الثلاثاء 28 تموز/يوليو 2015
TEXT_SIZE

فرصة العرب الأخيرة

د. محمد عبد العزيز ربيع
تُشكل ظاهرة داعش وأخواتها خطراً يُهدد مصير كافة أنظمة الحكم العربية، كما يهدد رسالة الإسلام الإنسانية ومستقبل العقلانية في الوطن العربي والعالم الإسلامي بوجه عام. وفي ضوء إدراك غالبية أنظمة الحكم العربية لخطر داعش، وبسبب رد الفعل الأمريكي على ما ترتكبه تلك المنظمة من جرائم بحق الإنسانية، فإن فرصة جديدة تلوح اليوم في الأفق العربي، ربما كانت الفرصة الأخيرة، ما يستوجب قيام العرب باستغلالها لإعادة ترتيب البيت العربي على أسس سليمة قبل ان يلتهم غول داعش ما تبقى لهم من فضاء يتمتعون فيه بنوع من الأمن والحرية والاطمئنان. وسأحاول في هذه الدراسة المتواضعة التركيز على القضايا التالية: ظاهرة التطرف، التحدي الإيراني، التحالف الغربي الذي يدعي معاداته للتطرف، إسرائيل والقضية الفلسطينية، محنة العرب والإسلام، والمستقبل العربي وكيفية إدارته.
داعش والتطرف: إن التطرف الذي تمثله داعش وجبهة النصرة فكراً وممارسة موجود في التراث الإسلامي، يختفي أحياناً ويطفو على السطح أحياناً أخرى تبعاً لتغير الأحوال المعيشية ومواقف الحكومات العربية، واستقرار الأوضاع السياسية، وتطور التحديات الداخلية والخارجية. وعلى سبيل المثال، لم تقم الجماهير العربية والإسلامية برفض جرائم داعش بشكل واضح والتظاهر ضدها، كما أن أصوات الفقهاء التي أدانت أفعال داعش جاءت خافتة ومترددة. وهذا يعني أن الخلايا السرطانية للتطرف الديني تجري في عروق رجال الدين وعامة المؤمنين، ما يجعلها بحاجة لعلاج شامل يقوم باستئصال هذا المرض وحرمانه من فرصة العودة مجدداً. ومع صعوبة هذا الأمر، إلا أنه ممكن من خلال تطوير الثقافة الدينية والشعبية السائدة، وتصميم برامج إعلامية ومناهج تعليمية وتربوية هادفة، وتعميمها على كافة المستويات. ولما كانت الحكومات العربية هي التي تتحكم في كل هذه الأمور، وأن قدرتها على التحكم غير مضمونة بعد حين، فإن عليها أن تبادر برسم خطة شاملة لعلاج أمراض التطرف الديني والتشوه الثقافي والغوغائية الإعلامية وتخلف مناهج التعليم والتدريس، فأنصاف الحلول لا ترضي أحداً من الناس، سواء وقفوا على اليمين أو على اليسار، كما أنها لا تعالج مرضاً مزمناً ينخر في العظام منذ زمن طويل.
التحدي الإيراني: مما لا شك فيه أن إيران في ظل الفلسفة المهيمنة على الحكم حالياً، والتي تجمع بين الأصولية الدينية والقومية الفارسية، تشكل تحدياً للدول العربية عامة ودول الخليج العربية خاصة. لذلك من حق هذه الدول أن تبدي تخوفها من الأطماع الإيرانية التي تحاول مد نفوذها خارج حدودها ليشمل العديد من الدول العربية الخليجية وغير الخليجية. لكن مواجهة التحدي الايراني لا يمكن، ولا يجوز أن تتم من خلال تدمير بعض الدول العربية مثل سوريا والعراق، لأن تدمير قطر عربي يُسهم في تراجع القوة العربية وإضعاف موقف العرب بوجه عام، ويتسبب في قتل وتهجير مئات الآلاف من الأبرياء العرب وحرمان أطفالهم من التعليم، كما أنه يؤدي إلى غياب الاستقرار والطمأنينة وانكشاف أنظمة الحكم العربية الواحد تلو الآخر. وفيما يتسبب تراجع القوة العربية في جعل عامة العرب لقمة سائغة لكل وحش طامع في خيرات بلادهم، فإن الفقر والجهل والدمار يُسهم في تعميق جذور التطرف في البنية الثقافية العربية، ويخلق عداوات بين الأنظمة والشعوب تضعف مناعة الجسم العربي ضد التحديات الحياتية بكافة أشكالها.
وهنا لا بد من التساؤل لماذا استطاعت إيران أن تستحوذ على قدرة صاروخية من إنتاجها، على الرغم من الحصار الاقتصادي والعلمي الذي يفرضه الغرب عليها، فيما فشلت مصر في تحقيق انجازات مماثلة، علماً بأن مصر تتفوق على إيران من حيث الإمكانيات البشرية، ولا تعاني من حصار اقتصادي أو علمي. وهذا يعني أن ضعف العرب يكمن أساساً في ضعف إرادة القيادات العربية على التعاون والسعي لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية. وهذا يستوجب تجميع الإمكانيات العربية وتوجيهها نحو بناء قدرة علمية واقتصادية بإمكانها توحيد مواقف الحكومات العربية، وصيانة الأمن العربي المشترك، وتوعية الشعوب العربية، وتحقيق طموحاتها في التنمية والعدالة، وتحريرها من الفقر والتخلف وفكر التطرف.
التحالف الغربي المعادي للتطرف: الدول الغربية الرئيسية التي تبدي حماسها لمواجهة التطرف بالقوة هي ستة دول: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، استراليا، وإسرائيل؛ وهذه قوى لها مصالح وأطماع في المنطقة العربية، ولديها أقليات كبيرة من المسلمين تحتم عليها اتخاذ موقف حاسم من قضية التطرف وما يتنتج عنه من عنف وإرهاب. وهنا أود الإشارة إلى أنني سأتحدث عن النخب السياسية الحاكمة والنخب الاقتصادية المتحكمة في تلك البلاد، وليس عن الشعوب؛ لأن شعوب تلك البلاد تعاني من آفات كثيرة. ويأتي في مقدمة تلك الآفات: ارتفاع معدلات البطالة، تراجع فرص العمل والأجور، اتساع فجوتي الدخل والعلم بين الأثرياء والأقوياء من ناحية والفقراء والمستضعفين من ناحية ثانية، الخوف من تنامي دائرة الفقر، التخويف من الإرهاب، واستمرار عمليات تزييف الوعي الشعبي العام. وفيما مارست بريطانيا وفرنسا أسوأ استعمار في تاريخ البشرية كان للعرب نصيب كبير من كوارثه، فإن النخب السياسية والاقتصادية فيها لم تكن يوماً صديقاً لدولة عربية أو حاكم عربي تتعامل معه باحترام وندية، وإنما كانت دوماً عدواً لدوداً لأماني العرب في النهضة والوحدة والتقدم والخلاص من التبعية.
أما فيما يتعلق ببقية الدول التي تبدي استعدادها لمواجهة التطرف، وهي أمريكا وكندا واستراليا وإسرائيل، فهي دول تطورت عبر نظام استعماري استيطاني قام على إبادة نسبة كبيرة من سكان البلاد الأصليين، وسلب أموالهم وممتلكاتهم وحرياتهم واستعبادهم ردحاً من الزمن. إن تحالف هذه الدول يأتي اليوم نتيجة لإدراكها أنها نتاج عمليات ظالمة بحق البشرية، وأن ضمان بقائها يستوجب عليها إفقار غيرها من الشعوب والهيمنة عليها بقوة السلاح والمال. وعلى سبيل المثال، كانت كندا قبل عقدين من الزمن دولة مسالمة لا تعادي أحداً ولا يعاديها أحد، لكن النخب الحاكمة فيها والمتحكمة في مصيرها تذكرت فجأة أنها تقف في نفس الخندق الذي تقف فيه أمريكا واستراليا وإسرائيل، والذي يتحمل وزر أكبر عمليات التطهير العرقي في تاريخ البشرية. ويمكن القول باختصار إن تحالف النخب السياسية والاقتصادية المتحكمة في الدول الاستعمارية القديمة والاستيطانية الحديثة لا تعادي الإرهاب فقط، وإنما تعمل أيضاً على استغلال كافة شعوب الأرض، بمن فيها شعوب بريطانيا وفرنسا وأمريكا وكندا واستراليا وإسرائيل نفسها.
ومن أجل فهم مشاريع هذه القوى وأهدافها، علينا أن نتذكر أن أمريكا هي الجهة التي قامت بتدريب وتسليح قوى القاعدة، فيما قامت دول الخليج العربية وأثرياء النفط بتمويل عمليات التدريب والتسليح. ومع أنني لا أتعاطف مع نظام الحكم السوري ولم أكن من مؤيديه يوماً، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن بريطانيا كانت أول من تآمر على سوريا؛ إذ قامت بتدريب فريق من العملاء والمرتزقة لغزو سوريا من الخارج في عام 2009، أي قبل الربيع العربي بعامين. ولقد قام وزير خارجية فرنسا الأسبق ميشيل دوما بالكشف عن هذا السر في مقابلات تلفزيونية أجراها بالانجليزية والفرنسية، يمكن الرجوع إليها بسهولة عبر اليوتوب. إن تعاون السعودية مع أمريكا في أفغانستان على محاربة السوفييت أعطى ميلاداً لتنظيم القاعدة الذي لم يتوقف عند حدود أفغانستان، بل تمدد إلى الجزيرة العربية والصومال وشمال إفريقيا ونيجيريا وغيرها. وهذا ما يحدث اليوم بالنسبة لداعش وأخواتها. وعلى سبيل المثال، جاء على لسان قائد "أحرار الشام" القول إن هدفهم هو إقامة نظام حكم إسلامي في سوريا على غرار نظام طالبنان في أفغانستان.
نشر ديفيد إغناشيوس يوم 1/10/2014 في جريدة الواشنطن بوست فحوى مقابلة أجراها مع السيد حمزة الشمالي قائد "حركة حزم"، إحدى فئات "الجيش السوري الحر". ومما جاء في تلك المقابلة قول حمزة الشمالي "إن الشارع السوري فقد ثقته بالجيش السوري الحر، وإن السؤال الذي يوجهه السوريون لقوى المعارضة عامة هو: "هل ستجلبون لنا الفوضى أم النظام؟" ويضيف الشمالي: "إن المعارضة المعتدلة التي تدعمها أمريكا هي ضرب من الخيال إلى حد بعيد"؛ ويضيف رجل استخبارات عربية القول: "إن الجيش السوري الحر عبارة عن مافيا (عصابة إجرامية) يريد كل شخص فيها أن يكون رئيساً، وإن الشعب السوري تعب من هذه المافيا". أما فيما يتعلق بحركة حزم، فيقول إغناشيوس، "إنها تتكون من حوالي 4200 مقاتل قامت أمريكا باختيارهم وتدريبهم وتسليحهم، وأنها تدفع لكل مقاتل 150 دولار شهرياً". ومع أن أمريكا تدرك أنه ليس هناك إمكانية لخلق جيش معتدل، إلا أنها ما تزال تدرب وتسلح وتمول حركة حزم وغيرها، لأن الهدف الحقيقي ليس تحقيق السلام والاستقرار، أو إسقاط نظام بشار الأسد، وإنما إفشال الدولة السورية وتدمير مدنها واقتصادها، وتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي لشعبها.
إن نجاح تحالف بعض الدول العربية مع قوى الاستعمار الأوروبية والأمريكية من أجل إسقاط نظام الأسد أدى حتى الآن إلى تدمير معظم المدن السورية بما فيها من تراث عربي وإسلامي، وقتل ربما ربع مليون إنسان وتشريد الملايين من السكان وحرمان ملايين الأطفال من المدارس. وعلى افتراض أن هذا التحالف سينجح في مسعاه ويُسقط نظام الأسد، فكيف يمكن أن يكون عليه الوضع بعد ذلك؟ هل سيكون الوضع أفضل مما هو عليه في العراق أو ليبيا أو الصومال؟ كم مجموعة مسلحة ستدخل حلبة الصراع على السلطة سعياً لتحقيق مصالح خاصة أو حماية نفسها مما هو أسوأ؟ وكم منظمة إرهابية جديدة ستولد في رحم المنظمات الناشطة اليوم في مجال القتل والتدمير؟ ومن أجل إعطاء فكرة عن الطرف المستفيد مما يجري في سوريا، نشير إلى تقرير صدر عن هيئة الأمم، وبالذات عن قوى حفظ السلام على حدود سوريا مع إسرائيل، يقول التقرير إن إسرائيل تقوم بمعالجة جرحى مقاتلي داعش وجبهة النصرة في مستشفياتها. وهذا يعني أن الحكام والأثرياء العرب لم يتعلموا من تجربة أفغانستان والقاعدة، وإن دول المنطقة التي تعاونت على تدريب وتسليح وتمويل قوى التدمير في سوريا لن تنجو من عواقب أفعالها وقصر نظرها وفشلها من التعلم من تجاربها، إلا إذا تداركت الأمر قبل فوات الأوان.
إسرائيل والقضية الفلسطينية: إن الحركة الصهيونية العالمية التي تقف خلف الكيان الإسرائيلي لا تشكل خطراً على فلسطين وشعبها فقط، وإنما على كافة الدول والشعوب العربية، بل وعلى الحضارة الغربية التي تحميها، وعلى الإنسانية جمعاء. إذ إن إنشاء دولة إسرائيل قام على أنقاض شعب فلسطين حيث تم تفريغ فلسطين من غالبية سكانها عام 1948 ضمن عملية تطهير عرقي بشعة جاءت بتواطئ بريطانيا وفرنسا وأمريكا. ولما كان هدف تلك الدول هو تجزئة الوطن العربي والحيلولة دون وحدة العرب ونهضتهم، فإنها استمرت في دعم إسرائيل بالمال والسلاح والدبلوماسية، واستخدامها أداة لشل قدرة العرب على تحقيق نهضة علمية وتنسيق سياسي، وبناء نظام أمن مشترك ووحدة اقتصادية.
أما فيما يتعلق بالحضارة الغربية، فإن قيام بريطانيا وفرنسا وأمريكا واستراليا وبلجيكا واسبانيا وغيرها بتغيير بعض القوانين في بلادها كي تحمي إسرائيل من الملاحقة القانونية، كان له نتائج سلبية كبيرة على مجال الحريات العامة في دول الغرب المعنية. ولقد جاء تغيير القوانين وسن الجديد منها لحماية إسرائيل من العقاب بسبب ما ترتكبه من جرائم في بلاد العرب؛ وحماية الصهيونية من الإدانة بالعنصرية، مع أنها تجمع بين العقيدة الدينية والعقيدة القومية الشوفينية. وفيما انتفض الغرب بكل قوته ليقضي على نظام صيربيا العنصري المماثل وحرمانه من التوطن في أوروبا، فإن نفس الدول الغربية تقوم اليوم بحماية العنصرية الصهيونية. ولقد تسببت الاجراءات القانونية والسياسية لحماية إسرائيل والصهيونية في تضييق مجال الحريات العامة والحريات الأكاديمية في كافة دول الغرب المساندة لإسرائيل، وحرمان الكثير من المثقفين من ممارسة البحث العلمي بموضوعية وأمانة خوفاً من فقدان الوظيفة والحرمان من النشر. أما فيما يتعلق حرية الرأي والفكر، فلا تزال في تراجع، علماً بأنه لم يعد لها وجود في أمريكا. إن الصهيونية حركة استعمارية استيطانية تستهدف الاستيلاء على مساحات كبيرة من الوطن العربي، والتحكم في حركة الأموال على مستوى العالم، واحتكار سلطة المال والتحكم في النظام الرأسمالي العالمي. وهذا يعني أن إسرائيل تعمل على تدمير الحضارة الغربية التي تقوم أساساً على فكرتي الديمقراطية والرأسمالية، ما يجعل الصهيونية خطراً يهدد أمن الإنسانية جمعاء، ومستقبل كافة الشعوب الفقيرة والثرية على السواء.
وفي ضوء تراجع مصادر القوة الذاتية لدول الغرب الاستعمارية في العقود الأخيرة، فإنها رأت ضرورة تفتيت الدول العربية إلى دويلات على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، وإدخالها في حروب أهلية تدميرية تقوم بتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي للشعوب العربية، وتشويه مصداقية دينهم وتراثهم الحضاري. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، فإن العقل المفكر للمؤسسة العسكرية الأمريكية قام باختراع نموذج الدولة الفاشلة والعمل على تطبيقه على الأرض، وهو النموذج الذي نراه بثقله في الصومال وليبيا والسودان والعراق وسوريا واليمن. وهذا يعني أن ما يشهده الوطن العربي اليوم من حروب أهلية ودينية هو جزء من خطة استعمارية عدوانية تستهدف أولاً، وقبل كل شيء، ضمان وجود إسرائيل كقوة طاغية وطامعة على الأرض العربية، وضمان تخلف العرب وخضوعهم لهيمنة القوى الاستعمارية، وتأمين ذهاب ريع ثرواتهم النفطية لبنوك الغرب التي تسيطر عليها قوى الصهيونية العالمية.
وعلى سبيل المثال، بعد ان التزم اوباما بضرب سوريا قبل سنة تقريباً، تراجع فجأة لأنه أدرك أن تدخل أمريكا قد يؤدي إلى هزيمة النظام السوري وتوقف القتال، وهذا يتعارض مع سياسة خلق دولة فاشلة في سوريا. كما أن علينا أن نتذكر أن اوباما رفض التدخل في العراق بعد قيام قوات داعش باحتلال الموصل، لكن حين قامت داعش بالهجوم على المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في العراق، فإن اوباما امر بضرب قوات داعش فوراً، فالهدف النهائي في العراق وسوريا ليس القضاء على داعش ولا تحقيق الاستقرار، وإنما تجزئة البلدين وبقاء كل منها دولة فاشلة تسهل السيطرة عليها واستغلال مواردها. ولقد جاء في مقال كتبه ديفيد إغناشيوس يوم 3/10/2014 أن الحرب في سوريا هي حرب بالوكالة تقوم مختلف الأطراف المشاركة فيها بمحاربة إيران. وهكذا تتورط عدة دول عربية في تدمير سوريا والسكوت على ما يجري في العراق من تجزئة وجرائم بهدف احتواء إيران واضعاف نقوذها خارج حدودها.
ومما ينذر باحتمال وقوع مجازر أكبر وأبشع في السنوات القادمة أن العدو الإسرائيلي يسيطر سيطرة شبه تامة على مراكز صنع القرار الأمريكي فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ويقوم بتوظيفها لتزييف حقائق التاريخ وحمايته من طائلة القانون الدولي، وتبرير جرائمه بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني. إن أطماع إسرائيل المعلنة في برنامج الحركة الصهيونية تشمل أراضي فلسطين والأردن، وجزءاً كبيراً من العراق ومصر، وأجزاء من سوريا ولبنان، والحصول على تعويضات من عدة دول عربية، في مقدمتها مصر والعراق وسوريا والسعودية. قد يقول البعض إن إسرائيل وقعت معاهدات سلام مع مصر والأردن، لكن من يراجع مدى التزام إسرائيل بالاتفاقات التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية يدرك أن إسرائيل لا تحترم عهداً، وإن كل معاهدة كانت بمثابة هدنة مؤقتة لكسب المزيد من الوقت وحشد المزيد من القوة والانطلاق نحو تحقيق الهدف النهائي. وهذا يعني أنه لن تستطيع دولة عربية تحقيق نهضة وسلم اجتماعي واستقرار سياسي ما دام الكيان الصهيوني جاثماً على أرض فلسطين العربية.
إن سياسة الدول الاستعمارية ورسالة إعلامها الذي تهيمن عليه قوى الصهيونية العالمية استطاعت ان تقنع معظم الحكام العرب بمن فيهم حكام الشعب الفلسطيني أن إسرائيل باقية إلى الأبد. لكن الرجوع إلى التاريخ، بدءاً بالحروب الصليبية يثبت أنه لم يكن بإمكان حركة استعمارية استيطانية أن تغتصب أرض شعب وتعمر طويلاً، وتصبح جزءاً من المجتمع الذي يشغل المجال الحيوي الأكبر من حولها. ولنا في تجارب البيض في روديسيا وجنوب افريقيا، وتجربة فرنسا في الجزائر، وبريطانيا في هونج كونج، وهولندا في الجزر الأندنوسية خير مثال على ذلك. فبعد كل عمليات القتل والدمار واستعباد ملايين البشر، فإن كل تلك الكيانات الاستعمارية انتهت بالفشل، وهذا هو مصير إسرائيل، إذ إن استخدام أقصى درجات العنف ضد سكان فلسطين الأصليين لن ينتهي إلا بنهاية إسرائيل نفسها. قد يقول البعض لكن أمريكا وكندا واستراليا والبرتغال نجحت في مشاريعها الاستيطانية في العالم الجديد. هذا صحيح، ولكن لا يمكن المقارنة مع جنوب افريقيا أو إسرائيل وذلك لثلاثة عوامل رئيسية:
العامل الأول هو أن البيض الأوروبيين الذي استعمروا استراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية وغيرها من جزر وصلوا إلى تلك البلاد مدججين بالسلاح فيما كان سكان البلاد الأصليين لا يعرفون سوى الرماح، ما جعل بإمكان الطرف الأول هزيمة الطرف الثاني وإبادته تقريباً. أما السبب الثاني فهو أن المستعمرين كانوا مسلحين بايديولوجية دينية تقول بتفوقهم على غيرهم من البشر، وأن سكان البلاد الأصليين كانوا همجيين ما يستوجب إبادتهم. أما السبب الثالث فهو أن هناك اليوم ضمير عالمي وتراث فكري ضخم يدحض هذه المقولات جميعاً ويقف ضدها بالكامل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصليبيين الذين وصلوا إلى الأرض العربية المقدسة فشلوا في استيطانها لأنهم فشلوا في التفوق على العرب بالنسبة لقضيتي نوعية السلاح وعدد السكان، وذلك على الرغم من الايديولوجية الدينية العدوانية التي تسلحوا بها.
وعلى سبيل المثال، فيما استطاع المستعمرون الييض في كندا والبرتغال إبادة معظم السكان الأصليين والتفوق عليهم عددياً، لم يكن باستطاعة المستوطنين الفرنسين في الجزائر، ولا الهولنديين في جنوب إفريقيا، ولا اليهود في فلسطين إبادة سكان هذه البلاد الأصليين والتفوق عليهم من الناحية العددية. إذ يشير آخر إحصاء نشرته جريدة هاآرتس الإسرائيلية أن سكان فلسطين يقدرون اليوم بحوالي 12 مليون نسمة، حوالي 6.1 مليون من العرب وحوالي 5.9 مليون من اليهود، علماً بأن المقارنة من المفروض أن تكون بين العرب عامة واليهود عامة، لأن فلسطين جزء من الوطن العربي ككل، وأن اليهود الذين يقومون اليوم باستعمارها واستيطان معظمها قدموا إليها من مختلف بلاد العالم. وكما أثبت العديد من علماء أمريكا المعنيين بالاستعمار الاستيطاني، فإن المستعمرين يعيشون حياتهم يعانون من الشعور بعقدة الأمن وذنب إبادة غيرهم من البشر. لكن قناعتهم بعدم القدرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وخوفهم من عواقب المحاولة تجعلهم يتمسكون بما سرقوه من غيرهم، فيما يدفعهم الشعور بفقدان الامن والأمان إلى شن الحروب للدفاع عن وجودهم واثبات تفوقهم وقدرتهم على هزيمة غيرهم من شعوب فقيرة وضعيفة.
إن من حق كل حاكم ومثقف عربي أن يتخلى عن القضية الفسطينية، لكن القضية الفلسطينية لن تخرج من عقله أو ثقافته مهما فعل. فعلى الرغم من كل التطورات التي عاشتها الشعوب العربية، وكثرة الثروات التي حصلت عليها الفئات الحاكمة والمتحكمة، والحروب التي خاضتها بعض الدول والإرهاب الذي تعرضت له، والردة الثقافية التي تحمل راية الإسلام، إلا أن فلسطين وقضيتها كانت الأكثر تأثيراً في مواقف تلك الدول وسياساتها وثقافة شعوبها بدءاً بالشعر والفن، ومروراً بالفكر والعلم والتربية، وانتهاء بالغناء والرقص والمأكولات الشعبية. وفي الواقع ليس هناك موقف عربي شعبي مشترك غير فلسطين التي تشكل بكل مآسيها محور الوحدة الثقافية بين مختلف الشعوب العربية. إذ إن فشل الحكام العرب في بناء هوية وطنية تقوم على حب الوطن، جعل الهوية القائمة على العداء للصهيونية وتحرير فلسطين هي الهوية الوحيدة القادرة على تحقيق شبه اجماع شعبي في كل دولة عربية. وعلى سبيل المثال، أخبرني مسئول عراقي كبير قبل أسابيع من استيلاء داعش على الموصل أن حكومة المالكي طلبت منه التحضير لعقد مؤتمر عن فلسطين في واشنطن، ينتقل بعدها إلى بغداد. وحين سألته عن السبب، قال إن المالكي أدرك أن تبني صدام حسين للقضية الفلسطينية مكنه من تجميع كافة طوائف الشعب العراقي من حوله.
محنة الإسلام والعرب: إن الإسلام والمسلمين يواجهون اليوم محنة صعبة تشبه المحنة التي واجهتها المسيحية والمسيحيون في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر؛ وكل محنة تحتاج لحزم وحكمة ووعي. لذلك كان على قادة المسلمين من حكام وفقهاء ومثقفين أن يعترفوا أولاً أن العديد من الآيات القرآنية والكثير من الأحاديث المنسوبة للرسول عليه السلام قابلة للتأويل بطرق مختلفة تجعلها تبدو متناقضة. وهذا يعني أن كل تيار ديني قد يكون على حق، وأنه لا يوجد تيار ديني على حق دون سواه، ما يفرض على فقهاء كل تيار احترام الرأي الآخر كما فعل الأئمة في الماضي. إن تعدد التيارات الدينية التي تُكّفر بعضها البعض وتتمسك بأكثر التأويلات تشدداً يشكل بحد ذاته أخطر التحديات التي تواجه العرب في هذه المرحلة من تاريخهم. إن الفشل في التوصل لصيغة توافقية للتعايش السلمي، كما فعل المسيحيون، سيقود إلى جر الأمة العربية إلى حروب دينية دامية توصلها إلى حضيض التجزئة والتخلف والفقر. وهذا من شأنه أن يُحوّل الوطن العربي برمته إلى مرتع لعصابات مسلحة تعادي وطنها وشعبها وأمتها وثقافتها ودينها، فيما تأتمر بأوامر قوى استعمارية هي الأكثر استغلالاً وعنصرية وعداء للإسلام والمسلمين في التاريخ.
إن العرب بحاجة لموقف عقلاني يقبل التعددية الفكرية والثقافية والمذهبية داخل الإسلام وخارجه، وذلك حرصاً على مصداقية الإسلام وحرية الرأي والاجتهاد أولاً، وحفاظاً على وحدة العرب وأوطانهم من التشرذم والتمزيق ثانياً. كما أن الاعتراف بالتعددية الفكرية والثقافية والدينية والإثنية وحرية العبادة أمر لا بد منه للحفاظ على التراث العربي بشقيه الإسلامي والمسيحي، وصيانة العقل العربي من الانزلاق نحو الجنون الذي يدق على الأبواب بقوة. ومع أهمية التعددية بكافة أشكالها، إلا أن اقناع الإنسان العربي بالعودة إلى العقل والضمير يحتاج إلى أشياء تتجاوز التعددية كثيراً؛ إنه يحتاج إلى خلق ظروف حياتية جديدة تمحو من ذاكرته مآسي الوضع القائم، وتبعث فيه الأمل.
إن الشباب العربي الذي يعاني الفقر والبؤس وغياب فرص العمل والتعليم أحياناً، يجد نفسه يعيش في ظل أنظمة حكم استبدادية لا تحترم كرامته، وتقوم باغلاق الطرق أمامه، ما يجعله أمام خيارات ثلاثة لا رابع لها: القبول بحياة بائسة بلا أمل في مستقبل مزهر، فيما تزداد معرفته بأحوال أقرانه من شباب أمريكا وأوروبا وآسيا؛ أو محاولة الهجرة من الوطن والمخاطرة بحياته كي يصل إلى شواطئ أوروبا التي لا تريده، وتخشى ما يحمله في رأسه من أفكار ومعتقدات؛ أو الانضام لصفوف حركات الإسلام السياسي المتطرفة، والتحول إلى مجرم محترف باسم الدين، وذلك على أمل الشهادة والفوز بالجنة والحور العين. وفيما يتحول الشاب البائس المستسلم إلى عبء على نفسه ووطنه وجزء من طابور خامس نائم، يخسر الوطن والأمة الشاب المهاجر وما يملكه من إمكانيات عقلية ومواهب خلاقة. أما الشاب الذي يتحول إلى التطرف فيصبح إنساناً يعادي وطنه وأمته، ويعمل على تدمير بلده وتراثه الحضاري عن ايمان وقناعة.
إن العرب يدفعون اليوم ثمناً باهظاً من دمائهم وتراثهم ومالهم ومستقبلهم ومصداقية دينهم بسبب عدم اهتمام الحكام بتوعية الفرد العربي بما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه وطنه وشعبة وأمته. إن الجهل هو أكبر عدو للإنسان، وكل شيء إنساني في الإنسان؛ أما العدو الأكبر من الجهل فهو تلقين الفرد معلومات بوصفها حقائق وأحكام دينية تخالف مبدأ الحرية الفردية وتعطي الفرد حق فرض رأيه على غيره من الناس. ومع أن المثل العربي يقول "الجاهل عدو نفسه" إلا أن العصر الحالي جعل الجاهل عدو نفسه وأمته ووطنه وإنسانيته، لأن من يعادي نفسه يعادي أيضاً المجتمع الذي ينتمي إليه، وهو مجتمع يتسع كل يوم ليشمل الإنسانية جمعاء. إن تذمر الشباب العربي من تردي الأوضاع المعيشية، وغضبهم من الظلم والاهمال وغياب فرص العمل، وتطلعهم إلى هجرة أوطانهم، والأمل في الجنة والحور العين تُثبت أن الكبت والفقر يدفع الجاهل والمُحبط إلى التطرف، ويحوله إلى شخص مريض على استعداد للمشاركة في تعميق جراح أمته والإساءة لدينه، والإسهام في تدمير وطنه وتراثه وقتل أصدقائه وجيرانه.
إن الحل الإنساني الذي استهدى إليه المسيحيون في أوروبا بعد حوالي 80 سنة من القتل والتكفير والتدمير هو الاعتراف بكتاب مقدس واحد بوصفه مصدر الشرائع الدينية، وبحق كل تيار ديني أن يفسر ذلك الكتاب حسب فهمه له. بناء على ذلك، تم الاعتراف بأن كل شخص يؤمن بالإنجيل يُعتبر مسيحياً بغض النظر عن الطائفة الدينية التي ينتمي إليها ومدى التزامه بتعاليمها. فهل بإمكان المسلمين من العرب أن يقبلوا مبدأ تعدد الطوائف الدينية الذي أصبح حقيقة على أرض الواقع لا يمكن إنكارها؟ إن محاولة كل تيار إسلامي فرض وجهة نظره على غيره من الناس بقوة السيف لن تنجح في إعادة توحيد المسلمين أو حصول إجماع على رؤية مشتركة بالنسبة لأية قضية دينية أو غير دينية. لكن تمسك كل تيار بوجهة نظره ومحاولة فرضها على غيره من المؤكد أن ينجح في تعميق الخلافات بين المسلمين، وربما تدمير الإسلام نفسه كعقيدة ونظام حياة اجتماعي. إن استمرار الصراع بين تيارات الإسلام السياسي سوف يدفع ملايين المسلمين إلى الابتعاد عن دينهم، وقد بدأ يتحول على يد فقهاء التكفير وقطع الرؤوس وجهاد النكاح وسبي النساء من دين عدل وتسامح إلى فلسفة عنصرية لا تعترف بإنسانية الآخر، ولا حتى بحقه في الحياة.
فهل سيدفع العرب نفس الثمن الذي دفعه الأوروبيون قبل معاهدة وستفاليا التي أجبرتهم على إعادة النظر في دور الدين في الحياة العامة وإخراجه من ساحة العمل السياسي؟ هل في مقدور العرب أن يتعلموا من تجربة أوروبا التي راح ضحيتها حوالي عشرة ملايين إنسان، ويقبلوا وجود عدة تيارات دينية تتعايش جنباً إلى جنب في حالة سلم؟ ومع أن من شبه المؤكد أن تقبل أغلبية الشعوب العربية مبدأ تعددية الطوائف الدينية والثقافية وحرية العبادة والتعايش في سلام كما كان عليه الحال في معظم فترات التاريخ العربي، إلا أن أدبيات الحركات المتطرفة تشير إلى أنها تسير في اتجاه رفض التعددية وفرض الإكراه. قال الدكتور حسين مؤنس إن الإسلام "دين وأمة" وليس دين ودولة، وقال الدكتور إبراهيم الوزير إن الأمة هي الدولة، لأن الأمة هي التي تقوم بسن القوانين وتنظيم شؤون الحياة باتباع مبدأي الشورى والتشاور.
بناء على ما تقدم، يمكن القول إن السبيل الوحيد لوقف الصراع والتدمير الذاتي العربي يكمن في توصل كبار فقهاء السنة والشيعة إلى اتفاق ينص على وحدانية القرآن وقدسيته، والاعتراف بشرعية الاختلاف في تفسيره وتحديد دوره في حياة الناس بعيداً عن السياسة؛ ويمكن لأية مؤسسة تحظى بمصداقية مثل منظمة الدول الإسلامية أن تبادر لدعوة كبار فقهاء المسلمين لمؤتمر يسعى للتوصل إلى توافق في الرأي. ولما كان كل فقيه يفتي في أمور الدين يوظف نفسه خليفة للخالق في الأرض من دون أن يكون لديه تفويض من الله أو من رسوله، فإن التوافق المنشود لا بد أن ينص على قيام السنة بإنشاء دار إفتاء موحدة لهم، وقيام الشيعة بإنشاء دار إفتاء موحدة لهم كذلك، مع خلق آلية للتنسيق وتعاون الدارين فيما يتعلق بالقضايا الشائكة. وهذا من شأنه إذا صفت النفوس أن يقود إلى توحيد المسلمين حول جوهر دينهم، وتخفيف حدة الصراع العقائدي الدائر في بلادهم، والعمل بهدوء على اجتثاث مسبباته على المدى الطويل؛ كما أن من شأن مثل هذا الاتفاق تخفيف حدة الخلاف بين الدول العربية وإيران، والعمل على بلورة رؤية إسلامية مشتركة تجاه معسكر القوى المعادية للعرب والمسلمين عامة.
المستقبل العربي: مع كل الصعوبات والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه العرب اليوم، إلا أن بالإمكان حدوث نهضة عربية شاملة بسبب ما لدى الامة العربية من إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي، وتنوع ثقافي ومناخي وكثافة سكانية. وفي اعتقادي لا بد أن تبدأ عملية التغيير بالاتفاق على مبادئ عامة تحكم خطط الإصلاح، على أن تقوم نخبة من المفكرين الاستراتيجيين والمثقفين والاقتصاديين والسياسيين المتقاعدين والحقوقيين العرب بصياغتها والالتزام بالترويج لها والدفاع عنها بشتى الطرق في كافة المحافل العربية والدولية. وتتكون المبادئ المقترحة أساساً مما يلي:
1. الاعتراف بحرية الفكر والعبادة والتعبير عن الرأي، وشرعية التعددية الثقافية، مع الاهتمام بشكل خاص بنشر اللغة العربية وتطويرها ورفع مستوى المناهج المتعلقة بها.
2. الاعتراف بالحرية الاجتماعية والاقتصادية، وحق الشعوب في المشاركة في العملية السياسية.
3. الإقرار بأن كل دولة بحاجة لنظام اقتصادي اجتماعي جديد يحقق العدالة الاجتماعية.
4. الإقرار بأن هناك حاجة لإعادة هيكلة نظام التعليم بالتركيز على نوعية التعليم والتفكير النقدي والبحث العلمي، والعناية بالمواهب، وتحفيز عمليات الخلق والابتكار، وإعطاء أهمية خاصة للبعد التربوي، ونشر ثقافة المواطنة والتآلف بين الناس، وحل الخلافات بطرق الحوار السلمية.
5. توفير الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية والفرص التنموية لكافة أفراد الشعب بالتساوي.
6. التزام الدولة بحماية الحريات العامة والخاصة بناء على قوانين تُعاقب كل طرف يحاول تعطيل ممارسة تلك الحقوق من خلال الاعتداء على غيره من المواطنين أو تهديدهم أو ابتزازهم، خاصة القوى الدينية التكفيرية والقوى الثقافية التقليدية.
7. التزام الدولة بمحاربة الفساد بكافة أشكاله، بما في ذلك المحسوبية والعشائرية والواسطة.
8. تشجيع الشعب على النظر إلى الثقافة بوصفها كائن حي يتطور مع تطور معطيات الحياة المادية، ويتغير مع تغير الظروف الاجتماعية، ما يعني أنه ليس هناك شيء ثابت أو مقدس فيما يتعلق بالعادات والتقاليد والأعراف وطرق التفكير المتوارثة.
إن مبادئ عملية الاصلاح التي ندعو لها متواضعة جداً إذا ما قورنت بما فعلته اليابان أو الصين حين قررت أن تنهض من غفوتها، كما أن الخطة المقترحة لاحقاً تقوم على التطور والتحول التدريجي وليس على الثورة وهدم ما هو قائم من ترتيبات سياسية واجتماعية. لذلك ندعو النخب العرية الحاكمة إلى أخذ زمام المبادرة وبدء عملية إصلاح وتغيير شاملة تعيد الأمل للجماهير العربية، وتستثير خيالها، وتحيي حبها للحرية والحياة وأوطانها، واحترامها لقادتها. إن لدى العرب من الأموال والموارد البشرية ما يكفي لبناء اقتصاد في عقود يضاهي اقتصاد ألمانيا الذي يعتبر من أقوى الاقتصاديات وأكثرها كفاءة وإنتاجية في العالم. لكن أصحاب الثروات من العرب يقفون حيارى أمام فرص الاستثمار في الوطن العربي الكبير بسبب انعدام الأمن والاستقرار، وشيوع الفساد على نطاق واسع، وتخلف القوانين، وانخفاض إنتاجية العامل العربي بوجه عام، فيما يقامرون بالاستثمار في دول الغرب التي تخرج من أزمة اقتصادية لتدخل أزمة أخرى. كما أن تردد المستثمرين العرب على الاستثمار في بلادهم يعود، على الأقل جزئياً، إلى ارتباطهم بقوى الرأسمالية العالمية والصهيونية التي لا تريد خيراً لشعب عربي أو حتى لطفل من أطفاله.
إن غياب المؤسسية من البلاد العربية جعل تفكير العرب أحادي الجانب، ينظر إلى الأمور من زاوية ضيقة تُخفي من الحقيقة أكثر مما تكشف بكثير، ما يجعلهم غير قادرين على استيعاب تعقيدات العصر الذي نعيش فيه، ووعي ما يشهده عالم اليوم من تغيرات ديناميكية وقضايا متشابكة. وعلى سبيل المثال، اتجه العرب خلال صراعهم مع الصهيونية إلى المقاومة المسلحة في بادئ الأمر، وحين فشلوا في كسب الحرب اتجهوا إلى المفاوضات السياسية، من دون أن يدركوا أن الحرب عمل سياسي بطريقة أخرى، وأن عزل العمل السياسي عن العمل العسكري يجعل من الصعب تحقيق الأهداف المرجوة. إذ فيما تعزز المفاوضات المقاومة المسلحة، تقوم المقاومة المسلحة بتعزيز المفاوضات من خلال زيادة الضغوط على الخصم ودفعه نحو تقديم المزيد من التنازلات. لكن العرب حين اختاروا خيار السلام مع العدو اتجهوا إلى التصرف كأنهم يعيشون شهر عسل مع عدو يضع نصب عينية استيطان المزيد من أراضيهم واستعمار كل شبر في بلادهم مستخدماً أمريكا التي استعمر عقول أبنائها واشترى ضمائر ساستها.
تحتاج الدول العربية أولاً إلى خطة عملية لوقف نزيف الدم في سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان، وتحتاج ثانياً إلى مشروع سياسي عسكري أمني يخرجها من طاحونة العنف والعنف المضاد، ويحمي فقراء الأمة العربية من المجاعة التي تهددهم، ويضمن قيام المدارس والجامعات بواجباتها التعليمية والتربوية بأمانة وإخلاص. أما على المدى الطويل، فإن البلاد العربية تحتاج إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على أساس حوارات سياسية وفكرية بين كافة أطياف المجتمع العربي، وإشراك كافة القوى الشعبية الفاعلة في عمليات استنهاض الهمم ومواجهة تحديات العصر، وتكليف مفكري وعلماء ومثقفي هذه الأمة برسم استراتيجية تنموية تحررية إنسانية، تبني ولا تهدم، تحقق المساواة والعدالة والأمن والاستقرار. إذ في غياب مثل هذا المشروع لن تقم للعالم العربي قائمة، ولن يتحقق حلم الجماهير العربية في الحرية والنهضة، ولن تستمر دول النفط العربية بالتمتع بإيرادات النفط طويلاً.
لذلك نقترح أن تسارع الدول العربية إلى انقاذ سوريا أولاً، وذلك بتشكيل لجنة عربية تقوم بوضع خطة لحل سياسي يقوم على المشاركة بين مختلف أطياف المجتمع السوري؛ على أن تقوم اللجنة، في حال نجاحها، بالعمل على ايجاد حلول سياسية لمشاكل الصراع الدائر في ليبيا واليمن والعراق والسودان. كما أن على الدول العربية أن تقوم ثانياً بعقد مؤتمر كبير نسبياً لمفكرين استراتيجيين ومثقفين وعلماء ورجال أعمال عرب من داخل الوطن العربي وخارجه، مهمته تحديد الأخطار الداخلية والخارجية التي تحيق بالوطن العربي ككل، وتقدير الإمكانيات والفرص المتاحة التي يمكن توظيفها في عملية هادفة تفضي إلى نهضة مجتمعية، وتقييم خطورة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الداخلية التي تواجه كل قطر عربي على حدة، وإعداد استراتيجية شاملة لمواجهة تلك الاخطار والتحديات. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يشكل المؤتمر المقترح لجان عمل متخصصة تقوم بالمهام التالية:
1. حصر عناصر القوة العربية السياسية والاقتصادية والبشرية، واقتراح خطة لحشدها وتوظيفها في خدمة مصالح الأمة العربية، وإدارة علاقات العرب مع الغير من دول ومنظمات دولية.
2. تحديد معالم خطة إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي لكل قطر عربي تتلائم مع ظروفه واحتياجاته الخاصة، بشكل يضمن تكاملها مع الخطة القومية.
3. وضع استراتيجية لتحقيق وحدة عربية نهضوية، تنطلق من قاعدة اقتصادية وتأخذ بعين الاعتبار الحقائق السياسية على الأرض وخصوصية كل قطر عربي، وترمي لتحرير الوطن العربي من التبعية بكافة أشكالها الاقتصادية والعلمية والعسكرية والأمنية.
4. رسم خطة لإقامة نظام أمن عربي مشترك تكون مهمته حماية حدود الوطن العربي، والدفاع عن مصالح وسيادة كل دولة عربية، ومساعدتها على تحرير نفسها من الوصاية الأجنبية.
5. رسم خطة عمل سلمية لإيقاف المد الصهيوني وتحرير فلسطين وإقامة دولة واحدة على أرضها، تشارك فيها قوى السلام والعدل العالمية، بمن فيها القوى اليهودية المناوئة للصهيونية والعنصرية.
6. رسم خطة إعلامية لمواجهة الصهيونية وحلفائها في كافة الساحات الرسمية والشعبية في العالم.
يعيش الواقع العربي اليوم حالة فراغ لم يسبق لها مثيل؛ وهذا يعطي دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والمغرب والأردن مجتمعة فرصة هامة كي تقود العرب إلى الخروج من المأزق التاريخي الذي وضعوا أنفسهم فيه. إن الأخطار التي تحيق بالعرب شعوباً وحكاماً وأرضاً كبيرة للغاية، وإن أمن كل نظام عربي مهدد من الداخل والخارج على السواء. كما أنه لم يعد هناك أي احتمال لحل الصراع العربي الصهيوني من خلال التفاوض مع إسرائيل وأمريكا؛ فإسرائيل تريد التوسع والاستيطان والهيمنة على العرب، فيما تقوم أمريكا بدعم التوسع والاستيطان بالمال والسلاح والمعلومات الاستخباراتية عن العرب، وتعمل على تمكين إسرائيل من انتهاك القوانين الدولية وتجنب العقاب، وتعارض فكرة قيام دولة فلسطينية، ما يستوجب وضع خطة تحرير بديلة. ولقد جاءت تصريحات نتينياهو ووزير دفاعه خلال الأسبوع الأخير من شهر ايلول 2014 لتقول إن إسرائيل لن تنسحب من الضفة الغربية ولن توافق على قيام دولة فلسطينية
حين بدأت عملية الاستعداد لعقد مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، أرسل الملك حسين، بناء على طلب أمريكا، السيد عدنان أبو عودة إلى واشنطن كي يجتمع مع السيد جميس بيكر وزير خارجية أمريكا، وذلك من أجل أن يُطلعه على موقف أمريكا من المباحثات. جلس أبو عودة يستمع لبيكر حتى انتهى الوقت المحدد للاجتماع من دون أن يفهم أبو عودة مغزى رسالة بيكر، وبعد تمديد اللقاء مرتين بناء على طلب أبو عوده، قال بيكر بصراحة: "إن أمريكا لا ترى أن من مصلحتها قيام دولة فلسطينية، لذلك لن تكون هناك دولة فلسطينية". وهذا يوضح سبب مماطلة أمريكا، وقيامها بوأد كل خطوة ايجابية نحو السلام، وامتناعها عن طرح مشروع لحل سلمي. وفي غياب حل سلمي للقضية الفلسطينية لن ترى المنطقة العربية سلماً أو استقراراً، وسيخسر كل حاكم عربي يتقرب من إسرائيل ويغازلها شعبيته ومصداقيته على المستوين العربي والدولي. إن القول بأن المرحلة الحالية خطرة يستصغر فداحة الخطر، كما أن القول بأن علينا أن نسرع يقلل من أهمية السرعة. وهذا يعني أن من ينظر من الحكام العرب لهذه التحديات من زاوية مصلحية خاصة فسوف يستيقظ بعد فوات الأوان ليجد نفسه وحيداً، وقد فقد كل شيء وأصبح لا شيء، فالفرص لا تسامح مُستهتر ولا تنتظر مُغفل، والعدو لا يكترث لما يحدث لضحاياه من آلام ومآسي.
إن سياسة الدول الاستعمارية القديمة والحديثة تستهدف إضعاف مصر لكونها أقوى الدول العربية، وبالتالي حرمان الأمة العربية من قيادة فعلية، وتعطيل مشاريع التنمية في البلاد العربية عامة. فالنخب الحاكمة في الدول الاستعمارية لا تريد أن ترى العربي يقف على قدميه، لكنها لا تريده أيضاً أن يصل إلى درجة اليأس وفقدان الأمل واللجوء إلى التطرف والعنف. ولهذا سعت تلك الدول وما تزال تسعى لأن يبقى العربي طفلاً يحبو على يديه ورجليه باستطاعتها توجيهه باستخدام الجزرة والعصا، لأنه إذا وقف على رجليه فسيكون بإمكانه أن ينظر في عين المستعمر، تلك العين القبيحة التي لا ترمش خجلاً ورهبة إلا حين تقف وجهاً لوجه أمام ضحيتها.
إن تراجع القوة الاقتصادية والقدرة التنافسية لكل دول الغرب الاستعمارية تسبب في تراجع قوتها العسكرية النسبية. من ناحية ثانية، يعمل الشلل السياسي داخل أروقة صنع القرار في أمريكا على اضعاف قدرة الإدارة الأمريكية على بدء سياسة تعتمد على القتال او المال بإمكانها الاستمرار طويلاً، فأضعف حليف لأمريكا في سياستها الخارجية هو الكونجرس الأمريكي نفسه، إذ لم يعد بالإمكان الاعتماد عليه لأن مصالح أعضائه تختلف وأحياناً تتناقض مع مصالح أمريكا وشعبها. لذلك اتجهت أمريكا بالتنسيق مع غيرها من دول استعمارية إلى تبني سياسة الدولة الفاشلة لضمان سيطرتها على الدول العربية واستغلال موارد العرب وثرواتهم الطبيعية والبشرية. كما أن تلك القوى اتجهت منذ استقلال الدول العربية إلى تعطيل مشاريع التنمية في البلاد العربية بشكل عام، لأن التنمية تمكن العربي من استعادة كرامته وثقته بنفسه، والوقوف منصوب القامة واحياء تراثه العلمي والإنساني، وتجديد طموحاته الحضارية.
إن تراجع ما لدى الغرب عامة من قوة اقتصادية وعسكرية نسبية يحرمها من القدرة على حماية أي نظام عربي "حليف" يتعرض لهجوم مجموعات مسلحة مثل داعش وجبهة النصرة والقاعدة، ولنا في اليمن والعراق خير مثال على ذلك. كما أن على العرب أن يدركوا أن الإمبراطوريات التي قامت في العصور القديمة والحديثة لم تعامل دولة أخرى بوصفها حليف، فهي تنظر لكل دولة تلجأ إليها وتحتمي بها بوصفها عميل، تتعامل معه بدرجات متفاوتة من الاحترام تتناسب مع أهميته وحاجتها للخدمات التي يؤديها لها. وهذا يجعل كل دولة كبرى على استعداد للتخلي عن أي عميل إذا رأت أن مصلحتها الوطنية تتطلب ذلك، ما يجعل كل علاقة بين دولة صغيرة وأخرى كبيرة هي علاقة غير دائمة، مصيرها الزوال، خاصة وأن المصالح لا تتوقف عن التغير والتحول. وعلى من يشك في قولنا هذا أن يراجع تجارب الشعوب المختلفة مع هذه الدول الاستعمارية، فهناك تجربة الجزائر والمغرب وسوريا وفيتنام مع فرنسا، وتجربة الفلبين وفيتنام وباكستان وأفغانستان مع أمريكا، وتجربة مصر وفلسطين والصين وماليزيا مع بريطانيا.
وقبل أن نختتم هذه الدراسة نوجه للحكام العرب ثلاثة أسئلة بريئة، هدفها حثهم على التأمل.
1. ماذا كسبت كل دولة أسهمت في تدمير سوريا، وكم كسبت من حلفاء جدد لديهم الاستعداد للوقوف إلى جانبها في المسرات والمضرات؟ وكم خسرت من الأصدقاء والشعوب العربية والأموال التي كان يمكن توظيفها لاقناع الأسد بتغيير سياساته وتنمية بلاده ومشاركة السلطة مع غيره.
2. كم نصيحة سمعها حاكم عربي من بريطانيا أو فرنسا أو أمريكا أو إسرائيل وكان لها دور ايجابي في تنمية اقتصاد بلده، أو استقرار نظام حكمه، أو طمأنته واطمئنان شعبه.
3. هل اضطرار الأردن إلى التعاقد على شراء غاز من إسرائيل يصب في مصلحة أي بلد عربي خليجي او غير خليجي؟ إن شراء الغاز من إسرائيل يجعل اعتماد الأردن على إسرائيل للحصول على مصادر الماء والطاقة شبه كامل، ما يجعل الأردن تحت رحمة عدو لدود يتطلع إلى احتلال أراضيه واستيطانها؟ هل إمداد الأردن بالغاز الخليجي والاستثمار في مصادر الطاقة البديلة يخدم مصالح العرب ويحافظ على استقلال الأردن ويعزز دوره في حماية الأمن العربي؟ 
4. ما فائدة المال الذي لا يوفر لصاحبه الشعور بالأمن والاطمئنان، ولا يجلب له حب أو احترام الغير من الناس؟ هل استثماره في تنمية البلاد العربية قد تبعد عنه خطر الحرب والتطرف؟
من ناحية ثانية، إن على من يعتقد أن لدى أمريكا رغبة في مساعدة دولة فقيرة كي تنمو وتتحرر ان يفكر في حال دول أمريكا الجنوبية وما آلت الأوضاع فيها. إذ مع أن تلك الدول تشكل بالنسبة لأمريكا أرضاً بكراً قابلة للاستثمار، وأسواقاً ذات إمكانيات كبيرة، وحديقة جميلة للمتعة والترفيه عن النفس، ومصدراً رئيسياً للجريمة والعنف والمهاجرين غير الشرعيين، إلا أن امريكا اهملت تلك القارة، بل قامت بالاسهام في انهاكها وحرمانها من فرص التنمية والنمو. وعلى من يعتقد أنني أبالغ في قولي هذا، وأن أمريكا تسعى لمساعدة دول أمريكا الجنوبية أن يلقي نظرة على ما وصلت إليه أحوال تلك الدول من فقر وبؤس وتخلف. وعلى افتراض حسن نوايا أمريكا، فإن تجربتها في أمريكا الجنوبية تثبت أنها فشلت فشلاً ذريعاً في مساعدة أية دولة على تحقيق التنمية أو الاستقرار أو التخلص من عصابات تهريب المخدرات، وما تقترفه تلك العصابات عادة من جرائم بحق الأطفال والنساء والابرياء عامة.
قال أحد المسئولين الأمريكيين قبل عقود مخاطباً اليهود في نيويورك: "إن من حق اليهود أن يعيشوا ]في أمريكا[، ولكن ليس من حقهم أن يزدهروا Jews have the right to exist, but have no right to prosper" لكن اليهود استطاعوا، على الرغم من هذا الموقف الأمريكي العنصري، أن يعيشوا ويزدهروا ويسيطروا على نشاطات حيوية في كل مجال من مجالات الحياة الأمريكية، وأن يتحكموا في مؤسسات علمية ومالية وثقافية وإعلامية وترفيهية وتعليمية كثيرة جعلتهم أهم جالية في أمريكا، وأكثر الجاليات قوة ونفوذاً من النواحي السياسية والمالية والإعلامية والثقافية والتعليمية.
واليوم، يواجه العرب نفس الموقف العنصري من النخب الحاكمة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكندا واستراليا وإسرائيل، فهل باستطاعة العرب ان يستمروا في العيش في أوطانهم، وأن ينهضوا على أرضهم، وأن يزدهروا في بلادهم كما فعل اليهود في بلاد كانت قبل عقود لغيرهم؟ حين تصر إسرائيل على اعتراف العرب بحقها في الوجود كدولة يهودية، وتقوم كل القوى الاستعمارية بتأييد مطلبها هذا ودعمها بالمال والسلاح وتعطيل القوانين الدولية، فإن تلك الدول تقول في الواقع إنه لا يحق لغير اليهود العيش في الأرض التي يتطلع الصهاينة إلى احتلالها واستيطانها من النيل إلى الفرات.


---------------------------------------------------------
د. محمد ربيع : www.yazour.com
 

الإسلاميون" والحاجة إلى نقد الذات

المختار بنعبدلاوي*
تستحق مبادرات "الإسلاميين" الكثير من التقدير في العشرية الأخيرة؛ لقد بذلت أحزابهم جهدا كبيرا للتلاؤم مع مقتضيات التحول الديمقراطي، وغيرت الكثير من مناهجها، ومن مصطلحاتها، وأهدافها، دون أن يكون لذلك أي أثر على عمق وأصالة الاعتقاد الديني، وهذا في الحقيقة تحول كبير، انعكس إيجابا على "الإسلاميين" الذي أصبحوا أكثر حضورا في المجال العام، وعلى خصومهم، وشركائهم، لأنه أصبحت لهم قيم مشتركة، ومعايير يمكن البناء عليها، والتعاون انطلاقا منها.
بقدر ما كان هذا التحول مفيدا للإسلاميين، الذين تحولوا، بفعل ذلك، من كتلة ساكنة، إلى قوة حيوية فعالة، انعكس على خصومهم الذين ارتفع سيف التكفير عن أعناقهم (ولو من طرف فصيل واحد من هذه القوة الصاعدة)، والذين أصبح بإمكانهم التعبير عن علمانيتهم دون وجل، ودون خوف من أن يسبق عذاب الأرض ما قد تخفيه السماء.
القيمة الكبرى الأخرى، التي حملها الإسلاميون معهم، وهي تدخل في خانة الإمكان وليس المتحقق ضرورة، أن صعودهم كان يمكنه أن يحمل معه إمكانية لرأب الفراغات التي زرعها المشروع الأطلسي، بتمزيق المنطقة إلى أعراق ومذاهب وقبائل؛ فالإسلام المفتوح والمعتدل هو الخاصية الأكثر مشاركة في المنطقة، وهو ما كان يمكن أن يمثل أفضل درعا لحمايتها، وعنصرا يعزز المشترك في زمن يعمل فيه الجميع على إذكاء الفرقة والاختلاف...
كان من الممكن أن ينتبه الإسلاميون إلى أن الغول الأطلسي لا يميز بين إسلامي وليبرالي وقومي ويساري وعلماني، لا سيما بعد انكشاف نتائج التحالف في أفغانستان، وحرب العراق، وأن الهدف هو ضرب الأبيض بالأسود، وتمزيق المنطقة إربا، وأن مصلحتهم هي أن يكونوا شركاء مع القوى الأخرى، من أجل مستقبل يحمل معه الاستقرار والحرية والكرامة؛ فهل كانوا كذلك؟
جاء بعد ذلك "الربيع العربي" بأزراره وأوزاره تقاطعا لكل النوايا الطيبة، التقت فيه كل الإرادات الحسنة، وشقت لها طريقا من أجل غد أفضل... استفاد الإسلاميون من هذا الحراك ووصلوا إلى الحكم في مصر، وتونس، وشاركوا فيه في المغرب واليمن، وكان من الممكن أن يتحقق لهم نفس الوضع في بلدان أخرى لو أن المسار الديمقراطي وجد مسالك أفضل، فكيف تعاملوا مع شركائهم في الثورة؟ وهل تصرفوا كأغلبية سياسية حكيمة؟
هل نجح الإسلاميون أن يكتشفوا، في خضم الثورة، أن الحق في التنوع والاختلاف لا يعني الآخرين فقط وأنه يشمل تلويناتهم العقدية، والمذهبية، والسياسية كذلك؟ هل اعترفوا بهذا التنوع؟ وهل احترموه؟ وهل بذلوا مساعي صادقة وجدية لتجسير هذا التنوع المذهبي والسياسي فيما بينهم؟
للأسف؛ أعمى غول السلطة الإسلاميين في بلدان "الربيع"، فأقبلوا عليها بشراهة شقتهم إلى فسطاطين: إخوانيين وسلفيين (دون الدخول في تفاصيل التنوع داخل هذين الفسطاطين نفسيهما)، فأقصوا بعضهم البعض، وأقصوا من هم دونهم حتى فشلت ريحهم في مصر، وأشرفت على ذلك في تونس، وهما البلدان اللذين نجحا في تحقيق أكبر انتصاراتهم فيها. أما في البلدان التي شاركوا فيها في السلطة، فقد تحولوا من قوة منافحة عن المجتمع إلى قوة في يد الدولة، وأعادوا إنتاج نفس السيناريوهات التي رأيناها مع القوى الأخرى في الماضي، و بصورة ممجوجة أحيانا.
لقد أدى "حب السلطة" بالإسلاميين في مصر، وتشبتهم بها إلى تفكك الكتلة التي أنجزت الثورة، وعودة العسكر إلى الحكم، فأعادوا دواليب التاريخ إلى الخلف. ولحسن الحظ أن الحس النقدي لحركة النهضة لا زال حيا بصورة جعلها تستتفيد من الدرس المصري، وتقفز فوق المطب الذي كاد أن يفتك بها، ويودي بتونس إلى مهالك لا تحتملها...
إن لا تاريخانية (المقصود هو العودة إلى أحقاد الماضي لتبرير تطاحنات الحاضر) التجربة السياسية لدى الإسلاميين ليست إلا الرزية الأصغر، أما الرزية الأكبر فهي أنهم حولوا الإسلام من درع حام للمنطقة إلى شتات مذهبي وإقصائي يمزقها. تصرف جزء كبير من إسلاميي "السنة"، وقسم من إسلاميي "الشيعة" كعصب مذهبية، وعادوا إلى التاريخ لكي يلتقطوا جميع مبررات الاقتتال المنسية، ففتحوا أوطانهم للغازي والأجنبي، وهيؤوا الشرط الإقليمي لخسارة قضاياهم الكبرى، وفقدان مقدساتهم المحتلة، ربما، إلى الأبد.
لم يتصرف الإسلاميون منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي" كسياسيين، ولا حتى كمسلمين بل تمنطقوا بمذاهبهم، وخاضوا حروبا مدمرة على بعضهم البعض، استفاد منها أعداؤهم فقط: من المستفيد من تدمير العراق وسورية التي كان يطلق عليها، وإلى عهد قريب، مسمى دول الطوق؟ من المستفيد من استمرار الحصار على غزة؟ ومن العزلة التي ما فتئت تعانيها السلطة الوطنية في رام الله؟ وإلى أية درجة لعبت هذه الأيديولوجيا العقيمة دورا في تحويل الصومال إلى دولة فاشلة، وتقسيم السودان؟ وما هو نصيبها من المسؤولية في محو التنوع الديني والثقافي، الذي كان عنصر قوة واستثناء في المنطقة العربية، ودليلا على تسامحية المسلمين في مقابل المذابح الدينية التي عرفها الغرب؟
أكثر من هذا، وحتى بمقاييس المذاهب، ألا يحق لنا أن نقول أن: الأغلبية "السنية" المطمئنة على وضعها هي من يفترض أن يعطي الضمانات للأقليات النووية؟
كان الشيعة العرب دائما معتزين بانتمائهم لمدرسة النجف، في مقابل مدرسة قم الفارسية، لا سيما مع وجود أغلب المراقد المقدسة في العراق، وكان انتماؤهم إلى المنطقة العربية غالبا على أي انتماء آخر، لكن بدل أن يعمل "الإسلاميون السنة"، حكومات وحركات، على الدفع بمنطق التقارب، تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي أو خارجها، سقطوا في سياسة المحاور، وفي المزايدة الإخوانية السلفية، فدفعوا بجانب من الشيعة العرب إلى البحث عن الحماية، والتخندق خارج المنطقة العربية، تماما كما وجد عدد كبير من أصحاب العمائم السنية في تركيا "الحلف الطلسي" راعيا مريحا.
بهذه الصورة حول الإسلاميون الإسلام من قوة جامعة إلى أداة مشتتة، وخربوا دول الطوق في سورية والعراق ولبنان بالتشجيع على أولوية "قتال الروافض"، تحت مبررات استعاروها من التاريخ، ومن قواميس التبديع والابتداع المتهالكة، بل ووضعوا "حركة حماس" وبقية فصائل المقاومة في غزة في حيص بيص، بين من يمدها بالسلاح والتدريب، وبين من يقبل أن يغمض أعينه أو أن لا يغمضها على مرور هذا السلاح والتدريب.
لقد خسرت "حماس" جزءاً أساسيا من الدعم العسكري والسياسي الذي كانت تتلقاه دون أن يكون هناك من يمكنه أن يعوضها ما خسرته، لا سيما وأن المحور السني انقسم بدوره إلى معسكرين يقاتلان "عدوا واحد مفترضا" في سورية، ويقتتلان بصورة أشد فيما بينهما، بينما يجري أحدهما وراء الآبار النفطية في العراق (داعش) ويكتفي الآخر (النصرة) برفع علم الانتداب على سورية على بوابة القنيطرة، أمتارا قليلة في مقابل القوات الإسرائيلية، كما هو الحال بين حرس الحدود في أي بلدين متجاورين.
عندما نمعن في هذه الأخطاء التي يؤدي كل العالم العربي والإسلامي ثمنها، يبتبين لنا أن جريرة الإسلاميين أنهم تصرفوا كقوة دينية حين كان يفترض بهم أن يتصرفوا كقوة سياسية، وكطائفة مذهبية حين كان يجب أن يتصرفوا كقوة دينية حكيمة ومتسامحة.
إن هذه الأخطاء التي دفع العالم العربي ثمنا كبيرا لقاءها لا زالت قابلة للمراجعة والإصلاح إذا انتبه "الإسلاميون" أن قوتهم الحقيقية إنما هي في المجتمع، وأنهم إذا خسروا المجتمع فلن تقوم لهم قائمة بعد ذلك.
لا زالت هذه الأخطاء قابلة للإصلاح إجمالا، إذا انتبه الإسلاميون أنهم بولج المجال لم يعودوا يمارسون العقيدة بالمعنى الشخصي والتقليدي، بل أصبحوا يرتدون جبة السياسة، من الرأس إلى أخمص القدمين، وأن القرارات السياسية لا تؤخذ بناء على المذهبية الضيقة، ولا حتى على التأويلات الدينية الأعم، ولكنها تنبني على رؤية سياسية للمرحلة، في ظل إحساس عميق بالمسؤولية، وبناء على مشروع قادر على التحقق، بالاستناد إلى قاعدة بشرية، وإلى حلفاء سياسيين، وإلى قيم أخلاقية وسياسية، وأن السلطة ليست إلا وسيلة لذلك، بل قد لا يصبح لها من معنى خارج هذه الأهداف.

 

-----------------------------------------------

*أستاذ جامعي في المملكة المغربية ورئيس مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية في الدار البيضاء

 

عن الثقافة العربية وكيفية احياء دورها الحضاري

للثقافة معنيان متمايزان، لكنهما متواصلان: أحدهما عام والآخر ذو مدلول محدد. في المعنى العام نقصد بالثقافة عموم خبرة المجتمع، الحاضرة والموروثة: أي النمط الكامل لحياة المجتمع، بما في ذلك لغته، أدبه، فنونه، نمط عيشه، سلوكه الاجتماعي، ترتيبه لأولوياته، وطريقة تعامله مع قضاياه واهتماماته.
 بهذا المعنى العام نستطيع القول أن كل مجتمع وطني، كبير أو صغير، يعيش ثقافة خاصة به، بصرف النظر عن جدارة ثقافته، وأن هناك مئاتا من الثقافات عبر العالم تتمايز عن بعضها في الموروث من الخبرات والعقائد والأعراف، وتتفاوت في حاضرها بمقدار استقرارها الاجتماعي، نضجها السياسي، انضباطها الخلقي، ومحصولها من المعرفة ومهارات التنظيم والإنتاج.
بهذا المعنى أيضا تشكل الثقافة أحد أهم المكونات الخمس لهوية المرء، إلى جانب الوطن، الدين، العرق، التخصص المهني. على أن الثقافة والعرق هما الأدل على الهُوية، كونهما الأعمق جذرا في تكوينها، فقد يستبدل امرؤ، إذا ما شاء، وطنا بوطن، دينا بدين، مهنة بأخرى، لكنه لا يملك أن ينسلخ من ثقافته أو عرقه بمجرد أن يريد.
أما المعنى الآخر للثقافة فيدل تحديدا على نصيب موفور من المعرفة والتهذيب، يتحلى به شخص ما فنقول عنه أو عنها أنه أو أنها شخص مثقف. في النسق نفسه، عندما نعهد في شخص ما تميزاً معرفيا وخلقيا، نقول أنه أو أنها على ثقافة عالية. من ذلك تتضح لنا مفارقة ظريفة: مع أننا بالمعنى العام للثقافة نستطيع القول أن لكل مجتمع ثقافة، في المعنى الآخر لا نستطيع القول أن كل فرد ضمن أيما ثقافة شخص مثقف. هذه الثنائية في معنى الثقافة نجد ما يوازيها في اللغة الإنكليزية: فكلمة culture تعني خبرة المجتمع ككل، كما تعني الوفر المعرفي والصقل الخلقي على صعيد الأفراد.
*من هو المثقف؟
هو الشخص الذي يمتلك قدرا وافيا من المعرفة بقضايا العصر، وطنية وعالمية، بحيث يستطيع أن يكوّن رأيا حصيفا إزاء ما يهمه منها، وأن يعبر عن رأيه ويدعو اليه الآخرين إذا شاء. لا يكون المثقفون بالضرورة على توافق في آرائهم، كما لا يكون جميعهم على نفس درجة الاهتمام والالتزام بالقضايا العامة. لا ضير ولا غرابة في ذلك، فللناس رؤاهم، والمثقف كأي واحد منهم، مواطن حر، إذا شاء أسهم في قضايا مجتمعه، وإذا شاء عزف.
*ما علاقة الثقافة بالحضارة؟
من نظرنا في التاريخ لا نجد حضارة إلا أنها نشأت وليدة ثقافة حية استثرت ذاتيا بتقدم معرفي، بمراس على التنظيم، بوفر في الإنتاج، وبرقي في الأخلاق. بهذا المعنى، الثقافة أم الحضارة، لكننا نجد البنت َسرعان ما تتفوق على الأم عندما الحضارة، بأفق أوفى وأشمل نظرا في الشأن الإنساني، تتجاوز إطار الثقافة التي خرجت من رحمها بادئ الأمر. هكذا تحصل في الخبرة العربية الإسلامية عندما تحضرت الثقافة العربية بالإسلام، ولاحقا استقبلت معارف حضارات أخرى، معاصرة وسابقة. هكذا تعدت الثقافة العربية حدود ذاتها وأنجبت حضارة الإسلام.
*ما العلاقة بين الثقافة العربية والقومية العربية؟
العروبة قومية ثقافية بقدر ما هي ثقافة قومية، لذا نفي وجود القومية العربية، كما نسمع ادعاء ذلك أحيانا من البعض، في الحقيقة نفي لوجود الثقافة العربية التي ارتبطت بها ولا تزال هوية الإنسان العربي، داخل الوطن العربي وفي المهجر.
في واقع الحال المتشخص بالقومية العربية متشخص بالثقافة العربية، والعكس صحيح، بصرف النظر عن فارق عرق أو دين أو لون أو منشأ وطني. ذلك أن العروبة يوم أن تحضرت بالإسلام خفضت العرق وأعلت الأخوة في الدين والتماثل في الخلق، شجبت التفاضل بالمال والجاه والسلطة، وباركت التمايز بالتقوى والعلم وخدمة الناس. إثر فتح مكة، أعلن النبي العربي الفصم بين الماضي الجاهلي المؤكد عصبية العرق، والحاضر الإسلامي المؤكد كرامة الإنسان، فدعا قومه إلى ترك الاستعلاء بالنسب، وأصّل بينهم المساواة. قال مخاطبا قوما ما عرفوا قبلاً سوى العصبيةَ القبلية قاعدةً للحياة: "يا معشرَ قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب".
بذلك أخرج نبي الإسلام قومه من عروبة عرق ونسب قبلي إلى عروبة ثقافة رحبة، متوائمة مع عالمية الإسلام وإنسانية مقاصده. بذلك أهّل العروبةَ لتكون الثقافة المركزية في الإسلام، لتكوّن أمة وسطا شهيدة على نفسها وشاهدة على الناس، ولتسلك بذلك مسلكَ القدوة بين الأمم. قبل ذلك وصف القرآن الكريم نفسه مكررا بعربي، لا انتساباً لعرق، وإنما اتصافاً بثقافةٍ شرحة بليغة خيرة.
*هل نحتاج لاستراتيجية ثقافية؟
نعم نحتاج. ذلك لأن حفظ الثقافة بالنسبة لنا يعني حفظ الهوية الوطنية والقومية بسواء. من هنا ضرورة أن يكون لدينا عملا نشطا وهادفا لأجل تعزيز الارتكاز الثقافي وتوطيده. من أهم استحقاقات المرحلة الراهنة، على ما أرى، تأصيل ثقافة المعرفة في خبرتنا الوطنية، بمعنى إحداث حراك ثقافي يعرّض أفقنا الفكري، ينمّي رصيدنا المعرفي، يطور قدراتنا العملية، ويمكننا من إنجاز تقدم كمي ونوعي معا في ترادف واتساق. ذلك يعني تأصيل المعرفة كقيمة متصدرة بين القيم التي نعتد بها، نحتكم إليها، ونستبصر بمعطاها في تدبير ما يعنينا من شؤون عامة وخاصة. بذلك نولي ثقافتنا الوطنية - الموصولة طبعا بالثقافة العربية عبر الوطن العربي الكبير - وجهة معرفية تتطور بها مع الزمن إلى ثقافة معرفية بامتياز، قادرة على دعم تنمية وطنية إنسانية، جامعة ومستدامة. إجمالا، أرى أن يكون التركيز الثقافي، وطنيا وعربيا، على الأبعاد التالية:
البعد الفكري: لأجل ضمان سلامة منهجية التفكير
البعد المعرفي: لأجل إنماء ثقافة المعرفة
البعد الاقتصادي: لأجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع بترادف واتساق
البعد الخلقي: لأجل تأكيد ضرورة الاستقامة في الحياة
البعد الإصلاحي: لأجل تفعيل التوجه الإصلاحي كواجب وطني مستدام
البعد العروبي: لأجل تعزيز الثقافة العربية بمضمونها الحضاري
البعد الإنساني: لأجل تأكيد المشترك الإنساني عالميا
*ماذا يتطلب العمل لأجل تفعيل هذه الأبعاد في الثقافة العربية؟
يتطلب وعيا جماهيريا بأهمية الثقافة كحاضنة جامعة ترتبط بها الهوية الوطنية والقومية معا. يتطلب رعاية من الدولة من حيث توفير ممكنات النماء الثقافي. يتطلب إسهاما فاعلا من المثقفين من خلال أعمالهم الأدبية والمعرفية وعموم نشاطاتهم المدنية. يتطلب غرسا مبكرا من خلال المناهج التعليمية لتنشأ الأجيال مثمنة ثقافتها العربية الإسلامية التي شكلت تاريخيا ولا تزال إحدى أثرى الروافد في تنظيم الشأن الإنساني وترشيده عبر العالم.
* ثورة ثقافية؟
لا أراني مائلا إلى خيار الثورة من أي نوع للتعامل تصحيحيا مع أيما شأن وطني. الثورة قلما تكون مأمونة العواقب، بل إنها في الأعم تتلف أكثر مما تفتح مجالا للتعمير. ذلك أن الإتلاف سهل، أما الإعمار فشاق ومكلف. تجارب العالم العربي بالثورات مريرة ومخيبة على امتداد الحقب الأخيرة. الأجدى أن نثابر بإصرار على مسار الإصلاح بمنهجية مؤسسية تطويرية مستدامة. خير أن نتقدم حثيثا ضامنين سلامة ما ننجز من أن نخاطر بفورة ثورية يصعب التحكم في مسارها ودرء ما قد تحدث من تلف. من دروس التاريخ الحديث: الثورة الثقافية في الصين على امتداد عقدٍ بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي ألحقت بالبلاد أفدح الأضرار. من بعدها نهجت الصين نهجا تطوريا في الإصلاح.
* تأثير وتأثر الثقافات المختلفة في سياق التطور المرتقب
في سياق التطور الحضاري الذي أرصده عبر العالم أرى توجها متسارعا نحو مماثلة مؤسسات الحكم وأطر حقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة من جهة، ومماثلة أنماط العيش والإدارة والإنتاج والتجارة والتعليم وسواها من مرافق الحياة، من الجهة الأخرى: اجمالا، أرى عولمة بامتياز. من ذلك أستشرف تبلور حضارة عالمية ذات معايير ومواصفات إنسانية موحدة، تتناغم تحت سمائها سائر الثقافات بفاعليات متفاوتة بمقدار ما تمتلك كل ثقافة من عناصر التقدم وقدرات التأثير. من هنا أرى فرصة أمام مختلف الثقافات، من خلال إسهامات إيجابية وفاعلة، أن تجعل حضارة الغد حضارة جامعة، راسية في مبادئ وقيم أخلاقية عالمية، وملتزمة بمقاصد عليا تخدم الشأن الإنساني بأسره، كما في مجالات ضمان حقوق الإنسان، حفظ الأمن، نشر العلم، تحقيق اليسر المعيشي، حفظ البيئة الطبيعية، توفير العناية الصحية، وسواها من الأمور الحيوية التي تسعى لتحقيقها في أوطانها سائر الشعوب.
إجمالا، أطمح أن أرى حضارة الغد حضارة إنسانية بامتياز: رحبة ونبيلة، مستوعبة وراعية لتنوع خبرات الشعوب. فمع أن الحال الإنساني في جوهره حال واحد، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، حال يصلح بذات الأسباب ويفسد بذات الأسباب مهما كانت الفوارق الثقافية، إلا أن خبرات الشعوب تتنوع، وفي التنوع تكامليا إفراز لخير ما يمكن أن يحققه الإنسان على مدرج الارتقاء. إن تاريخ الحضارات، من حيث نهوض كل حضارة بدفع من حضارة سبقتها أو زامنتها، يشهد لمثل هذا التدافع الإيجابي المستدام بين الأمم.
الثقافة العربية، بمركزية موقعها في حضارة الإسلام، تأتي بمخزون حضاري وفير يؤهلها أن تشكل رافدا عظيما من روافد حضارة الغد الجامعة، لكن هذا لن يتأتى من حال الركود العربي الراهن. لكي يكون للثقافة العربية إسهام جدير في حضارة الغد لا بد لأهلها أن يحدثوا أولا تحولا ذاتيا في ثلاثة أمور حيوية:
- عليهم أن يتضامنوا فيطوروا مجتمعا عربيا متواصلا، متكاملا ومتعاونا في تفعيل شتى إمكانات الحياة الإيجابية، ومن ثم أن ينجزوا تنمية إنسانية شاملة ضمن الأوطان وعبر الوطن العربي الكبير.
- عليهم أن يرتقوا إلى نظام ديمقراطي واف وشفاف، نظامٍ قائم وضوحا على مبدأ المشاركة العامة في صنع القرار العام.
- عليهم اقتباس معارف العصر، ومن ثم إنماؤها ذاتيا، وانتهاج المنهج المعرفي في تدبير الشأن الوطني والقومي بأفضل ما يستطاع، وعمل هذا كله بتواؤم مع المشترك الإنساني الذي ينبغي أن تنتهي إليه وتصب في إنمائه الإسهامات البناءة من نتاج جميع الثقافات.
* دور المثقفين العرب في إحياء الثقافة العربية
إحياء ثقافة أيما أمة لا يكون خارج إطار إصلاح وإنماء وضع تلك الأمة ككل، وإنما يأتي شقا حيويا من برنامج الإصلاح والإنماء. لقد جاء تراجع الأمة العربية وانحسار ثقافتها ضمن تراجع الخبرة الإسلامية عامة، وجاء مُسبَبا بأربع: بتجزؤ الوطن، بهجر الشورى، بالانصراف عن الاجتهاد المعرفي، وبالاختصام الداخلي. إعادة بناء وضع الأمة وإحياء ثقافتها يتطلب نقضا لعناصر التراجع تلك: يتطلب تحديدا توجيه الأوطان والأمة ككل وجهة التضامن والحوكمة الرشيدة والتقدم المعرفي والوئام الاجتماعي. ذلك بدوره يتطلب ريادة تاريخية فائقة من المثقفين العرب، بل وتثبتا شجاعا في الصدق والصبر واللاعنف، مع الاستعداد طردا لبذل جهد جهيد ومديد.
العروبةُ ثقافةٌ ثرةٌ خيرة: في طيها سمين أكثر كثيراً من زبد، طيب أكثر كثيراً من غث، صالح أكثر كثيراً من طالح. حريٌ بهذا السمينِ والطيبِ والصالحِ أن يُستظهر، وخليق بعرب هذا العصر أن يدَعوا الزبَدَ والغث والطالح ويُعنوا تحديدا بما يصلح ويفيد. لا تتقدم ثقافة، بل لا تتعافي، دون أن تتجاوز سلبيات ماضيها، ودون أن تستحضر إيجابياتٍ انبنتْ فيها من قديمٍ، فتحي تلك من جديد. ولو أن كل جيل آثر قعودا قي ماضيه على نهوض في حاضره وطموحِ صعودٍ في مستقبله، لما خطت أمةٌ خطوةً إلى الأمام.
============================
*صادق جواد سليمان، سفير عُماني سابق في واشنطن وطهران، والمنشور أعلاه هو من نص مقابلة في العدد الأول لمجلة "شرق-غرب" العمانية: عدد يوليو/أغسطس 2014. المجلة شهرية ثقافية تصدر في مسقط عن دار "زوايا للصحافة والنشر". أجرى المقابلة مدير تحرير المجلة، عقيل بن عبد الخالق اللواتي.
  

الجهد الوطني في خدمة الخطط الإستباقية لقطاع النفط والغاز

بقلم: د.ثامر العكيلي

 مهداة الى الدكتور حيدر العبادي متمنيا له النجاح
يمر العراق بمرحلة صعبة من تأريخه الحديث لبناء بلد ديمقراطي في ظروف تتكالب عليه شراذم أجنبية متخلفة مدعومة من بقايا النظام السابق، ومثلما يجب إستخدام الخطط العسكرية الإستباقية لدحر العدو وتفويت فرص المفاجئة عليه, تحتاج إدارة الدولة الى تبني الإستباق في كل شيئ وعلى رأس ذلك إدارة عصب الدخل القومي قطاع النفط والغاز.
وكما حدث غداة حرب الخليج الاولى في حملة الإعمار بالاعتماد على الجهد الوطني, مع إختلاف الظروف, فان كوادر قطاع النفط يمكنها عمل الكثير الان اذا توفرت القيادة الكفوءة والدعم الحكومي ووضوح الخطط. فاذا كان عامل الخوف من السلطة السابقة سببا ساهم في نجاح حملة الإعمار في وقته فان الحس الوطني وعامل الخطر الحالي المهدد الاكبر لوحدة واستقرار العراق كفيل بتحقيق نتائج أفضل لإعداد وتنفيذ الخطط الإستباقية التي سنقترحها في هذا الإستعراض المطروح لتبادل وجهات النظر ثم إنضاجه عبر ندوة تعقد لهذا الغرض في أقرب فرصة ممكنة, علما بأن الدعوة مفتوحة لمن يرغب باقتراج الاضافة والتعديل في الوقت الحاضر**.
من يخطط....؟
تُشكل هيئة من الكفاءات العراقية ذات الخبرة والدراية، يتم إختيارها بعيدا عن المحاصصة وفق الاسلوب الاتي:
1- يتم اختيار خمسة خبراء من قبل رئاسة الوزراء تكون "النواة" لإستكمال تشكيل الهيئة بعد اختيار/ ترشيح عشرين خبيرإضافيا. يتم إختيار رئيسا ونائبي رئيس لها.
2- تضم "الهيئة" خبراء ممن اشتغلوا في:
قطاع النفط والغاز، (خبراء مكامن, انتاج, حفر, تصفية, توزيع منتجات و مشاريع)؛
الجهد الإستخباري؛
النقل العسكري و طيران ألجيش؛
مكافحة الارهاب؛
العمل البرلماني؛
وزارات الصناعة والكهرباء والري.
ترتبط "الهيئة" بمجلس الوزراء وتُعطى الصلاحيات إستنادا الى متطلبات الأمن الوطني في الظروف الحالية وتكون مهمتها الإعداد والإشراف على تنفيذ خطة طوارئ إستباقية لقطاع النفط والغاز. تراعى السرعة بتشكيل الهيئة والمباشرة بأعمالها ويؤمن الإتصال بخبراء النفط العراقيين ممن تركوا الخدمة ولديهم الإستعداد للعمل في الهيئة مدار ألبحث.
تنسق الهيئة مع السيد وزير النفط ووكلاء وزارة النفط وبقية الوزارات ذات العلاقة و تكون بعدئذ قراراتها، (أكثرية ثلتثي الاعضاء)، ملزمة التطبيق.
تعيد الهيئة النظر بخطة استراتيجية قطاع الطاقة الحالية بما ينسجم مع الخطوط العريضة للتوجّه الإستباقي المقترح في هذا العرض، وذلك بعد تشكيل فرق عمل في الوزارات المعنية لغرض التنسيق مع الهيئة.
تاثير الاحتقانات بين الكتل السياسية؛
يجب الإستفادة من الدروس التي تمخضت عن الخلافات السياسية بين الكتل والفئات المختلفة لتخطي الظروف الحالية.
دور الجهد الإستخباري والعسكري لتصنيف المناطق الآمنة؛
ينبغي الإستفادة من الدروس الأمنية التي تمخضت عنها الأعمال الارهابية و"العصيان المدني"، وإستشعار مستقبل الأوضاع الأمنية في عموم مناطق العراق لتقرير واقعية إعداد الخطط التي نتكلم عنها.
تحديد درجة أمان مناطق العمليات التي ستشمل بالخطط:
مناطق الدرجة الاولى: سيطرة كاملة للقوات الامنية و جهاز مكافحة الارهاب بدون خطر مستقبلي؛
مناطق الدرجة الثانية:سيطرة غير متكاملة؛
مناطق الدرجة الثالثة: مناطق قتال في طريق السيطرة عليها؛
مناطق الدرجة الرابعة:خارجة عن سيطرة الحكومة المركزية؛
أ: تحت سيطرة قوات البيشمركة؛
ب: تحت سيطرة متمردين.
المحاور الرئيسة المقترحة للخطط الاستباقية؛
أ: المنتجات النفطية
1- توفير المنتجات النفطية، "بما في ذلك الغاز ألسائل"، للإستخدام المدني والعسكري، (من المصادر ألمحلية والاستيراد)، بعد أن توقف مصفى بيجي وتعذر توفير الحماية اللازمة لخطوط نقل المنتجات في مناطق عدة في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من البلاد.
2- خزن المنتجات ونقلها الى مراكز الإستهلاك الرئيسة مع التنسيق اللازم لتأمين الحراسة لها:
بناء خزانات منتجات، (بما فيها "تحت الارض")، في مناطق أمينة و متفرقة من العراق؛
إعادة إعمار خط المنتجات بغداد- الزبير، وزيادة طاقة الضخ، إضافة الى إنشاء خط او خطوط اخرى.
ب: التصفية
1- الإسراع بتشييد مصفى كربلاء ، بمشاركة الجهد وطني، وبدء تجهيزه بالنفط الخام من حقول الكفل, غرب الكفل ومرجان (أسلوب المشروع الرائد كخطوة أولى)، أضافة الى إنجاز بناء مصفى ميسان والناصرية، مع تشييد مستودعات خزن كافية.
2- بناء بعض المصافي المتنقلة في أماكن متفرقة وقريبة من مراكز الاستهلاك الرئيسة.
3- ملء خزانات ومنشئآت مصفى بيجي بالماء والمواد الكيمياوية الحافظة؟ مصافي اخرى؟
ج: تطوير الحقول
التركيز على التطوير في المناطق الآمنة، (البصرة, ميسان, ذي قار وواسط)، وإعتماد الجهد الوطني أكثر ما يمكن:
1- اعادة النظر بمعدلات إنتاج الحقول المتعاقدعليها؛
2- دراسة توسيع منشئآت الإنتاج التجريبي في الحقول التي لازالت بيد وزارة النفط و إضافة حقول أخرى.
3- إيقاف تطوير الحقول في المناطق الساخنة : عكاز والمنصورية وبدرة؟
4- تطوير احتياطي النفط الثقيل في مكمن الفارس الاسفل في جنوب العراق وشمال الكويت وكذلك إمتدادات الحقول الى الكويت.
5- تطوير الحقول الحدودية المشتركة مع ايران بالاتفاق معها.
6- غلق آبار النفط في المناطق البعيدة أو التي تقع خارج خطط التطوير، وذلك بعد قفلها بطين الحفر وتغطية رأس البئر بقبة كونكريتية.
د: صناعة الغاز
1- إعادة إعمار شبكات الغاز.
2- إنشاء خط الغاز الوطني.
ه: مشاريع آمنة لتصدير النفط؛
1- إيجاد بديل جديد لمشروع ألخط العراقي الأردني، كأن يكون خط أنبوب في الأراضي الإيرانية المحاذية للحدود الشرقية، (تصريف نفوط حقول بزركان, أبو غرب, فكة, بدرة؟, حلفاية, حويزة و مجنون؟)
2- الاتفاق مع الكويت:
لإستخدام طاقة التصدير الفائضة عندهم.
تصدير الغاز الجاف خلال خط الغاز المستخدم في أواسط الثمانينات بعد تأهيله, بديل آخر؟
و: إعادة هيكلة قطاع النفط والغاز؛
1- إصدار القانون الإتحادي للنفط والغاز؛
2- إنشاء شركة النفط الوطنية؛
3- إنشاء شركة الغاز الوطنية؛
4- إعادة هيكلة وزارة النفط؛
5- إعادة هيكلة شركة المشاريع النفطية، "في المركز, الدورة والبصرة"، ودعمها بالخبرات العراقية والأجنبية؛
6- تطوير إمكانيات شركة الاستكشافات النفطية؛
7- تطوير إمكانيات شركة الحفر العراقية؛
8- تطوير إمكانيات شركات الإستخراج، (خاصة ادارة المشاريع وتحليل العقود والتعاقد)، مع إعادة الهيكلة.
9- تشكيل شركة لإدارة العمليات في واسط و ذي قار.
تنظيم مؤتمرمفتوح لإنضاج المحاورالمقترحة للخطط الاستباقية؛
تقوم "النواة"، بالدعوة الى والإشراف على مؤتمر موسع لإنضاج المحاور المقترحة للخطط على أن يضم الحضور خبراء ذوي كفاءة ومعرفة, من الوزارات المعنية ويشمل ذلك من تركوا الخدمة.
-------------------------------------------------------------
*مهندس أستشاري: ألأستكشاف والتطوير
حقوق النشر محفوظة – ثامر العكيلي- شبكة الإقتصاديين العراقيين – 18 آب 2014 . يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط ذكر المصدر


 

هل عادت الحرب الباردة ؟

الحرب الباردة مصطلح يصف الصراع الذى كان بين المعسكرين: الرأسمالى الذى يضم فى عضويته ديمقراطيات غرب أوروبا وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والإشتراكى الذى ضمّ دول أوروبا الشرقية الإشتراكية وقاده الإتحاد السوفيتى، تلك الحرب التي استمرت بعد الحرب العالمية الثانية حتى سقوط الإتحاد السوفيتى عام1991 وماتبع ذلك من تفكك المعسكر الإشتراكى وزوال حلفه العسكرى المعروف بحلف وارسو الذى كان قائماً لمواجهة حلف شمال الأطلسى (الناتو) والذى يضم دول المعسكر الرأسمالى المذكورة آنفاً.
كانت الحرب الباردة حرب إقتصاديات وإستخبارات ودعايات معادية متبادلة ومؤامرات، وهى "باردة" بهذا المعنى, بمعنى أنها ليست بالسلاح القاتل الفتاك غير أنها قد تشمل حروباً يموت فيها الناس بتلك الأسلحة، لكن تلك تعد حروباً بالوكالة كحروب الكونغو وأنغولا والحروب العديدة فى مناطق مختلفة فى العالم الثالث. وهى حروب ادار الكثيرمنها المعسكران المذكوران، إما بصنعها إبتداءاً أو بتأجيجها وبإستغلال ظروفها لدعم هذا الطرف أو ذاك مادياً ومعنوياً بحثاً عن النفوذ والتوسع بإقامة القواعد العسكرية قرب مواقع الطرف الآخر بغية مراقبته وإحتوائه، وبالتالى تحجيم دوره والتحسب للأخطار التى قد يلحقها بالمعسكر الآخر . هذا النمط من (التكتيك) زاد من أهمية دراسات ما يعرف ب (الجيو بولتيكا) أى الجغرافيا السياسية ( حيث يؤثر الموقع والسكان على السياسة والعلاقات الدولية ) . وللتفصيل فهى تعنى فيما تعنى تأثير الموقع الجغرافى للبلد من حيث الأهمية وعدمها على سياسات ذلك البلد وعلى سياسات الآخرين تجاهه.
وقد قامت سياسات الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى على الجيوبولتيكا هذه خلال تلك الفترة أى بعد إنتصار الحلفاء على دول المحورعام1945 فى إطار التنافس بين العملاقين على قيادة العالم بإقامة القواعد العسكرية وبتأسيس المحاور والتجمعات السياسية والعسكرية وبسباق التسلح والجاسوسية والوسائط الإعلامية الموجهة (الحروب الإعلامية).
وعندما انهار الإتحاد السوفيتى وتفككت منظومة الدول الإشتراكية الدائرة فى فلكه فى تسعينيات القرن الماضى انتشى الغرب فرحاً وبلغت به النشوة حداً أن ظن أحد علماء السياسة الأمريكيين ، فرانسيس فوكوياما، أن ذلك الحدث المجلجل بمثابة نهاية التأريخ وأن ريادة العالم قد انعقدت منذ ذاك الحين للغرب وأن نظمه الديمقراطية الليبرالية فى الحكم وإقتصاد السوق فى الإقتصاد قد غدت الوصفة الوحيدة للتطور والإستقرار والعيش الكريم .
لكن الأحداث الأخيرة فى العالم مثل أحداث أوكرانيا واحتلال روسيا لجزيرة القرم وضمها إليها عبر إستفتاء أحادى، ثم أحداث سوريا وموقف روسيا مرة أخرى منها والتنافس المحموم بين الصين واليابان على الحدود البحرية بينهما وعلى النفوذ فى قارة آسيا ، قد أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة بل وأحلام بروز قطبية جديدة منافسة لنفوذ الولايات المتحدة فى العالم . فما حقيقة ذلك؟ ومايعنينا من ذلك فى هذا الجزء من العالم ؟ وللإجابة على ذلك نستعرض فيما يلى وجهتى نظر متباينتين فى هذا الصدد عرضتا فى عدد مايو/ يونيوللعام الحالى 2014 من مجلة "شؤون دولية" FA : أولاهما جاءت بعنوان " عودة الجيوبولتيكا " تقول إن قراءة الولايات المتحدة لحقبة ما وراء الحرب الباردة بإعتبارها قد أنتجت نظاماً دولياً مستقراً أدار ظهره للإحتكاكات الدولية والإقليمية و التنافس على المواقع لبسط النفوذ بما يعرف بالجيوبولتيكا، وأن النظام الدولى الجديد يتجه بالكلية إلى جعل الديمقراطية الليبرالية وإقتصاد السوق وصفات نهائية للحكم والإقتصاد ، كانت قراءة رغبوية تقوم على التمنيات وتعجلت فى قراءة الواقع الصلد بعين فاحصة.
هذه رؤية البروفسور( وولتر راسل مييد) , أستاذ العلاقات الدولية فى كلية كلارد الأمريكية وتتلخص فى أن الإرهاصات المذكورة والتى تدل على عودة أجواء الحرب الباردة هى أدلة قطعية على بقاء التدابير القديمة للجيوبوليتيكا : أهمية الحدود, القواعد العسكرية توسيع دائرة النفوذ مادياً على الأرض ومعنوياً بوسائل أخرى. ويرى أن كثيرين فى الغرب قد وقعوا فى خطأ الخلط بين سقوط الإتحاد السوفيتى الذى حرر شهادة الوفاة للصراع الإيدولوجى المتمثل فى فشل النظرية الشيوعية التى كانت تحكم الإتحاد السوفيتى وذلك ما عناه العالم السياسى (فرانسيس فوكاياما) ب "نهاية التأريخ" , وبين أن ذلك السقوط يعنى بالإضافة إلى ذلك سقوط الجيوبولتيكا أيضاً وإلى الأبد . أى أن الذى عناه فوكاياما بنهاية التأريخ هو نهاية الأيدولوجية وإن كان ثمة فكرة باقية للحكم والإقتصاد فهى الليبرالية بشقيها : الديمقراطية كنظام للحكم والراسمالية كوصفة وحيدة للإقتصاد المنتج الناجح. وهو عين ما ذهب إليه بروفسور جون مولر من جامعة أوهايو فى فصلية العلوم السياسيةPSQ لربيع 2014 متفقاً مع فوكاياما تحت عنوان : هل إنتهى التأريخ ؟ بأن فوكاياما عنى ب " نهاية التأريخ " محقاً , نهاية الإيدولوجية. وعبر عن هذه الفكرة بلغة الحاسوب بأن الليبرالية غدت حصرياً هى الإيدولوجية الباقيةDefault Ideology . لكن يقول مييد للذين طنوا أن نهاية التأريخ تعنى أيضاً نهاية الجيوبولوتيكا , ها هى الجيبولتيكا قد أطلت برأسها مجدداً متمثلة فى حرص روسيا الإتحادية على توسيع نفوذها فى محيطها الإقليمى والتصدى لتوسع حلف الناتو والإتحاد الأوروبى ومن ذلك موقفها فى أوكرانيا وجزيرة القرم وموقفها والصين فى مجلس الأمن الدولى من نظام بشار الأسد. والتنافس اليابانى الصينى فى آسيا دليل آخر على بقاء الجيوبولتيكا. وقال إن فكرة "نهاية التأريخ" لدى فاكوياما حملها كثير من الباحثين والسياسيين أكثر مما تحتمل وهى شبيهة بما قاله الفيلسوف الألمانى هيغل فى وصف إنتصار نابليون فى معركة (جنا) عام1806 على جيش بروسيا الذى كان أقوى جيوش أوروبا التى لا تقهر بأن ذلك الحدث يمثل "نهاية التأريخ". وقد قصد هيغل القول إنه لا رجعة للتأريخ إلى الوراء حيث أن المضامين الثورية التى جاءت بها الثورة الفرنسية فى الإخاء والعدل والمساواة هى سبب ذلك الإنتصار أو أن التدابير العسكرية التى أحدثتها هى الوصفة الوحيدة المحققة للنصر منذ ذلك الوقت فصاعداً. وأنه يتعين على كافة الجيوش أن تحذو حذو فرنسا بحمل تلك المضامين إن رغبت فى النصر. يقول إن المجتمعات المغلقة كالتى كانت فى الإتحاد السوفيتى قد أصبحت عقيمة وغير منتجة بالقدر الذى يجعلها تنافس المجتمعات والدول الليبرالية فى الغرب. واستناداً إلى هذا الفهم وقناعة به رأت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى أنه أما م روسيا والدول الشبيهة أن تنتهج الديمقراطية الليبرالية فى الحكم وإقتصاد السوق فى الإقتصاد لكى تنهض أو تعكف على نظمها البالية فيسبقها العالم . إذن فإنْ أرادت روسيا وتلك الدول أن تحارب الغرب عليها أن تصبح مثله والمؤكد أنها عندما تصبح مثله سوف تتمرغ فى الرفاهية ورغد العيش وستصبح دولاً وديعة, مسالمة حريصة على الحياة وستدير ظهرها للمواجهة و الحروب فيسود السلام فى العالم لا يعكر صفوه إلا بعض الدول المارقة مثل كوريا الشمالية وتلك دولة لا تقوى على مواجهة العالم. وهكذا تنتفى الحاجة إلى تدابير الجيوبولتيكا القديمة ويتحول الإهتمام إلى تطوير الإقتصاديات ومنع إنتشار أسلحة الدمار ويتحول بذلك جل إهتمام السياسة الخارجية إلى تغير المناخ والتجارة.
ويسترسل البروفسور ( وولتر راسل مييد) فى بسط فكرته عن عودة الجيوبولتيكا تفصيلاً ليقول تحت عنوان جانبى : إحساس زائف بالأمن: : لقد وجدت القوى الغربية :الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد والأوربى وضعاً مريحاً استقرت عليه الأمور بعد إنتهاء الحرب الباردة تمثل فى توحيد ألمانيا فى أوروبا ودمج دول حلف وارسو المنهار ودول البلطيق فى حلف شمال الأطلسى وفى الإتحاد الأوروبى. أما فى الشرق الأوسط فقد غدت الغلبة فيه لقوى الإسلام السنى (السعودية وحلفاؤها فى الخليج ومصر وتركيا) وهذه قوى حليفة للولايات المتحدة الأمريكية, وحدث كذلك احتواء مزدوج لكل من إيران والعراق. وفى آسيا لم يعد هناك من ينازع غلبة النفوذ الأمريكى عبر سلسلة من العلاقات بموجب إتفاقات أمنية ابرمت مع استراليا واليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا . قرأ الغرب الوضع المؤقت الذى نتج عن نهاية الحرب الباردة قراءة خاطئة على أنه وضع دائم متمثل فى قيام نظام عالمى جديد . وكان التطبيق العملى لهذه القناعات أن قلصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ميزانية وزارة الدفاع ومخصصات وزارة الخارجية وبصعوبة أقنعت الكونغرس بدفع حصتها فى ميزانية الأمم المتحدة وأصبحت الأولوية فى السياسة الخارجية هى ترقية ليبرالية العالم والتخلى عن تدابير الجيوبولتيكا الكلاسيكية. ولكى تحقق ذلك وضعت الخطط لمنع إيران من صنع قنبلة نووية وعزمت على حل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى, والتفاوض لإبرام معاهدة بشأن تغير المناخ, عقد صفقات مع الدول الآسيوية عبر الباسفيك وإتفاقيات مع روسيا للحد من التسلح, تحسين العلاقات مع العالم الإسلامى وترميم الثقة مع الإتحاد الأوروبى, ترقية حقوق المثليين وإنهاء الحرب فى أفغانستان.
ويرى بروفسور مييد أن جميع هذه القناعات السعيدة بأن العالم قد دخل حقبة جديدة من النظام الدولى قد تعرضت لإمتحان قاس بعد ربع قرن من سقوط حائط برلين بما اشرنا إليه سلفاً من تطورات: الأزمة فى أكرانيا وصراع الصين واليابان ,مؤشرات عودة تدابير الجيوبولتيكا. ويقول إن ثلاث دول هى روسيا والصين وإيران مصممة على التصدى للنظام الذى استقر بعد نهاية الحرب الباردة والذى تحرص الولايات المتحدة على تقويته وبقائه خدمة لمصالحها كبديل لنظام الحرب الباردة. يقول هذه الدول ولأسباب ودوافع مختلفة مصممة على مقاومة المخطط الأمريكى. وقد أطلق عليها اسماً يحاكى من حيث الجرس الصوتى فى الإنجليزية تسمية جورج بوش لدول محور الشر: محور( سوس وآفات الزروع والفاكهةAn Axis Of Weevils ) فى مقابل (An Axis Of Evil)
وقال إنها مصممة على التصدى لذلك المخطط معدداً بعض النجاحات التى حققتها وبعض مؤشرات أخرى على عودة تدابير الجيوبولتيكا . يقول إن الصين المتطلعة لتصبح قوة عظمى تقاوم المخطط الأمريكى بشراسة لكن مقاومتها وسعيها لتأكيد وجودها الفاعل فى محيطها الآسيوى قد أيقظ المشاعر الوطنية القديمة فى اليابان ويدفع عدداً من دول تلك المنطقة المتخوفة من تنام الوجود الصينى لمزيد من تقارب تلك الدول مع الولايات المتحدة: وهذا فى حد ذاته مظهرمن مظاهر الجيوبولتيكا والبحث عن الأحلاف السياسية والعسكرية إحدى وصفات حقبة الحرب الباردة. بالنسبة لإيران يقول إنها أضعف الثلاث دول لكنها أوفر حصاداً من روسيا والصين من الجيوبولتيكا إذ أنها استفادت من الغزو الأمريكى للعراق والإنسحاب المتعجل منه فأقامت قاعدة صلبة مع القوى المؤثرة فى العراق وامتد نفوذها إلى سوريا بمساعدة حليفها الإستراتيجى (حزب الله) اللبنانى. هذا الإنتصار عززمن مكانة إيران وقوتها وفى المقابل فقد أضعف الربيع العربى القوى السنية الحليفة للغرب والولايات المتحدة. روسيا عززت مواقعها من قبل فى جورجيا والآن فى أكرانيا وأعادت دولاً مثل أرمنيا إلى محورها.
خلاصة ما توصل إليه البروفسور (مييد) أنه رغم أن الدول الثلاث المذكورة ذات أجندات وقدرات مختلفة وأنه ليس فى وسعها خلق معارضة دولية منظمة وفاعلة كالتى كانت للإتحاد السوفيتى للترتيبات الغربية الأمريكية (شبه ضررها بضرر السوس ), إلا أن الأمريكيين قد أبطاوا فى التيقن من أن تلك الدول قد ألحقت بالفعل الضرر بالترتيبات الجيوبولتيكية فى (أوراسيا - أى آسيا وأوربا معاً ) بما عقّد جهود الولايات المتحدة والأوربيين فى بناء نظام ما بعد التأريخ الذى يربح الجميع فى كنفه.
وحذر بروفسور مييد الغرب من مصير "الرجل الأخير" الذى ورد فى عنوان كتاب فوكاياما الأشهر "نهاية التأريخ والرجل الأخير" وقال إن جزئية " الرجل الأخير " من عنوان الكتاب لم تجد الحفاوة التى وجدها حديثه عن نهاية التأريخ لأنها تحذيرية وأقل إطراء للغرب. فهى مقتبسة من فكرة الفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشة فى كتابه المعروف "كما تحدث زرادشت". ووصف فوكاياما "للرجل الأخير" هو تحذير للغرب من الإستكانة والإسترخاء والنوم فى العسل على إعتبار أن التأريخ قد إنتهى بإنتصار نظمهم فى السياسة والإقتصاد وأنه لم يبق لهم سوى التنعم برغد العيش فى كنف سلام دائم لا يعكر صفوه معكر. ورجل فوكاياما الأخير :إنسان مستهلك نرجسى عاشق لذاته ليست له طموحات فوق الرحلة التالية إلى (المول mall( للتسوق. ويحذرفوكاياما من أن ذلك الإنغماس فى الماديات سيؤدى إلى ما أسماه " الملل " حيث يتوقف العقل البشرى من الإبداع فى الفنون و الفلسفة ليسود حنين جارف إلى العودة إلى التأريخ.
على الغرب كما يرى البروفسور مييد, أن يتحسب للمخاطر المحيطة به ويقرأ الواقع كما هو لا كما يتمناه.
وجهة نظرمغايرة
و نستعرض الآن فيما يلى وجهة نظرمغايرة تماماً وناقدة لهذه الرؤية ترى أن الإستراتيجية الغربية الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية راسخة الغراس بل وتكسب أراض جديدة لأنها هى ذاتها التى أنهت الحرب الباردة.
ووجهة النظر المغايرة هذه للبروفسور جى. جون إكنبرى فى ذات العدد من "شؤون دولية" بعنوان :
وهم الجيوبولتيكا: قوة وإستمرارية النظام الليبرالى" . والبروفسور إكنبرى أستاذ للعلوم السياسية والشؤون الدولية فى جامعة برنستون الأمريكية.
يبدا تفنيده لرؤية البروفسور (مييد) بالقول إنها قراءة خاطئة بقدر هائل لحقائق العصر. ويقول إن النظام الدولى القائم على الليبرالية وإقتصاد السوق الذى تقوده الولايات المتحدة والذى حل محل نظام الحرب الباردة راسخ القدم بل ويتمدد فى العالم وأن بروفسور مييد قد أخطأ قراءته وضخم من قدرة الصين وروسيا على النيل منه. صحيح أنهما قد باتتا مؤخراً تتحينان الفرص لمقاومة قيادة الولايات المتحدة للعالم كما كانتا تفعلان دوماً فى الماضى . ولقد أبدتا مقاومة خاصة عندما تمدد نفوذ النظام الدولى الجديد إلى جوارهما المباشر. لكن حتى تلك المقاومة نتجت عن ضعف –فى نظمهم وفى قياداتهم- ولم تنطلق من مواقع قوة إذ ليس لكلتيهما ما يقدمانه للعالم بل إن على رأس مصالحهما الإندماج - روسيا و بالأخص الصين - فى الإقتصاد العالمى والمؤسسات التى تحكمه.
يقول إن بروفسور مييد قد أخطأ فى قراءة لب سياسة الولايات المتحدة الخارجية حين قال إنها أهملت قضايا الجيوبولتيكا الخاصة بالجغرافيا ومناطق النفوذ واتجهت بالكلية إلى بناء النظام الدولى الجديد. ويرى أن الولايات المتحدة لم تهتم بالحد من التسلح والتركيز على التجارة إعتقاداً منها بأن الجيوبولتيكا قد ذهبت إلى غير رجعة بل لأنها أرادت أن تدير وتنظم ميدان التنافس بين القوى العظمى. وإن بناء النظام الدولى من منظور الولايات المتحدة لا يقوم على إفتراض نهاية الجيوبولتيكا، انه معنى بكيفية الإجابة على الأسئلة الكبرى للجيوبولتيكا بمعنى رعاية الفوائد التى تعود على الجميع فى ميادين الإقتصاد والتجارة بديلاً للصراع على المواقع الجغرافية وبسط النفوذ هنا وهناك مثلما كان قائماً إبان الحرب الباردة : أى العلاقات القائمة على التوجس والخوف من الآخر والتى تدفع للإستحواذ على الجغرافيا والمواقع وفرض النفوذ وقد تنزلق بالفرقاء إلى أتون الحروب.
ويقرر أن بناء النظام الدولى الحالى بقيادة الولايات المتحدة لم يبدأ بناؤه بعد إنتهاء الحرب الباردة بل هو النظام الذى أنهى الحرب الباردة . لقد ظلت الولايات المتحدة وعلى مدى سبعين عاماً منخرطة فى بناء مؤسسات متعددة الأطراف الدولية ( كالبنك الدولى, صندوق النقد الدولى ,منظمة التجارة العالمية...) ,تحالفات, إتفاقيات تجارية دولية وشراكات سياسية. يقول إن هذه التدابير الأمريكية قد ساعدت على إنعطاف العديد من الدول إلى محور الولايات المتحدة وأسهمت فى تقوية النظم الدولية بما أفضى إلى إضعاف شرعية السلوكيات الشبيهة بأساليب القرن التاسع عشر القائمة على توسيع دوائر النفوذ عبر الإستحواذ على المواقع والأراضى والسعى إلى الهيمنة الإقليمية. تلكم التدابير منحت الولايات المتحدة قدرات وشراكات ومبادئ لمواجهة الدول الراغبة فى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء, إلى أجواء القرن الماضى.
إن التحالفات, والشراكات وإقامة المنظمات الدولية متعددة الأطراف والديمقراطية هى أدوات قيادة الولايات المتحدة وهى أدوات تحقق النجاحات الآن لا الخسارات فى مضمار نضال القرن الحادى والعشرين فى معترك الجيوبولتيكا والنظام الدولى.
ويبدأ بشئ من التفصيل تفنيد حجج البروفسورمييد من مقولة الجغرافى الإنجليزى هالفورد ماكيندر الذى تنبأ عام 1904 بأن القوة التى تتحكم فى قلب أوراسيا (البقعة الجغرافية والسكانية التى تشمل قارتى أوروبا وآسيا معاً) يسيطر بالضرورة على العالم أجمع مشيراً هنا إلى ما قاله (مييد) من أن ثالوث روسيا , إيران والصين يحاول إعاقة نظام أمريكا الدولى بالسيطرة على هذا الفضاء الواسع الذى يضم القارتين أوروبا وآسيا وبالتالى التحكم فى العالم قائلا إن (مييد) لم يحسن قراءة الأوضاع الدولية حتى فى هذه الجزئية لأن الحقيقة الأنصع أنه حتى فى ميدان الجيوبولتيكا فى أوراسيا فإن الولايات المتحدة تتمتع بمزايا تفتقر إليها الدول المذكورة وأنه بالرقم من أن أمريكا قد تدنى موقعها قليلاً من قمة الهيمنة التى كانت تحتلها كقطب وحيد بعد زوال الإتحاد السوفيتى , إلا أنها لم تزل القوة التى لا منافس لها فى العالم وأنها تملك من الإمتيازات فى أوراسيا ما تعجز تلك الدول عن منافسته. إن ثراء أمريكا وصدارتها فى ميدان التكنولوجيا أبعد منالاً من أن تدانيه الصين وروسيا ودع الحديث عن إيران.كما أن تعافى إقتصادها من الكساد والذى يتقوى الآن بموارد هائلة من الغاز الطبيعى , ستمكّن الولايات المتحدة من المحافظة على وجودها العسكرى عبر العالم ورعاية إلتزاماتها الأمنية فيه. ويستطرد راداً على (مييد) فيما ذهب إليه من نشاط روسيا فى جوارها الإقليمى فى أوكرانيا وأرمنيا قائلاً إن روسيا تمكنت من إعادة ثمان دول من حلفائها القدامى إلى محورها بينما تمكنت الولايات المتحدة – وفقاً لدراسة علمية أجريت مؤخراً- من عقد شراكات أمنية مع ستين دولة فى العالم بينما لا تملك الصين سوى حليف عسكرى واحد هو كوريا الشمالية.
ويقول إن امتلاك روسيا والصين للقنبلة النووية مفيد للولايات المتحدة من جهتين : من جهة قناعتهما بأن لا أحد يملك هذا السلاح المدمرسيبادر بإستخدامه لضرب بلاد تملك ذات السلاح (الردع المتبادل) ومن جهة طمأنتهما أن الولايات المتحدة لن تغزوهما وهذه الطمأنينة تعد ترياقاً من حماقة قد يرتكبانها بدوافع الخوف بإستخدام ذاك السلاح الفتاك لتعطيل النظام الدولى الليبرالى الذى تقود خطامه الولايات المتحدة الأمريكية. تحدث أيضاً أن الموقع الجغرافى البعيد للولايات المتحدة قد جعلها القوة العظمى الوحيدة التى لا تجاورها قوى عظمى أخرى. وفى الحقيقة فإن هذا البعد الجغرافى جعل العديد من الدول قلقة لا من هيمنة الولايات المتحدة عليها بل من الإنشغال عنها وهجرها وإهمالها . بينما تتخوف العديد من الدول من جوار الصين وروسيا لها. لقد أدركت الصين تلك الحقيقة ولاحظت أن الدول المجاورة لها بدأت ترد على صعود الصين بتحديث وتطوير قدراتها العسكرية وتمتين تحالفاتها الخارجية بعيداً عن الصين. روسيا أدركت ذلك مؤخراً ولاحظت أن أوكرانيا شرعت فى تطويرقدراتها العسكرية وتقوية علاقاتها بالإتحاد الأوروبى ( وربما كان ضم جزيرة القرم والتحرش بأكرانيا فى شرقها المشابه عرقياً ودينياً لروسيا , بسبب ذلك.)
يستطرد البروفسور إكنبيرى فى تفنيد طروحات بروفسور مييد فى عودة أجواء الحرب الباردة وتضعضع النظام الليبرالى الذى تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها فى بقائه بالقول كما أسلفنا إن ذلك النظام الليبرالى العالمى لم يقم بعد زوال الحرب الباردة ولكنه كان قائماً قبلها وهو الذى أزال تلك الحرب وانتصر للقيم التى يدعو لها بديلاً لتلك التى سادت آنذاك. ويقول إن ثلاثة من رجال الدولة الأفذاذ فى الولايات المتحدة هم : (دين أتشسون) وزير خارجية أمريكا عام 1949 وصاحب فكرة تأسيس حلف شمال الأطلسى وجورج مارشال الذى سبقه وزيراً للخارجية فى حكومة هارى ترومان ووزيراً للدفاع بعد ذلك وصاحب مشروع مارشال لإعادة بناء إقتصاديات أوروبا الغربية بغية التصدى للتوسع الشيوعى فى أوروبا, وجورج كنعان سفير أمريكا لدى روسيا فى ذلك الوقت ومهندس سياسة الحرب الباردة لإحتواء الإتحاد السوفيتى, هم الذين وضعوا لبنات الإطار العالمى الليبرالى لإحتواء المد الشيوعى والتوسع السوفيتى. ذلك النظام هوالذى أدى إلى ثراء الولايات المتحدة وحلفائها وإلى إستقرار الإقتصاد العالمى وأقام آليات لمعالجة المشكلات الدولية وإن نهاية الحرب الباردة لم تغير منطق هذا النظام الصامد فى وجه الأعاصير الشمولية اللا ليبرالية.
إن هذا النظام الذى تقوده الولايات المتحدة, يقول قد وجد قبولاً عالمياً لحسن الطالع لأنه متناقم مع القوى العصرية التى تدفع النمو الإقتصادى قدماً وكذلك قوى التحديث الإجتماعى وأن أياً من روسيا أو الصين لا تملك بديلاً له يغرى بإستبداله. ويستطرد فى تعداد خيرات هذا النظام الليبرالى المستمر منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية . من ذلك النمو المطرد للنظم الديمقراطية فى العالم. يقول إن الديمقراطية الليبرالية كانت محصورة فى بدايات القرن العشرين فى الغرب وبعض مناطق فى أمريكا اللاتينية. وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت تتخطى تلك الأقاليم بحصول عدد من البلدان على إستقلالها فى الخمسينيات والستينيات. ثم شهد عقد السبعينات عددا من الإنقلابات العسكرية التى أبطأت بإنتشار الديمقراطية لكن أواخر ذلك العقد شهد عودة قوية للديمقراطية الليبرالية أطلق عليها صمويل هانتنغتون " الموجة الثالثة" لإنتشار الديمقراطية تلك التى اجتاحت جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأقصى. وما أن إنتهت الحرب الباردة حتى انضمت دول أوروبا الشرقية الشيوعية إلى ساحات النظم الديمقراطية ومع نهاية عقد التسعينيات أصبحت 60 فى المائة من دول العالم تحكم بنظم ديمقراطية. ومع حدوث بعض النكسات إلا أن ظهور دول متوسطة من الناحية الإقتصادية والعسكرية مثل استراليا والبرازيل واندونيسيا والهند وكوريا الجنوبية والمكسيك وتركيا يؤكد إستمرار تنام الديمقراطية فى العالم وهذه الديمقراطيات الصاعدة تعتبر صاحبة مصلحة ومسؤولية فى نظام عالمى قائم على التعاون العالمى المتعدد الأطراف يسعى لمزيد من الحقوق والمسؤوليات وتوسيع دوائر النفوذ بالوسائل السلمية.
إن هذا النمو المطرد للديمقراطية الليبرالية بدخول إقتصاديات متوسطة الحجم تنمو باستمرار, سيشكل من أعضائه نادياً قوياً للديمقراطية يترك الصين وروسيا فى العراء.
ويقول إن هذه التطورات بالإضافة إلى ما وقع فى شرق أوروبا بإنضمام العديد من دولها لحلف الناتو وللإتحاد الأوروبى , تحاصر روسيا وتحشرها فى نطاق يضيق عليها كل يوم وهو ما دفع (بيوتن) للسطو على جزيرة القرم بدوافع الخوف لا بدافع القوة. ورغم ما يبدو من أن (بيوتن) قد كسب فى جورجيا والقرم وأرمنيا إلا أنه قد خسر المعركة. وبالمثل فجوار الصين يتمقرط بإضطراد. ففى ثمانينات القرن الماضى كانت اليابان والهند فقط هما الديمقراطيات فى آسيا. أما اليوم فإنها اندونيسيا والفلبين وكوريا الجنوبية وتايلاند التى تسير فى الطريق بحذر وتايوان وحتى ماينامار (بورما) على خطى أولئك. وعليه فإن الصين تعيش اليوم فى جوار ديمقراطى يحيط بها من عدة جهات. ويخلص إلى القول إن الديمقراطية تحاصر روسيا والصين معاً وتضعهما فى وضع جيوبولتيكى معقد وهما وإن عدتا فى ندية مع الولايات المتحدة إلا أنها ندية غير متكافئة فالإنفاق العسكرى للولايات المتحدة وأصدقائها يشكل 75% من الإنفاق العسكرى العالمى. وعن إيران يقول إن نظامها مهدد داخلياً بحركة ديمقراطية متنامية وبمنظومة من العقوبات الدولية القاسية.
ويخلص إلى القول بأن روسيا والصين يعدان فى افضل حالتيهما فى مقاومة النظام العالمى الذى تقوده أمريكا , مجرد دولتين تسعيان لتخريب ذلك النظام ( على طريقة السوس والآفات) لا تبديله لأن كلتيهما لا تملك القدرة والموارد والرؤى لتبديله. ويرجح أنهما تصرخان أحياناً طلباً لنصيب أوفر فيه لا العكس لأن فرص الإنفتاح التجارى تتيح لهما حصاد فوائد عديدة منه كما أن مبدأ السيادة (سيادة الدول على أراضيها ) المعتمد منذ إتفاقية (ويستفاليا) عام 1648 والذى لايزال العمود الفقرى فى السياسة الدولية , يعد ضماناً وحماية لهما من تغول الآخرين على سيادتهما. ويختم بالقول إنه فى ظل ما طرح من رؤية يتحتم على الولايات المتحدة المحافظة على النظام الذى رعته وصنعته وهو الصبر على المزيد من التعاطى مع الشأن الدولى عبر التجارة والمؤسسات متعددة الأطراف لحل المشكلات و إنتهاج الدبلوماسية لذات الغرض. تلك الإستراتيجية قد خلقت فيما يرى, عالماً صديقاً للمصالح الأمريكية وهو عالم صديق كما وصفه الرئيس جون كنيدى لأن " الضعيف فيه يشعر بأنه آمن والقوى بأنه عادل."
تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد من المجلة قد خُصص للحديث عن الكميات الضخمة من الطاقة (غازطبيعى ونفط - موضوع الغلاف) التى تتدفق الآن فى أكثر من مكان فى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تقانة جديدة لإستخراج تلك الكميات الضخمة التى كانت تحتبس فى الصخور.هذه الكميات ستؤدى منذ العام القادم لإكتفاء أمريكا من الطاقة وستجعلها قبل نهاية العقد الحالى أكبرمصدر للطاقة فى العالم. وسيحدث ذلك آثاراً على مجمل العالم سياسياً وإقتصادياً.
وبعد فهذه قراءات مختلفة ومتباينة لتطورات حدثت وتحدث بالفعل على النطاق الدولى , تتحسب لمآلات ذلك كله على أمن ورفاهية الولايات المتحدة وحلفائها .
ترى كم من معاهد ومراكز الدراسات فى المنطقة العربية عاكفة على مثل ذلك التداول والمنطقة تجتاحها الحرائق والأعاصير الطائفية والجهوية الضيقة ومصيرها ربما ألح من أى وقت مضى ؟ ونحن فى محيط قطرنا الضيق هل ندير الحديث ونتداول بصدق , مع اختلاف رؤانا وتباين معتقداتنا وأفكارنا , حول ما يحدث عندنا وداخل حدودنا ونحن نقرأ الأحداث الضخمة الجارية فى العالم بغية تحقيق مكاسب ولو محدودة من الإستقرار والأمن لبلدنا وشعبنا أم نبقى مثل رجل زرادشت وفوكاياما "الأخير" نمنى النفس برحلة إلى ( مول) أغلب الظن أننا لن نجده؟!
----------------------------------
*الدكتور الخضر هارون، كاتب ودبلوماسي سوداني سابق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.