الأربعاء 20 أيلول/سبتمبر 2017
TEXT_SIZE

فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة

المال العربي
فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة
أ.د/ طه جابر العلواني*
نشرت الأنباء أنَّ ليبيا على وشك الإفلاس التام، وأنَّ هناك مائتين وعشرين مليار دولار قد تم تهريبها إلى حسابات في سويسرا وبريطانيا وأمريكا وهولندا، وأنَّ عمليَّات استرداد هذه المبالغ ليست سهلة، وأنَّها تستغرق سنين، وأنَّ احتمالات فقدانها بشكل نهائي أمر يكاد يكون هو الراجح، هذه ليبيا التي كانت تمول وتقرض وتتبرع بالمليارات لكثير من البلدان الأفريقيَّة وغيرها، لم تكن تتوقع أن يأتي يوم تجد نفسها فيه مهددة بالإفلاس، ولكنَّها بلغت هذا الحد وفي سرعة قياسيَّة، وقبلها العراق الذي نهبت أمواله بشكل علني واضح، فقد كانت الصناديق تملأ بالذهب حتى لو أخذ من المتاحف العراقيَّة، وبأموال البنك المركزي، وبالعملات المختلفة لتذهب إلى الخارج، ولم يكن النهب قاصرًا على أصحاب المراكز والمناصب العليا، بل وصل إلى مستوى الجند العاديين، والموظفين الصغار، وصار أبناء البلاد ملايين من المتسولين في الداخل وفي الخارج، منهم من يجمع قوت وجبته من صناديق القمامة، أو أكداس النفايات، أو ما شاكل ذلك.
وكنت قد كتبت أكثر من مرة مقالات حول ما في باطن الأرض أهو نعمة أم نقمة، وبعد ظهور هذه الحالات في العراق وليبيا وغيرهما ترجح لدي أنَّها نقمة، فقد جلبت إلينا ذباب الأمم في شكل محتلين وخاطفين ولصوص وسارقين، وجعلتنا موضع طمع لسائر أصحاب المطامع، وعرضة لاحتلال المحتلين، ومطلبًا لأهل الإجرام، والمدمرين، وانتشرت الجراحات النفسيَّة بين أبنائنا وأجيالنا الصاعدة وشبابنا وهم يرون كيف تسرق الشعوب، وكيف تزيف إرادتها، وكيف يستبد بها سراقها والمعتدون عليها، وكيف وكيف ولما ولماذا، ولا يملكون جوابًا شافيًا عن أي تساؤل من هذه التساؤلات.
لو أنَّ الذين كانت لديهم مصادر تلك الثروات كانوا عقلاء بما يكفي، ولديهم إخلاص للأمَّة، وانتماء حقيقي إليها؛ لوظفوا تلك الأموال في إحياء مواتها، وإعمار خرابها، واستثمار ترابها، وخيراتها، ولأسسوا لما بعد البترول، الذي ظن كثيرون منهم أنَّه لن ينضب، وما دروا أنَّ النضوب قد يحدث لا بالطريقة التقليديَّة بل بطرق أخرى غير تقليديَّة، فمنها طرق التلاعب بالأسعار بالرفع والخفض بمقتضى مصلحة أو مصالح الأذكياء المستغلين الخبراء في التلاعب بثروات الشعوب.
إنَّ بلدان عربيَّة مسلمة كثيرة وأفريقيَّة جارة عزيزة وأسيويَّة تحفى أقدام قادتها وهم ذاهبون آيبون للاقتراض من هذا البنك أو ذاك، ومن هذا البلد أو ذاك، يقرضهم من يقرضهم، ويمنعهم من يمنعهم، فإذا أقرضوا كان القرض بربا يفوق ربا الجاهليَّة، فهو أضعاف مضاعفة، وكميات متراكمة، تضطر الدول الفقيرة أو المحتاجة إلى اقتراضها بكل تلك الشروط المجحفة، التي تصل أحيانًا إلى حد تغيير نظم حياتها، وتتقبل ذلك، وتخضع له مكرهة للحصول على حفنة من النقد والعملات الصعبة كما يسمونها، وما أصعبها.
ولم نجد أحدًا يعتبر أو يأخذ درسًا مما يحدث، فالشياه تمشي تباعًا نحو المذبح، لا تسأل الخالف عما حدث للسالفة، وما تزال الشياه سائرة في ذات الاتجاه، لا تدري ما الذي يحدث وإذا درت تغافلت، تفرح بما يفرح الطفل به من اللعب، والقروش القليلة التي قد يقدمها إليه والداه، والمسلمون يتفرجون، والبعض ينظرون من طرف خفي إلى ما يحدث لأموال الأمَّة وخيراتها، وكيف تسرق لتكدس فيما يعرف بالبنوك الخارجيَّة، ثم تذهب، فلا ربحها سُرَّاقها من الفاسدين والمرتشين واللصوص، ولا استفادت بها شعوبها، ثم تجد شعوبها نفسها قد افتقرت بعد أن كانت غنية، وساءت حالتها، وقلَّت مواردها، وشابهت من كانت تتصدق عليه، بل ربما بلغت أسفل من ذلك الحد.
إنَّ درس العراق ثم الدرس الليبي نتمنى أن يكون درسًا مؤثرًا وفعالًا وأخيرًا لأولئك الذين شاهدوا ما حدث للبلدين، وما قد يحدث لغيرهما، ترى لو أنَّ لأهل الإيمان نظرًا بعيدًا ورؤية مستقبليَّة وخبرة كافية بالذين يتعاملون معهم هل حدث هذا؟ لو أن َّكل بلد من البلدان التي ظهرت فيها تلك الثروات وأخرجت أرضها أثقالها من المعادن النفيسة تكفلت بإنماء بلدين أو أكثر من البلدان المسلمة أو المجاورة، واستثمرت أموالها فيها، هل كانت تخسر ثرواتها بهذا الشكل؟
قبل أسابيع كان برميل البترول بمائة وعشرة دولارات، وفجأة أنزلوه إلى خمسين دولار، وسارعت بعض البلدان إلى خفض نفقاتها، والتضييق على مواطنيها، وفرض الضرائب عليهم، بدلًا من أن تغير سياساتها، فمتى يصحو النائمون، وينتبه الغافلون، ويتعقل المغترون؟
لو كانت هذه الأموال -وقد لا تزال بعض الفرص قائمة- استثمرت في مصر والسودان وبلدان المغرب العربي والبلدان الأفريقيَّة والباكستان وبنجلادش؛ لتحولت كل تلك البلدان إلى جنان، ولحفظ أولئك أموالهم من التلاعب، أو من التدمير في شراء الأسلحة، ثم إثارة الفتن لاستهلاك تلك الأسلحة، إنَّها عمليَّات انتحار، هذه العمليَّات التي نلحظها ونشهدها ونتابع أخبارها، هي أمور في غاية الخطورة، ولكنَّنا نهرب من مواجهة مشكلاتنا إلى إلقائها على أسباب غيبيَّة، وعوامل غير منظورة، لئلا يكون لها تأثير يذكر على ضمائرنا، ولئلا ينبهنا وخزها إلى الهوة السحيقة التي نسير مغمضي العيون للسقوط فيها.
فهل من معتبر؟
-----------
• أ. د. طه جابر العلواني: رئيس جامعة قرطبة سابقا ورئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة سابقاً ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقاً
الصفحة الخاصة بالدكتور طه جابر العلواني :
https://www.facebook.com/Dr.Alwani.T.J
 

عصر التطرّف في المناخ والأفكار!

صبحي غندور*
عالم اليوم "تعولمت" فيه مظاهر التطرّف ومشاعر الخوف والكراهية. وربّما يتحمّل مسؤوليّة هذه "العولمة السلبيّة" التطوّر العلمي في وسائل الإعلام وفي التقنيّة المعلوماتيّة، إذْ يبدو أنَّه كلّما اقترب العالم من بعضه البعض إعلاميّاً وخبريّاً، تباعد ثقافيّاً واجتماعيّاً.
عالم العالم لا يعيش الخوف من "الآخر" كإنسان أو مجتمع مختلف في ثقافته أو لونه أو معتقده فقط، بل يعيش أيضاً الخوف من الطبيعة وكوارثها، ومن فساد استهلاك بشرها لخيراتها وثرواتها.
اليوم، يعيش العالم هواجس الخوف من "التغييرات المناخية"، ممّا يهدّد بحالاتٍ عديدة من البرد القارس أو الجفاف أو الطوفان، وممّا سيترك أثراً كبيراً على فصول الاعتدال بالطبيعة (الربيع والخريف)، ويجعل الكرة الأرضية أسيرة تطرف الصيف الحار الحارق أو الشتاء البارد القاسي.
وهذا الاختلال في التوازن الطبيعي للمناخ ساهم بصنعه الإنسان الذي استخلفه الله على الأرض لبنائها وإعمارها والحفاظ عليها، فهي أمانةٌ مستخلفة من الخالق لم يُحسن الإنسان رعايتها.
وما يحدث في الطبيعة والمناخ من تطرّفٍ نراه أيضاً في الأفكار والمعتقدات، حيث يتّجه الناس أكثر فأكثر لتبعية "جماعات نارية" تشعل اللهب هنا وهناك، تحرق الأخضر واليابس معاً، فتذهب ضحية لقيادات هذه الجماعات وأفكارها، نفوسٌ بريئة وأوطانٌ عريقة!
هو عصر التطرّف في المناخ وفي الأفكار، هو عصر العودة إلى "البدائية" بما فيها تقديس "النار" ومُشعليها، بينما الناس هم حطبها ووقودها، والمسؤولية هنا هي على التابع والمتبوع معاً، وعلى المتقاعسين عن دورهم في مواجهة التطرف، وعلى المخالفين لطبيعة الحكمة الألهية في هدف الأختلاف بين البشر، وعلى المستغّلين لأمانة الأستخلاف في الأرض وفي الحفاظ على توازن الطبيعة واعتدالها.
عالم اليوم يخشى من الغد بدلاً من أن يكون كلّ يومٍ جديد مبعثاً لأملٍ جديد في حياة أفضل. شعوبٌ تعيش الخوف من إرهاب ما قد يحدث في أوطانها، وأخرى تعايش الإرهاب يوميّاً حصيلة احتلال خارجي أو تسلّط داخلي أو عبث عنف متطرف ارهابي. مجتمعاتٌ تخاف من "أشباح"، وأخرى تعيش الناس فيها كالأشباح! لكن الجميع يشتركون في الخوف من المستقبل المجهول القادم. وكلّما ازداد الشعور بالخوف، ازدادت مشاعر الكراهية لهذا "الآخر" المخيف!
إنَّ العالم يعيش هذه الحالة السلبيّة تحديداً منذ 11 سبتمبر/2001، حيث كان هذا اليوم رمزاً لعمل إجرامي مدفوع بغضب أعمى لا يفرّق بين مذنب وبريء، كما كان هذا اليوم تبريراً لبدء سياسة حمقاء قادها "محافظون جدد" في واشنطن اعتماداً على تغذية الشعور بالخوف من ناحية، ومشاعر الغضب الموصوفة بالكراهية من الناحية الأخرى.
في عقد التسعينات من القرن الماضي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كتب الكثيرون من العرب والمسلمين عن خطط إسرائيليّة لجعل "الإسلام" هو "العدو الجديد" للغرب، والبعض الآخر كتب في أميركا والغرب مبشّراً بنظريّة "صراع الحضارات". لكن كانت كلّها كتابات ومجرّد حبر على ورق إلى حين وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 .
إذن، أليس من الحماقة في الأفعال أو الردود عليها، أن تسير الأمور في العالم بهذا الاتجاه الذي جرى التحذير منه خلال عقد التسعينات!! وما هي المصالح العربية والإسلاميّة من تأجيج مشاعر الكراهية أو الخوف لدى هذا الطرف أو ذاك على مستوى شعوب العالم في الشرق والغرب؟!
إنّ التمييز مطلوب بين حالاتٍ ثلاث: التطرّف، العنف المسلّح، والإرهاب. فالتطرّف الفكري والسياسي قد يكون حقّاً مشروعاً لمن يشاء السير فيه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار .. أمّا العنف المسلّح، فهو محكوم بضوابط دينية وأخلاقية وقانونية على مستوى الدول والجماعات والأفراد، ولا يعني مخالفة طرفٍ لهذه الضوابط أنّ استخدامها بات مشروعاً لدى أيِّ طرفٍ آخر.
وهناك بلا شك مسؤولية "غربية" وأميركية وإسرائيلية عن بروز ظاهرة الإرهاب بأسماء "إسلامية"، لكنّ ذلك هو عنصر واحد من جملة عناصر أسهمت في تكوين وانتشار هذه الظاهرة.
ولعلّ العنصر الأهمّ والأساس هو العامل الفكري/العقَدي حيث تتوارث أجيال في المنطقة العربية والعالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع أصول الدعوة الإسلامية، ومع خلاصة التجربة الإسلامية الأولى منذ فترة الهجرة النبوية إلى المدينة وصولاً إلى نهاية عهد الخلفاء الراشدين.
ولقد ساهمت الحقبة العثمانية، ثمّ فترة الاستعمار الأوروبي من بعدها، في محاصرة الاجتهاد الإسلامي وفي الابتعاد عن المضمون الحضاري الإسلامي، والاتجاه نحو "حكم العسكريتاريا" الذي بدأه العثمانيون أصلاً بانقلاب الجيش الإنكشاري على الدولة العباسية.
أيضاً، كان للصراعات الدولية الكبرى إسهامٌ واسع في تأجيج ظاهرة التطرّف المسلّح والإرهاب باسم الإسلام. حدث ذلك في كلّ حقبة الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، وكانت حرب "المجاهدين الأفغان" هي الخميرة التي صنعت لاحقاً جماعات "القاعدة" وأساليبها الإرهابية في أكثر من مكان وزمان.
هي كذلك أزمة "هُوية" في مسبّبات ظاهرة التطرّف المسلّح باسم الدين، حينما تضعف الانتماءات الوطنية وتسود بدلاً منها هويّات فئوية بمضامين طائفية ومذهبية ضيقة. ولعلّ بروز ظاهرة "التيّار الإسلامي" بما فيه من غثٍّ وسمين، وصالحٍ وطالح، في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ما كان ليحدث بهذا الشكل لو لم يكن هناك في المنطقة العربية حالة من "الانحدار القومي" ومن ضعف للهويّة العروبية، كحصيلة لطروحات وممارسات خاطئة جرت باسم القومية وباسم العروبة، فشوّهت المضمون ودفعت ببعض النّاس إلى بدائل أخرى بحثاً عن الهويّة وعن قوى الدفع اللازمة في معاركها السياسة والاجتماعية والوطنية.
أيضاً، حينما تسقط الدولة في أيِّ وطن، يهوى الانتماء الوطني الواحد أيضاً لترتفع مكانه انتماءات أخرى هي أقلّ من نسيج الوطنية وأشدّ ارتباطاً بالخصوصيات التي يتكوّن منها أيّ مجتمع.
إنّ مواجهة نهج التطرّف تتطلّب من العرب الارتكاز إلى فكر معتدل ينهض بهم، ويُحصّن وحدة أوطانهم، ويُحقّق التكامل بين بلادهم، ويُحسّن استخدام ثرواتهم، ويصون مجتمعاتهم المعرّضة الآن لكلّ الأخطار.
لكن الفكر المعتدل المطلوب ليس هو بالفكر الواحد في كلّ مكان، ولا يجب أن يكون. فالاعتدال هو منهج وليس مضموناً عقائدياً.
وقد يكون المضمون دينياً أو علمانياً، وطنياً أو قومياً أو أممياً، لا همّ بذلك، فالمهم هو ضرورة اعتماد نهج الاعتدال ورفض التطرّف كمنهاج في التفكير وفي العمل وفي السلوك الفردي أيضاً.
فالاختلاف والتنوع في البشر والطبيعة هو سنّة الخلق وإرادة الخالق، بينما دعاة التطرّف اليوم (وهم أيضاً ينتمون إلى أديان وشعوب وأمكنة مختلفة) يريدون العالم كما هم عليه، و"من ليس معهم فهو ضدّهم"، ويكفّرون ويقتلون من ليس على معتقدهم حتّى لو كان من أتباع دينهم أو من وطنهم وقومهم.
هو فكرٌ كابوسي جاهلي يستفيد حتماً من أيّة شرارة نار يُشعلها متطرّف آخر في مكان آخر، فالحرائق تغذّي بعضها البعض، لكن النار مهما احتدّت وتأجّجت، فإنّها ستأكل في يومٍ ما – عساه قريباً- ذاتها، حتى لو تأخّرت أو تقاعست قوى الإطفاء عن دورها هنا أو هناك.
 ============================
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

 

الكتابة والكاتب، و خبرتي مع الكتاب

كانت مكتبة الحكمة في ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن قد استضافت السيد صادق جواد سليمان في السابع من شباط- فبراير من العام الجاري، وقدم السيد سليمان ورقة تضمنت حزمة من الأفكار والإطروحات المميزة عن "الكتابة والكاتب، والخبرة مع الكتاب".
السلام عليكم وطابت أوقاتكم بكل خير ...
وشكرا أخي أبا نبيل على تقديم سخي جدا، في الواقع سخيٍ لدرجةٍ أراني غير جدير ولو بمعشار ما أوليتني من جميل الثناء، بدافع لطف منك ومودة.
بأعم من ذلك وأكثر، شكرا لك على ما تتيح لنا هنا في مكتبتك العامرة من فرص التعارف والتثاقف في رحاب لغتنا الأم التي هي حاضنة هويتنا القومية في الوطن والمهجر... حاضنة يذكرنا بها أحمد شوقي بأثير قوله في قصيدة دمشق: *نصحت وتحن مختلفون دارا *ولكن كلنا في الهم شرق *ويجمعنا أذا اختلفت ديار *بيان غير مختلف ونطق. وفي القصيدة نقرأ أيضا: *وللأوطان في دم كل حر *يد سلفت ودين مستحق.
سعداء نحن حقا أن تجمعنا لقاءات كمثل هذا اللقاء، وكمثل لقاءاتنا بمركز الحوار العربي، ونحن من مختلف أقطارنا العربية ... وأن نلتقي هنا في المهجر في مكتبة يذكرنا اسمها بعهد بغداد يوم أن اعتمرت معاهدها بمختلف المعارف، مقتَبسة من الغير ومبتَكرة باجتهاد ذاتي، في مختلف حقول المعرفة. كما وأن نرانا في منتدياتنا نجسد، ولو رمزيا، وحدة أمتنا التي شطت بها الفرقة بعد أن كانت قد أسهمت، وهي موحدة، بأحد أعظم الروافد الحضارية التي رشدت خبرة الإنسان.
لك أخي أبا نبيل، ولنا جميعا، العذر – كل العذر - في أن نأسى على ما يحدث في أوطاننا من ضياع وشتات، لكننا ندرك تماما أننا لا نملك أن نستكين أو نيأس، بل إننا لا نملك خيارا غير أن نصمد ونصر على الإصلاح، مستهدين بالآية الكريمة التي نطق بها شعيب في تبيانٍ لقومه: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
والآن إلى موضوع هذا الحديث... وهو من شقين: الكتابة والكاتب، و خبرتي مع الكتاب:
لأبدأ بالكتابة والكاتب:
مع أننا نُبهر كثيرا بمبتكرات الحداثة المحيطة بنا والميسرة احتياجاتَ حياتنا في هذا العصر، ونتخيل العصورَ الأولى عقيمةَ الابتكار، إلا أن نظرة أدقَ تبدي لنا أن ابتكاراتٍ انسانيةً هامةً نتجت في عصور ما قبل التاريخ المكتوب، وأن ما استتبع من تقدم حثيث في المسيرة البشرية جاء اشتقاقا متتطورا، متنوعا، ومتوسعا لتلك الابتكارات الأم.
في عصور ما قبل التاريخ المدون نجد، من بين أمور عديدة أخرى، قرائنَ دالةً على استعمال النار، تصنيع عُدةِ عمل، يناء مساكن،َ صناعةِ زوارق، صناعة أسلحة، صناعة الفخار، صناعة النسيج، صناعة الزجاج. في أرض الرافدين تحديدا عثرنا على آثار ابتكار الزراعة وتربية الحيوان واختراع العجلة وصك النقود وتصنيع آلات موسيقية. كل تلك حفظتها لنا الأرض أثريا من غابر العصور.
على أن ما وسم أرض الرافدين تخصيصا بمهد الحضارة كان ابتكارُ الكتابة. بظهور الكتابة يفارق المؤرخون بين عصر ما قبل التاريخ المدون والعصر بعده. معالم جنسنا البشري تشكلت وضوحا قبل حوالي مئتي ألف عام، لكننا بقينا ننظق ولا نكتب حتى بزوغ الحضارات الأولى في سومرَ ومصرَ والهندِ والصين منذ قرابة خمسة آلاف عام. من هذه الحضارات الأم، الحضارتان الهندية والصينية وحدهما احتفظتا بتواصل تاريخي منذ البزوغ حتى اليوم.
وإذا كانت الكتابة أولَ مَعلم حضاري، فالقانون أولُ مَعلم كتابي. فيما نزل من السماء، وفيما تبلور ضمن الاجتهاد الإنساني على الأرض، القانون كان أولَ نص نظم الشأن السياسي الاجتماعي البشري. قبل حوالي ثلاثة آلاف وثمانمائة عام، حفر حمورابي في بابل مدونته القانونية على لوحات نصبها في ساحات عامة ليقرأها الناس فيعلموا ما لهم من حقوق. أربعة قرون لاحقا ظهرت التوراة مواصلة التنوير والتقنين. تزامنا مع ذلك خُطت صحف تأصيلية في الهند والصين. تلك جميعها كانت إيذانا ببدء مسار إنساني حضاري مفارق جذريا مسارات سائر الحيوان.
سقت هذه المقدمة لنتوضح حول التطور التاريخي المديد الذي نتحدث في سياقه عندما نتحدث عن الكتابة والكاتب. رُغم الفارق الشاسع بين ما كانت عليه الأمور قديما وما هي عليه اليوم، الكتابة بقيت حافظة العلم ووسيلة تعميقه وتعميمه، لذا كانت العاملَ الأول في دفع التطور الحضاري. من هنا الاهتمام عالميا، لدى جميع الأمم عبر التاريخ، بالكتابة والكاتب.
ومع أن الكتابة ظلت عملية شاقة، واصل الكتاب التدوين والتأليف بجهد جهيد، إلى أن اختُرع الورق في الصين، واقتبس صناعته العربُ بسمرقند في القرن الثامن الميلادي، ثم اقتبس الغرب صناعة الورق من العرب في الأندلس في القرن الثاني عشر، ثم اخترع الغرب بعد قرنين– في ألمانيا تحديدا – الطباعة بالكبس. بتزاوج الورق والطباعة منذ القرن السادس عشر قفزت عملية الكتابة والنشر قفزة كمية Quantum Leap ومع مطلع القرن التاسع عشر بانتشار المدارس عُمم التعليم المنظم، فراجت الكتابة إثر ذلك على نطاق غير مسبوق.
من هنا تثميننا دور الكاتب عبر التاريخ في تنوير مجتمعه، ومن بعد ذلك دوره في إثراء المشهد الثقافي وتشييد الصرح المعرفي عبر العالم. ولأن تخطيط الكتب كان من أصعب العمليات قبل عصر الطباعة على الورق، لذا اليوم نحن نثمن المخطوطات تثمينا خاصا لما تطلب تخطيطها من جلد وجهد، بصرف النظر عما تحتويه المخطوطات، بالمعيار المعرفي المعاصر، من مفاهيم وشروحات غير صحيحة أو غير دقيقة.
ومن يكون الكاتب؟ كان ولا يزال: قاصا وروائيا وشاعرا وناقدا ومؤرخا ومفكرا وعالما متخصصا في علم طبيعي أو إنساني. هو اليوم أيضا إعلامي يكتب عن أحداث جارية في مختلف مضامير الحراك البشري. هو اليوم أيضا شارح للناتج العلمي المتبلور من خلال مواصلة الدراسة والبحث من قبل المتصدرين الحركة العلمية عبر العالم. وهو في كل ذلك قد يكون كاتبا محترفا متفرغا للكتابة، أو ممارسا الكتابة كنشاط جانبي في مجال مأثور لديه.
أيا كان مجاله، دور الكاتب طالما اتسم بالريادة، ومهمته طالما اتصفت بالتنوير. مَن من الكتاب هكذا يعي دوره ويثمن مهمته لا يعفى نفسه من أن يكون مجيدا للكتابة، دقيقا في النقل، منهجيا في العرض، بارعا في الشرح، وفي جميع الأحوال مراعيا صدقيةَ النقل والإخيار، ومحترما ضوابط حرية التعبير.
إلى جانب الصقل المهني تتطلب الكتابة، قدرة على التحليل والتقييم. لممارسة دوره رياديا وتنويريا، على الكاتب أن لا يكتفي بمجرد نقل حدث أو وصف حال أو ترديد خطاب رسمي. هو مطالب أن يتناول أيضا ما قد يترتب على الحدث من آثار إيجابية أو سلبية حسب ما يستنبط ويقدر. بذلك يمارس الكاتب دورا فاعلا في تبصير اجتهادات مجتمعه، أكان على صعيد تكون الرأي العام أو تشكل التوجهات السياسية الرسمية. بذلك يغدو الكاتب ممارسا دورا رياديا وتنويريا، وطنيا وعالميا، ويغدو حقا أهلا لكل تقدير.
الريادة أداء متميز من موقع اعتيادي، وكونها كذلك، هي متاحة لأي أحد منا من موقع عمله وحسب استطاعته. هي متاحة للكاتب بالأخص في المجال الفكري المعني ببحث المفاهيم وتطوير الرؤى في اتجاه الأصوب والأجدر في مجالات تنظيم وإدارة الشأن العام . بذلك ترتدف الريادة بمهمة التنوير، ويبقى التنوير نهجا مستداما في الاجتهاد معرفيا والتبصر أخلاقيا في تقرير جميع الأمور.
لا يتغير وضع ما لا يتغير تفكيرنا حوله. ولكي يأتي التغيير في اتجاه الأصلح وجب أن تُسند مبرراته موضوعيا، وتُعير مقاصده بمعيار خدمة الصالح العام في جميع الحالات. ولأن دور الكاتب ريادي وتنويري معا، فإنه يلزم الكاتب بالأمانة والرصانة في كل ما يكتب. ذلك لأن للكلمة مسؤولية وجب أن تراعى في جميع الأحوال – سواء أطلقنا الكلام نطقا، أو سطرناه كتابة، أو حتى حين نهمسه همسا خلف جدران. ***
لأنتقل الان إلى الشق الثاني من حديثي: خبرتي مع الكتاب، فأسوقها مختصرة من محاضرة ألقيتها بمناسبة يوم الكتاب العالمي بجامعة السلطان قابوس بمسقط في أبريل 2010، تجاوبا مع رغبة من المنظمين أن أتحدث تحديدا عن خبرتي مع الكتاب.
دور الكتاب في حياتي كان ولا يزال دور المعلمَ الأول في تكويني الفكري المعرفي، فمنذ أن وعيت على نفسي أكاد لا أتذكر يوما لم أجلس فيه إلى كتاب.
أما الكتاب الذي آثرته فهو الذي ليس فقط ساق لي معرفة فيما جهلت، إنما أيضا ابتعث لدي التفكر فيما استعرض، إن كان في المعطى العربي الإسلامي أو في معطيات الحضارات الأخرى، وفي مقدمتها حضارات الصين والهند والغرب، كل واحدة من تلك بأنساقها الثلاثة: الديني والفلسفي والمعرفي.
أما مجالات القراءة المأثورة لدي على نحو مستدام فقد كانت في الدين والفلسفة والعلوم الطبيعية. من هذه الروافد الثلاثة انتسج فهمي لطبيعة الوجود، وتكون نظري حول هذه الحياة التي نتشاركها لأجل قصير، واعيين طبعا أن أجيالا لا تحصى قد وطأت أديم الأرض من قبلنا، وأجيالا من بعدنا ستطأ، المعنى الذي نظمه المعري في قوله: *صاح هذى قبورنا تملآ الرحب فأين القبور من عهد عاد* خفف الوطأ ما أظن أديم الأرض إلا بهذه الأجساد* فقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء والأجداد.
وماذا عن قراءاتي في السياسة، علما بأنني عملت بضع سنوات في الصحافة في الكويت خلال الستينات، ثم عقدا من الزمن في العمل السياسي/ الدبلوماسي العماني خلال السبعينات وشطرٍ من الثمانينات؟ نعم، قراءات في السياسة والاقتصاد وقضايا التنمية عنيتُ بها فترة من الزمن، بالأخص خلال دراستي الجامعية في السياسة الدولية العامة هنا في واشنطن إبان فترة اعتمادي سفيرا لبلدي عمان. لكن تلك لم تشكل لديي يوما لب الاهتمام. تركيزي المعرفي ظل ولا يزال في الدين والفلسفة وفهم السنن الكونية مستمدا من الاجتهاد الإنساني العلمي المتبلور باطراد.
في الدين قرأت أن الدين القيم واحد، وهو المتوائم مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، أن تعددية الأديان لا تنفي وحدة الإنسانية، فالناس طرا خلقوا من نفس واحدة، ويخضعون لناموس واحد، أن تعددية الأديان والمذاهب لا تنفي وحدة الوعي الإنساني الفطري بوجود الله ووحدانيته، وهي أيضا لا تنفي وحدة المُدرك الإنساني المعرفي للسنن الكونية.
في الفلسفة قرأت أن كل واحد منا يتفلسف، بمعنى أنه يخمن طبيعة الوجود على وجه أو آخر، ويفسر أمور الحياة من خلال ما يعلم ويختبر. ومع أنه يدرك محدودية علمه وقصور خبرته، إلا أنه لا يملك إلا أن يعمل بما يعلمه تحقيقا، ويختبره صحيحا بالتجربة والمنطق العقلي. هذا إلى جانب تكوين النظر في طبيعة الوجود ومصير الإنسان بعد الموت. ولعلي أذكر عرضا أن أول تعرفي على تعريف للفلسفة كان من قراءتي في سن مبكر مشهدا في رواية أوردت حوارا بين شاب غرير وشيخ غزير العلم جمعتهما عزلة زنزانة سجن. ذكر الشيخ عَرَضا الفلسفة، فتساءل الفتى: وما الفلسفة؟ فأجاب الشيخ بإيجاز شديد: إنها المعرفة الإجمالية التي تنتسج في الذهن من استيعاب مختلف المعارف.
في السنن الكونية قرأت أنها مستودع المشيئة الإلهية، لذا هي لا تتبدل ولا تتحول، أنها ذاتها السارية في الكون بأسره، أن منها ما تحكم الحال الإنساني بقسطاس مستقيم: لا تحابي أحدا ولا تجافي أحدا، لا تعلي فردا على فرد، ولا أمة على أمة، إلا بقدر ما يتسق الأفراد والأمم في مناهجهم وسلوكياتهم مع مقتضياتها التي لا تُصد ولا تُرد.
وما هي الأفكار الأساسية في الشأن الإنساني التي استخلصتها من قراءاتي في الكتاب؟
في تهذيب الشأن الإنساني وارتقائه ، على صعيد فرد أو مجتمع، استخلصت أفكارا ست، واستنتجت أنه بقدر استيعاب المرء هذه الأفكار وتطبيقه إياها في عموم نهجه، بشكل جاد وأمين، يستقر حاله، تصفو نفسه، تطيب حياته، ويعم خيره.
الفكرة الأولي هي أن البشر جنس واحد، وإذن، ما يصدق في حال أيما فرد أو مجتمع، يصدق في حال سائر الأفراد والمجتمعات: أي أن العوامل المؤثرة أيجابا أو سلبا في أحوال الأفراد والجماعات هي نفسها بالنسبة للناس في كل زمان ومكان. بتعبير أدل: هناك ميزان كوني واحد يزن ويجازي أعمال الناس كافة، أفرادا وأمما، ثوابا وعقابا، بقسطاس مستقيم.

ليس هذا بكشف جديد، فلطالما أخبرت عن وحدة الحال البشري، وعن القسط الكوني الذي يحكمه، أدبياتُ مختلف الأمم، أصيغت في دين أو في فكر فلسفي. من بين فلاسفة الإغريق، مثلا، نجد أن سقراط وأفلاطون وأرسطو في تنظيرهم حول مسألة الأخلاق، رأوا الحال البشري حالا مشتركا، وأبصروا من وراء تعدد خبرات الناس ومكتسباتهم وحدة جوهرية من حيث قدرة الناس جميعا على الإدراك عقلا لما يصلح ويرقي به حال الإنسان وما يفسد ويتدنى به، فردا ومجتمعا، أيا كان الإنسان وأيا كانت بيئته وهويته. لدى الرومان نقرأ للأمبراطور الفيلسوف ماركس أوريليوس قناعته بوجود مسار واحد للناس كافة صعودا وهبوطا على المدرج الحضاري: مسار واحد لكائنات تتماثل جسما وعقلا، حسب تعبيره.
مثلَ ذلك نرى عند أهل الحكمة الدينية في الهند قديما، بشقيه الهندوسي والبوذي، إذ قالوا بفكرة أن الإنسان يصعد أو يهبط في إنسانيته بأثر ما يأتي من عمل صالح أو طالح. على مثل ذلك أيضا نعثر لدى أهل الحكمة الأخلاقية قديما في الصين، كما عند كنفيوشس وشيعته، الذين ربطوا فلاح الأفراد والمجتمعات بمدى الالتزام بالضابط الخلقي المحقق في القول والمسلك. وقال المسيح في عظة الجبل، موجزا منظومة مكارم الأخلاق، ومؤكدا الحال البشري الواحد الموجب للتعامل بالمثل: في كافة الأمور ما تود أن يعمل الناس لأجلك اعمل لأجلهم، تلك هي سنة الأنبياء.
أما الاسلام فبأصالة نظره في النفس البشرية والفطرة التي فطرت عليها، وفي السنن الكونية الحاكمة أمرها، نراه قد عُنى بصلاح البشرية دون استثناء، أفرادا وأمما، لذا خاطب الناس كافة بما هو بينهم أصيل وعام، وخاطبهم على لسان نبي أرسل رحمة للعالمين. ذكّر الإسلام الناس أنهم جميعا مخلوقون من ذكر وأنثى انبثا من نفس واحدة، دعاهم إلى التعارف ما بينهم، وفاضلهم في الكرامة عند الله لا بنسب أو حسب، ولا بمال أو سلطة، بل بالتقوى، أي الاستقامة والخُلق الكريم.
الفكرة الثانية هي أن الحرية والمسؤولية هما بمثابة كفتي الميزان، لا بد من تواجدهما معا في تقابل لأجل تحقيق التوازن السياسي وتعزيز الوئام الاجتماعي معا في ترادف. على أن الأصل في حال الإنسان أن يكون حرا ـ أي أن يكون متاحا له أن يفكر ويعبر ويتفاعل مع غيره دون أي قيد غير مبرَر بمقتضى الصالح العام.
الفكرة الثالثة هي أن المساواة بين الناس أساس العداله بينهم، لذا بإعلاء امتيازات قلة على حقوق كثرة تتشوه الحياة الاجتماعية ويتعثر تقدم المجتمع نحو الأوفى والأمثل في التحقق الحضاري... بل أن بإعلاء امتيازات قلة على حقوق كثرة تضيع الامتيازات والحقوق معا في المؤدى الأخير.
الفكرة الرابعة هي أن العدل على رأس الأصول المقومة للخبرة البشرية. في ممارسة العدالة أختبار صارم للإنسان، بالأخص إذا كان في موقع مسؤولية عامة ائتمن عليها في مجال إدارة الشأن المشترك. علما بأنه إذا أدى المرء مسؤوليته بكفاءة وأمانة سعد وارتقى في إنسانيته، وإذا قصر متعمدا أو متقاعسا ارتكس. في النسق نفسه قرأت أن الظالم لغيره لنفسه أظلم، وأن الغالب بالشر مغلوب.
الفكرة الخامسة هي أن حرمة الإنسان وكرامته لا تمسان في أيما ظرف. الحرمة تعني أن لا يضار إنسان بدون مبرر مشروع، أن لا يعتدى عليه. الكرامة تعني – من بعد ضمان الحرمة – أن لا يهان الإنسان، أن توفى احتاجاته الأساسية، أن تنمىَ قابلياته بالعلم والتدريب المهني لكي يُمكّن من كسب عيش كريم، فلا يضطر لمد يد الحاجة صاغرا إلى غيره، كل ذلك في إطار تكافل اجتماعي مضمون ضمن حقوق المواطنة ومنظومة حقوق الإنسان.
الفكرة السادسة هيى أن الشورى في الحكم والحياة مطلب أساس لضمان حكامة رشيدة وحياة اجتماعية مستقرة منتجة. ليست الحكمة حكرا على بعض منا دون بعض آخر، لذا لا مبرر لحصر مهمة الحكم في فرد أو فئة. في المقابل، كلما توسعت دائرة التشاور والتقرير في الشأن المشترك من خلال مؤسسات منتخبة من عامة المواطنين، كلما نحت اجتهادات الأمة منحى الصواب والرشاد.
أخيرا ملحوظات أربع هي أيضا تدخل في نسيج منظوري الفكري المعرفي المتكون من مجالستي الكتاب مد العمر، أوردها باختصار:
الملحوظة الأولى: الذكاء في جنسنا البشري يبلغ أنشطَه في مرحلة مبكرة، إذن لنعمل على رصد النبوغ واستظهاره وتعهده وتفعيله، مبكرا في صفوف المدارس والجامعات.
الملحوظة الثانية: العلم مُمكّن وليس بمرشّد. العلم يمكن أن يُسخّر لخير أو لشر. بالحكمة تُرشّد المُكنة المستولَدة بالعلم، فتُوجَه مبكرا وجهة الصلاح.
الملحوظة الثالثة: القيادة أداء متميز من موقع متميز. الريادة أداء متميز من موقع اعتيادي. القيادة تمارسها قلة منتخبة لأجل محدود. الريادة متاح مجالها للجميع لأجل مفتوح. إذن لنتسابق إلى ممارسة الريادة، كل من موقعه وفي مجاله. ولندرك أن أمثل القيادات تنشأ من أمثل الريادات، وليس من خلال التوريث ضمن أسرة أو فئة.
الملحوظة الرابعة: الأخلاق أساسية في تقويم الحياة على صعيد الفرد والمجتمع بسواء. الانضباط الخلقي يعد أحد العناصر الرئيسة الأربعة التي، مُجتمعةً، تمكّن من الارتقاء الحضاري: الممكنات الثلاثة الأخرى هي: المعرفة العلمية، المقدرة الإنتاجية، حكامة رشيدة. فإذا شئت أن ترصد إن كان مجتمع ما متحركا في أتجاه تحقق حضاري، فارصد تطوره على هذه المسارات.
حول الأخلاق يقول كنفيوشس حكيم الصين قديما مخاطبا صاحب السلطة في بلاده ما معناه: إذا أنت قدتَ شعبك بوسائل الترغيب والترهيب، فإنهم سيبرعون في النفاق والتحايل، من دون أن يتمرسوا في التمييز أخلاقيا بين الصالح والطالح من الأعمال. اما إذا قدتَ شعبك بالفضيلة، ورشدتهم بمكارم الأخلاق، فسيتعودون على صالح الأعمال فيأتونها سجيةً، دون رادع خوف أو دافع طمع.
يستطرد كنفيوشس ناصحا: كل الصلاح منشؤه من داخل الإنسان الفرد، ومن الفرد يسري في الأسرة، ومن الأسرة يسري في المجتمع، ومن المجتمع يسرى في الدولة المنظمة للشأن العام. وعندما تكون الدول على صلاح، يعم السلام واليسر عبر العالم. بمعنى آخر: أيا كان مستوى المرء وموقعه في مجتمعه، عليه أن يتخذ تهذيب النفس منطلقا جذريا لتحسين حاله، وتباعا لتحقيقِ الصالح العام.
خلاصة، إذن، القراءة في الكتاب، التفكر في الوجود، البحث في الطبيعة، التعاون لأجل تحقق حضاري مستدام في الوطن وعبر العالم ... تلكم عناصر منظومة نهج كان في صلب وعيي مبكرا، وهو ما دفع بي لاحقا بشكل أوضح وأركز إلى أن أنحوَ منحىً معرفيا في محاولة الاستنارة، محاولة استجلاء وجه السداد في فهم الأمور، بما في ذلك محاولة فهم الخبرة الإنسانية لدى مختلف الأمم، قديما وفي هذا العصر الحديث.
في كل ذلك، عبر هذا المشوار الطويل حتى مطلع هذا العقد التاسع من عمري، كان الكتاب لي، ولا يزال، المعلمَ الأول... كان ولا يزال المَعينَ الذي لا ينضب: كان ولا يزال الحاضرَ دوما إذا استحضرتُهُ، والمُعينَ دوما أذا استعنته، والناصح دوما إذا استنصحته... إجمالا، كان لي، كما قال الشاعر، خير جليس. ***
 

لماذا تتآكل مجتمعاتنا من دواخلها ؟

كانت مجتمعاتنا تعاني منذ زمن طويل من تفاقم الإرهاب في ظل حكومات دكتاتورية غاشمة ومن بعض المستبدين والأغبياء الذين لم يكن تهمهم إلا السلطة والثروة والرعونة، ولم يفكروا أبداً في مجتمعاتهم والمصير الذي ستنقاد إليه ، وكم وعدوا شعوبهم بإصلاح المؤسسات والاجهزة وإطلاق الحريات وتأمين عيش الانسان بكرامة مع منحه حقوقه .. اليوم ، تعاني أغلب مجتمعاتنا من التمزق والإسفاف وانعدام الأخلاق وموت الضمائر وأصبح "الإسلام السياسي " لباسا يتشدق به الجميع لدرء التهم بدءا بزعماء مستبدين مرورا بكتّاب ومفكرين وعلماء وفقهاء ووصولا الى قادة احزاب ومنظمات وجماعات وكتل تتبارى باسم " الدين" .. بل تمّ سحق المثقفين الأحرار والعلماء الحقيقيين سحقا ، فقتل بعضهم ، وأبعد بعضهم من المصلحين ، ونفي بعضهم من الصرحاء ، وحوكم العديد من المفكرين الآخرين !
كنا ولم نزل نطالب بتحديث القوانين والمناهج التربوية وتوفير الحياة المدنية ووسائل العيش والسكن والقضاء على الفقر وتوفير العمل .. مع المطالبة بمشروعات مدنية حضارية كي تستقيم الحياة مع كل التطور الحاصل في العالم ، لا بتكريس إبقاء الذهنية " مركبة " بين بقايا العصور الوسطى وتناقضات الحياة المعاصرة ، ولكن كل هذا وذاك لم يحدث أبدا ! لقد اندفعت بعض المجتمعات العربية إلى الثورات ضد الاستبداد والمطالبة بتغيير الانظمة السياسية ، فكان ما سمي بـ " الربيع العربي" الذي اخترق من قبل كل المتوحشين الذين سيطروا على الثورات .. ولما لم تكن هناك قيادات واعية ولا برامج بناءة ، وجدت الثورات نفسها تائهة، مع مأساة التدخلات الخارجية والإقليمية التي مارست دورها المتوحش في تفكيك المجتمعات بعد اختراقاتها ضمن اجندات خطرة بزرع الفوضى، فقلبت المعادلة الى حالات من الانشطار والتفسخ ..
وقد ساعد على ذلك غيبوبة الوعي في مجتمعاتنا ، وانتشار الجهل ، وهروب الناس الى انتماءات وولاءات دينية متعددة وانتماءات مذهبية وطائفية مهترئة ، وبدا الصراع الداخلي يأخذ له مديات خطرة بتبديل الأقنعة إثر سقوط الانظمة الاستبدادية . كما ساعد على ذلك تفشي الانقسام واللاأخلاقيات التي طغت على السلوكيات وأساليب التعامل بين الناس بحيث سيطرت جماعات متشددة وإرهابية عنيفة وميليشيات غادرة باسم المذاهب والجماعات وقوى رعاع متخلفة لا تعرف الرحمة ولا الضمير ولا الأخلاق كالبلطجية " في مصر ، والشقاوات في العراق ، والشبيحة في سوريا ، والزعران في لبنان – كما تعرف جميعا في القاموس الشعبي العربي –وكلها مرتبطة بقيادات وأجهزة وحتى حكومات عربية واقليمية على حساب تقاليد مجتمعاتنا التي كانت تحتفظ الى زمن قريب بأخلاقيات مجتمعاتنا المعروفة والتقاليد الرائعة التي تربينا عليها!
إن مجتمعاتنا قاطبة تعيش اليوم زمنا صعبا للغاية ، وستواجه الاجيال القادمة حالات صعبة وتحديات خطرة لا قبل لها بها ، خصوصا وان التفكك والتشرذم سيطول حتى الجزئيات ، وقد غابت عنها فرص التقدم المثلى . واليوم ، وقعت الفأس في الرأس لنرى تعذيبا بشعا للإنسان، وقطعا للرقاب ، وجلدا للأجساد ، وحرقا للبشر الحي ، وبيعا لنسوة غير مسلمات .. ووشم جباه .. وعض آذان ، وغيرها من الموبقات !
إن ما ساد من ظواهر اضطهادات ناشزة قبل سنوات لا يقارن أبدا إزاء ما يحدث اليوم من دعارات، إذ انتقلت مجتمعاتنا من الاستبداد السياسي الى الشناعات السياسية باسم الدين او باسم الطائفة ، ولم يعد هناك من يتماهى مع الافكار والايديولوجيات القديمة التي نكّلت بمؤسساتنا ، بل سكتت مجتمعاتنا على القوى المتخلفة الجديدة التي جاءت الى السلطة باسم " الاسلام السياسي " ، وجعلته عقيدة سياسية لها ، فتعاظمت التناقضات لتلد المزيد من الدعارات ضد المجتمعات ونزعاتها ، وكذبت كل السلطات سابقا عندما ادّعت بأنها ستتبع مشروعات في الاصلاح والتحديث بحجة دعاوى معينة .
إن مجتمعاتنا اليوم تواجه أبشع التحديات في دواخلها ، لما كانت قد واجهت حكومات دينية وطائفية ، بل وانبثقت دول دينية متبعة أساليب العنف ، وهي تدعي امتلاكها شرعية دينية ، وإن كل الأحزاب والهيئات والمؤسسات الدينية الإسلامية وقادتها في عموم العالمين العربي والإسلامي لم تحّرك ساكنا ، ولم تقف لتقول كلمتها الصريحة والشجاعة في ما يجري ! بل وسكت كل من يسمّون أنفسهم بالمفكرين الإسلاميين والعلماء المسلمين وفقهاء الدين المعممين ومن يلتحق بركبهم من أشباه الكتّاب المنافقين ، إذ اجدهم قد سكتوا وصمتوا على كل البشاعات التي يمارسها المتوحشون والمرضى السايكبوثيون وما يقترفونه من أهوال باسم التزمّت والتشدد ، والسبب ان مجتمعاتنا كانت ولم تزل تعيش مقيّدة الفكر ، وحبيسة الأغلال ، وجامدة الذهن .. وقد رضيت بمثل هذا الماراثون الذي نودي به منذ عقود طوال من السنين عندما أعلنوا بأن " الاسلام هو الحل! وهم لا يعلمون ما نتائج تطبيق ذلك !
والمشكلة الأساسية أننا نفتقد مع تقدّم الزمن أفضل النخب الحرة ، ونستقبل أسوأ الجماعات المتوحشة والأحزاب الطائفية الداعرة .. لقد تعايشنا مع كل الهزائم على امتداد نصف قرن مضى في ظل حكومات مستبدة .. ورؤساء دكتاتوريين .. وهزلت الدولة العريقة بعد هيبتها على أيدي الطفيليين الجدد وملياراتهم مؤخرا .. نعم اقترن ذلك بالسلطات لا بالمؤسسات ، وبالطغيان وهشاشة النظم ، لا بسيادة القانون .. وهذا ما وصلنا اليه اليوم من هول التراجعات ؟ ولكن لماذا لم نشعر بحاجتنا للتغيير من دواخل حصوننا المهترئة ؟
ان أوطاننا لم يصنعها الآخرون فهي قديمة قدم التاريخ ، وان اي دولة تقوم كمؤسسات على تراب وطني ، ويعيش عليه شعب . واذا كانت اوطاننا تستوطنها منذ القدم عدة اطياف قومية ودينية اخرى ، فلماذا يجري استخدام اقسى انواع العنف ضدها ؟ فهي قوميات وديانات عريقة يمكنها التعايش من دون اثارة نوازعها وايذائها. ما هذه الاحقاد والكراهية التي يحملها المتشددون الذين تربوا في مجتمعات منغلقة لا عدالة فيها ، فكانت النتيجة ان توالدت جماعات مريضة ، تربت على اكاذيب ومزورات وتمجيد وتقديس نصوص وشخوص .. وكانت الاصوات الحرة تقمع ، والافكار الجديدة تستأصل .. وتجري محاكمات ضد عدد كبير من المستنيرين الاحرار ، بل وشوهت سمعتهم ، وسجن آخرون ، ونفي او انتحر او اغتيل الكثير منهم !
"كثيرا ما يأتي الذبول التاريخي عندما تتآكل الحصون من دواخلها بفعل ابنائها .. ان دواخل بعض مجتمعاتنا قد اصابها التعفّن منذ قرابة ثلاثين او اربعين سنة مضت نتيجة القصور ، والهشاشة ، والضعف ، والسذاجة ، واحتقار العقل ، وهجمة الغلو والتطرف ، كما ان الثقافة الحقيقية غدت مغيبّة ومستهجنة ، وتلاعبت العواطف دوما بأهواء مجتمعاتنا ، وطغت عليها مخيالاتها وشعاراتها الواهية ، كما تحكمت السرعة في قرارات السلطات فيها ، ولم يعترف الانسان بأخطائه وهزائمه أبدا .. لم ينفتح على الآخر ، وغدا يعبث بالخصوصيات ، ولا يؤمن بالنفع العام ولا المال العام .. ليس بقارئ ولا بمدقق .. عدو للحداثة ، عاشق للتعصب ، مزاول للتطرف ، لا يحب العمل الجماعي .. يؤمن بالعشائرية والطائفية والجهوية والمحلية .. يردد الشعارات من دون تفكير مسبق بها .. لا يصحح مفاهيمه القديمة .. يحمل تناقضاته الى اي مكان يذهب اليه .. لقد انهار عالمنا مع زيادة النكسات والهزائم العسكرية والنفسية والفكرية والاخلاقية .. وشهدنا مأساة حروبنا الباردة والساخنة بين سياسات الدول .. " وهذا ما كنت قد نشرته قبل ثماني سنوات !
لو سارت مجتمعاتنا في طريق آخر غير الطريق التي سلكتها منذ خمسين سنة ، لكانت اليوم مجتمعات واعية ونشيطة ومنتجة ومتوازنة ومنسجمة .. ولكان للمبدعين لهم قدراتهم ومواهبهم وإمكاناتهم يحسب لهم حسابهم ، ولكن عشنا حالات التراخي ، وضياع الازمنة الثمينة في الهوس المتخلف ، وترديد الشعارات الماكرة والغبية وتربية الناس على الكراهية والتحريض والعنف .. لم يعد الضبط والربط موجودا ، بل اندلعت حروب لا معنى لها قتلت زهرة شبابنا ، وأزهقت أرواحا بريئة ، وبددت ثرواتنا هباء .. لم نجدد انفسنا مع توالي الايام والازمان .. لم تجد مجتمعاتنا فسحة من التغيير من اجل بناء وعي جديد بالزمن والتقدم .. هيمنت على العقول وكبست على الاذهان تلك الاوهام السياسية العمياء . وعّم الاضطهاد والاستبداد ، فلا اي مساحة للرأي الآخر ، بل ولا حتى هامش صغير للحريات .. ساد القمع والكبت في كل مكان .. كل هذه وتلك جعلت مجتمعاتنا تتفكك ، ونخبها تهاجر ، واجيالها تنغلق ، وشارعها يصمت .. فمتى تتغير بوصلتنا نحو المستقبل ؟ انها تتغير بولادة انسان جديد ووعي جديد وعلاقة انتاج جديدة وابداعات من نوع جديد .. " .
فهل سيتحقق ذلك ؟ إنني أشك في ذلك !

 

الإيمان.. حالٌ في الداخل وأداءٌ في الخارج

صادق جواد سليمان*
 حبذا لو نربّي أولادنا على هذا الفهم لمعنى الإيمان
***
لفظ الإيمان مشتق جذريا من الأمن، ويدل على حال وجداني يرسخ في الإنسان فيبعث فيه أمانا واطمئنانا إلى ما حوله، أكان في محيطه البشري، كما في علاقته مع أفراد مجتمعه وأفراد المجتمعات الأخرى المتشاركين معه خبرةَ الحياة، أو في بيئته الطبيعية على هذا الكوكب المتواصل مع الكون اللامحدود. مبعثُ هذا الاطمئنان لدى المؤمن هو إحساسه العميق بسلامة الوجود على الإطلاق، وسلامة موقعه في الوجود، إذ الكونُ في إدراكه مُتقنٌ صنعُه، وسُنن الكون لا تحيد ولا تغدر. من حال الإيمان، لذا، لا يُعنى المرءُ بمصيره بقدْر ما يُعنى بمسيره، لما يعلم يقينا أن ضمانَ سلامة السير وصحةِ الاتجاه، ضِمن وجود مُتقن، يضمن - كنتيجةٍ منطقية - سلامةَ المصير. لذا أيضا، لا تستقبل نفس المؤمن نهاية الحياة بجزع أو قلق، بل تتهيأ للعبور بطمأنينة وتطلع.
من حال الإيمان يرى المرء لنفسه أصالةً وشرعية ككائن حي من جنس الإنسان، له، بمثلِ ما لبني جنسه، كرامةٌ وحرمة، إذ الجميعُ بشرٌ متساوون أمام الأحد الصمد. لا أمرٌ من الأمور، في بيئته القريبة أو الأوسع، يقلق المؤمنَ أو يزعجه، إلا بمقدار ما يخرج أمرٌ ما، بسوء فعل الإنسان أو خطأ تقديره في الغالب، عن سياقه الصحيح، فيعوق نماءَ الحياة عامةِ، ونماءَ الإنسان، ككائن متصدر في تطور الحياة، على وجه الخصوص. لا شيءَ من الأشياء يلقى لدى المؤمن جدارةً إلا بمقدار ما يتسق شيءٌ ما، إلى جانب مصلحة الفرد، مع الصالح العام، إذ أن جدارةَ أي عمل، من معيار الإيمان، تُقاس بعمومية النفع أكثر منها بخصوصية الانتفاع. في التعامل مع الغير، إذن، أياً كان الغير، ينطلق المؤمن من مبدأ التكافؤ معه، ويبني مع الكل علاقة تنشد التعاون والتبادل النافع، وترفض الضرر والضرار.
من حال الإيمان لا ينزع المرء للتظاهر بشيء ليس فيه، فللحقيقة لديه حُرمة لا تهتك. من حال الإيمان لا يزعم المرء أمراً لا يعلم له تحققا في الواقع، إذ الأمور، كما يرى، يجب أن تُدرك على ما هي كي تعالج بصواب. لا يغني الظن لدى المؤمن عن الحق شيئا، بل وإن لديه بعض الظن إثم. لا يُحرج المؤمنَ أن يُفصِحَ عن رأي توصّل له باقتناع، وإنْ خالف رأيا لأكثريةٍ سواه. إنه لا يأنف عن استماع القول فاتباعِ أحسنه، إذ العبرةُ لديه فيما يقال لا في من يقول. لا يُضير المؤمنَ أن يرجع عن رأي، أو أن يُقر بخطأ، إذا ما وجد رجاحةً في الرأي الآخر. أما إذا استدرك تقصيراً في أدائه، أو شططا في قوله، فإنه لا يملك إلا أن يطلب الصفح، فلديه الحقُ يعلو ولا يُعلى عليه، ولديه الحقُ، متى ظهر، أحقُ أن يُتبع في كل حال.
"الحقُ أحقُ أن يُتبع" قناعةٌ ترسخ لدى المؤمن فتحرره من التعصب لعادة أو تقليد أو موقف خاطئ، أو من تشبث بامتياز كاذب. ذلك يعني أن لا العادةُ ولا التقليد ولا التميّز بنَسَب، ولا ما يغذّي هذه الأمور من عصبيات فئوية، قبلية، أو شخصية، تُصرف المؤمنَ عن اتباع الحق حين يتبين له الحق بالمعرفة والمنطق ومعيار الخُلُق الكريم. ذلك يعني أيضا أنه حيثما يظهر الصواب، ولو بعد أمَد من تراكم الخطأ، ورغم كل ما يكون قد بُني على الخطأ من عادة وتقليد وموقف خاطئ وامتياز باطل، فلا خيارَ لدى المؤمن إلا أن يُقر الصوابَ ويدحضَ الخطأ، ويمحوَ، أو يدين، ما بُني على الخطأ.
لدى المؤمن، العقلُ أساسُ الاجتهاد وأداته، وللاجتهاد العقلي لديه روافد ثلاثة: المعرفة الموثقة، المنطق السليم، المعيار الخُلُقي. بالمنهج المعرفي يتقصّى العقل حقيقةَ الأمور والأشياء كما هي، وليس بالضرورة كما فُهمتْ في سابق زمن. بالمنطق يستنبط العقل الترابطَ بين الأمور والأشياء كما هو، وليس بالضرورة كما خُمِن في القديم. بالمعيار الخُلُقي يحكم العقل بصلاح الأمور والأشياء أو فسادِها بمقدار ما هي تنفع أو تضر فعلا بالصالح العام، وليس بالضرورة بما ورد من تحليل أو تحريم لها من قبل. في ذلك كله، يسترشد المؤمن بما قدّمت عقولٌ عاشت خبرة الماضي من معرفة ونظر، ومع أنه يُجلّ تلك العقول، ويُكنّ لها على ما قدّمت أعمقَ الحب والتقدير، إلا إنه لا يقرر ما يصلح للحاضر إلا بإعمالِ اجتهادٍ عقلي متجدد مستقل. لديه أيضا، أن لكل جيل من البشر أن يبدع لعصره ما هو أقوم، وأن ليس على قدرة الإبداع في الإنسان سقف.
لا يرى المؤمن في الإيمان إجهاداً للعقل، بل يُسراً وراحةً له. ذلك أن العقل يعمل بأوفق هديه وأوفي طاقته حين يكون آمنا على ذاته، مطمئنا إلى محيطه، هادئا في تفكيره، مشدودا إلى نزعة الصلاح فيه، وغير آسٍ ولا فرح بما فات وما ينتظر - وهذا ما يكون العقل عليه في حال الإيمان. لا شيء يربك العقل كالخوف، لا شيء يرجّه كالغضب، لا شيء يلهيه كالهوى، لا شيء يعميه كالطمع، لا شيء يفتك به كالحسد، لا شيء يقفل عليه كالتعصب، ولا شيء يفسده كسلطة بدون مساءلة. بالإيمان تتنامى في العقل حصانة ضد هذه الأسقام، فيصح العقل ويتحرر وينطلق، فيما هو حاله الطبيعي السليم، في طلب طيبات الحياة.
عندما يتحرر العقل بالإيمان، ينطلق في طلب العلم وفعل الخير وتلمّس ألطاف الوجود بالتفكر والتدبر: ينطلق وقد استقر حاله، ولَطُف سره، وصفت رؤيته، وزاد ثباته في الحق. ذلك يعني تحولاً في حال الإنسان بتحولٍ في حال عقله، فما الإنسان إلا عقلُه، وما الجسم إلا إطارٌ ساند للعقل وممكّن له من الحركة والاستكشاف. من هذا الإدراك ترى المؤمنَ أحرصَ ما يكون على سلامة العقل والجسم، إذ أن على سلامتهما تعتمد، وبها تتحدد، نوعية خبرة المرء في هذه الحياة.
لا يرى المؤمن للعلم تعارضا مع الإيمان، بل ارتكازا له فيه. فرغم ما يقال أحيانا أن العلم يتعارض مع الإيمان، إلا أنه، في وعي المؤمن، يرتكز في الإيمان في منشأه ومؤداه العملي، وذلك من حيث أن العلم يفترض – كأمر مسلّم – الثباتَ والتجانس في السنن الطبيعية، وهو افتراضٌ لا يمكن الأخذ به – كأمرٍ مسلّم – إلا بالإيمان. بعبارة أخرى: لولا إيمان الإنسان بثبات السنن الطبيعية وامتناعها على الاضطراب، لكونها عينَ مشيئة الله التي لا تحيد ولا تُخرق، لما ركن على علمه بها وهي على ما يراها غير مستقرة، ولأحجم عن الوثوق بمخترعات علمية يعتمد أداؤها على سنن طبيعية يراها قابلة للتبدل والتحول في أي وقت. وعندما يبدو أن سنةً لم تعمل كما كان محسوبا لها أن تعمل، لا يرتاب المؤمن في سلامة السنة وثباتها، لكنه يراجع حسابه، ويبقى مراجعاً حتى يهتدي لفهم صحيح يؤدي لنتيجة محسوبة من تسخير سنة يَفترض فيها الثبات.
العلم - بمعنى الإدراك في الذهن لما هو موجود في الواقع – يحتل لدى المؤمن محل رديف للخلق، إذ لو خُلق الإنسان من دون أن تودَع فيه قابلية التعلم لتعثر في التطور وربما انقرض. على أن علم الإنسان - ككل قدراته وملكاته - بالضرورة نسبي ومحدود، ينمو ويتسع، لكنه أبدا لا يبلغ الكمال. ذلك لأن الكمال لا يحتويه حال قاصر، كحال الإنسان، لذا الكمال، في كل إمكاناته، لا يكون إلا لله الذي لا يحده شيء وليس كمثله شيء. في وعي المؤمن أيضا، أن بالعلم النافع يرتبط رقي الإنسان، أن على مبلغ علم الإنسان في أي وقت يترتب تكليفه، وأن لا حجة لأحد على آخر في زعم ما هو صواب أو خطأ بدون سند علمي مبين. لدى المؤمن أيضا، أن العلم، كالهواء وضوء الشمس، لا يجوز أن يُحجب أو يُحتكر، فهو حصيلة تطور الإنسان في كل ثقافاته وحضاراته، لذا هو ميراث يعود للبشرية جمعاء.
العدل، المساواة، كرامة الإنسان، تقرير الأمر العام بالشورى، أصولٌ فكرية لدى المؤمن: هي في إدراكه مبادئُ إنسانية من حيث لزومها الحيوي لصلاح المجتمعات البشرية ورُقيها الحضاري في أي زمان ومكان، بصرْفِ النظر عما يوجد بين المجتمعات من تمايز ثقافي. الصدق، الكرم، التقوى، الاستقامة، الإحسان، التواضع، الحلم - تلك ومثيلاتُها من مكارم الأخلاق قيمٌ أصيلة وأثيرة لديه، بما هي تدرّ على أي فرد ومجتمع من نماء حميد. الجهاد لأجل تحقيق الأفضل، تعميم اليُسر، صلة الرحم، إتقان العمل، التكافل الاجتماعي، التواصي بالحق وبالصبر، رعاية صحة البدن والنفس - تلك ومثيلاتها لديه من مقومات الحياة وضروراتها للناس كافة. لديه أيضا، أن تأكيد المبادئ والقيم ومكارم الأخلاق كثوابت في تربية الأجيال، أمر أساس لتواصل البناء الحضاري في خبرة الأمم. ولدى المؤمن الحكمة ضالة لا ينتهي البحث عنها، وهي أيضا خير كثير.
من المبادئ، العدل في وعي المؤمن ووجدانه يحتل محورا مركزيا في بناء صلاح الإنسان، إذ بالعدل يُمكّن الإنسان، فردا وجماعة، من تحقيق اليُسْر وتعميمه، ومن توطيد الوئام بين أفراد الشعب الواحد وبين الشعوب. لا علاقةَ ولا مبادلةَ بين الناس، صغيرةً أو كبيرة، خاصةً أو عامة، بين أشخاص أو بين أوطان، تكتسب شرعيةً أو تدرّ نفعا في مؤداها الأخير ما لم تتّصف بالعدالة. المؤمن يدرك، اتساقاً مع إدراكه لطبيعة سُنن الكون التي لا تتبدل ولا تتحول، أن تراكمَ الظلم يؤدي إلى تفكك اجتماعي وتراجع حضاري، وأن بتفاقم الظلم يغدو الظالمون والمظلومون معاً ضحايا عواقب الظلم: الظالمون لما أتوا من فعل شرير يأباه الله في كونه، والمظلومون - وهم الكثرة عادة - لأنهم تقاعسوا عن صدّ الظلم عند أول فتكه، حين لم يكن قد مسّ بعدُ إلا قلةً من الناس، حتى إذا استحكم واستفدح، شقّ عليهم صدّه أو ردّه، وما استطاعوا عزل الظالمين ومعاقبتهم إلا بدفع ثمن باهظ وخوض كفاح مرير.
كما العدل، يحتل مبدأ المساواة في وعي المؤمن ووجدانه محورا مركزيا في بناء صلاح الإنسان، إذ بالمساواة – بمعنى التساوي أمام القانون والتكافؤ في الفرص - يُمكّن الإنسانُ من إرساء مجتمع مستقر، متوازن، متعاون، منتج. من حال الإيمان، لا ينكر المرءُ التمايزَ بين الناس في الفضل - كما بالعلم والتقوى والخدمة العامة - لكنه لا يرى مطلقا شرعيةً لتمييزٍ بين الناس في الوطن الواحد على أساس نَسَب أو جنس أو لون أو دين أو مذهب. في نظره، أيةُ امتيازات تُبنى على تلك الاعتبارات - سياسية، مالية، أو اجتماعية - مُجحفةٌ وباطلةُ، لخرقها مبدأ المساواة بين الناس، وضربها مفهومَ المواطنة المتكافئة عرضَ الحائط. لذا، لا يمكن للمرء – إلا إذا مارس نوعا من نفاق - أن يُقر بوجود المساواة أمام الله، ثم يتنكر للزومها بين الناس.
كما العدل والمساواة، يحتل مبدأ كرامة الإنسان في وعي المؤمن ووجدانه محورا مركزيا في بناء صلاح الإنسان، فردا ومجتمعا، إذ بإدراك هذا المبدأ تتصحح نظرة الإنسان إلى الإنسان الآخر، كأخٍ له في دين أو وطن، أو كنظيرٍ له في الخلْق. لكافة أبناء البشرية وبناتها كرامةٌ لا تُهدر، لذا لا يجوز العدوان ولا الإيذاء، ولا الغش ولا الغدر ولا الغصب ولا الإكراه، كما لا يجوز امتهان كرامة أي إنسان، حتى حين يُدان سوءُ فعل بدَر منه، ويُنزل به عقابٌ على جرمه. في وعي المؤمن أيضا، أن كبْتَ الفكر، خنق حريةَ التعبير، وفرضَ سلطة سياسية غيرَ مشرّعة بالانتخاب الحر من أهل الوطن - رجالٍ ونساء - كلُ تلك خروقٌ فاضحة لكرامة الإنسان.
كما العدل والمساواة وكرامة الإنسان، يحتل مبدأ الشورى في وعي المؤمن ووجدانه محورا مركزيا في بناء صلاح الإنسان، إذ به وحْدِه تنتظم الحياةُ السياسة-الاجتماعية على أصلحها، ويستقيم أمرُ الحكم. لقد فطن الإنسان منذ باكورة وعيه أن بقاءَه كجنس مرتهنٌ بتماسكه الاجتماعي، وأن رُقيَه الحضاري مرتهنٌ بنمائه المعرفي والخُلُقي، وأن كلي المطلبين لا يتحقق في مناخ يسوده استبداد. لقد وعى أيضا أن من طبع الاستبداد نقض العدل والمساواة وكرامة الإنسان، من شروره التسلط بالعنف والتحكم بالمورد العام، ومن خطره تعريض الأوطان للدمار. لذا، لا بد من قطع دابر الاستبداد بتمكين الشعوب من ممارسة الولاية على النفس بنظام شورى يعمل بالاجتهاد الجماعي في الشأن العام، ممارَسا دستوريا من خلال مؤسسات حكم منتخبة من، ومساءلة لدى، المواطنين. ذلك أثرى عطاءً وأسلم عاقبة وأدني حفاظا على الصالح العام من تقرير فردي أو فئوي. بهذا المعني تغدو الشورى في قناعة المؤمن أمرا جوهريا في لزومه للحفاظ على سلامة الأشخاص والأوطان، ولتحقيق طموحات أجيال متعاقبة في حياة كريمة ونماء مطرد.
لكنْ، لا الثبات على المبادئ، ولا التحلي بمكارم الأخلاق، ولا الدأبُ على أداء العمل الصالح، يتحصل للمرء بمجرد الرغبة والنية. من حال الإيمان يدرك المرء - ولا يفتأ يُذكّر نفسه - أن عليه أن يجاهد على كل محاور الإصلاح دون انقطاع، ليحقق تقدما ويواصل فيه أمام شتى العوائق والتحديات. إنه يدرك أن من باب التمني لا العزم أن يقنع المرء بمجرد التوضّح حول متطلبات الإصلاح، ثم لا يسعى في تحقيقها فعلا من خلال ما يقول ويعمل. هو يدرك أن الإصلاح مهمة عامة تتدرج من مستوى وطن إلى أمة إلى حضارة إلى هَمّ إنساني مطلق، وهي أيضا مما يستثير كثيرا من نوازع الصراع، لذا لا يجدر بالمؤمن، كطالب إصلاح، إلا أن يدعوَ بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلَ بالتي هي أحسن، كسباً للعقول والأفئدة، واتقاءً للفتنة والعنف. في وعيه، لا أحد، مهما تحلى بحصافة وحسن نية، يمكن أن يعصم نفسه، في خضم الدعوة للإصلاح، من خطأ أو تعصب أو اغترار. لا أحد، مهما أوتي من عفة وتهذيب، أو تخيلهما في نفسه، يمكن أن يحسب نفسه فوق الإغراء، إذا ما تكثف الإغراءُ أمامه في دروب مسعى الإصلاح، في بريق سلطة أو مال أو جاه أو جنس. لذا المؤمن، بعد كل ما يسعى لتهذيب نفسه وصقل طاقته بالمعتاد من النظر والحذر، يبقى متعلقا بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس.
"الحبل من الله" هو الضمير في الإنسان، محك المحاسبة بين المرء ونفسه - المُضمَرُ عن الناس والمكشوفُ أمام الله العالمِ بذات الصدور. المؤمن يدرك أن ضميرَه استُودع قدرةَ التمييز بالفطرة بين الخير والشر، وأن لا حجةَ للمرء في إلقاء معاذير لتبرير غيٍّ يصرُ على اتباعه، أو نكران رُشد ٍ يصرُ على الإعراض عنه. هو يعلم أيضا أن الضميرَ هو ميزان القانون الخُلُقي الذي يحكم الخبرة البشرية، كما تحكم قوانينُ طبيعيةٌ أخرى سائر فعّاليات الوجود… وأن الكيلَ بهذا القسطاس المستقيم - الموصولِ "بحبل من الله" - فيه صيانة الجنس، وفيه، إذا ما صغى العقل لنصحه وامتثل لحكمه، أوفى الإمكانات وأوفرها للصلاح والنماء.
لكن المؤمن يدرك أيضا أن الميزانَ الخُلُقي – أي الضمير – وحدَه لا يكفي لتقويم سلوك الإنسان وتصحيح مساره، فطالما يصدُ الإنسانُ عن حكم الضمير ويصمُ عن تقريعه - لذا الحاجةُ " لحبلٍ من الناس" كرديف، أو صمام أمان, "الحبل من الناس" هو التدافع بين الناس: تناصحاً وتعاونا وتكافلا وتبادلا للمنافع والخدمات. وهو أيضا المساءلة ما بينهم لضمان سلامة كيان الأمة ونظامها، وصيانة حرمة الأشخاص: لكي لا ُيبخسَ حقٌ ولا تُظلم نفسٌ ولا تُهدر كرامة، ولا يَضيع أجر: لكي لا يعلوَ بعضٌ على بعض، ولا يسخرَ قومٌ من قوم: لكي لا تحتكِرَ السلطةَ فئةٌ وتتوارثها كحق محصور، ولا يستأثرَ أفرادُها من المورد العام بحظوظ ُمترفة على حساب استحقاقات سائر المواطنين. هكذا: بجهاد النفس، بصلة مع الله، وبتدافع مع الناس، يشق المؤمن دربه في الحياة مميزا بين الرشد والغي، بين الخير والشر، بين الصواب والخطأ، وبين النافع والضار.
حالُ الإيمان، إذن، هو الحالُ الأمثل للإنسان والأجدر به كمخلوق كريم، فرداً ومجتمعا، شعباً وأمة: منه يُدرك المؤمن وضوحاً لزوم تنظيم الولاية العامة دستوريا كأمر مشترك بين الناس، رجالٍ ونساء، من خلال شورى منتخبة منهم تُشرّع المعروفَ وتُبطل المنكرَ وترعى الصالحَ العام. من خلال شورى منتخبة، شفافةٍ وملزمة، تتمكن الأمة من التزام أرسخ وأوفى بمبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان، ومن تحقيقٍ أدق وأشمل للقيم المنمية للخبرة الوطنية والدافعة لها إلى تطور حضاري.
في الإيمان - بعد ذلك - تقويمٌ للفكر، بناءٌ على العلم، تثبتٌ على المبادئ، سعيٌ لتحقيق الأفضل، تخلقٌ بمكارم الأخلاق. بالإيمان يرى المرءُ أبعدَ مما يرى بالعلم وحدِه: إنه يرى احتمالاتَ خير في المدى البعيد لا تُدرك من رؤية علمية منحصرة في المدى القريب. بالإيمان يعايش المرءُ الوجودَ كأمر بديهي: مستقراً فيه، مطمئناً إليه، شاكرا على ما ينال من خيره، صابرا على ما يلقى من عنته، ومغتبطاً بما يستكشف من لطيف أسراره. بالإيمان يُدفَع المرءُ إلى تأكيد إيجابيات الحياة ودحضِ سلبياتها، وينصرف إلى ما ينفع عما لا ينفع، واعياً أن الزبد يذهب جُفاءً وأن ما ينفع الناسَ فيمكث في الأرض. كما الزهرة تسبق الثمرة، كذا الإيمان يسبق ما يصدر من الإنسان من كلمة طيبة وعمل مفيد.
لقد قيل أنك إذا جردتَ خبرةَ الإنسان من الإيمان، فستكون قد أعطبت الميزانَ الخُلُقي المودَعَ في تكوينه، وقضيتَ على الدافع الفطري فيه لتحسين وضعه وتوسيع مداركه. ذلك يعني أن في الإيمان حافزاً إلى التطور، أو - بعبارة أخرى - أن وراء تطور الإنسان أيمانُهُ الدافع له إلى الصلاح، المهذب لخُلُقه، المُنمي لمعرفته، الموحد لطاقاته، المهيئ له لدور حضاري. أما الكفر - نقيضُ الإيمان - فحالٌ مُوهِنٌ للنفس، مُربكٌ للفكر، مشوهٌ للرؤية، مُبددٌ للطاقة، وعائقٌ للنماء. في الكفر عجز عن أداء العمل الصالح، جحودٌ بالنعمة، ارتياب في سلامة الوجود، خوف من المجهول، قلق من صروف الدهر، وسوءُ ظنٍ بالله الكريم.
الإيمان والكفر، إذن، كلاهما حال ينشأ في الداخل فينضح أداءً في الخارج، مدراً على الإنسان إما بخير ونماء، أو شر وتلف. على أن الإيمان حال نقي فطري في الإنسان قابل للنماء. أما الكفر فحال ملوث عارض، لذا قابل للتطهير بتوبة واستصلاح: لولا ذلك لما تمكن الإنسان – بلطف الله – من هذا التطور العظيم.
--------------------------------------------------------------------------
*صادق جواد سليمان: كاتب ومفكر ودبلوماسي عُماني سابق ورئيس "المجلس الاستشاري" في "مركز الحوار العربي" في واشنطن.