحرصان الآن) على إبقاء الصراعات بينهما في ساحات الآخرين، ومن خلال الحروب بالوكالة عنهما وليس بالأصالة منهما. ولعلّ الأزمة الأوكرانية، وقبلها جورجيا، ومعها الآن سوريا، لأمثلة عن كيفية سعي واشنطن لتحجيم النفوذ الروسي العالمي، ولمشاركة روسيا في مناطق هي محسوبةٌ كلّياً لموسكو. فالبعض يتصوّر الآن أنّ موسكو تنتصر في المسألة الأوكرانية بينما واقع الحال هو أنّ واشنطن ومعها "الناتو" قد وصلا إلى الحدود الإستراتيجية المباشرة للاتحاد الروسي، بعد أن امتدّا أصلاً إلى دول أوروبا الشرقية وأصبح جزءٌ من هذه الدول عضواً في حلف "الناتو".
ولا أعلم ما هو معيار "الانحسار" الأميركي إذا كانت الولايات المتحدة قد أضافت على أوروبا الغربية أوروبا الشرقية، وهي الآن تدقّ أبواب روسيا من خلال المراهنة على تقسيم أوكرانيا بين "شرق روسي" و"غرب أميركي"، ففي كلّ الأحوال ستكون روسيا خاسرة في الأزمة الأوكرانية حتّى لو سيطرت على القرم وعلى أجزاء من شرق أوكرانيا. فأوكرانيا هي أمام ثلاثة احتمالات: تسوية سياسية تقوم على نظام فيدرالي يُهيمن فيه "الناتو" سياسياً وأمنياً على العاصمة وعلى أجزاء من أوكرانيا، ودون إعلان الانضمام لحلف "الناتو"، أو حرب أهلية ستنتهي حتماً في تقسيم أوكرانيا، أو تورّط عسكري روسي مباشر في كل الأراضي الأوكرانية وصراعات مسلحة مع مجموعات مدعومة من "الناتو"، ممّا يستنزف روسيا في منطقة إستراتيجية مهمّة جداً للأمن القومي الروسي.
ويحضرني هنا ما قاله الرئيس الأميركي أوباما منذ أسابيع قليلة حينما سأله صحفي أميركي عن مدى صحّة ما يُقال بأنّ إيران تربح في سوريا وبأنّ واشنطن ضعيفة هناك، حيث ردّ أوباما أنّ سوريا كلّها كانت مع إيران قبل تفجّر الأزمة الدموية فيها، بينما إيران وحلفاؤها هم الذين يستنزفون الآن هناك. ولعلّ هذه النظرة الأميركية تنطبق أيضاً على النفوذ الروسي في سوريا، حيث كانت كل سوريا حليفة لروسيا بينما الآن هناك جماعات ومناطق على علاقة قوية جداً مع الولايات المتحدة. وفي أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية سيكون هناك حضور لمن هم على علاقة جيدة مع واشنطن!.
   وإذا كان معظم أوروبا يدور الآن في الفلك الأميركي، وغالبية دول المنطقة العربية تقيم حكوماتها علاقات خاصة مع واشنطن، وإيران تتفاوض الآن مع واشنطن، والهند وباكستان كلاهما يحرص على تطوير العلاقات مع أميركا رغم ما بينهما من صراع طويل، والنفوذ الأميركي يمتدّ الآن إلى دولٍ إفريقية عديدة كانت إمّا تحت الوصاية الفرنسية أو مناطق صراع مع المعسكر الآخر في فترة "الحرب الباردة"، فأين يكون "الانحسار" الأميركي؟!.
هناك بتقديري فارقٌ كبير بين مقولة "الانحسار" وبين عدم نجاح واشنطن في السنوات الماضية بتحقيق كل ما كانت تريده أو ما خطّطت له من مشاريع. وهذا ينطبق على حربيها في العراق وأفغانستان، وعلى "مشروع الشرق الأوسطي الكبير"، وعلى الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، وعلى ما يحدث في سوريا، وعلى المراهنة على حكم "الأخوان المسلمين" في مصر. ففي هذه الحروب والأزمات فشلت واشنطن في تحقيق ما تريده بشكلٍ كامل لكنّها حتماً استطاعت استنزاف خصومها وجعلهم في موقع المدافع عن وجوده بعدما نجحت واشنطن جزئياً في تحجيم دورهم. فالولايات المتحدة لم تكسب حتماً معارك اقتلاع وجود أخصامها، لكنّها نجحت طبعاً في تحجيم نفوذهم وفي مدّ تأثيراتها على مناطق لم تكن محسوبة لها.
السياسة الأميركية ليست حتماً "قضاءً وقدراً"، وهي تشهد تقلباتٍ كثيرة وتغييراتٍ في الأساليب معتمدةً على نهجٍ "براغماتي"، لكن هدفها ما زال هو بقاء الولايات المتحدة القوّة الأعظم في العالم. وما فشل في ظلّ إدارة "جمهورية" سابقة من أسلوب الغطرسة العسكرية، يتمّ الان الاستعاضة عنه في ظلّ إدارة "ديمقراطية" بما اصْطُلِح على تسميته ب"القوة الناعمة"، وهو المصطلح الذي رافق مجيء أوباما للبيت الأبيض.
وهدف هذا المقال ليس التهويل بالقوة الأميركية أو بنقض توصيف عالم اليوم المتعدّد الأقطاب فعلاً، بل هو دعوة لفهم الواقع والانطلاق منه، وعدم اعتبار النجاح في الدفاع عن الوجود ببعض المواقع تراجعاً نهائياً من قبل "المهاجمين" أو قبولاً تلقائياً بحقوق "المدافعين".
------------------------------------------------
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

القضاءُ والقدَر مُقابل مسؤوليَّةِ الإنسان

من تجلِّياتِ العقلِ المجُتمَعيّ ومن أسباب تخلفنا الحضاري
فصل من كتاب "الأمة العربية بين الثورة والانقراض"
بقلم: علاء الدين الأعرجي

مقدِّمة
في هذا البحث سنُركِّز على ظاهرةٍ خطيرة كانت وما تزال تؤثِّرُ سلبًا في المسيرةِ التقدُّميَّة للأُمَّةِ العربيَّة وتُساهمُ في تخلُّفها عن رَكبِ الحضارةِ الحديثة، وأَقصدُ بها ظاهرةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، المنتشرةَ في معظمِ أوساطِ المجتمعِ العربيّ، وخاصَّةً الإسلاميّ، بما فيه كثيرٌ من المتعلِّمين، وبوجهٍ أخصّ لدى الطبقاتِ الفقيرة والجاهلة التي تُشكِّلُ قرابةَ 50 في المئة من المجتمعِ العربيّ (حوالى نصف الشعب العربيّ أُمّيّ، حسب ”تقارير التنمية البشريَّة للأُمم المتَّحدة“).[1] وأهمِّـيَّةُ بحثِ هذه الظاهرة تنجمُ عن أنَّها تؤدِّي إلى عدم شعور الإنسانِ العربيّ شعورًا عميقًا وفعَّالاً بمسؤوليَّتِه تجاهَ نفسه وإزاءَ مجتمعِه، وبالتالي تُساهم في شَلِّ المبادراتِ الشخصيَّة والكفاحِ المُثمِر لتغيير الأوضاع المتردِّية الراهنة، وبالتالي في تفاقُمِ أزمةِ التطوُّرِ الحضاريّ. وكمثالٍ على ذلك، أقول: إنَّني كنتُ وما أزال أتعمَّدٌ أن أَخوضَ في الحديث مع العديد من المهاجرين العرب في هذا البلد (أمريكا)، وخاصَّةً عامَّة الناس الذين يُمارسون الأعمالَ التجاريَّةَ الصغيرة مثل أصحابِ المتاجر العربيَّة التي تبيعُ الموادَّ الغذائيَّة مثلاً. وبعد أن نتبادلَ الرأيَ حول أوضاع أُمَّتنا الراهنة المتفاقمة، أُلاحظُ أنَّ معظمَهم، إن لم يكن جميعهم، يُنهي كلامَه، بعد أن يشكوَ مِمَّا يحدثُ في البلدِ الأُمّ من مآسٍ ونكبات، بقولٍ من هذا النوع: ”إنَّها مشيئةُ الله ولا مردَّ لها،“ أو ”ننتظرُ رحمتَه سُبحانَه وتعالى،“ أو ”لا حَولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله،“ أو ”إنَّ الله مع الصابرين“، أو ”ندعو الله سُبحانه وتعالى إلى خلاصِ الأُمَّة من هذه الغمَّة.“ وأَهمُّ من ذلك أنَّ أحدَهم كان، غالبًا، يُردِّدُ لي بحرارةٍ قولَه: ”كلُّ ما أسالُ الله، سُبحانه وتعالى، أن يُبقيَ الأوضاعَ المتردِّية والجارية حاليًّا على وضعِها من التردِّي ولا يزيدَها سوءًا.“ وهذا قِمّةُ التشاؤم والاستسلام لِما يُعتقَدُ أنَّه قضاءُ الله وقدَرُه.[2] فهو لا يفكِّرُ أصلاً بمسؤوليَّتِه عن هذا التدهوُرِ وما يُمكنُ عملُه لوَقفِه، بل يتركُ مسؤوليَّةَ ذلك على عاتقِ الله سبحانه وتعالى حصرًا.
كما إنَّ جميعَ العباراتِ السابقة تدلُّ، إضافةً إلى ذلك، على العجزِ والتواكُلِ والعزاء، الأمرُ الذي يدلُّ على مدى تغلغُل قِيَمِ القضاءِ والقدَرِ في العقلِ المجتمَعيّ. ونحن لا نُريدُ أن نُقلِّلَ من قدرةِ الله تعالى، ولكنَّنا نتأسَّى بالآيةِ الكريمة: ”وما تُقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تَجدوه عند الله إنَّ الله بما تعملون بصير“ (البقرة 110)؛ وبالحديثِ المنسوبِ إلى الرسول (ص): ”إعقلْ وتوكَّلْ“ أو ”إعقِلها وتوكَّلْ“، وهو جوابٌ لِمَن سأله: ”أأعقلُها [أي الناقة] وأتوكَّل أم أُطلقها وأتوكَّل؟“ لأنَّ إطلاقَ الناقة قد يؤَدِّي إلى ضياعِها. وهذا يُبرهنُ أنَّ على الإنسانِ أن يفعلَ جميعَ ما في طاقته لتجنُّبِ الضرَرِ واستجلابِ الخير، ثمَّ يتوكَّل، لا أن يظلَّ قاعدًا، أو يتركَ الأُمورَ تجري على عواهنِها، وينتظرَ رحمةَ الله أن تُصلحَها. كما نتذكَّرُ القولَ المأثور، المنسوب إلى الإمام عليّ (ع): ”إعمَلْ لدُنياك كأنَّكَ تعيشُ أبدًا واعمَلْ لآخرتِك كأنَّكَ تموتُ غدًا.“
وعندما كنت أدعو هؤلاء الناسَ وغيرَهم من المعارف والأصدقاء المتعلِّمين أو المثقَّفين، إلى الاشتراك في اجتماعاتٍ أو تظاهُراتٍ يُنظِّمُها بعضُ المؤسَّساتِ الأمريكيَّة للتعبير عن الرأي المخالِف، خاصَّةً في ما يتعلَّقُ بقضايانا الساخنة،- قضية فلسطين، الحصار على العراق- لا أجدُ آذانًا صاغية؛ ونادرًا جدًّا ما كان يحضرُ تلك الأنشطة أفرادٌ قلَّة يُعَدُّون على الأصابع، في حين يحضرُها الأمريكيُّون بالآلاف عادةً، ومع ذلك ينبغي أن نكون حَذِرين من التعميم، لأنَّ قليلاً من التظاهرات المتعلِّقة بالقضايا العربيَّة الساخنة حضرَها عددٌ كبيرٌ من العرب.
إذًا تنطلقُ هذه الدراسة من فرضيَّةٍ مَفادُها أنَّ العربَ خاصَّةً، والمسلمين عامَّةً، يميلون في الغالب إلى الإيمانِ بالقضاءِ والقدَرِ أكثرَ من مَيلِهم إلى حرِّيةِ الإنسانِ ومسؤوليَّتِه إزاءَ نفسِه وأُمَّتِه ووطنِه؛ مع التسليم بوجودِ مُحاولاتٍ لتعديلِ هذا الاتِّجاه، سواءٌ بواسطة حركاتٍ دينيَّة أو عَلمانيَّة. لكنَّ هذه الحركاتِ والأنشطةَ ظلَّت محصورةً في أوساطٍ معيَّنة؛ وتأثيراتُها بقيَت محدودة. ونأملُ، مع ذلك، أن تتوسَّعَ أَمثالُ هذه الحركات، خاصَّةً ذات الاتِّجاهِ العقلانيّ المستنير، الذي يتوخَّى بثَّ روحِ المسؤوليَّة الشخصيَّة وإطلاقَ طاقاتِ الإنسانِ العربيّ الخلاَّقة لِحَفزِ قُدراتِه الإبداعيَّة عِوضًا عن الإبقاءِ على روحِ التقليدِ الاتِّباعيَّة، وذلك عن طريقِ تفعيلِ عقلِه الفاعِل ضدًّا لعقله المنفعِل. وأظنُّ أنَّ ذلك يُمكنُ أن يتحقَّق، إلى حدٍّ كبير، بتفعيلِ أركانِ مجتمعِ المعرفة الخمسة، التي حدَّدَها ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيّ للعام 2003“، ألا وهي: 1) إطلاق حرِّيـَّاتِ الرأيِ والتعبيرِ والتنظيم؛ 2) النشرُ الكامل للتعليم راقي النوعيَّة؛ 3) توطينُ العلم؛ 4) التحوُّل نحو نمطِ إنتاجِ المعرفة في البِنيةِ الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّة؛ 5) تأسيسُ نموذجٍ مَعرِفيٍّ عربيٍّ عامّ، أصيل، مُنفتِح ومُستنير.[3]
بعضُ تجلِّياتِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر
لذلك سنُحاولُ أن نُحلِّلَ ونُجذِّر، في هذا الفصل، ظاهرةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، التي نعتبرُها من الآفاتِ التي ترسَّخَت في العقلِ المجتمعيِّ العربيّ، وبالتالي بالعقلِ المنفعِلِ للفردِ العاديّ الذي أصبح يقبلُ القهرَ والظلمَ والكوارث، باعتبارِها قدَرًا مُحتَّمَاً، بل يعتبرُها بعضُهم امتحانًا من الله لمدى صبرِه وإيمانِه: ”فاصبروا إن الله يُحبُّ الصابرين“، ويتأسَّى بصبرِ أيُّوب. كما إنَّ هناك عشراتِ الأمثلةِ والأقوالِ الشعبيَّة التي يُردِّدُها العربيّ، وبخاصَّة المسلم، تدلُّ على مدى تعلُّقِه بالقضاءِ والقدَر، وعجزِ الإنسانِ عن التحكُّمِ بحاضرِه ومُستقبلِه؛ منها الأمثالُ المصريَّةُ السائدة مثل ”إللي انكَتب عالجبين لازِم تشوفُه العين“، و”قِسمتي كِدَه“، و”اجري يا بن آدم جَري الوحوش غير نصيبك ما تحوش“، و”العبد في التفكير والربّ في التدبير“، و”العين صابتني وربّ العرش نجّاني“، و”درهم حظّ ولا قنطار شطارة“؛ والأمثال العربيَّة الأُخرى كـ”لا تفكِّر، لها مُدبِّر“، و”إذا وقع القدَر عَميَ البصر“، و”قِسمة ونصيب“، و”المكتوب ما منه مهروب“، و”سبع صنايع والبخت ضايع“.
ومُقابل ذلك هناك أمثالٌ وأقوالٌ تتضمَّنُ مسؤوليّةَ الإنسانِ عن أعمالِه، لكنَّها قليلةٌ وغيرُ منتشرة، ولا فاعلة كالمجموعةِ الأُولى. منها ”اللي ما يزرع ما يحصد“، و”العيشة تدبير“، و”اقعُدْ على وَكرِ الدبابير وقُلْ هذا تقدير“ (يقال في معرض السخرية)، و”القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود“.
لماذا ظهرَت وبرزَت الأمثالُ والأقوالُ التي تدلُّ على التواكُلِ والاستسلام أكثر من تلك التي تحثُّ على العملِ وتحمُّلِ المسؤوليَّة؟ سؤالٌ سنُجيب عنه فيما بعد، خصوصًا في الفصل الخاصِّ بتعرُّضِ الأُمّةِ العربيَّة للقهرِ والاستبداد خلال الـ14 قرنًا الماضية.
وغالبًا ما تُعزى جميعُ المصائبِ والنوائب التي تحلُّ بالأُمَّة إلى قضاءِ الله وإرادتِه، في نهاية الأمر، أو بالأحرى إلى أسبابٍ يعتبرُها البعضُ عقابًا لأهلها من الله تعالى على تقصيرِهم في شؤونِ دُنياهم أو آخرتِهم. مثلاً: يرى الكاتبُ منير شفيق، في كتابه ”الإسلامُ وتحدِّياتُ الانحطاطِ المعاصِر“، أنَّ هزيمة العام 1967 كانت ”عقوبةً حتميَّة“ كان لا بدَّ من أن ”تدفعَها الأُمَّة...كمُحصَّلة طبيعيَّة لمحاربةِ الإسلام والسَّيرِ في طريق التغريب.“ [4]
كما قام الشيخ محمَّد مُتولِّي الشعراوي، وزيرُ الأوقافِ السابق في مصر، بالتوجُّه بالشكر إلى الله في صلاة ركعتَين، شاكرًا له صنيعَه لأنَّ ”مصر لم تنتصر.“ وقيل إن سببَ الهزيمة كان قدَرًا من الله وعقوبةً لأنَّ السلاحَ الذي حاربَت به كان سلاحًا كافرًا.[5]
وفي مطلع عام 2005 حدثَ زلزالٌ أَرضيٌّ عنيف، في أعماق المحيط الهنديّ، فسبَّبَ كارثة ”تسونامي“ في منطقة جنوب شرق آسيا شملَت الفلبّين وأندونيسيا وماليزيا والهند وسيرلانكا وبلدانا أُخرى، ووصلت إلى القرن الإفريقيّ، وحصدَت قرابةَ ثلاثمئة أَلف إنسان، وخاصَّةً من الفقراء وعامَّة الناس. وتفسيرًا لذلك كتبَ أحدُ ”الدكاترة“ المعروفين في مصر في إحدى الصحُف المصريَّة إنَّ هذه الكارثة حصلَت كإنذارٍ وعقابٍ من الله بسببِ ما كان يُقترَفُ من ذنوبٍ في تلك البلدان الساحليَّة التي كان يرتادُها السيّاح من مختلفِ أرجاءِ العالمَ.
وقد وصف نزار قبَّاني ظاهرةَ الإيمان بالقضاءِ والقدَر السائدة لدى العرب على النَّحوِ التالي:
نجلسُ بالجوامع تنابلاً كسالى...
ونشحذُ النصرَ على عدوِّنا من عنده تعالى.

ومع ذلك، هناك في العصر الحديث مَن يُعارضُ هذه النزعةَ الاتِّكاليَّةَ أو القدَريَّة.
يقول أبو القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةَ
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدَرْ
ولا بدَّ للَّيلِ أن ينجلي
ولا بدَّ لِلقَيدِ أن ينكسِرْ
و يقولُ شوقي:
وما نيل المطالبِ بالتمنَّي ولكنْ تؤخذ الدُنيا غِلابا
وهكذا نحن نُلاحظُ وجودَ صراعٍ بين قِيَمِ الجَبر (كتعبيرٍ آخَر عن القضاءِ والقدَر) التقليديَّة القديمة وقِيَمِ القُدرةِ والتمكُّن وحُرِّيـَّةِ الاختيار التي أنشأت الحضارةَ الحديثة، وأهمِّـيَّةِ مُواجهةِ الإنسانِ لمسؤوليَّاتِه. ومع ذلك فما تزالُ الأغلبيَّةُ العُظمى من العربِ يدينون بالجَبر أكثرَ مِمَّا يَدينون بالاختيار، حسب تقديرنا.[6]
لكنَّ كلَّ ذلك لا يعني أنَّ معظمَ العربِ وحدهم يؤمنون بالقضاءِ والقدَر، بل إنَّ معظمَ المجتمعاتِ البشريَّة، أو ربَّما جميعها، آمنَت، في بعضِ مراحلِ تطوُّرِها الماضية أو الراهنة بالقضاءِ والقدَر. ولكنْ من الملاحَظ أنَّه كلَّما ارتفعَ المجتمعُ في سلَّمِ التقدُّم والرقيّ المادّيّ والفكريّ، استطاع معظمُ أفرادِه أن يتغلَّبوا على هذه النزعة، خاصَّةً إذا تمكَّن، ذلك المجتمع، من تفسير الظواهر الطبيعيَّة، واستطاع أن يُسخِّرَها لخدمتِه وتقدُّمِه. وعلى العكس من ذلك نلاحظُ أنَّ جميعَ المجتمعات البدائيَّة، بما فيها القديمة أو المعاصرة، تؤمنُ بشكلٍ أو آخَر بالقضاءِ والقدَر.
التعريفُ بالقضاءِ والقدَر
القضاءُ في الاصطلاح: ”عبارةٌ عن الحُكم الكلِّيّ الإلهيّ في أعيانِ الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية من الأزلِ إلى الأبد“، مثلَ الحُكمِ بأنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةٌ الموت (الجرجانيّ: ”التعريفات“). والقَدَرُ في اللغة: القضاء، والحُكم، ومبلغُ الشيء، والطاقة، والقوَّة، ويُطلَق على ما يَحْكمُ به الله من القضاءِ على عِبادِه، وعلى تعلُّقِ الإرادة بالأشياءِ في أوقاتِها. ويقول الأشعريَّة إنَّ القضاءَ هو قضاءُ الله الثابت في إرادتِه الأزليَّة المتعلِّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال. ويعني قَدَرُه إيجادَ الأشياء على قَدْرٍ مخصوص، وتقدير معيَّن في ذواتها وأحوالها.
وكتعريف تقريبّي، وفي المفهوم السائد، على الصعيد العامّ، كما في المفهوم الوارد في هذا البحث، يعني تعبير ”القضاء والقدر“ أنَّ الإنسانَ مُسيَّر لا مُخيَّر، ولا يستطيعُ أن يتحكَّمَ بحياته، حاضرِه أو مُستقبلِه ومصيرِه، أي إنَّه عاجزٌ عن تغييرِ أو تعديلِ ظروفهِ الخاصَّة ناهيك عن التحكُّم بالعالَمِ الخارجيّ. وغنيٌّ عن القَول إنَّه سينشأُ تناقضٌ بين هذا المفهومِ ومدى مسؤوليَّةِ الإنسانِ عن أعمالِه سواءٌ قانونيًّا أو أخلاقيًّا أو دينيًّا. فكيف يُمكنُ أن يكونَ الإنسانُ مسؤولاً عن أفعالِه ما دامت مُقدَّرة عليه من قِبَلِ سلطةٍ خارجةٍ عن إرادتِه؟ كما يتعلَّقُ الأمرُ بموضوعاتٍ تتعلَّقُ بالفلسفةِ بوجهٍ عامّ وفلسفةِ القانونِ والأخلاق، بوجهٍ خاصّ، مِمَّا يطولُ فيه البحثُ والحديث.[7] لذلك سنكتفي في هذه الحلقة بالتحدُّث عن القضاءِ والقدَر في التاريخ العربيِّ الإسلاميّ، بما فيه الفكرُ الإسلاميّ، لأننا نفترضُ أنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيَّ متأثِّرٌ بالجانبِ المظلمِ من ذلك التاريخ.
القضاءُ والقدَرُ في التاريخ العربيِّ الإسلاميّ
سنقسِّمُ هذا الفصلَ إلى ثلاثةِ فروع: الأوَّل يتعلَّقُ باستعراضِ النصوصِ الدينيَّة التي تدعمُ القضاءَ والقدَر، أو تدعمُ مسؤوليَّةَ الإنسانِ وحرِّيـَّتَه. والثاني يتعلَّقُ بواحدةٍ من أهمِّ الحركاتِ المُعارِضة للقضاءِ والقدَر في الإسلام، ألا وهي حركةُ ”المُعتزِلة“. والثالث يتعلَّقُ بالحُكم الاستبداديّ ”المُلك العَضوض“ وأثرِه في توطيدِ عقليَّةِ الاستسلامِ للقضاءِ والقدَر.
أوَّلاً، في النصوصِ الدينيَّة: يُمكنُ القولُ إنَّ التفسيرَ الإسلاميَّ لظاهرة القضاء والقدر يستندُ إلى كثيرٍ من الآيات الواردة في القرآن الكريم، ومنها ﴿إنّا كلّ شيءٍ خلقناه بقدَر﴾ (القمر: 49)، و﴿ قُلْ لن يُصيبَنا إلاَّ ما كتبَ الله لنا﴾ (التوبة: 51). و﴿ قُلْ لا أَملكُ لنفسي ضَرًّا ولا نفعًا إلاَّ ما شاءَ الله﴾ (يونس: 49)، و﴿ما أصاب من مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسكم إلاَّ في كتابٍ من قبل أن نَبْرَأَها إنَّ ذلك على الله يسير﴾ (الحديد: 22)، و﴿وكلُّ صغيرٍ وكبير مُسْتَطَر﴾ (القمر: 53)، و﴿إنَّ الله يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي من يشاء﴾، و﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلَهم﴾ (الأنفال 17) وغيرها.
ولكنْ ينبغي أن نلاحظَ وجودَ آياتٍ أُخرى مُناقضة ومُعدِّلة تخالفُ ظاهرَ هذه النصوص. ومنها ﴿إنَّ الله لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفسهم﴾، فإذا أَتممنا الآية فسينقلبُ المعنى إلى ضدِّه: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له﴾ (الرعد: 11)، و﴿مَن عملَ صالحًا فلنفسِه ومَن أساءَ فعليها، وما ربُّكَ بظلاَّمٍ للعبيد﴾ (فُصِّلت:46)، و﴿ذلك بما قدَّمَت يداك وإنَّ الله ليس بظلاَّمٍ للعبيد﴾ (الحجّ: 10)، و﴿قُلْ يا قوم اعملوا على مكانَتِكُم إنّي عامل، فسوف تعلمون﴾ (الأنعام: 135)، و﴿ومن يكسبْ إثمًا فإنَّما يكسبُه على نفسِه﴾ (النساء: 111)، و﴿ما ظلمناهم ولكنْ ظلموا أنفسَهم﴾ (هود: 101). وهناك عددٌ كبير آخَر من أمثال هذه الآيات. ولكنْ من الملاحَظ أنَّ الآياتِ الأُولى المتعلِّقة بالقضاءِ والقدَر معروفةٌ ومُعتبَرة ومُتَّبعة أكثر من آياتِ المجموعة الثانية المعاكِسة التي تُشدِّد على مسؤوليِّةِ الإنسان، وذلك لأسبابٍ تتعلَّقُ بالعقلِ المجتمعيِّ العربيِّ والإسلاميّ الذي يستنجد، في عصرِ الانحطاط، بكلِّ الوصفاتِ الجاهزة، المُهدِّئة أو المُخدِّرة، على النحوِ الذي سنُحاولُ تفسيرَه فيما بعد.
تفسيرُ الجابري: في كتابِه ـ”التراث والحداثة“
يرى المفكِّرُ محمَّد عابِد الجابري أنَّ في القرآن آياتٍ تُفيدُ الجَبْرَ وأُخرى تُفيدُ الاختيار. ولكنْ يجبُ أن نأخذَ بنظرِ الاعتبار أسبابَ النزول ومُراعاةَ قصدِ الشارع. ويرى أنَّ الآياتِ التي تُفيد الجبرَ إمَّا أن تتعلَّقَ بالماضي باعتبار أنَّ ما حدثَ في الماضي لا يمكنُ تغييرُه، مثل﴿سنَّة الله التي خلَت من قبل ولن تجدَ لسنَّةِ الله تبديلا﴾، وإمَّا أنَّها نزلَت للحَثِّ على الصبرِ والتضحية في الصراع مع قُرَيش أوَّلاً، وحين الغزواتِ والحروب مع الكفَّار ثانيًا. يقول: ”إنَّ الآياتِ التي تُفيد الجبرَ في هذا المقام لم تكنْ تدعو إلى الاستسلام، بل بالعكس، كانت تحثُّ على الصبر وتدعو إلى التضحية. ولكنَّ السياسةَ فيما بعد هي التي وظَّفَت هذه الآياتِ في أغراضِها بعد أن قطَعَتها من سياقِها وعزلَتها عن أسبابِ نزولها، أي عن تاريخيَّتِها.“ [8] ومع تقديرِنا لرأي الجابري، فإنَّنا نرجح أنَّه يَنـْصَبُّ على ما يجب أن يكون، أكثرَ مِمَّا ينصبُّ على ما هو كائنٌ فعلاً.
ثانيًا، القَدَريّـِـة والمُعـتزِلة
منذُ أن ظهرَت مسألةُ القضاءِ والقدَر أو الجَبر التي رفعَها الأُمويُّون في الشام، لتبرير حكمهم، انبثقَت حركةٌ فكريَّةٌ وسياسيَّةٌ مُعارضة تقولُ بحرِّيـَّةِ الإرادة أُطلِق عليها اسمُ ”القَدَريّة“ (بمعنى القُدرة أو الاستطاعة، لا الجَبر)، رفعوا شعارًا يقول بقدرة الإنسان على ”خَلـْــقِ أفعاله، وبالتالي مسؤوليته عنها...“ فأطلقَ عليهم خصومُهم مُصطلحَ ”القَدَرِيَّة“ (من قَدِرَ قدَرًا بمعنى اقتدَرَ، لا من القضاء والقَدَر الخارج عن إرادة البشر)، استنادًا إلى حديثٍ نسبوه إلى الرسول (ص) يقول فيه:”القَدَريّة مَجوسُ هذه الأُمَّة.“ وكان الذين يؤمنون بحرّيـِّةِ الإرادة يرفضون هذا الوصف ويقولون إنَّه يصدقُ على الذين يقولون بالقضاء والقدَر، ومع ذلك لُصقَ بهم هذا الاسمُ حتَّى اليوم.[9]
والمسألةُ التي أُثيرت بين المتكلِّمين الأوائل هي صفةُ ”العِلم“ التي تُسبَغُ على الله تعالى، باعتباره عالمًا بكلِّ شيء، بما في ذلك علمُه منذ الأزَلِ بما سيكون. ومن هنا ظهرَت قضيَّةُ التناقُضِ بين عِلمِ الله السابق وبين عَدلِه. وثار السؤالُ الخطيرُ التالي: كيف يُمكنُ أن يُحاسِبَ الله الإنسانَ على أعمالِه وهو يعلمُ مُقدَّمًا ما سيحدثُ له، ولماذا يطلبُ منه القيامَ بأُمورِ معيَّنة ويمنعُ عنه أُمورًا أُخرى، وهو عالِمٌ مُسبَّقًا بأنَّه سيتبعُها أو لا يتبعُها؟
يقول أحمد أمين: ”نشأَت الأبحاثُ الدينيَّة في هذا الموضوع لمَّا نظرَ الإنسانُ فرأى أنَّه، من ناحية، يشعرُ بأنَّه حرُّ الإرادة يفعلُ ما يشاءُ وأَنَّه مسؤولٌ عن عملِه، وهذه المسؤوليَّة تقتضي الحرِّية. فلا معنى لأن يُعذَّبَ أو يُثابَ إذا كان كالريشة في مهبِّ الريح لابدَّ أن تتحرَّكَ بحركته وتسكنَ بسكونه. ومن ناحية ثانية رأى أنَّ الله عالِمٌ بكلِّ شيء، أحاط عِلمُه بما كان وما سيكون، فعَلِمَ بما سيصدر عن كلِّ فرد من خيرٍ أو شرّ، وظنَّ أنَّ هذا يستلزمُ حتمًا أنَّه لا يستطيعُ أن يعملَ إلاَّ على وَفقِ ما علمَ الله، فحارَ في ذلك بين الجبرِ والاختيار، وأخذ يُفكِّر: هل هو مُجبَر أو مُختار.“[10] ومن جهةٍ ثالثة، برزَ السؤالُ الخطيرُ الآخَر: إذا كان الإنسانُ يعملُ وَفقَ عِلمِ الله، أو إرادته، فهل يُمكنُ أن يفعلَ الله الظلمَ أو القبيح؟ ولماذا يُعذب الكافر الطالح، ويُثاب المؤمن الصالح، إذا كان الإنسان مُجْبَرٌ وليس مُخَيَّر؟
وبالإضافة إلى المناقشات ”الكلاميَّة“، والفلسفيَّة، كان لهذه القضيَّة انعكاساتٌ وتداعياتٌ سياسيَّة خطيرة. ذلك لأنَّ من المُمكن أن يغتصبَ الحاكمُ سدَّةَ الحُكم بالقوَّة، ويدَّعي أنَّ ذلك كان بعِلمِ الله وإرادته. فضلاً عن أنَّ بإمكانِه أنْ يظلمَ ويقتلَ جميعَ مُعارضيه ويسلبَ وينهبَ الأموال، ويرتكبَ جميعَ الموبِقات، مُدَّعيًا أنَّ ذلك يحدثُ بناءً على إرادةِ الباري عزَّ وجَلّ. وقد ظهرَت هذه المسألةُ في مطلعِ العصرِ الأُمويّ، كما قلنا. فالأُمويُّون الذين استولَوا على الحُكمِ بالقوَّة استنَدوا في شرعيَّةِ حُكمِهم إلى قضاءِ الله وقدَرِه، كما سيأتي شرحُه.
ويذكر التاريخ أنَّ أسبقَ مَن بشَّرَ بمبدإِ حُرِّية الإرادة ومسؤوليَّةِ الإنسان عن أعماله مَعَبد الجُهني وغَيلان الدمشقيّ. الأوَّلُ قتلَه الحجَّاج صَبرًا (أي بعد أن أَوثقَه ومنعَ الطعامَ عنه)، وقام هشام بن عبد الملك بقَطعِ يدَي الثاني ورجلَيه وقتلِه وصَلبِه، وكان ذلك في عام 106 للهجرة (724م).[11] وكان غَيلان الدمشقيّ قد تعلَّم مع واصل بن عطاء على يَدِ اثنَين من آلِ البَيت من أحفاد عليّ بنِ أبي طالب وأولادِ محمَّد بنِ الحنفيَّة.[12] ثمَّ ذهبَ إلى البصرة لينضمَّ إلى حلَقةِ الحسَن البَصريّ الذي كان يتحدَّثُ في مسجِدِ البصرة، مُفنِّدًا آراءَ مَن يُبرِّرُ أعمالَ الملوكِ الدامية بأنَّها قَدرٌ من الله.
وكان الحسَن البصريّ يتمتَّعُ بمكانةٍ دينيَّةٍ وعِلميَّة واجتماعيَّة عالية. وبينما كان يستشيرُه الخليفةُ الصالحُ عُمَر بنُ عبد العزيز في كثيرٍ من المناسبات، كان يختلفُ معه بقيَّةُ الخلفاءِ الأُمويِّين وخاصَّةً الخليفةَ عبدَ الملك بنَ مروان (65-86هـ/685-705م). وقد أبقى عليه الأُمويُّون لعدَّةِ اعتباراتٍ سياسيَّة ومَصلحيَّة. يذكرُ الدينوري في كتابه ”الإمامة والسياسة“: ”أنَّ مَعبد الجُهَني وعطاءَ بنَ يسار دخَلا على الحسَن البَصريّ، وهو يُحَدِّثُ في مجلس البصرة كعادتِه، فسألاه: ’يا أبا سعيد، إنَّ هؤلاء الملوك يسفكون الدماء، ويأخذون الأموال، ويفعلون كذا وكذا، ويقولون: إنَّما تجري أعمالُنا على قدَرِ الله.‘ فأجابَهما الحسَن:’ كَــذبَ أعداءُ الله.‘ “ [13]
ويُذكَرُ أنَّ عبدَ الملك بنَ مروان أرسلَ إلى الحسَن البصريّ رسالةً مُطوَّلة، عبَّر فيها عن قلقِه عمَّا بلغَه عنه من كلامٍ حول ”القدَر“، وطلبَ فيها توضيحَ موقفِه؛ وفيها كثيرٌ من التهديدِ المبطَّن، إذْ يتَّهمُه بأنَّ ما يقولُه قد يُعتبَرُ ”بِدعة“، لأنَّه لم يسمعْ به من قبل، ويطلبُ منه سندَه ومرجعيَّتَه. فأجابه الحسَنُ البصريّ برسالةٍ مُطوَّلة أُخرى تتضمَّنُ كثيراً من التحدِّي. ومِمَّا قاله فيها: ”واعلَمْ، يا أميرَ المؤمنين أنَّ الله لم يجعل الأُمورَ ’حتماً‘ على العباد، ولكنْ قال لهم إن فعلتم كذا فعلتُ بكم كذا، وإنَّما يُجازيهم بالأعمال... ولكنَّ الله قد بيَّنَ لهم مَن قَدمَ لهم ذلك ومَن أضلَّهم، فقال: ﴿وقالوا ربَّنا إنَّا أطعنا سادتَنا وكُبراءَنا فأَضلُّونا السبيلا﴾ (الأحزاب 67).‘ ويقول الله تعالى: ﴿إنَّا هَديناه السبيلَ إمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورا﴾“ (الإنسان: 3).
ويُعلِّقُ الجابري على هذه الرسالة الهامَّة قائلاً إنَّها ”تضعُنا أمام خطابٍ جديد في المعارضة، خطابٍ ينسفُ إيديولوجيَّة الجَبر الأُمويّ فيؤَكِّدُ أنَّ أعمالَ الناسِ ليست حتماً عليهم بل هم يأتونها باختيارهم، وبالتالي فهم مسؤولون مُحاسَبون. والخطابُ مُوجَّه مُباشرةً إلى أمير المؤمنين، صيغةً ومضمونًا؛ فإضافةً إلى استعمال صيغة النداء ”يا أميرَ المؤمنين، وذِكر ”فرعون“ و”السادات“ و”الكُبراء“... الذين أضلُّوا أقوامَهم، نجدُ النصَّ يستحضرُ هؤلاء ليُعطيَ لمسألةِ الجَبرِ والاختيار كاملَ مضمونِها السياسيّ. ومن هنا ستنطلقُ حركةٌ تنويريَّة جعلَت قضيّتَها الأساسيَّة نشرَ وَعيٍ جديدٍ بين الناس، الوعيِ باَّنَّ الإنسان، والحكَّام في المقدَّمة، يفعلُ ما يفعلُ بإرادتِه واختياره، وأنَّ الله لا يرضى الظلمَ فكيف يُجبرُه على فِعلِه؟“[14] ومُجملُ القول إنَّ الذين قالوا بحرِّيةِ الإرادة أُطلِق عليهم ”القَدَرية“، كما أسلفنا، ثمَّ اشتُهِروا بـ”المُعتزِلة“ فيما بعد. وقيل كثيرٌ عن سببِ إطلاقِ هذه الصفةِ الأخيرة أو هذا الاسمِ على هذه الفرقة. ومن ذلك قولهُم إنَّ واصلَ بنَ عطاء وعَمرو بنَ عُبيد اعتزلا حلَقةَ الحسنِ البصريّ، لاختلافِهم معه في مسألةِ مُرتكبِ الكبيرة. وقال الشريفُ المرتضى في كتابِه ”المـــُــنية والأمل“، إنَّ تسميتَهم بالمعتزلة جاءت ”لاعتزالهم كلَّ الأقوالِ الـمُحدَثة“، أي الأقوالِ السابقة في مُرتكبِ الكبيرة. وقيلَ غيرُ ذلك.
وتتلخَّصُ أُصولُ فرقةِ ”العَدل والتوحيد“ التي سُمِّيَت فيما بعد بـ”المُعتزِلة“، في خمسة مبادئ هي: التوحيدُ والعَدلُ والمَنزلةُ بين المنزلتَين، والوعدُ والوعيد، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَر.
والذي يهمُّنا من هذه الأُصول، في المقام الأوَّل، هو ”العدلُ“، بما أنَّه يرتبطُ بموضوعِنا. ومعناه عدمُ نسبةِ الظُّلمِ إلى الله. أمَّا الظلمُ الذي يجري في الواقع، فإنَّه من صُنع الإنسان، باعتباره خالقًا لفِعلِه لأنَّه حرُّ الإرادة وقادرٌ على الفِعلِ الحسَن أو السيِّئ، الحقِّ أو الباطل. وهكذا يكونُ الإنسانُ حرًّا ومسؤولاً عن أفعالِه، وإلاَّ كيف يمكنُ أن يُحاسبَه الله (العادل). ويُقرِّرُ المُعتزلة ” أنَّ للإنسانِ قدرةً وإرادةً ومشيئةً واستطاعة قد خلقَها له خالقُه، وأنَّها تؤَدِّي وظائفَها، بشكلٍ مستقلٍّ وحُرّ، فيما يتعلَّقُ بالأفعالِ المقدورة للإنسان، ومن ثَمّ فإنَّ الإنسانَ هو خالقُ أفعالِه، على سبيلِ الواقع لا المجاز، ونسبةُ هذه الأفعالِ إليه هي نسبةٌ حقيقيَّة، وبالتالي فإنَّ الجزاءَ، ثوابًا أو عقابًا، هو أمرٌ منطقيٌّ ليست فيه شُبهةُ جَور تلحقُ بالباري سُبحانَه، كما هو الحالُ إذا قال المرءُ برأيِ المُجْبِرة.“ [15]
فهؤلاء يرفعون لواءَ الجبرِ، ويُنكرون حرِّيةَ الإرادة ولا يجعلون العقابَ ولا الثوابَ مرتبطًا بالفاعلِ البشريّ بل بمشيئةِ الله، إن شاءَ عاقبَ، وإن شاءَ لا يُعاقِب. [16].
ومن المعروفِ أنَّ أصحابَ الفكرِ الجَبريِّ يستندون في دعواهم إلى ”العِلمِ الإلهيِّ السابق“، الذي وردَ في القرآنِ الكريم في كثير من الآيات؛ منها: ﴿ألم تعلمْ أنَّ الله يعلمُ ما في السماءِ والأرض، إنَّ ذلك في كتاب﴾ (الحجّ:70). كما استندوا إلى آيات يدلُّ ظاهرُها على الجَبر، منها ﴿ولو شئنا لأتَينا كلَّ نفسِ هُداها ولكنْ حقَّ القولُ منِّي لأملأنَّ جهنَّمَ من الجنَّةِ والناسِ أجمعين﴾ (السجدة: 13).
وأوَّلُ مَن قال بـ”الجَبْريَّة“ جَهم بنُ صَفوان، لذلك سُمِّيَت هذه الفرقة ”الجَهْمِيَّة“. وكان يقول ” إنَّ الإنسانَ مجبورٌ لا اختيارَ له ولا قدرة، ولا يستطيعُ أن يعملَ غيرَ ما عمِل، وإنَّ الله قُدَّرَ عليه أعمالاً لا بدَّ أن تصدرَ منه، وإنَّ الله يخلقُ فيه الأفعالَ كما يخلقُها في الجماد، فكما يجري الماءُ ويتحرَّكُ الهواءُ ويسقطُ الحجر، فكذلك تصدرُ الأفعالُ عن الإنسان، يُصدرُها الله فيه وتُنسَبُ إلى الإنسانِ مجازًا كما تُنسَبُ إلى الجمادات. فكما يُقالُ أثمرت الشجرةُ، وجرى الماءُ، وطلعَت الشمسُ، وأمطرت السماء، وأنبتَت الأرضُ، كذلك يُقالُ كتبَ محمَّد، وقضى القاضي، وأطاع فلان، وعصى فلان، كلُّها من نوعٍ واحد على طريقِ المجاز. والثوابُ والعقابُ جَبر، كما إنَّ الأفعالَ جَبر، والله قـــَـدَّرَ لفُلانٍ فِعلَ كذا وقدَّرَ له أن يُثاب، وقدَّرَ على الآخَر المعصية وقدَّرَ أن يُعاقَب.“[17]
نلاحظُ هنا هذا الصراعَ المتواصلَ بين العقلِ والنَّقل. فالمعتزِلةُ آمنوا بالعقلِ وفسَّروا النصوصَ الدينيَّة تفسيرًا منطقيًّا فلسفيًّا. وهم أسدوا بذلك خدمةً كبيرةً للإسلام حينما تعرَّضَ لهجماتِ عقائدِ الفرسِ المانويَّة وغيرِها من العقائد غير الإسلاميَّةِ الأُخرى التي انتشرَ دُعاتُها مُستفيدين من إباحةِ حرِّيةِ الجدَلِ والمناظرة، في العصرِ العبَّاسيِّ الأوَّل. فلم يكُن أصحابُ الحديث (النقل) مُسلَّحين إلاَّ بالنصوص؛ القرآنِ والسنَّة. بينما يتطلَّبُ الأمرُ مُحاجَّةَ الخصمِ بالدليلِ العقليِّ الذي يُتقنُه المعتزلة. أمَّا الفلاسفة فكانوا لا يتعرَّضون للدين إلاَّ إذا تعارض مع الفلسفة، فيعملون على تكييفِ الفلسفة بُغيَة أن لا تتعارضَ مع الدين. فهم فلاسفةٌ أوَّلاً ثمَّ مُتديِّنون ثانيًا. بينما يتَّسمُ المعتزلة بكونهم مُتديِّنين أوَّلاً وآخرًا، ومع ذلك فهم مُسلَّحون بالحُجَجِ المُقنِعة والأدلّةِ الدامغة. وكان بينهم خُطباءُ بُلَغاء، وعُلماءُ فُقهاء، من أمثال النظّام والجاحظ وبِشر بنِ المعتمر وأحمد بن أبي دؤاد. وهم الذين اخترعوا علومَ البيانِ والبلاغة. فكانوا يتحدَّثون بلُغةٍ فصيحةٍ سائغة ومؤَثِّرة تفهمُها العامَّة وتُقدِّرُها الخاصَّة. ويُمثِّلُ هؤلاء الجيلَ الثاني بعد عُلماء وخُطباء بارزين من أمثال الحسَن البصريّ وواصل بن عطاء. أَمَّا الفلاسفة فيتحدَّثون ”بعباراتٍ جافَّة غامضة، كأنَّها رموزٌ وإشارات.“ [18]
ثالثًا: ”المُلكُ العَضوض“
الاستبدادُ والقهرُ يؤَدِّيان إلى الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر
لعلَّ أوَّلَ مَن صرَّحَ بقضاءِ الله أو بـ"الحقِّ الإلهيِّ" في مُواصلةِ الحُكم، في الإسلام، هو الخليفةُ عثمان بن عفَّان، حين طُلِبَ إليه التنحِّي عن الخلافة، فقال قولتَه المشهورة: ”واللهِ لا أنزعُ ثوبًا سربلَنيه الله.“
ويُمكنُ القولُ إنَّ فكرةَ القضاءِ والقدَر طُرِحَت لأوَّل مرَّة لتتَّخذَ أبعادًا سياسيَّة أسفرَت عمَّا أُطلِق عليه تسميةُ ”المُلك العضوض“، عندما خاطبَ مُعاوية بنُ أبي سفيان جيشَه في صفِّين، وهو يستعدُّ لقتال الإمام عليّ بن أبي طالب، قائلاً، بين أُمورٍ أُخرى: ”وقد كان من قضاءِ الله أن ساقتنا المقاديرُ إلى هذه البقعة من الأرض، ولفَّتْ بيننا وبين أهلِ العراق.“ ثمَّ تلا قولَه تعالى ”ولو شاءَ الله ما اقتَتلوا، ولكنَّ الله يفعلُ ما يُريد﴾ (البقرة: 253). [19]
وأدركَ مُعاوية، بعد أن استتبَّ له الحُكم، أنَّه يحتاجُ إلى التماسِ الشرعيَّة في الحُكم بعد أن اغتصبَه بالقوَّة، ففقدَ شرعيَّةَ الشُّورى التي أُسِّسَ عليها الحُكمُ في الإسلام. وهكذا فإنَّه لجأَ إلى التماسِ الشرعيَّةِ في القضاءِ والقدَر، وكأنَّ الله هو الذي قضى بسابقِ عِلمِه أن يتولَّى الأُمويُّون الحُكم. فخطبَ في أهلِ الكوفة قائلاً: ”يا أهلَ الكوفة، أتراني قاتلتُكم على الصلاةِ والزكاةِ والحجّ، وقد علمتُ أنَّكم تُصلُّون وتُزكُّون وتحجُّون، لكنّي قاتلتُكم لأتأمرَ عليكم وعلى رقابِكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون.“[20]
وخطبَ بمناسبةِ تنصيبِ ابنِه يَزيد خليفةً له قائلاً: ”إنَّ أمرَ يزيد قد كان قضاءً من الله، وليس لِلعبادِ الخيرةُ من أمرِهم.“ ثمَّ ردَّدَ عُمّالُه هذا المبدأ، فقال زياد بن أبيه في خطبتِه المعروفة بـ”البتراء“: ” أيُّها الناس، إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسُكم بسُلطانِ الله الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفَيء الله الذي خوَّلَنا.“[21]
كما قال مُعاوية بعد أن تمَّت له البيعة في المدينة: ”إنّي ما وليتُها بمحبَّة علمتُها منكم، ولا مسرَّة بولايتي، ولكنَّي جالدتُكم بسيفي هذا مُجالَدة.“ وأضاف: "إنَّني أردتُ أن أَتَّبعَ سُنَّةَ أبي بكر وعُمر، ولكنَّ نفسي نفرَت من ذلك نفارًا شديدًا... فإن لم تجدوني خيرَكم، فإنِّي خيرٌ لكم ولاية... وإن لم تجدوني أقومَ بحقِّكم كلِّه، فاقبلوا مني بعضَه...“ [22]
وقصَّةُ أَخذِ البيعة ليزيد مشهورة، تذكرُها كتبُ التاريخ. ومُلخَّصُها أنَّ معاوية بعد أن جمَعَ الناسَ ودعا الوفودَ من جميع الأمصار، في عام 55 هـ؛ قام يزيد بنُ المقفَّع خطيباً، فقال: ”أميرُ المؤمنين هذا“ مُشيرًا إلى معاوية، ”فإنْ هلكَ فهذا“ مُشيرًا إلى يزيد، ”فمَن أبى فهذا“ مُشيرًا إلى سيفِه. فقال له مُعاوية: ”اجلِسْ فإنَّكَ سيِّدُ الخطباء.“[23]
وعندما تُوفِّيَ مُعاوية، خطبَ ابنُه يزيد قائلاً: ”الحمدُ لله الذي ما شاءَ صنَع، ومَن شاءَ أعطى، ومَن شاءَ منَع، ومَن شاءَ خفَض، ومن شاءَ رفَع. “[24] 25 كما جرى توظيفُ الحديثِ النبَويِّ لِدَعمِ وجهةِ نظرِ الأُمويِّين، فقالوا إنَّ الله لا يُحاسبُ الخلفاءَ لأنَّه هو الذي جعلَهم أُمراء، ووضعوا حديثًا مَفادُه ”إنَّ الله تعالى إذا استرعى عبدًا رعيَّةً كتبَ له الحسنات ولم يكتبْ له السيِّئات.“ وذُكِرَت أحاديثُ أُخرى، منها أنَّ ”من قام بالخلافة ثلاثةَ أيَّام لم يدخل النار.“ وقال مُعاوية: ”قد أَكرمَ الله الخلفاءَ الكرامة، أنقذَهم من النار، وأوجبَ لهم الجنَّة، وجعلَ أنصارَهم أهلَ الشام.“ وخطبَ هشام بنُ عبدِ الملك حين وَليَ الخلافة فقال: ”الحمدُ لله الذي أنقذَني من النار بهذا المقام.“ ويُقال إنَّه جمعَ أربعين شيخًا شهِدوا له أنَّ ما على الخُلفاء حسابٌ ولا عِقاب. [25]
ويُشير الشيخ علي عبد الرازق إلى أنّ ”الخلافة في الإسلام لم ترتكزْ إلاَّ على القوَّة الرهيبة، وأنَّ تلك القوَّةَ كانت، إلاَّ في القليلِ النادر، قوَّةً مادِّيةً مُسلَّحة.“ ويُذكِّرُنا، بين أُمورٍ أُخرى كثيرة، بالطريقةِ التي فرَضت البيعةَ ليزيد بنِ مُعاوية المذكورة آنفًا، ثمَّ يُشيرُ إلى ”استباحةِ يَزيد لدَمِ الحُسَين ابنِ فاطمة الزهراء، بنتِ رسولِ الله (ص)“، وكيف ”انتهكَ حُرمةَ مدينةِ الرسول“، وكيف ”استباحَ عبدُ الملك بنُ مروان بيتَ الله الحرام ووطئَ حِماه.“ [26]
كما تذكرُ كتبُ التاريخ أنَّ عبدَ الملك بنَ مروان ارتقى مِنبرَ رسولِ الله (ص) في المدينةِ المنوَّرة، وقال قَولتَه الشهيرة: ”واللهِ لا يأمرُني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلاَّ ضربتُ عُنقَه.“[27]
كما حكمَ العبَّاسيُّون استنادًا إلى مبدإ ”الإرادة الإلهية“. خطب أبو جعفر المنصور قائلا: ”أيُّها الناسُ إنَّما أنا سلطانُ الله في أرضه، أسوسُكم بتوفيقِه... وحارسُه على مالِه، أعملُ فيه بمشيئتِه وإرادتِه وأُعطيه بإذنه.“ [28]
وهكذا، ومنذ أن تحوَّلَ الحُكمُ إلى ”مُلكٍ عَضوض“، بعد الخلافةِ الراشدة، تداولَ السلطةَ الملوكُ الذين حكَموا بقضاءِ الله وقدَرِه. وتوطَّدَ هذا المفهومُ أكثر عن طريقِ تبريرِ الفُقهاء للمُلك العَضوض تحت ذريعةِ ”دَرءُ المفاسدِ مُقدَّمٌ على جَلبِ المصالح“، و”مَن اشتدَّت وطأتُه وجبَت طاعتُه،“ حتَّى قال قائلُهم:
وطاعةُ من إليه الأمرُ لـَـزْمٌ وإن كانوا بغاة ًفاجرينا
وتُصوِّرُ أبياتُ دِعبِل الخُزاعيّ هذا الوضعَ الاستبداديَّ المتواصِل:
الحمد لله لا صبرٌ ولا جَلدٌ ولا عزاءٌ إذا أهلُ البِلى رقدوا
خليفة مات َلم يحزنْ له أحدٌ وآخرٌ قامَ لم يفرحْ به أحدُ
فمرَّ ذاكَ ومُــــرُّ الشؤم يتبعُه وقامَ هذا وقام النحسُ والنَـكدُ
ويقول أبو بكر الخُوارزميّ في وصفِ سيرةِ حاكم: ”فما زال يفتحُ علينا أبوابَ المظالم، ويحتلبُ فينا ضَرْعَ الدنانير والدراهم، ويسيرُ في بلادِنا سيرةَ لا يسيرُها السِّـنَّورُ في الغار، ولا يستجيزُها المسلمون في الكفَّار، حتَّى افتقرَ الأغنياء، وانكشفَ الفقراء، وحتَّى تركَ الدِّهقانُ ضيعتَه، وجحدَ صاحبُ الغلّةِ غلَّتَه، وحتَّى نشفَ الزرعُ والضَّرع، وأُهلِكَ الحرثُ والنسل، وحتَّى أخربَ البلاد، بل أخربَ العِباد، وحتَّى شوَّق إلى الآخرة أهلَ الدنيا، وحبَّبَ الفقرَ إلى أهلِ الغنى... والله ما الذئبُ في الغنَمِ بالقياسِ إليه إلاَّ من المصلحين، ولا السّوس في الخَزِّ في الصيف عنده إلاَّ من المحسِنين.“ [29]
وأستدركُ فأقول إنَّ ذلك الظلمَ والقهرَ يُصاحبُه إغداقٌ كبيرٌ على العُلماءِ والشعراء، فقيل في ذلك: ”يَهبُ الأمير ما لا يملك.“ لذلك ازدهرت العلومُ والآداب بل ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية بوجه عام. ونحن هنا لا نبحث هذه النقطة لأن بحثنا ينصب على تعوّد العقل المجتمعي العربي على الاستبداد والقهر حصراً.
ومن جهة أخرى، يقول أحمد أمين إنَّ الخُلفاءَ ”على الجملة نهَّابون وهَّابون.“ أمَّا قُضاةُ بعضِ الخُلفاء، فحدِّثْ عنهم ولا حرَج.
قال بديعُ الزمان الهمذانيّ في وصفِ أحدِ القُضاة: ”يا للرجال وأين الرجال؟ وليَ القضاءَ مَن لا يملكُ من آلاتِه غيرَ السِّباب، ولا يعرفُ من أدواته غيرَ الاختذال! وما رأيُك في سوسٍ لا يقعُ إلاَّ على صوفِ الأيتام، وجرادٍ لا يسقطُ إلاَّ على الزرعِ الحرام، ولصٍّ لا ينتقبُ إلاَّ على خزانةِ الأوقاف؟“. [30]
ولئنْ طفقَ المتنِّبي يُدبِّجُ القصائدَ العصماءَ في مَدحِ سَيفِ الدولة، فإنَّ هذا كان ”ينهبُ الناسَ ويُصادرُ أموالَهم ليمنحَها للمتنبِّي وأمثالِه، فيصوغون له قلائدَ المدح، فينطبقُ عليه الحديث ’ليتَها ما زَنتْ ولا تصدَّقتْ.‘ وكان قاضيه يُسهِّلُ له كلَّ مَظلمة حتَّى قال يومًا: ’من هَلَك فلِسيفِ الدولة ما ملَك.‘(انطر المرجع السابق).
ويقول الجابريّ: ”إنَّ التاريخَ العربيَّ لم يعرفْ قطُّ ظاهرةَ الصراع من أجل الحدِّ من سلطةِ الحاكمِ الفَرد أو فرضِ قيودٍ أو رقابةٍ عليه“... ”ألم يُضطرَّ الفقهاءُ في كلِّ عصرٍ من الإفتاءِ بجوازِ توليةِ المفضولِ على الأفضل؟... أمَّا الخروجُ على الإمام فقد تجنَّبوا الإفتاءَ به بدعوى اتِّقاءِ الفِتنة.“ ومن هنا جرى ترسيخُ روحِ الاستسلامِ ومبدإ ”ليس بالإمكان أحسنُ مِمَّا كان،“ [31]أو بالأحرى الاستسلام للقضاءِ والقدَر ومشيئةِ الله، بغيةَ تعزيةِ النفسِ ومُصالحةِ الذات للقبول بالأمر الواقع.
ومع اعترافِنا الكامل بالجانبِ المشرِق للتاريخِ العربيِّ الإسلاميّ، وإكبارِنا له، فيجبُ أن لا نغفلَ بحثَ الجوانبِ المعتمِة منه أيضًا. وقد أسهَبنا في الشرحِ وتثبيتِ بعض الحقائقِ التاريخيَّة المُرَّة، لأنَّنا غالبًا ما ننسى أو نتناسى هذا الجانب، ونتمسَّكُ بترديدِ الجانبِ المشرِق والمعروف، [32] وبذلك نفشلُ في تفهُّمِ إشكاليَّتِنا، وتشخيصِ أدوائنا، بعقلٍ فاعِلٍ لا مُنفعِل.
وفضلاً عن كلِّ ذلك، فقد تفاقمَت خصائصُ الاستبداد خلال فترةِ الانحطاطِ والسيطرةِ العثمانيَّة، مع وجودِ فتراتٍ تتميَّزُ بقَهرٍ أكثر أو أقلَّ نسبيًّا، حتَّى وصلنا إلى عصر الاحتلالِ الغربيِّ في العصرِ الحديث، ثمَّ الحُكم الوطنيّ الذي ظهرَ أنَّهُ أدهى وأمرَّ من عصرِ الاحتلال، أحيانًا، وخاصَّةً في العراق، الذي كان يُمثِّلُ أهمَّ مركزٍ للحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة.
وهكذا فإنَّ هذه الأوضاعَ الاستبداديَّة استمرَّت على نحوٍ أو آخَر حتَّى اليوم، على وجهِ العموم، في معظمِ أجزاء العالَمِ العربيِّ والإسلاميّ. لذلك يلجأ الإنسانِ العربيِّ المظلوم إلى الإيمانُ بالقضاءِ والقدَر، وتسليمُ أمرِه إلى الله تعالى باعتبارِ أنَّ الدنيا فانية وأنَّها جسرٌ للآخِرة، والعاقبةُ للصابرين والمتَّقين.
ولمَّا كان العقلُ المجتمعيُّ يُمثِّلُ ذاكرةَ الأُمَّة ومُحصَّلةَ ظروفِها وتاريخِها، فإنَّه يُصبحُ في هذه الحالة مشحونًا بهذه القيمة (القضاء والقدَر)، إلى جانبِ قِيَمٍ أُخرى متعدِّدة. بَيدَ أنَّ القِيمَ المتفوِّقة، أي التي تؤَثِّرُ في الوحدةِ المجتمعيَّة أكثرَ من غيرها، خاصّةً بسببِ طولِ الفترةِ التي توالت فيها الأحداثُ والظروفُ المُفضِية إلى هذه القيمة، أقولُ في هذه الحالة، تظهر تلك القيمة (أي القضاء والقدَر) في سلوك أعضاء المجتمع بقَدرٍ أكبر. ويُمكنُ أن نُفسِّرَ ذلك بأنَّ العقلَ المجتمعيَّ يُشبهُ، إلى حدٍّ بعيد، العقلَ الباطنَ بالنسبة للفرد، بموجب مدرسةِ التحليل النفسيّ، كما ذكرنا سابقًا. فهو يخزنُ التجاربَ المختلفة. ولكنَّ التجاربَ القاسية والمتواصلة، خاصَّةً في فترة الطفولة، تُؤثِّر في سلوك الفرد أكثر، وتظهرُ بأشكالٍ مختلفة، وقد تُشكِّلُ عُقدًا نفسيَّة أو سلوكيَّاتٍ مرَضيَّة معيَّنة. ويُمكنُ مقارنةُ طفولةِ الفردِ بتاريخ المجتمع البشريّ أو طفولتِه، وقد لاحظنا بعضَ ملامحِه التي توحي بتغلُّبِ فكرةِ القضاءِ والقدَر على العقلِ المجتمعيّ وبالتالي على العقلِ المنفعِل للفردِ، العُضوِ في ذلك المجتمع.
وهكذا فقد أوضحنا آنفًا كما في بحثِنا الموسَّع المعنوَن بـ”حالُ العربِ في المهجر“ [33] أنَّ القهرَ الطويلَ الذي تعرَّضَ له الفردُ العربيُّ خلال تاريخِه الماضي ظلَّت آثارُه ترافقُه حتَّى بعد أن انتقلَ إلى المهجر، حيث توافرَت له سُبلُ حرِّيةِ التفكيرِ والتعبيرِ والنشرِ والتجمُّع والتنظيمِ السياسيّ، والتصويتِ الحرّ، أي جميع الحرّيات الأساسيّة التي كان يفتقدُها في وطنِه الأُمّ. ومع ذلك نجدُه يكاد يكونُ مشلولاً، في الغالب، حتَّى في حالِ تعلُّقِ الأمرِ بحقوقِه ومصالحِه في المهجر، فضلاً عن مصالح ومُعضلاتِ وطنِه الأُمّ. فهو لا يُشارك، على الأغلب، في الانتخاباتِ العامَّة أو المحلّيَّة، ولا في الاجتماعات والتظاهرات العامَّة، ونادرًا ما يُناقشُ أو يعترضُ على الآراءِ المُتجنِّية على العربِ والمسلمين التي تحفلُ بها وسائطُ الإعلام الأمريكيَّة خاصَّةً. لذلك نجدُ المنظَّماتِ العربيَّة والإسلاميَّة ضعيفة في أمريكا، ونلاحظُ أنَّ اللوبي العربيّ معدوم أو هزيل جدًّا، بالمقارنة مع سواه، مع أنَّ العربَ والمسلمين يعدُّون حوالى ستَّة ملايين في الولاياتِ المتَّحدة، حسب معظم التقديرات، وعلى الرّغم من أنَّ جماعاتٍ كبيرة من العرب الذين يعيشون في أمريكا هم من المتعلِّمين.
والسببُ في هذا التقاعس، كما أرى، هو أنَّ التعرُّضَ الطويلَ للقَهرِ والاستبداد الذي مرَّ به المجتمعُ العربيّ أدَّى إلى أن يألفَ الفردُ ذلك القَهر. ولا يحدثُ ذلك من خلال ما يتعرَّضُ له الفردُ من قَهرٍ في حياتِه فحَسب، بل ما تعرَّضَ له آباؤه وأجدادُه خلال الأجيالِ السابقة، لأنَّ ذلك الفردَ يتأثَّرُ بالقِيَمِ الراسخةِ والمتوارَثة التي تُشكِّلُ نسيجَ ذلك العقلِ المجتمعيّ السائد (أي العقل العربيّ والإسلاميّ في هذه الحالة، مع إمكانِ تعميمِ هذه القاعدة على أيِّ عقلٍ مجتمعيٍّ آخَر، وذلك في خصائصَ أُخرى مختلفة؛ وهذا بحاجةٍ إلى بحثٍ يخرج عن موضوعنا). فالعقلُ المجتمعيُّ يحتفظُ بهذه الخاصِّـيّة (القهر)، لِكونِها تُصبحُ جزءًا فعّالاً من ذلك العقلِ المجتمعيّ الذي يُؤثِّرُ بدورِه في ”العقلِ المنفعِل“ للفردِ العربيّ.
وهكذا يتحوَّلُ إلى قَهرٍ داخليّ مُعشِّش وُمتشعِّب ومُتجذِّر في أعماقِ الذاتِ العربيَّة، يصعبُ جدًّا الفكاكُ منه حتَّى لو تحرَّرَت منه من الخارج. لذلك لم يتمكَّن العربُ من الاستفادةِ من حرِّيتِهم في المهجر إلاَّ القليلَ النَّزر، خلال عشرات السنوات الماضية.
وهنا أُعيدُ إلى الأذهانِ مثالاً ذكرتُه في كتاباتٍ سابقة: الطيرُ الذي يولَدُ في القفَص يتعذَّرُ عليه التمتُّعُ بحرِّيتِه، بل يعجزُ عن الطيرانِ إذا أُطلِقَ سراحُه، ويظلُّ حائرًا متردِّدا كيف يتصرَّفُ بحرِّيتِه، ثمَّ يسعى إلى العودةِ إلى سجنِه (قفَصِه) الأبديّ، لأنَّه يُشكِّلُ بيتَه الوحيد، وعشَّه الذي ألفَه منذ ولادتِه. وقد جربت ذلك مع بعض من طيور الحبّ التي كنت أعتني بها في فترة سابقة.
ومن جملةِ الشواهدِ على وجودِ هذا القَهرِ الكامن والمغروسِ في العقلِ المجتمعيِّ العربيّ، وبالتالي العقل الفرديّ، أنَّ الجيلَين الثاني والثالث وما بعدهما، من الجالية العربيَّة في المهجر، تكون أقلَّ تهيُّبًا وتحفُّظًا، بل أكثر عقلانيَّةً وتقحُّماً ونشاطًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا. وسببُ ذلك، كما هو واضح، أنَّ أبناءَنا وأبناءَ أبنائنا يتحرَّرون من سلطةِ عقلِهم المجتمعيّ الأصليّ وينتقلون إلى التأثُّرِ أو الخضوعِ للعقلِ المجتمعيِّ الجديد تدريجيًّا. هذا العقلُ الذي يرتبطُ بالتطوُّراتِ التي حدثَت في المجتمعِ الغربيّ، خاصَّةً خلال القرونِ الثلاثةِ الماضية، لاسيَّما في ما يتعلَّقُ بحقوقِ الإنسانِ وحرِّيته ومسؤوليَّتِه، في الوقتِ الذي كان فيه المجتمعُ العربيّ خاضعًا لجميعِ أصنافِ الاستبدادِ والقَهرِ والاستغلال، سواءٌ من الداخل (الحاكم المستبدّ)، أو من الخارج (المستعمِر الأجنبيّ).
* * *
خاتمة
خلاصةُ القول إنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيَّ السائد ميَّال، بوجهٍ عامّ، نحو التواكل والاستسلام (لا تُفكِّرْ، لها مُدبِّر). والسببُ في ذلك، كما لاحظنا، أنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيّ المعاِصر متأثِّرٌ بوجهٍ خاصّ بالجوانبِ المتخلِّفة من ماضي الأُمَّة، جانبِ القَهرِ والاستبداد، الذي استمرَّ، منذ أربعة عشر قرناً تقريبًا، أكثرَ مِمَّا هو متأثِّرٌ بالجوانبِ الحضاريَّة من تاريخِها، كما ذكرنا سابقًا.
والمحصَّلةُ العامَّةُ النهائيَّة لحركةِ المجتمعِ العربيّ تنحدرُ نحو التراجعِ والتخلُّف، إن لم نقُلْ تنزلقُ نحو هاويةٍ ليس لها قرار، وذلك في جميع الميادين، كما تؤَكِّدُ تقاريرُ ”حال الأمَّة“ السنويَّة، التي يُصدرُها ”المؤتمرُ القوميُّ العربيّ“، والتقاريرُ السنوِيَّة التي أصدرَها مؤخَّرًا ”برنامجُ الأمَمِ المتَّحدة الإنمائيّ“ تحت عنوان ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة“.[34]
وهكذا أرى أن هذا العقل المجتمعي العربي المتخلف يشكل السبب الرئيس لفشل مشروعُ النهضةِ الذي رفعَه رُوَّادُها منذ منتصفِ القرنِ التاسعَ عشَر، فضلاً عن فشلَ مشروعُ الثورةِ الذي رفعَه رموزُها منذ الخمسينيَّات من القرن الماضي. كما قد تفشل الثورة الأخيرة التي أطلق عليها صفة الربيع العربي، الذي تبدو عليه طلائع الخريف. ونحن نُرجِّحُ أنَّ من أهمِّ أسبابِ فشلِ مشاريعِ إنقاذِ ما يُمكنُ إنقاذُه من بقايا هذه الأُمَّة، كان وما يزال عقلَها المجتمعيَّ التراثيّ الذي أُعِدَّ للماضي ولم يُعدَّ للحاضِر ولا للمستقبل، وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، الأمرُ الذي يؤَدِّي إلى اليأسِ من قُدرةِ الذاتِ على تحسينِ الأوضاع. وما لم نَسعَ لتغييرِ هذا الحال، من خلال تعديلِ وغربلةِ عقلِنا المجتمعيِّ التقليديّ، وبالتالي تعديل وتعقيل عقلِنا الفرديِّ المنفعِل بذلك العقلِ المجتمعيّ، بواسطة عقلِنا الفاعل، الذي اعتكفَ وتقزَّمَ منذ عشرة قرونٍ تقريبًا، فإنَّ جميعَ المحاولاتِ السطحيَّة والحركاتِ الإصلاحيَّة ستبوءُ بالفشَل، كالسابق.
===========
1. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة للعام 2002“ (عمَّان: المكتبُ الإقليميّ للدوَلِ العربيَّة، برنامجُ الأُمم المتَّحدة الإنمائيّ، 2002)، ص47
2. أنظر مقالي بعنوان ”هيكل، والبقَّال الفيلسوف، والمقاومة المسلحة“، صحيفة ”القُدس العربيّ“، لندن، 13/ أكتوبر/2004.
3. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنمية الإنسانيَّة العربيَّة للعام 2003“ (عمّان: المكتبُ الإقليميّ للدوَلِ العربيَّة. برنامجُ الأممِ المتَّحدة الإنمائيّ، 2003)، ص 11.
4. منير شفيق: ”الإسلام وتحدِّياتُ الانحطاطِ المعاصِر“، ص 108-109، عن جورج طرابيشي: ”المثقَّفون العرب والتراث“ (لندن: رياض الريِّس للكتب والنشر، 1991)، ص 27.
5. جورج طرابيشي، المرجع الوارد في الفقرة السابقة، ص 27.
6. يتعرَّض حليم بركات لظاهرة القضاء والقدر، ويتَّخذُ موقفًا دفاعيًّا بشأنها، حين يُشيرُ إلى وجود صراعٍ بينها وبين قِيَمِ المسؤوليَّة وحرِّية الإرادة. أنظرْ كتابَه ”المجتمعُ العربيّ في القرنِ العشرين“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 2000)، ص 655.ومع اعترافِنا بهذا الصراع، كما أشرنا ، فإنَّنا نعتقد أنَّ القِيمَ الأُولى هي الفائزة في هذا الصراع، بدليلِ انتشارِها وعموميَّتِها، خاصَّةً لدى العامَّة، بل لدى كثيرٍ من المتعلِّمين، وهم أكثريَّةُ المجتمعِ العربيّ، كما أسلفنا.
7. فيما يتعلَّقُ بالجانبِ الفلسفيّ، هناك عدَّةُ مراجعَ تبحثُ في هذه الموضوعات، ومنها بالعربيَّة: ”الموسوعة العربيَّة المختصرة“، بإشراف زكي نجيب محمود (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصريَّة، 1963)، مادَّة ”حتميَّة“ و”حرِّية الإرادة“. كذلك ”المعجم الفلسفيّ“، جميل صليبا، مادَّة ”جبريّة“ ومادَّة ”حتمية“. وفي الإنكليزيَّة The Encyclopedia of Philosophy, Macmillan Publishing Co. 1972,، مادَّة Fatalism جبريَّة، ومادَّة Determinism حتميَّة. وأرجو أن نُميِّزَ بين الجبريَّة والحتميَّة، فالأُولى تُعلِّقُ ضرورةَ حدوثِ الأشياء على مبدإٍ أعلى منها، يُسيّرُها كما يشاء، فهي إذاً ضرورة مُتعالية. أمَّا الثانية فإنَها تعني أنَّ للظواهر الطبيعيَّة عِلَلاً تُحدِثُها، وهي مبدأُ السببيِّة عينُه، فالعلَّة توجِبُ حدوثَ المعلول (أنظر ”المعجم الفلسفيّ“)، أي إنَّه لابدَّ من أن يكون لكلِّ ظاهرة أو حدَث سببٌ معيَّن، معروفٌ أو غيرُ معروف، ولكنْ يمكنُ معرفتُه. ويترتَّبُ على ذلك أنَّنا يُمكنُ أن نستشرفَ المستقبلَ إذا عرفنا الحاضرَ معرفةً كافية، كما يقول العالم الفرنسي لابلاس (أنظر هنري برجسون: ”التطوُّرُ الخالق“: ترجمة وتلخيص بديع الكَسم (القاهرة: دار الفكر العربيّ، بلا تاريخ)، ص 24.
8.محمَّد عابِد الجابريّ: ”التراثُ والحداثة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 59.
9. أحمد أمين: ”فجر الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1975)، ص 284.
10. أَحمد أمين، المرجع السابق، ص 283.
11. أحمد أمين، المرجع السابق، ص 284-285.
12. ”الفِرَقُ الإسلاميَّة“ في ”موسوعة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة“ (بيروت: المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر، 1986)، المجلَّد الثاني، ص 581 أو 291 .
13. إبنُ قُتَيبة الدينوريّ: ”الإمامةُ والسياسة“ (القاهرة: مكتبة مصطفى الحلبي، 1963)، ص 441. عن الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“ (بيروت: مركز دراسات الوحدةِ العربيَّة، 2001)، ص 81.
14. الجابريّ: ”العقلُ السياسيّ العربيّ“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 2، 1992)، ص 310.
15. ”موسوعةُ الحضارةِ العربيَّة الإسلاميَّة“، المرجع السابق، المجلد الثاني، ص 586 أو 296.
16. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 83.
17. أَحمد أمين: ”فجرُ الإسلام“، المرجع السابق، ص 286.
18. احمد أمين: ”ضُحى الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ج 3، ط10)، ص 204.
19.  إبنُ أبي الحديد: ”شرحُ نهجِ البلاغة“، ج11، ص497. عن الجابريّ: ”العقلُ السياسيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 260
20. إبنُ قُتَيبة: ”الإمامةُ والسياسة“، ج1، ص 183-191. عن الجابريّ: ”العقلُ السياسيّ العربيّ“، المرجعُ السابق، ص260.
21. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجعُ السابق، ص 80.
22. شهابُ الدين أحمد بن عبد ربّه الأندلسيّ: ”العِقدُ الفريد“ (القاهرة: المكتبةُ التجاريَّةُ الكُبرى، 1953)، ج 4، ص 147.
23. إبنُ عبد ربّه الأندلسيّ: ”العِقدُ الفريد“ (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1935)، الجزء الثاني، ص 307. عن عَليّ عبد الرازق: ”الإسلامُ وأُصولُ الحكم“ (بيروت: دار الحياة، 1978)، ص 74.
24. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 80. كما كرَّر الجابريّ هذا القولَ في ”الدين والدولة وتطبيق الشريعة“، ص 83 و84. ولم أعثر على المصدر الأصلي في هذا الخبر، مع أنني راجعت المرجع الذي أحال إليه في "العقل السياسي العربي"، الفصل السابع.
25. أوردَها ابنُ عساكر والبلاذري، عن حسَين عطوان: ”الفِرَقُ الإسلاميَّة في بلاد الشام في العصرِ الأُمويّ“ (بيروت: دار الجيل، 1986)، ص 76.
26. علي عبد الرازق: ”الإسلام وأُصولُ الحُكم“، المرجع السابق، ص 75. كما يُشير د. فرَج فودة إلى حادثة استباحة مدينةِ الرسول، من جانب قائدِ جيشِ يَزيد، مُسلم بن عقبة، وذلك في كتابه ”الحقيقة الغائبة“، ص 80، استنادًا إلى تاريخ ”الكامل“ لابن الأثير، ج 5، ص 310-314، وكتاب الدينوري ”الأخبار الطوال“ (بيروت: دار المسيرة)، ص 267.
27. السيوطيّ: ”تاريخُ الخلفاء“، ص 219، عن فرَج فودة: ”الحقيقة الغائبة“، ص 76.
28. الجابريّ: ”الدينُ والدولةُ وتطبيقُ الشريعة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1996)، ص 84، 85.
29. أحمد أمين: ”ظُهر الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ط 3 ،1969)، الجزء الثاني، ص 267. ، 268، 269.
30. احمد امين، المرجع الأخير، ص 268.
31. الجابريّ: ”الديمقراطيَّة وحقوقُ الإنسان“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 2، 1997)، ص 52.
32. أقصد بالجانب المشرق الذي ساد فيه العدل والمساواة، ولكنه لم يتجاوز 32 عاماً، أي خلال فترة الخلافة الراشدة التي استغرقت أقل من ثلاثين عاماً، ولاسيما خلافة أبي بكر وعمر وعليّ وخلال حُكم الخليفةُ الأُمويّ الصالح عُمَر بن عبد العزيز، التي دامت سنتَين وثلاثة أشهر فقط، ثمَّ مات وهو لم يتجاوز الأربعين. ويقول فرَج فودة إنَّه مات مسمومًا، في أرجحِ الأقوال:انظر ”الحقيقة الغائبة“، طبعة خاصَّة، بلا تاريخ، ص 56.
33. دراسة من 50 صفحة قُدِّمَت إلى ”المؤتمرِ القوميّ العربيّ“ في دورة عام 1998، المعقودة في القاهرة، ونُشِرت في عدَّة صحُف على حلقات، منها صحيفة ”القُدس العربيّ“، لندن.
34. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة“، مرجع سابق.
  

معركة البرلمان: اللعب بأوراق الاستقطاب في الانتخابات العراقية

ملخص
يشهد العراق في 30 إبريل/نيسان 2014 أول انتخابات برلمانية بعد انسحاب القوات الأميركية من البلد. وربما تكون هذه الانتخابات هي الأهم، بسبب ما يمكن أن تنطوي عليه نتائجها والخريطة السياسية التي ستتشكّل في ضوئها من تأثير كبير في تحديد المسارات المستقبلية للبلد. وهي تجري وسط استقطابين، الاستقطاب الطائفي والاثني المعتاد والذي يسهم في شرعنة وتحسين فرص القوى التي تدعي الدفاع عن "الجماعة الطائفية او الإثنية" وتمثيل مصالحها، ومن جانب ثان هناك استقطاب سياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. وفي حين يدفع الاستقطاب الأول نحو قيام اصطفافات إثنية وطائفية متقابلة، فإن الاستقطاب الثاني يقود إلى اصطفافات سياسية تعكس صراعاً ضمنياً بين طريقتين لإدارة الدولة، ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات أو حالات تأزم جديدة ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.
مقدمة
يشهد العراق في 30 إبريل/نيسان 2014 أول انتخابات برلمانية بعد انسحاب القوات الأميركية من البلد. وربما تكون هذه الانتخابات هي الأهم بسبب تأثير نتائجها والخريطة السياسية التي ستتشكّل في ضوئها على تحديد المسارات المستقبلية للبلد. ويمكن القول: إن بقاء رئيس الوزراء الحالي، نوري المالكي، لدورة ثالثة، أو رحيله من منصبه، هو القضية الأساسية الأكثر أهمية في هذه الانتخابات. ويبرز ذلك في جانبين، الأول: أدى نجاح المالكي في توطيد سلطته داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية إلى أنه بات مصدر تهديد لحلفائه التقليديين من القوى الإسلامية الشيعية، فضلاً عن خصومه من القوى السنية والكردية؛ والثاني: يجري التنافس الانتخابي إلى حد كبير حول البقاء في السلطة -بالنسبة للمالكي- أو انتزاع السلطة -بالنسبة لخصومه-، ولا يجري على أساس التنافس بين رؤى واضحة حول كيفية معالجة القضايا الرئيسية في البلاد كالانقسامات الطائفية والإثنية وإدارة الموارد والإرهاب والعنف السياسي.
سنحاول في هذه الورقة تقديم صورة عن طبيعة الأوضاع والاستقطابات التي تجري فيها الانتخابات، والقوى السياسية المتنافسة فيها، والعوامل الخارجية المؤثرة فيها.
الصراعات والأوضاع الداخلية
تجري الانتخابات في ظل احتدام التوترات السياسية والانقسامات الطائفية والاثنية، وتصاعد مستوى العنف إلى معدلات غير مسبوقة منذ العام 2008؛ فمن جهة، تستمر العمليات العسكرية في محافظة الأنبار عبر اشتباكات بين القوات العراقية وبعض العشائر المتحالفة معها من جانب، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وقوى محلية متمردة من جانب آخر. وتتصاعد موجة التفجيرات والسيارات المفخخة في العاصمة بغداد والتي تستهدف غالبًا المناطق الشيعية، وقد طالت مؤخرًا تجمعًا انتخابيًا لجماعة (عصائب أهل الحق) الشيعية (1) ، التي يعتقد على نطاق واسع أنها تشارك في العمليات المسلحة ضد داعش والجماعات السنية المسلحة (2) . كما جرى اغتيال بعض المرشحين السنة في الموصل والبصرة (3) ، فيما يبدو أنه عمل مزدوج من الجماعات السنية المتطرفة والرافضة للانتخابات، ومن الميليشيات الشيعية.
يرتبط العنف "الطائفي" المتصاعد بإخفاق الحكومة والقوى السياسية العراقية في التعامل مع المشاعر السائدة في الوسط السني، وأبرزها التهميش ووجود سياسات تمييزية طائفية تتبعها الحكومة العراقية والقوى الأمنية. فبعد عام كامل من الاحتجاجات في المدن ذات الغالبية السنية، لم تشهد العملية السياسية ولا السياسة الحكومية تعديلات واضحة، أو طرحًا لرؤية ناضجة حول سبل ردم الانقسام الطائفي في البلاد. هذه البيئة التي تتسم بالاستقطاب والشكوك المتبادلة وفّرت تربة خصبة لنمو و"شرعنة" الجماعات المتطرفة على الجانبين، وينتج عن ذلك إضعاف لشرعية العملية السياسية وتصاعد في معدلات العنف. وتندرج هذه الأحداث في تيار أكبر، حيث قام النظام السياسي الحالي على فكرة "التمثيل الإثنو-طائفي"، وسمح بصعود القوى ذات الولاء الهوياتي الفرعي عبر آليات المحاصصة والنظام الانتخابي، وبات وجود تلك القوى واستمراريتها يرتبط كثيرًا بقدرتها على الاستثمار في هذه الانقسامات لا على ردمها.
ومن جهة أخرى، تجري الانتخابات في ظل استمرار الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان حول احتساب حصة الإقليم من الميزانية العامة، وهو جزء من صراع أوسع على تنظيم إدارة الموارد النفطية والغازية في البلد؛ فبينما ترى الحكومة الاتحادية أنها صاحبة القرار النهائي في رسم السياسة النفطية، والإشراف على عمليات التعاقد والتصدير، اتَّجه إقليم كردستان إلى التعاقد مع الشركات الأجنبية بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية، كما شيّد أنبوبًا نفطيًا مستقلاً يربط حقول النفط الكردستانية بتركيا بدون المرور بأنبوب النفط الوطني الذي تسيطر عليه الحكومة الاتحادية، ويعتبر الإقليم أن ذلك ينسجم مع بنود الدستور العراقي الذي منح الأقاليم صلاحيات واسعة (4) .
وتدخل هذه الانقسامات في إطار الصراع حول صياغة النظام السياسي الراهن في العراق، وهو صراع يجري إلى حد كبير بين اتجاه ميال للمركزية يمثله رئيس الوزراء الحالي، واتجاه ميال لتقوية الأقاليم والأطراف، وتمثل القوى الكردية أبرز الداعمين له. فبينما يبني المالكي برنامجه الانتخابي على فكرة الدولة القوية، ويرى في نفسه الممثل الوحيد لسلطة الدولة في مقابل قوى يعتبر أنها تحاول تفكيك البلد وتقاسم ثرواته فيما بينها، فإن القوى المناوئة له والتي اتسعت لتشمل بعض حلفائه السابقين من الشيعة، كمقتدى الصدر وعمار الحكيم، تعتقد أن لدى المالكي ميلاً سلطويًا نحو تركيز السلطات بيده. ويبدو أن القوة المتنامية لرئيس الوزراء بفعل سيطرته المتزايدة على أجهزة الدولة، والقوات المسلحة، ونفوذه المتعاظم في الهيئات والمؤسسات المستقلة والجهاز القضائي، أشعر بقية الأطراف بأن قواعد النظام الذي تمت صياغته في الدستور الحالي باتت عرضة للخطر، وأن نجاح المالكي بتوطيد سلطته سيؤدي إلى إضعافهم جميعًا، خصوصًا وأن معظم القوى الرئيسية تعتمد في تمويل نفسها وتوسيع شبكات الدعم الخاصة بها على ما تستحصله من ريع عبر المناصب والمؤسسات التي تتقاسمها فيما بينها (5) .
يعني ذلك أن الانتخابات الراهنة تجري وسط استقطابين: الاستقطاب الطائفي والإثني المعتاد والذي يسهم في شرعنة وتحسين فرص القوى التي تدعي الدفاع عن "الجماعة الطائفية أو الإثنية" وتمثيل مصالحها، ثم الاستقطاب السياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. وفي حين يدفع الاستقطاب الأول نحو قيام اصطفافات إثنية وطائفية متقابلة، فإن الاستقطاب الثاني يقود إلى اصطفافات سياسية تعكس صراعًا ضمنيًا بين طريقتين لإدارة الدولة، ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات أو حالات تأزم جديدة ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.
التنافس الانتخابي
تعكس خريطة القوى السياسية الراهنة اتجاهات متعددة، يرتبط بعضها بطبيعة الاستقطابين المذكورين، في حين يرتبط بعضها الآخر بالنظام الانتخابي أو بحراكات اجتماعية مستقلة نسبيًا عن النخبة السياسية المهيمنة؛ فالخاصية الأولى للتنافس الانتخابي الراهن هي أنه يجري بين قوى ذات لون إثني او طائفي واحد في إطار التمايز بين القواعد الانتخابية الإثنو-طائفية بخلاف ما جرى في الإنتخابات السابقة؛ ففي انتخابات العام 2010، جرى التنافس الرئيسي في الجزء العربي من العراق (أكثر من 80% من السكان) بين القائمة العراقية بزعامة الليبرالي الشيعي، إياد علاوي، والتي انضمت إليها معظم القوى السنية الرئيسية، وبين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، حيث ركز الطرفان خطابهما السياسي على شكل من "القومية العراقية" وعلى بناء دولة قوية وتجاوز الطائفية، وتوفرت فرصة تجاوز الحدود الطائفية بفضل نجاح "العراقية" في الحصول على دعم غالبية سنية وعدد مهم من الأصوات الشيعية فحصلت على المركز الأول في الانتخابات، لكن الانتخابات الحالية تشهد مزيدًا من الفرز بين الدائرتين التصويتيتين: "الشيعية والسنية" وغيابًا لقوة رئيسية تمتلك مشروعا وإمكانيات حقيقية لعبور الحدود الطائفية.
يعكس ذلك أن عملية "التطييف" التي تسارعت في العراق منذ العام 2003 قد نجحت في تأسيس وقائع سياسية-اجتماعية وفي شرعنة الكيانات الطائفية كتصنيفات سياسية فاعلة. غير أنه يعكس أيضًا نوعًا من التكيف مع طبيعة التنافس الانتخابي؛ فمنذ حكم المحكمة الاتحادية بعد الانتخابات البرلمانية الماضية بأن الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات ولايُشترط فيها أن تكون القائمة الانتخابية الفائزة بالمركز الأول (6) ، باتت معظم القوى السياسية تدرك أن عليها أن "تحصّن" قواعدها الانتخابية وتركز على الفوز بأصوات قاعدتها الإثنو-طائفية، ومن ثَمّ الانتقال بعد الانتخابات إلى تحالفات أوسع. ويبدو أن ذلك خدم معظم القوى المهيمنة في البرلمان والحكومة في إعادة تدوير نفسها بأسماء أو صيغ جديدة، وهي جميعًا تتبنى "التغيير" كشعار، لكنه "تغيير" يرتبط بتحسين مكانتها في معادلة توزيع السلطة والموارد أكثر من علاقته بتطوير طريقة عمل النظام.
يعني ذلك أن الحكومة القادمة ستتشكّل بعد مرحلتين من الاصطفافات، المرحلة الأولى: مرحلة الاصطفافات الانتخابية، وفيها تتنافس قوى من نفس اللون الطائفي أو الاثني على الفوز بغالبية أصوات الجماعة الإثنو-طائفية، وهي في هذه الحالة تنقسم إلى قوى "متشددة" و"معتدلة" و"وسطية"، ولكنها في العموم مواقف تكتيكية غايتها التموضع الانتخابي ولا تعكس توجهًا سياسيًا-فكريًا ثابتًا. المرحلة الثانية: هي اصطفافات ما بعد الانتخابات، وفيها ستجري تحالفات جديدة حسب حالة الاستقطاب الإثنو-طائفي، بحيث تعيد تلك القوى المتنافسة سابقًا التحالف فيما بينها لتمثيل "الجماعة الإثنو-طائفية"، أو حسب الاستقطاب السياسي، بحيث تتضامن قوى من ألوان إثنو-طائفية مختلفة في إطار تحالف أوسع هدفه دعم الاتجاه المركزي أو دعم الاتجاه المضاد، أو على الأرجح، ستجري تحالفات تتأثر بكلا الاستقطابين معًا.
خريطة القوى السياسية
على المستوى الشيعي، يجري التنافس بين ثلاث قوى رئيسية، هي: ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، وائتلاف المواطن، بزعامة عمار الحكيم، والكتلة الصدرية التي تتمثل بعدة قوى، أبرزها: (كتلة الأحرار). ومع ترسخ التصنيفات الطائفية ضمن العرف السياسي العراقي، يبدو أن قضية استمرار رئيس الوزراء الحالي في السلطة أو رحيله عنها بات مرهونًا إلى حدّ كبير بالتنافسات والتوافقات الشيعية-الشيعية. وفي الوقت الذي يبدو فيه المالكي واثقًا من أنه "سيكتسح القوى الشيعية المنافسة" (7) ؛ فإن قادة في كتلتي الحكيم والصدر أعلنوا صراحة أن مرشح رئاسة الوزراء المقبل سيأتي من بين صفوفهم (8) .
كان ائتلاف المالكي يقف على يسار ائتلاف الصدر-الحكيم في الانتخابات الماضية عندما حاول الظهور كقوة غير طائفية تسعى لبناء وتوطيد سلطة الدولة، لكنه يتجه في هذه الانتخابات إلى اليمين مقارنة بمواقف أكثر اعتدالاً يتبناها الحكيم والصدر؛ فبينما يرى المالكي أن بقاءه في السلطة يتطلب الفوز بأكبر عدد ممكن من الأصوات الشيعية والظهور كأكبر كتلة ممثلة للإرادة الشيعية، يرى الحكيم والصدر أن قدرتهما على بناء تحالفات أو تفاهمات لاحقة مع القوى السنية والكردية ستمثل ورقتهما الرابحة بعد الانتخابات. يبدو ائتلاف المالكي أكثر "شيعية" من أي وقت مضى، وقد جذب إليه قوى اليمين الشيعي، مثل: "منظمة بدر" التي هي جزء من الائتلاف، وجماعة أهل الحق الممثلة انتخابيًا بكتلة "الصادقون" والتي دخلت في تحالفات مع المالكي في عدة محافظات. ويقوم الخطاب الانتخابي للمالكي على شعار "حكومة الأغلبية"؛ حيث يعتبر أن الوقت قد حان لاستبدال "حكومة الشراكة" التي يراها غطاء لمحاصصة تكرس تشرذم الدولة، بحكومة يقودها هو ويتولى تعيين وزرائها لتعمل كفريق منسجم (9) . يشاركه الحكيم الحديث عن حكومة بـ "فريق منسجم" لكنه يعتبر أن هذا الانسجام يتحقق من خلال "شراكة الأقوياء" لا من خلال الاقصاء (10) ، بينما يركز الصدر على نقد "الميول الديكتاتورية" للمالكي وتفرده بالسلطة (11) .
على المستوى السني، يبدو المشهد أكثر تشرذمًا بعد انفراط عقد القائمة العراقية، وتنامي الصراعات بين القوى الوريثة لها، وعودة الحياة إلى تيار راديكالي يرفض الانتخابات ويدعو الى مقاطعتها. وفي الوقت الذي يعوّل فيه المالكي على تحقيق اختراقات عن طريق التحالف مع بعض الأطراف السنية من أجل تعزيز هامش المناورة لديه في مواجهة خصومه الشيعة، فإن هنالك قوى سنية تسعى إلى طرح نفسها كممثلة –ولاحقًا- مفاوضة عن المكون العربي-السني في مواجهة مسعى المالكي.
أبرز القوى السنية هو ائتلاف "متحدون" الذي يتزعمه رئيس البرلمان أسامة النجيفي والذي جمع إليه معظم القوى السياسية والاجتماعية السنية الداعمة لنهج المشاركة بالانتخابات كالحزب الإسلامي ومؤتمر صحوة العراق. وتتبنى بعض الشخصيات والقوى المكونة للائتلاف الدعوة لإنشاء "إقليم سني" على غرار إقليم كردستان. وعند هذه النقطة يفترق هذا الائتلاف مع ائتلاف "العربية" الذي يتزعمه نائب رئيس الوزراء، صالح المطلك، والذي يحتفظ بموقف ناقد للتصنيف الطائفي ويسعى لتقديم نفسه كطرف "عروبي" من أجل كسب أصوات العرب السنة في مناطق الاستقطاب العربي-الكردي. ورغم أن المطلك وجّه في أكثر من مناسبة نقدًا شديدًا للمالكي وعبّر عن الرفض لاحتمال استمراره في منصبه (12) ؛ فإن بعض تحالفاته الراهنة والخصومات السنية-السنية تجعل ائتلافه، أو جزءًا من هذا الائتلاف، في نظر البعض حليفًا سنيًا محتملاً للمالكي. وهنالك قائمة انتخابية جديدة تحمل اسم "كرامة"، يقودها رجل الأعمال خميس الخنجر (13) ، الذي كان قد لعب دورًا رئيسًا في تأسيس القائمة العراقية، وتعتبر نفسها المعبّر عن حركة الاعتصامات والاحتجاجات التي شهدتها المناطق السنية؛ كما أن هناك قوى دينية وعشائرية رأت أن النخبة السياسية السنية التي تمثلت في القائمة العراقية ووريثاتها اتخذت موقفًا مهادنًا وبراغماتيًا وبالتالي فقدت شرعية تمثيل الصوت السني. وفي الوقت الذي تتنافس هذه الكتلة مع "متحدون" على ذات القاعدة الانتخابية، يظل احتمال دخول الطرفين في تحالف بعد الانتخابات لتعزيز الموقف التفاوضي السني واردًا.
على المستوى الكردي، تتنافس القوى الرئيسية الثلاث: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس الجمهورية الغائب بسبب المرض، جلال طالباني، وحركة التغيير بزعامة نيشروان مصطفى. يساعد هذا التنافس على تحديد الأوزان النسبية لهذه القوى، خصوصًا مع التراجع التدريجي في قوة حزب الاتحاد الوطني وصراع الأجنحة والقيادات في داخله، وصعود حركة التغيير إلى منزلة القوة الكردية الثانية بعد انتخابات برلمان الإقليم الأخيرة. وفي حين أظهرت أزمة تشكيل حكومة إقليم كردستان وجود صراع حاد بين هذه القوى حول السلطة والموارد داخل الإقليم، فإنه من غير الواضح بعد ما إذا كان هذا الصراع يمكن أن يؤدي لاحقًا إلى إضعاف التنسيق بين تلك القوى في المفاوضات التي ستتبع الانتخابات (14) .
هنالك أيضًا قوى أخرى خارج الإطار التصنيفي الإثنو-طائفي، مثل: ائتلاف "الوطنية" الذي يتزعمه إياد علاوي (15) ، و"التحالف المدني الديمقراطي" الذي يضم مجموعة من اليساريين والليبراليين والمستقلين (16) ، وكلا الائتلافين يتنافسان على ما يمكن تسميته بالقاعدة "المدنية" التي يصعب تقييم حجمها نظرًا لعمق الاستقطاب الطائفي. وإذا ما تمكن هذان الائتلافان من دخول البرلمان، يمكن لتحالفهما أن ينشئ قوة عددية ضاغطة باتجاه طرح نواة لبديل "غير طائفي" في المستقبل. وهنالك قوة جديدة تحمل اسم "ائتلاف العراق" (17) ، وتدعو في برامجها إلى دور أكبر للتكنوقراط ورجال الأعمال، ويقودها رجل أعمال مثير للجدل هو فاضل الدباس الذي يُنظر إليه كحليف محتمل للمالكي (18) . وفي الحقيقة، فإن ما يبدو وكأنه صعود في نفوذ وتأثير رجال الأعمال، يعكس حالة تساند متنامية بين الطبقة السياسية والطبقة المالية موضوعها الأساسي عقود الدولة التي تمثل الغاية الأساسية لمعظم رجال الأعمال بسبب ما تدرّه من أرباح هائلة، في ظل جهاز بيروقراطي غارق في الفساد وعدم الكفاءة.
التأثيرات الخارجية
تراجع النفوذ الأميركي كثيرًا منذ انسحاب القوات الأميركية نهاية العام 2011، وقد تجلّى ذلك في الخطوات التي اتخذها رئيس الوزراء نوري المالكي ضد بعض خصومه الداخليين، وفي الخيارات التي اعتمدها في سياسته الخارجية، والتي يبدو أنها تأثرت كثيرًا بالنفوذ المتعاظم لإيران في العراق. لقد لعبت إيران دورًا مهمًا في تأمين دورة ثانية للمالكي عبر الضغط الذي مارسته على القيادات الشيعية، وتحديدًا مقتدى الصدر، للقبول بالتجديد له. وتكرر الأمر ثانية عندما انضم مقتدى الصدر إلى الزعيم الكردي مسعود بارزاني وقادة القائمة العراقية في جهد مشترك لسحب الثقة من رئيس الوزراء؛ حيث أسهمت الضغوط الإيرانية على الرئيس جلال طالباني وعلى مقتدى الصدر في إفشال هذا التحرك (19) .
ما زال يُنظر إلى إيران بوصفها الطرف الخارجي الأكثر تأثيرًا في تحديد الخيارات الشيعية بعد الانتخابات، وبالتالي في رسم الصفقة السياسية التي ستتمخض عنها المفاوضات. ولذلك يبدو المالكي مهتمًا بضمان الدعم الإيراني عبر تحالفاته مع قوى قريبة من إيران (منظمة بدر وعصائب أهل الحق)، وعبر اقتراب مواقفه الخارجية كثيرًا من الموقف الإيراني، خصوصًا في الشأن السوري، ونقده المتصاعد لخصوم إيران الإقليميين كالسعودية. في الوقت نفسه، يبدو أن القوى الشيعية المنافسة (المجلس الإسلامي الأعلى والتيار الصدري) حاولوا ترميم علاقاتهم مع الإيرانيين لضمان أن لا يكون الموقف الإيراني منحازًا إلى المالكي؛ فقد قام زعيم المجلس الأعلى عمار الحكيم وقيادات أخرى في تنظيمه بزيارات متكررة لإيران يبدو أنها تمخضت فعلاً عن تحسن في العلاقات بعد تباعد نسبي حصل إثر وفاة زعيم المجلس السابق، عبد العزيز الحكيم، وانفتاح المجلس على دول الخليج (20) . كما أن نقد مقتدى الصدر العلني للدور الإيراني واتخاذه مواقف بدت غير ملائمة بالنسبة للجانب الإيراني، قد تسبب في تدهور نسبي للعلاقة بين الجانبين. ومؤخرًا تسربت أنباء عن اجتماع بين الصدر ومسؤولين إيرانيين لـ "تصحيح" علاقة الجانبين، كما أرسل التيار الصدري رسائل بهذا الاتجاه عبر عملية إعادة هيكلة داخلية تمثلت بحل هيئة الأمناء في التيار الصدري، وتكليف القيادي، كرار الخفاجي، الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع الإيرانيين، بإدارة الملف السياسي للتيار (21) . ورغم كثرة ما يشاع عن تفضيل الإيرانيين للمالكي، فإن القيادة الإيرانية لم تتخذ موقفًا نهائيًا على الأرجح، وهي بانتظار أن تفرز نتائج الانتخابات خريطة سياسية تتحدد فيها الأوزان النسبية للكتل المختلفة.
ويحتفظ الإيرانيون بعلاقات جيدة مع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تراجع نفوذه كثيرًا في الآونة الأخيرة، بينما يرتبط الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة الرئيسية في كردستان، بعلاقات وثيقة مع تركيا، تمنح أنقرة نفوذًا مهمًا إلى جانب ما تتمتع به من تأثير على القوى السنية، وبشكل خاص "متحدون" و"كرامة". ورغم أن الطموحات التركية في بناء نفوذ إقليمي قد تراجعت نسبيًا، إلا أن تأثيرها في العراق لم يتلاش تمامًا، وهنالك احتمال كبير أن يتجه الأتراك إلى اعتماد نهج تعاوني لا تنافسي مع الإيرانيين في ممارسة دورهم داخل العراق، خصوصًا بعد تحسن علاقات الجانبين إثر زيارة أردوغان إلى طهران مؤخرًا.
خاتمة
وفق الخريطة الانتخابية الراهنة، لن يحصل أي طرف على الأغلبية الضرورية لتشكيل الحكومة، وسيضطر إلى تشكيل تحالفات لاحقة، وقد تعيد هذه التحالفات التمحور السياسي الطائفي، وتنتهي بالتالي إلى تشكيل حكومة "شراكة" جديدة على أساس نسب "المكونات"، أو أن التحالفات ستتشكل على أساس استقطاب سياسي بين فريق داعم للمالكي أو فريق معارض له. لكن الأوزان السياسية التي ستفرزها الانتخابات للقوى المتنافسة هي التي ستقرر إمكانية غلبة أحد الاصطفافين. ويبدو أن الاتجاه الراجح هو أن مسعى تأمين منصب رئيس الوزراء لصالح المالكي أو لصالح أحد منافسيه الشيعة، هو الذي سيقود المرحلة الأولى من العملية التفاوضية، وستكون إلى حد كبير مرحلة ردم الفجوة بين التوقعات وبين الأوزان الحقيقية للكتل الشيعية المختلفة. وإن لم يتم حسم هذه المواجهة مبكرًا، قد تنشأ اصطفافات بديلة أو أزمات لاحقة تهدد قدرة النظام السياسي الراهن على الاستمرار.
___________________________________________________________________
*حارث حسن، باحث في الشؤون السياسية العراقية.
المصادر:
1) أ.ف.ب، تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" يتبنى الهجوم على تجمع انتخابي ببغداد، إيلاف:
http://www.elaph.com/Web/News/2014/4/898404.htm l
2) العالم الجديد، 24 إبريل/نيسان 2014.
3) انظر مثلاً: القرطاس نيوز، اغتيال الشيخ الدوسري المرشح عن قائمة "متحدون" بالانتخابات العراقية:
http://moheet.com/2014/04/26/2054799/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B3%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF.html
4) Denise Natali, “Iraq’s Oil Brinkmanship”, Almonitor, January 23 2014.
5) Marisa Sulivan, “Maliki’s Authoritarian Regime”, Institute for the Study of War, Aprli 2013.
6) حيدر القدوة، المحكمة الاتحادية العليا... الكتلة الأكبر في البرلمان تشكل الحكومة المقبلة، المدينة:
http://www.al-madina.com/node/235350
7) انظر حوار المالكي مع قناة الميادين، 25 إبريل/نيسان 2014:
http://www.almayadeen.net/ar/Programs/Episode/Ph4OOaJl,0yRk6MYAS2kcg/2014-04-25-%D9%86%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A---%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A
8) انظر مثلاً: قناة السومرية، حديث الوطن -خاص الانتخابات 10- النائب حاكم الزاملي، ائتلاف الأحرار
https://www.youtube.com/watch?v=jGdVSXxzt78  لتفاصيل كاملة عن القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات، انظر: المفوضية المستقلة العليا للانتخابات، انتخاب مجلس النواب 2014:
http://www.ihec.iq/ar/index.php/parliament-2014.html
9) قناة المنار، لقاء خاص مع دولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي:
https://www.youtube.com/watch?v=dtKCDvTK1dM
10) الفرات نيوز، السيد عمار الحكيم: ليس معيارنا أغلبية سياسية أو شراكة محاصصة بل نحن مع الجميع من أجل عراق موحد متصالح مع النفس:
http://wwww.alforatnews.com/modules/news/article.php?storyid=53123
11) Harith Hasan, “New Shia Politics and the Maliki-Sadr Competition”, Atlantic Council, 17 November 2013:
http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/new-shia-politics-and-the-maliki-sadr-competition-in-iraq
12) Saleh Mutlag, “Say No to Civil War”, Foreign Policy, 3 April 2014:
http://www.foreignpolicy.com/articles/2014/04/03/say_no_to_civil_war
13) الحرة عراق، الإعلان عن ائتلاف الكرامة بزعامة رجل الأعمال "خميس الخنجر" لخوض الانتخابات البرلمانية:
https://www.youtube.com/watch?v=RjVIuCZdQJo
14) Wladimir Van Wilgenburg, “Talabani’s Party Stung by Loss in Iraqi Kurdistan Elections”, Almonitor, 11 October 2013:: http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/10/talabani-loses-kurdistan-elections.html
Namo Abdulla, “Iraqi Kurdistan: Old Structures, New Realities”, 12 February 2014:
http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/02/iraqi-kurdistan-old-structures--201421264244206457.html
15) المدى برس، علاوي يشكل ائتلاف "الوطنية" لخوض انتخابات مجلس النواب ويرجح التحالف مع النجيفي والمطلك:
http://www.almadapress.com/ar/news/22667/%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%8A%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE
16) التيار الديمقراطي، البرنامج الانتخابي للتحالف المدني الديمقراطي:
http://www.tdiraq.com/?p=2510
17) انظر الموقع الإلكتروني للائتلاف:
http://etelafaliraq.com
18) صحيفة العالم البغدادية، 120 مليون دولار لتشكيل "قائمة سنية" تنافس "متحدون" وتتحالف مع المالكي بعد الانتخابات:
http://www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=13914
19) علاء يوسف، تصريحات الصدر بشان إيران تثير الجدل في العراق، الجزيرة نت:
http://www.aljazeera.net/news/pages/e537587d-f2c5-4ac7-837a-f6a30a537baf
20) الشرقية، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم يبحث مع المرشد الإيراني علي خامنئي العلاقات الثنائية بين العراق وإيران:
http://www.alsharqiya.com/?p=74779
21) السومرية، التيار الصدري يحل هيئة أمنائه ويكلف كرار الخفاجي بإدارة ملفه السياسي:
http://www.alsumaria.tv/news/97231/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D9%84-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%87-%D9%88%D9%8A%D9%83%D9%84%D9%81-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B1/ar
--------------------------------------------
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
 

دعوة إلى إعادة كتابة الدستور وتفعيل الرقابة على الأموال العامة

 

خبراء وباحثون اقتصاديون يشخصون مواطن والخلل والضعف في الاداء الحكومي خلال السنوات الماضية
شدد خبراء وباحثون ومختصون في الشأن الاقتصادي على ضرورة ايجاد الحلول المناسبة لاخراج الاقتصاد العراقي من المشاكل التي يعانيها ومواطن الخلل البنيوي في التشريعات المتعلقة بهذا الجانب والتي تسببت في احداث الكثير من الارباكات من اهمها تدهور الاداء الحكومي في تنفيذ المشاريع ما ادى الى انتشار الفساد وتخلف التنمية في عموم البلاد .
جاء ذلك خلال الندوة الموسعة التي عقدها " معهد التقدم للسياسات الانمائية " يوم الجمعة الماضي الخامس والعشرين من نيسان الجاري وادارها الدكتور مهدي الحافظ وزير التخطيط الاسبق / رئيس المعهد ..
وشهدت الندوة عرض ورقة نقاشية للخبير الاقتصادي توفيق المانع تناول خلالها العجز في الميزانية وضرورة مراجعة الايرادات والنفقات لتخفيض العجز .. وكان لكل من السيدة مدير المصرف العراقي للتجارة حمدية الجاف والخبير القانوني الدكتور زهير الحسني تعقيبات على تلك الورقة .
ملامح الأداء الحكومي بعد التغيير
وفي مستهل الندوة تحدث الدكتور مهدي الحافظ عن بعض ملامح الاداء الحكومي في العراق لمرحلة مابعد التغيير عام 2003 وما تلاه من تشكيل عدد من الحكومات المتعاقبة وتشريع الدستور .. مبينا معضلات الحياة في العراق لازالت تتعقد وتتفاقم على نحو مقلق فلم يتحقق الاصلاح الاقتصادي الذي كان هدفا اساسيا لعملية التغيير الذي نجم عنه استمرار عائدات الصناعة النفطية في ان تلعب دورا موجها وقائدا للفعاليات الاقتصادية الاساسية .
إعادة النظر بنهج الاقتصاد ونظريته العامة
وتساءل الحافظ كيف يمكن لبلد مثل العراق ان ينمو ويتطور بنحو طبيعي ووفق الحاجات الوطنية وموارده المالية الطبيعية الكبيرة ما لم يجري اعادة النظر بنهج الاقتصاد ونظريته العامة ؟ .. موضحا ان مصلحة النمو الاقتصادية والتنمية الشاملة تكمنان في اقتصاد السوق الذي يجمع بين ادارة الدولة والسوق بصورة متزاوجة وهذا ما يفرض ان يكون مرجعا توجيهيا وعمليا للاداء الاقتصادي المنشود وهو النهج الذي يدعم تطور القطاع الخاص ويجعله رائدا حقيقيا للاقتصاد الوطني ويوفر امكانات التنويع الشامل.
حماية موارد الدولة وتنفيذ المشاريع
واشار الحافظ الى ان الاصلاح المطلوب هو ذلك المنحى العلمي الذي يهدف لحماية موارد الدولة وضبط تنفيذ المشاريع والخطط الاقتصادية بصورة صارمة وعادلة فالوقائع تشير الى ان مستوى التنفيذ قد انخفض بشكل لافت وادى الى ضياع الاموال في بعض المجالات .. منوها .. الى ان السياسة المالية والنقدية هي الاخرى حافلة بالعيوب ومنها عدم التقييد بالاتفاقات السابقة بين وزارة المالية والبنك المركزي العراقية عام 2006 التي كانت تهدف الى اعادة هيكلة القطاع المصرفي الحكومي المتمثلة بمصرفي الرشيد والرافدين وتسوية ميزانيتهما وبناء علاقات عادلة وبناءة مع المصارف الاهلية الخاصة وازالة جميع المعوقات عن طريق خلق بيئة سليمة لعملها واصلاح البنى التحتية للمصارف والالتزام بالرقابة والتسجيل الائتماني والضمانات الضرورية واطر التدقيق المالي والمحاسبة.
غياب الرؤى والأهداف الاقتصادية
بعد ذلك بدأ الخبير الاقتصادي توفيق المانع بعرض ورقته عن العجز في الميزانية وضرورة مراجعة الايرادات والنفقات لتخفيض العجز .. اشار في مقدمتها الى غياب الروؤى واهداف للاقتصاد العراقي ألقائم الذ ي اصبح اقتصاد رغبات وتمني غير موجه تتحكم به ظروف العرض والطلب وحسب متطلبات السوق .. داعيا الى ضرورة البحث وألتعامل مع ألقطاع ألخاص ألذي هو بعيد عن ألانظمة والقوانين التي تصب في هيمنة الدولة واحتكارها وتكفي الاشارة الى موضوع المصارف بموضوع التحويل وما ترتب عليه فلو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر دورة راس ألمال فهي اقصر دورة اذ تودع الاموال في الصندوق بعد استقطاع الخمسة بالمائة من مبالغ التعويضات فيتم تحويله الى حوالات في المصارف المختصة والمبالغ المصروف للاشخاص فيتم اما تحويله الى الخارج بصورة اوأخرى او يتم اكتنازه لدى المواطنين المقتدرين اي لايمر بالسوق او بعملية التنمية والاستثمار او الاعمار اذن لايوجد للمال دور بالاقتصاد او البناء وهنا الحديث عن القطاع الخاص
وبين المانع ان الاقتصاد العراقي يتصف بأنخفاض انتاجية العمل في القطاعات كافة وهذا يعود الى ضعف مؤهلات ومهارات القوى البشرية وطبيعة التقنية ألمستخدمة , ومدى كفاءة ادارة النشاط الاقتصادي وتكفي الاشارة الى مقولة ( أن التنمية تقلل معامل الولادة ). 
متأخرون علميا وتقنيا !
واشار المانع الى القطاع النفطي الذي شهد ارتفاعأ في نسبة الزيادة التي يعتمد عليها في رفد الايرادات بسبب عدم اعطائه اية اولوية لتطويره وجعل تطور الصناعة النفطية العراقية تواكب وتنافس من الناحية التقنية والانتاجية كبريات الدول والشركات النفطية وخصوصآ غياب الصناعات ألتحولية وبالتحديد استمرار الاعتماد على تصدير التفط الخام وبيعه مطروحا فوصلت نسبة الاقتصاد الريعي والاقتصاد الاحادي الجانب 96 % ، ولكننا ومع ما نتمتع به من تلك الثروات وكذلك الموارد البشرية المدربة والخبرات العالية ونتيجة لتلك السياسات اصبحنا متأخرين علميا وتقنيا واصبحت صناعتنا النفطية تشغل وتدار بما يكفي فقط لتسيير عجلة الانتاج اليومي ودون سياسة تطويرية واضحة المعالم والمستقبل .
هجرة الخبراء العاملين في الصناعة النفطية
واوضح المانع .. ان تلك السنوات شهدت تراجعا واضحا ناتج عن عوامل عدة اهمها زيادة التقادم للمعدات المستخدمة والغير قادرة على تحمل اي زيادة في الانتاج والتي لم تخضع لاي تطوير او تحديث او استبدال ، كما ان هجرة عدد كبير من خبراء الصناعة النفطية العراقيين ومتخصصيها الى خارج البلد افقدنا كما هائلا من الموارد البشرية المدربة والتي تحمل خبرة عالية في مجالاتها ، كما ان استبدال تلك الكوادر وخلال سنوات طويلة بكوادر جديدة لم تخضع لاي تطوير وتدريب لرفع امكانياتها المهنية ايضا يمكن اعتباره عاملا من عوامل تراجع الصناعة النفطية ... موضحا ان التطور الدولي الهائل في العلوم والتكنولوجيا والذي تبنت عدد كبير من الشركات الاجنبية تنفيذ هذا التطور لرفع امكانيات كوادرها ساهم وبشكل كبير وعلى مدى سنوات من العمل المتواصل على خلق كوادر مهنية عالية التدريب والكفاءة توزعت تلك الكوادر للعمل في مكاتب تلك الشركات المنتشرة في العديد من دول العالم وتحقيق الكفاءة المطلوبة , وقد تنوعت منافذ التطوير المستخدمة .. وفي يتعلق بامكانات الشركات العراقية النفطية .. اوضح المانع ان السنوات التي مرت بها الشركات النفطية في ظل الحصار قد عرضتها الى مشاكل كثيرة ساهمت في خلق حالة واضحة من التراجع في الاداء ككل وبالخصوص الجوانب الادارية والمالية
التدريب وتطوير المهارات
وفي ختام ورقته دعا الخبير الاقتصادي توفيق المانع الى ضرورة ايلاء التدريب اهتماما خاصا لتطوير مهارات الموظفين ورفع كفائاتهم.
وفيما يتعلق بالمنظومات اوصى المانع بالعمل على تطوير نظم العمل الحالية من اجل الاستعانة بتطوير اي منظومة مالية او ادارية لابد من تطوير نظم العمل المساندة لها وكذلك البنى التحتية اللازمة وهذه تتم اما بجهود داخلية في الشركة او بالاستعانة بالخبرة الخارجية والتي سترسم صورة واضحة لحجم الاستثمار المطلوب في تلك المستلزمات .. فضلا عن تدقيق المستندات قبل الدفع.
الوطنية وحب العراق هما معيار البناء السليم
الى ذلك اشارت السيدة مدير عام المصرف العراقي للتجارة حمدية الجاف في مداخلتها الى ان العراق يعاني في جميع مناحي الحياة وكذلك هناك مشكلة في تلكؤ المشاريع المنفذة في عموم البلاد .. عازية هذا التلكؤ الى تاخر اقرار الموازنة بالدرجة الاولى فضلا عن استشراء الفساد الذي ادى الى ان يتم احالة الكثير من المشاريع الى شركات غير كفوءة .. لافتة الى ان هذا الفساد ادى ايضا الى عزوف الشركات الاجنبية الرصينة عن الدخول الى العراق ليس بسبب الوضع الامني كما يتحجج الفاسدون انما بسبب التعقيد في الاجراءات والمساومات والاتاوات التي تفرض على هذه الشركات كل هذه الاسباب ادت الى تدني مستويات التنفيذ في الميزانية العامة للدولة. 
ودعت الجاف الى ضرورة اجراء الاصلاحات المطلوبة والقضاء على الفساد من خلال الانتخابات المقبلة واختيار الاشخاص المناسبين لادارة البلاد وكذلك من خلال احالة المشاريع الى شركات رصينة بالاعتماد على معيار الرصانة والكفاءة والاعمال المماثلة .. فضلا عن تفعيل الصناعات الانشائية لتوفير المواد الاولية للبناء لاسيما في مجال السكن لان البلاد بحاجة الى اكثر من (3) ملايين وحدة سكنية. 
واختتمت الجاف حديثها بالقول ان الحكومة لاتتحمل الاخفاق وحدها وان كان القسم الاكبر يقع على عاتقها انما الشعب هو الاخر يتحمل جزءا من المسؤولية .. داعية الى جعل الوطنية وحب العراق هما الاساس في العمل وليس الانتماءات الجانبية التي خربت كل شيء في البلد. 
الحسني : رغم الفشل ثمة نجاح وإنتاج !
فيما تحدث الخبير القانوني الدكتور زهير الحسني معقبا على ورقة الخبير الاقتصادي توفيق المانع قائلا : ان العراق ومنذ عام 1964 قام على اساس هيمنة القطاع العام وتهميش القطاع الخاص .. وبعد عام 2003 كانت هناك توجهات وطموحات بان يتحول العراق الى اقتصاد السوق ولكن الذي حدث هو التحول من نظام اقتصادي شمولي الى نظام هلامي لاشكل له .. مبينا ان الضعف الذي انتاب الاداء الحكومي كان نتاجا طبيعيا للصراعات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية بين الحكومة والبرلمان فالحكومة لاتستطيع ان تصلح الاقتصاد بسبب الخلل البنوي .. ومن جانب اخر فان القطاع الخاص كان قطاعا ضعيفا غير قادر على المبادرة لكونه منقسم على نفسه الى قسمين القسم الاول تجاري طفيلي يرتبط ببعض الساسة الذين تحولوا الى سملسرة في السوق .. لافتا الى ان هذا الحال يجعل من الصعوبة تطبيق قانون التعرفة الجمركية لانها تتعارض مع مصالح هؤلاء الساسة .
واضاف الحسني .. انه وعلى الرغم من هذه الصورة السوداوية للمشهد في البلاد الا انه هناك مؤسسات في الدولة تعمل وتنتج ..هناك انتاج على صعيد القطاعين العام والخاص .. مشيرا الى انطلاق المبادرة الزراعية ونجاحها من خلال تحقيقيها اهدافا مهمة لعل في مقدمتها ان البلد سيكتفي ذاتيا من الحبوب خلال العام المقبل .. ولكن المشكلة اننا ربما لانستطيع وقف الاستيراد بنحو مفاجيء لاننا سنقع تحت تاثيرات وضغود دولية واقليمية من الدول والسماسرة الذين يقومون بتصدير بضائعهم الى البلاد وهذا يرتبط بقانون التعرفة الجمركية ايضا وصعوبة تطبيقه .. مضيفا ومن النجاحات الاخرى هي اطلاق المبادرة السكنية التي تعد بداية موفقة لحل ازمة السكن في العراق وهذه المبادرة وجميع العقود التي تم توقيعها والتي ستوقع كانت من العقود الشفافة والرصينة ومع شركات عالمية معروفة بعيدا اي تاثيرات جانبية
واشار الحسني الى المبادرة الصناعية التي سيتم اطلاقها قريبا بعد اقرار الموازنة والتي تتضمن خطة طموحة لحل مشكلة اكثر من (192) شركة من شركات القطاع العام المعطلة .. كما ان المبادرة تسعى لدعم القطاع الخاص الصناعي .. موجها الدعوة الى الصناعيين العراقيين الى المساهمة بقوة في المشاريع الصناعية التي تتبناها المبادرة
وفيما يتعلق بعقود التراخيص النفطية اوضح الحسني ان هذه العقود هي عقود خدمة وليست عقود شراكة كما يعتقد البعض .. مبينا ان السياسة النفطية في العراق سياسة ناجحة ولكن الفشل هو في ادارة الموارد النفطية .. مقترحا بناء ميناء صخري في الخليج يوفر للعراق جرفا قاريا بمساحة 12 الف ميل بحري. 
وتحدث الحسني ايضا عن قوة وضعف القانون الذي ينعكس على قوة وضعف اداء الدولة والحكومة والمشاكل الدستورية وازدواجية اجراءات النزاهة وسوى ذلك من القضايا المهمة .. مشيرا الى ان العجز في الموازنة هو عجز افتراضي وليس حقيقيا لان الموازنة احتسبت على اساس سعر 90 دولار لبرميل النفط في الوقت الذي تصل فيه الاسعار الى 110 دولارات .. كما التخصيصات السنوية للوزارات والمحافظات لايتم صرفها بنسبة مائة في المائة انما بنسب قد تصل الى 50 او 60 في المائة والباقي يستخدم لتغطية العجز في الموازنة .
المبادرة الصناعية دون مستوى طموح القطاع الخاص
وشهدت الندوة طرح العديد من الافكار والرؤى من قبل الخبراء والباحثين والمعنيين بالشأن الاقتصادي في العراق الذين شاركوا فيها .. حيث اشار رئيس احاد رجال الاعمال السيد راغب رضا بليبل في معرض تعليقه الى حجم الفساد المستشري في جسد الدولة العراقية والذي تسبب في تأخير تنفيذ الكثير من المشاريع لاسيما تلك المنفذة من قبل القطاع الخاص الذي تسلق على اكتافه بعض الطفيليين الذي لايمتلكون الخبرة والكفاءة .. وهذا ادى بطبيعة الحال الى تفاقم الكثير من المشاكل منها هجرة رؤوس الاموال الى الخارج وتنامي نسب البطالة والفقر وهجرة الشباب بحثا عن فرص عمل.
وبين بلبيل ان القطاع الخاص لايعول كثيرا على المبادرة الصناعية لانها لم تأت ملبية لطموحات القطاع الحاص وكان من المفروض ان يتم اشراك هذا القطاع في اعدادها.
هذه أسباب التلكؤ في المشاريع
اما الخبير المهندس الاستشاري هشام المدفعي فقد اشار في مداخلته الى الاسباب الكامنة وراء تدني مستوى الاداء مبينا ان اغلب المشاريع المحالة على الشركات العالمية قد تم انجازها بنحو كامل .. اما الشركات العربية والتركية فقد تلكأ البعض منها اما الشركات العراقية فقد دخلت طبقة جديدة من المغامرين بالمقاولات لايمتلكون الخبرة لذا فقد اخفق قطاع الانشاءات .. فضلا عن فشل اتحاد المقاولين العراقيين في السيطرة على نشاطات في قطاع الانشاءات وافتقار معظم المحافظات الى قيادات مهنية او متخصصة ذات خبرة في اختيار الافضل لتنفيذ العمل .. رافق ذلك غياب المواصفات العراقية لتنفيذ الاعمال وعدم تواجد اي مفهوم لاداب مزاولة المهنة وغياب التوجيهات وسيطرة الحكومة الاتحادية في توجيه قطاع الانشاءات مما دفع كل محافظة ان تسلك الطريق المعروف لديها .
قوانين ردع المتجاوزين كافية .. ولكن
من جانبه رآى الخبير القانوي عادل اللامي ان القوانين العقابية الموجودة هي كافية لردع المتجاوزين لو احسن تطبيقها على النحو المطلوب .. ولكن المشكلة هي غياب الارادة لتطبيق هذه القوانين من جانب ووجود طبقة من الفاسدين المتنفذين الذين يمنعون تطبيق مثل هذه الانظمة والقوانين وهذا الحال ادى الى حدوث حالة كبيرة من التلكؤ في تنفيذ المشاريع فضلا تدنى مستوى الاداء الحكومي بنحو عام .
التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الحكومية
استاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد الدكتورة فوزية العطية اشارت الى انه وبعد تجربة عشرة اعوام اصبحنا بحاجة الى اعادة النظر في الكثير من القضايا المهمة فنحن لازلنا نعتمد الكوتة وقانون ادارة الدولة .. داعية الى ايجاد حالة من التنسيق بين الجامعة والمؤسسات الحكومية بهدف الاستفادة من الخبرات الجامعية والبحوث والدراسات .. فضلا عن الاطلاع على تجارب الدول الاخرى واعادة كتابة الدستور والمحافظة على الثروة البشرية لان الشباب والخبرات تهاجر خارج البلد.
غياب القطاع الخاص وهيمنة القطاع الحكومي
الخبير المصرفي الدكتور علي الفكيكي قال اننا نتحدث كثيرا عن اقتصاد السوق ولكن في واقع الحال لازال القطاع العام هو المسيطر على مقاليد الاقتصاد فعملية الاستيراد تتم من قبل المؤسسات الحكومية اما القطاع الخاص فهو مجرد مقاول لدى القطاع العام غير قادر على اداء دوره المطلوب في ظل غياب الدعم الحكومي لهذا القطاع وهجرة رؤوس الاموال الى الخارج وبروز بعض الطفيليين لواجهة القطاع الخاص .
الحكومة والبرلمان يتحملان السبب
الدكتور كفاح الجواهري .. تساءل : من هي الحكومة ومن هو البرلمان .. مبينا ان الحكومة جاءت من رحم البرلمان وبالتالي فهي لاتختلف عنه لهذا فان قضية تحميل البرلمان مسؤولية التلكؤ في تنفيذ الخطط لوحده ليس صحيحا لان كلاهما متمم للاخر .. لافتا الى ان المشكلة تكمن في نوعية القائمين على ادارة الحكومة واستشراء الفساد ..مبينا ان من يقوم بحفر الابار النفطية هي الشركات العراقية وهذه مشكلة كبيرة لانها تعمل بمثابة مقاول ثانوي وهذا سبب من اسباب التردي والتلكؤ
هناك مشكلة في تطبيق المواصفات القياسية العراقية.
فيما اشار المستورد العراقي ماجد حميد الساغدي في مداخلته الى عدم وجود اية علاقة بين قانون التعرفة الجمركية وبين تطبيق المواصفات القياسية على البضائع المستوردة .. مبينا ان هناك مشكلة في تطبيق مواصفات الجودة فهذه المواصفات يتم تطبيقها في منافذ البصرة فقط اما المنافذ الغربية فهي خارج سيطرة الحكومة ومنافذ اقليك كردستان لها مواصفات اخرى ووجود مثل هذه الاشكالات ادى اى ارتفاع اسعار الفحص في الجنوب وانخفاضها في منفذ ابراهيم الخليل الامر الذي ادى الى حدوث حالى الكساد في الموانيء العراقية .
السيد غالب الانصاري كان اخر المتحدثين وقد دعا في مداخلته الى تشكيل رابطة باسم رابطة ابناء ثورة 14 تموز 1958 لتكون عنوانا للنزاهة والتفاني في تنفيذ المشاريع .. مشيرا الى المسؤولين الحكوميين في تلك الحقبة لم يكونوا فاسدين انما كانون يتسابقون من اجل تنفيذ مهامهم.
غياب الشفافية وظهور الضبابية في تنفيذ المشاريع
واشار الانصاري الى ان ضعف الحكومة يعد من الاسباب الرئيسة وراء غياب البناء الحقيقي لان هذا الضعف يؤدي الى ضعف القانون وغياب عوامل الردع للمتجاوزين على المال العام .. وغياب الشفافية ادى ضبابية الموقف وعدم معرفة الكثير من الاموال الكبيرة التي استحوذ عليها الفاسدون سواء من خلال العقود الوهمية او غيرها من الاساليب الملتوية .
وفي ختام الندوة اكد الدكتور مهدي الحافظ رئيس " معهد التقدم للسياسات الانمائية "ان هناك خللا بنيويا كبيرا ناتج عن ضعف الدولة وعدم قدرتها على ادارة الامور بنحو سليم .. مشيرا الى وجود مشكلة في ادارة الاموال العراقية .