الجمعة 28 تشرين2/نوفمبر 2014
TEXT_SIZE

دعوة إلى إعادة كتابة الدستور وتفعيل الرقابة على الأموال العامة

 

خبراء وباحثون اقتصاديون يشخصون مواطن والخلل والضعف في الاداء الحكومي خلال السنوات الماضية
شدد خبراء وباحثون ومختصون في الشأن الاقتصادي على ضرورة ايجاد الحلول المناسبة لاخراج الاقتصاد العراقي من المشاكل التي يعانيها ومواطن الخلل البنيوي في التشريعات المتعلقة بهذا الجانب والتي تسببت في احداث الكثير من الارباكات من اهمها تدهور الاداء الحكومي في تنفيذ المشاريع ما ادى الى انتشار الفساد وتخلف التنمية في عموم البلاد .
جاء ذلك خلال الندوة الموسعة التي عقدها " معهد التقدم للسياسات الانمائية " يوم الجمعة الماضي الخامس والعشرين من نيسان الجاري وادارها الدكتور مهدي الحافظ وزير التخطيط الاسبق / رئيس المعهد ..
وشهدت الندوة عرض ورقة نقاشية للخبير الاقتصادي توفيق المانع تناول خلالها العجز في الميزانية وضرورة مراجعة الايرادات والنفقات لتخفيض العجز .. وكان لكل من السيدة مدير المصرف العراقي للتجارة حمدية الجاف والخبير القانوني الدكتور زهير الحسني تعقيبات على تلك الورقة .
ملامح الأداء الحكومي بعد التغيير
وفي مستهل الندوة تحدث الدكتور مهدي الحافظ عن بعض ملامح الاداء الحكومي في العراق لمرحلة مابعد التغيير عام 2003 وما تلاه من تشكيل عدد من الحكومات المتعاقبة وتشريع الدستور .. مبينا معضلات الحياة في العراق لازالت تتعقد وتتفاقم على نحو مقلق فلم يتحقق الاصلاح الاقتصادي الذي كان هدفا اساسيا لعملية التغيير الذي نجم عنه استمرار عائدات الصناعة النفطية في ان تلعب دورا موجها وقائدا للفعاليات الاقتصادية الاساسية .
إعادة النظر بنهج الاقتصاد ونظريته العامة
وتساءل الحافظ كيف يمكن لبلد مثل العراق ان ينمو ويتطور بنحو طبيعي ووفق الحاجات الوطنية وموارده المالية الطبيعية الكبيرة ما لم يجري اعادة النظر بنهج الاقتصاد ونظريته العامة ؟ .. موضحا ان مصلحة النمو الاقتصادية والتنمية الشاملة تكمنان في اقتصاد السوق الذي يجمع بين ادارة الدولة والسوق بصورة متزاوجة وهذا ما يفرض ان يكون مرجعا توجيهيا وعمليا للاداء الاقتصادي المنشود وهو النهج الذي يدعم تطور القطاع الخاص ويجعله رائدا حقيقيا للاقتصاد الوطني ويوفر امكانات التنويع الشامل.
حماية موارد الدولة وتنفيذ المشاريع
واشار الحافظ الى ان الاصلاح المطلوب هو ذلك المنحى العلمي الذي يهدف لحماية موارد الدولة وضبط تنفيذ المشاريع والخطط الاقتصادية بصورة صارمة وعادلة فالوقائع تشير الى ان مستوى التنفيذ قد انخفض بشكل لافت وادى الى ضياع الاموال في بعض المجالات .. منوها .. الى ان السياسة المالية والنقدية هي الاخرى حافلة بالعيوب ومنها عدم التقييد بالاتفاقات السابقة بين وزارة المالية والبنك المركزي العراقية عام 2006 التي كانت تهدف الى اعادة هيكلة القطاع المصرفي الحكومي المتمثلة بمصرفي الرشيد والرافدين وتسوية ميزانيتهما وبناء علاقات عادلة وبناءة مع المصارف الاهلية الخاصة وازالة جميع المعوقات عن طريق خلق بيئة سليمة لعملها واصلاح البنى التحتية للمصارف والالتزام بالرقابة والتسجيل الائتماني والضمانات الضرورية واطر التدقيق المالي والمحاسبة.
غياب الرؤى والأهداف الاقتصادية
بعد ذلك بدأ الخبير الاقتصادي توفيق المانع بعرض ورقته عن العجز في الميزانية وضرورة مراجعة الايرادات والنفقات لتخفيض العجز .. اشار في مقدمتها الى غياب الروؤى واهداف للاقتصاد العراقي ألقائم الذ ي اصبح اقتصاد رغبات وتمني غير موجه تتحكم به ظروف العرض والطلب وحسب متطلبات السوق .. داعيا الى ضرورة البحث وألتعامل مع ألقطاع ألخاص ألذي هو بعيد عن ألانظمة والقوانين التي تصب في هيمنة الدولة واحتكارها وتكفي الاشارة الى موضوع المصارف بموضوع التحويل وما ترتب عليه فلو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر دورة راس ألمال فهي اقصر دورة اذ تودع الاموال في الصندوق بعد استقطاع الخمسة بالمائة من مبالغ التعويضات فيتم تحويله الى حوالات في المصارف المختصة والمبالغ المصروف للاشخاص فيتم اما تحويله الى الخارج بصورة اوأخرى او يتم اكتنازه لدى المواطنين المقتدرين اي لايمر بالسوق او بعملية التنمية والاستثمار او الاعمار اذن لايوجد للمال دور بالاقتصاد او البناء وهنا الحديث عن القطاع الخاص
وبين المانع ان الاقتصاد العراقي يتصف بأنخفاض انتاجية العمل في القطاعات كافة وهذا يعود الى ضعف مؤهلات ومهارات القوى البشرية وطبيعة التقنية ألمستخدمة , ومدى كفاءة ادارة النشاط الاقتصادي وتكفي الاشارة الى مقولة ( أن التنمية تقلل معامل الولادة ). 
متأخرون علميا وتقنيا !
واشار المانع الى القطاع النفطي الذي شهد ارتفاعأ في نسبة الزيادة التي يعتمد عليها في رفد الايرادات بسبب عدم اعطائه اية اولوية لتطويره وجعل تطور الصناعة النفطية العراقية تواكب وتنافس من الناحية التقنية والانتاجية كبريات الدول والشركات النفطية وخصوصآ غياب الصناعات ألتحولية وبالتحديد استمرار الاعتماد على تصدير التفط الخام وبيعه مطروحا فوصلت نسبة الاقتصاد الريعي والاقتصاد الاحادي الجانب 96 % ، ولكننا ومع ما نتمتع به من تلك الثروات وكذلك الموارد البشرية المدربة والخبرات العالية ونتيجة لتلك السياسات اصبحنا متأخرين علميا وتقنيا واصبحت صناعتنا النفطية تشغل وتدار بما يكفي فقط لتسيير عجلة الانتاج اليومي ودون سياسة تطويرية واضحة المعالم والمستقبل .
هجرة الخبراء العاملين في الصناعة النفطية
واوضح المانع .. ان تلك السنوات شهدت تراجعا واضحا ناتج عن عوامل عدة اهمها زيادة التقادم للمعدات المستخدمة والغير قادرة على تحمل اي زيادة في الانتاج والتي لم تخضع لاي تطوير او تحديث او استبدال ، كما ان هجرة عدد كبير من خبراء الصناعة النفطية العراقيين ومتخصصيها الى خارج البلد افقدنا كما هائلا من الموارد البشرية المدربة والتي تحمل خبرة عالية في مجالاتها ، كما ان استبدال تلك الكوادر وخلال سنوات طويلة بكوادر جديدة لم تخضع لاي تطوير وتدريب لرفع امكانياتها المهنية ايضا يمكن اعتباره عاملا من عوامل تراجع الصناعة النفطية ... موضحا ان التطور الدولي الهائل في العلوم والتكنولوجيا والذي تبنت عدد كبير من الشركات الاجنبية تنفيذ هذا التطور لرفع امكانيات كوادرها ساهم وبشكل كبير وعلى مدى سنوات من العمل المتواصل على خلق كوادر مهنية عالية التدريب والكفاءة توزعت تلك الكوادر للعمل في مكاتب تلك الشركات المنتشرة في العديد من دول العالم وتحقيق الكفاءة المطلوبة , وقد تنوعت منافذ التطوير المستخدمة .. وفي يتعلق بامكانات الشركات العراقية النفطية .. اوضح المانع ان السنوات التي مرت بها الشركات النفطية في ظل الحصار قد عرضتها الى مشاكل كثيرة ساهمت في خلق حالة واضحة من التراجع في الاداء ككل وبالخصوص الجوانب الادارية والمالية
التدريب وتطوير المهارات
وفي ختام ورقته دعا الخبير الاقتصادي توفيق المانع الى ضرورة ايلاء التدريب اهتماما خاصا لتطوير مهارات الموظفين ورفع كفائاتهم.
وفيما يتعلق بالمنظومات اوصى المانع بالعمل على تطوير نظم العمل الحالية من اجل الاستعانة بتطوير اي منظومة مالية او ادارية لابد من تطوير نظم العمل المساندة لها وكذلك البنى التحتية اللازمة وهذه تتم اما بجهود داخلية في الشركة او بالاستعانة بالخبرة الخارجية والتي سترسم صورة واضحة لحجم الاستثمار المطلوب في تلك المستلزمات .. فضلا عن تدقيق المستندات قبل الدفع.
الوطنية وحب العراق هما معيار البناء السليم
الى ذلك اشارت السيدة مدير عام المصرف العراقي للتجارة حمدية الجاف في مداخلتها الى ان العراق يعاني في جميع مناحي الحياة وكذلك هناك مشكلة في تلكؤ المشاريع المنفذة في عموم البلاد .. عازية هذا التلكؤ الى تاخر اقرار الموازنة بالدرجة الاولى فضلا عن استشراء الفساد الذي ادى الى ان يتم احالة الكثير من المشاريع الى شركات غير كفوءة .. لافتة الى ان هذا الفساد ادى ايضا الى عزوف الشركات الاجنبية الرصينة عن الدخول الى العراق ليس بسبب الوضع الامني كما يتحجج الفاسدون انما بسبب التعقيد في الاجراءات والمساومات والاتاوات التي تفرض على هذه الشركات كل هذه الاسباب ادت الى تدني مستويات التنفيذ في الميزانية العامة للدولة. 
ودعت الجاف الى ضرورة اجراء الاصلاحات المطلوبة والقضاء على الفساد من خلال الانتخابات المقبلة واختيار الاشخاص المناسبين لادارة البلاد وكذلك من خلال احالة المشاريع الى شركات رصينة بالاعتماد على معيار الرصانة والكفاءة والاعمال المماثلة .. فضلا عن تفعيل الصناعات الانشائية لتوفير المواد الاولية للبناء لاسيما في مجال السكن لان البلاد بحاجة الى اكثر من (3) ملايين وحدة سكنية. 
واختتمت الجاف حديثها بالقول ان الحكومة لاتتحمل الاخفاق وحدها وان كان القسم الاكبر يقع على عاتقها انما الشعب هو الاخر يتحمل جزءا من المسؤولية .. داعية الى جعل الوطنية وحب العراق هما الاساس في العمل وليس الانتماءات الجانبية التي خربت كل شيء في البلد. 
الحسني : رغم الفشل ثمة نجاح وإنتاج !
فيما تحدث الخبير القانوني الدكتور زهير الحسني معقبا على ورقة الخبير الاقتصادي توفيق المانع قائلا : ان العراق ومنذ عام 1964 قام على اساس هيمنة القطاع العام وتهميش القطاع الخاص .. وبعد عام 2003 كانت هناك توجهات وطموحات بان يتحول العراق الى اقتصاد السوق ولكن الذي حدث هو التحول من نظام اقتصادي شمولي الى نظام هلامي لاشكل له .. مبينا ان الضعف الذي انتاب الاداء الحكومي كان نتاجا طبيعيا للصراعات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية بين الحكومة والبرلمان فالحكومة لاتستطيع ان تصلح الاقتصاد بسبب الخلل البنوي .. ومن جانب اخر فان القطاع الخاص كان قطاعا ضعيفا غير قادر على المبادرة لكونه منقسم على نفسه الى قسمين القسم الاول تجاري طفيلي يرتبط ببعض الساسة الذين تحولوا الى سملسرة في السوق .. لافتا الى ان هذا الحال يجعل من الصعوبة تطبيق قانون التعرفة الجمركية لانها تتعارض مع مصالح هؤلاء الساسة .
واضاف الحسني .. انه وعلى الرغم من هذه الصورة السوداوية للمشهد في البلاد الا انه هناك مؤسسات في الدولة تعمل وتنتج ..هناك انتاج على صعيد القطاعين العام والخاص .. مشيرا الى انطلاق المبادرة الزراعية ونجاحها من خلال تحقيقيها اهدافا مهمة لعل في مقدمتها ان البلد سيكتفي ذاتيا من الحبوب خلال العام المقبل .. ولكن المشكلة اننا ربما لانستطيع وقف الاستيراد بنحو مفاجيء لاننا سنقع تحت تاثيرات وضغود دولية واقليمية من الدول والسماسرة الذين يقومون بتصدير بضائعهم الى البلاد وهذا يرتبط بقانون التعرفة الجمركية ايضا وصعوبة تطبيقه .. مضيفا ومن النجاحات الاخرى هي اطلاق المبادرة السكنية التي تعد بداية موفقة لحل ازمة السكن في العراق وهذه المبادرة وجميع العقود التي تم توقيعها والتي ستوقع كانت من العقود الشفافة والرصينة ومع شركات عالمية معروفة بعيدا اي تاثيرات جانبية
واشار الحسني الى المبادرة الصناعية التي سيتم اطلاقها قريبا بعد اقرار الموازنة والتي تتضمن خطة طموحة لحل مشكلة اكثر من (192) شركة من شركات القطاع العام المعطلة .. كما ان المبادرة تسعى لدعم القطاع الخاص الصناعي .. موجها الدعوة الى الصناعيين العراقيين الى المساهمة بقوة في المشاريع الصناعية التي تتبناها المبادرة
وفيما يتعلق بعقود التراخيص النفطية اوضح الحسني ان هذه العقود هي عقود خدمة وليست عقود شراكة كما يعتقد البعض .. مبينا ان السياسة النفطية في العراق سياسة ناجحة ولكن الفشل هو في ادارة الموارد النفطية .. مقترحا بناء ميناء صخري في الخليج يوفر للعراق جرفا قاريا بمساحة 12 الف ميل بحري. 
وتحدث الحسني ايضا عن قوة وضعف القانون الذي ينعكس على قوة وضعف اداء الدولة والحكومة والمشاكل الدستورية وازدواجية اجراءات النزاهة وسوى ذلك من القضايا المهمة .. مشيرا الى ان العجز في الموازنة هو عجز افتراضي وليس حقيقيا لان الموازنة احتسبت على اساس سعر 90 دولار لبرميل النفط في الوقت الذي تصل فيه الاسعار الى 110 دولارات .. كما التخصيصات السنوية للوزارات والمحافظات لايتم صرفها بنسبة مائة في المائة انما بنسب قد تصل الى 50 او 60 في المائة والباقي يستخدم لتغطية العجز في الموازنة .
المبادرة الصناعية دون مستوى طموح القطاع الخاص
وشهدت الندوة طرح العديد من الافكار والرؤى من قبل الخبراء والباحثين والمعنيين بالشأن الاقتصادي في العراق الذين شاركوا فيها .. حيث اشار رئيس احاد رجال الاعمال السيد راغب رضا بليبل في معرض تعليقه الى حجم الفساد المستشري في جسد الدولة العراقية والذي تسبب في تأخير تنفيذ الكثير من المشاريع لاسيما تلك المنفذة من قبل القطاع الخاص الذي تسلق على اكتافه بعض الطفيليين الذي لايمتلكون الخبرة والكفاءة .. وهذا ادى بطبيعة الحال الى تفاقم الكثير من المشاكل منها هجرة رؤوس الاموال الى الخارج وتنامي نسب البطالة والفقر وهجرة الشباب بحثا عن فرص عمل.
وبين بلبيل ان القطاع الخاص لايعول كثيرا على المبادرة الصناعية لانها لم تأت ملبية لطموحات القطاع الحاص وكان من المفروض ان يتم اشراك هذا القطاع في اعدادها.
هذه أسباب التلكؤ في المشاريع
اما الخبير المهندس الاستشاري هشام المدفعي فقد اشار في مداخلته الى الاسباب الكامنة وراء تدني مستوى الاداء مبينا ان اغلب المشاريع المحالة على الشركات العالمية قد تم انجازها بنحو كامل .. اما الشركات العربية والتركية فقد تلكأ البعض منها اما الشركات العراقية فقد دخلت طبقة جديدة من المغامرين بالمقاولات لايمتلكون الخبرة لذا فقد اخفق قطاع الانشاءات .. فضلا عن فشل اتحاد المقاولين العراقيين في السيطرة على نشاطات في قطاع الانشاءات وافتقار معظم المحافظات الى قيادات مهنية او متخصصة ذات خبرة في اختيار الافضل لتنفيذ العمل .. رافق ذلك غياب المواصفات العراقية لتنفيذ الاعمال وعدم تواجد اي مفهوم لاداب مزاولة المهنة وغياب التوجيهات وسيطرة الحكومة الاتحادية في توجيه قطاع الانشاءات مما دفع كل محافظة ان تسلك الطريق المعروف لديها .
قوانين ردع المتجاوزين كافية .. ولكن
من جانبه رآى الخبير القانوي عادل اللامي ان القوانين العقابية الموجودة هي كافية لردع المتجاوزين لو احسن تطبيقها على النحو المطلوب .. ولكن المشكلة هي غياب الارادة لتطبيق هذه القوانين من جانب ووجود طبقة من الفاسدين المتنفذين الذين يمنعون تطبيق مثل هذه الانظمة والقوانين وهذا الحال ادى الى حدوث حالة كبيرة من التلكؤ في تنفيذ المشاريع فضلا تدنى مستوى الاداء الحكومي بنحو عام .
التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الحكومية
استاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد الدكتورة فوزية العطية اشارت الى انه وبعد تجربة عشرة اعوام اصبحنا بحاجة الى اعادة النظر في الكثير من القضايا المهمة فنحن لازلنا نعتمد الكوتة وقانون ادارة الدولة .. داعية الى ايجاد حالة من التنسيق بين الجامعة والمؤسسات الحكومية بهدف الاستفادة من الخبرات الجامعية والبحوث والدراسات .. فضلا عن الاطلاع على تجارب الدول الاخرى واعادة كتابة الدستور والمحافظة على الثروة البشرية لان الشباب والخبرات تهاجر خارج البلد.
غياب القطاع الخاص وهيمنة القطاع الحكومي
الخبير المصرفي الدكتور علي الفكيكي قال اننا نتحدث كثيرا عن اقتصاد السوق ولكن في واقع الحال لازال القطاع العام هو المسيطر على مقاليد الاقتصاد فعملية الاستيراد تتم من قبل المؤسسات الحكومية اما القطاع الخاص فهو مجرد مقاول لدى القطاع العام غير قادر على اداء دوره المطلوب في ظل غياب الدعم الحكومي لهذا القطاع وهجرة رؤوس الاموال الى الخارج وبروز بعض الطفيليين لواجهة القطاع الخاص .
الحكومة والبرلمان يتحملان السبب
الدكتور كفاح الجواهري .. تساءل : من هي الحكومة ومن هو البرلمان .. مبينا ان الحكومة جاءت من رحم البرلمان وبالتالي فهي لاتختلف عنه لهذا فان قضية تحميل البرلمان مسؤولية التلكؤ في تنفيذ الخطط لوحده ليس صحيحا لان كلاهما متمم للاخر .. لافتا الى ان المشكلة تكمن في نوعية القائمين على ادارة الحكومة واستشراء الفساد ..مبينا ان من يقوم بحفر الابار النفطية هي الشركات العراقية وهذه مشكلة كبيرة لانها تعمل بمثابة مقاول ثانوي وهذا سبب من اسباب التردي والتلكؤ
هناك مشكلة في تطبيق المواصفات القياسية العراقية.
فيما اشار المستورد العراقي ماجد حميد الساغدي في مداخلته الى عدم وجود اية علاقة بين قانون التعرفة الجمركية وبين تطبيق المواصفات القياسية على البضائع المستوردة .. مبينا ان هناك مشكلة في تطبيق مواصفات الجودة فهذه المواصفات يتم تطبيقها في منافذ البصرة فقط اما المنافذ الغربية فهي خارج سيطرة الحكومة ومنافذ اقليك كردستان لها مواصفات اخرى ووجود مثل هذه الاشكالات ادى اى ارتفاع اسعار الفحص في الجنوب وانخفاضها في منفذ ابراهيم الخليل الامر الذي ادى الى حدوث حالى الكساد في الموانيء العراقية .
السيد غالب الانصاري كان اخر المتحدثين وقد دعا في مداخلته الى تشكيل رابطة باسم رابطة ابناء ثورة 14 تموز 1958 لتكون عنوانا للنزاهة والتفاني في تنفيذ المشاريع .. مشيرا الى المسؤولين الحكوميين في تلك الحقبة لم يكونوا فاسدين انما كانون يتسابقون من اجل تنفيذ مهامهم.
غياب الشفافية وظهور الضبابية في تنفيذ المشاريع
واشار الانصاري الى ان ضعف الحكومة يعد من الاسباب الرئيسة وراء غياب البناء الحقيقي لان هذا الضعف يؤدي الى ضعف القانون وغياب عوامل الردع للمتجاوزين على المال العام .. وغياب الشفافية ادى ضبابية الموقف وعدم معرفة الكثير من الاموال الكبيرة التي استحوذ عليها الفاسدون سواء من خلال العقود الوهمية او غيرها من الاساليب الملتوية .
وفي ختام الندوة اكد الدكتور مهدي الحافظ رئيس " معهد التقدم للسياسات الانمائية "ان هناك خللا بنيويا كبيرا ناتج عن ضعف الدولة وعدم قدرتها على ادارة الامور بنحو سليم .. مشيرا الى وجود مشكلة في ادارة الاموال العراقية .
 

الـبـصـرة كـمـا عـرفـتـها

بقلم الدكتور طلعت الخضيري
-----------------------------

يقول المثل الاماراتي "الي ميشوف البصرة يموت وبقلبة حسرة". او الأغنية البصراوية القائلة "أحيهَ واموت عالبصرة, خلت بقلبي حسرة، البصرة بيهه الزبير، بيهه النخل، وبيهه الخير ".

ولدت في البصرة سنه 1924 لذا سأسترد الذاكرة الى الفترة الواقعة بين سنه 1930 الى سنه 1946 حيث تركتها للدراسة خارج العراق.

سأحاول في ما سأكتبه شرح تلك الأيام والسنين وانا لست بمؤرخ او باحث اجتماعي وإنما استرد الذاكرة الى كل ما كان يدور حولي في تلك المدينة ولتلك الحقبة من الزمن.

سأكون أمينا مع نفسي في ما سأذكره وأتمنى ان يكون في ما أكتبه فائدة لأبناء هذا الجيل والأجيال القادمة، حيث العالم في تطور والمجتمعات في تطور، قد يكون نحو الأحسن أو نحو الأسوأ ولكن التطور هو سنه الحياه وكما كان يقول لنا مدرس التاريخ في ثانويه البصرة الأستاذ عبد الكريم المناصير- التأريخ هو مرآه للماضي ومنظار للمستقبل - فليكن في ما سأكتبه نوع من التأريخ الذي ذهب ولن يعود.

الجزء الأول - البصرة مفتاح العراق

موقع البصرة الجغرافي كان ولا يزال ارتباط العراق سواء برا او بحرا مع عدد من الدول المجاورة له. البصرة مرتبطة برا بالكويت وايران والسعودية، وبحرا مع دول الخليج الأخرى وكذلك مع دول افريقيا و الشرق الأقصى.

فكما نرى آثار السومريين في البحرين وغيرها من دول الخليج. نقرأ عن رحلات السندباد مغادرا البصرة الى جزر الشرق الأقصى البعيدة وحسب قول بعض العلماء الفرنسيين ان تلك الرحلات لم تكن كلها خياليه حيث وصف عادات شعوب حقيقيه واسماء جزر ليست خياليه حيث ذكر على سبيل المثال جزر الواق الواق البعيدة وهي موجوده واسمها الآن واكي واكي وايام الدولة العباسية كانت الأبله هي ميناء البصرة وقد تكون حسب بعض المؤرخين منطقه العشار الآن حيث سميت كذلك لما يؤخذ من العشر على البضائع القادمة اليها.

وما سأكتبه من احداث عاصرتها في الربع الثاني من القرن العشرين حيث تمت النقلة الحضارية من أيام الاحتلال ا لعثماني الى العصر الحديث بعد استقلال العراق الغير الكامل حيث بقى لمده طويله تحت التوجيه والنفوذ البريطاني.

سكان البصرة
--------------

قبل البحث عن ذلك يجب علينا اولا دراسة من هم سكان العراق وماهي جذورهم.
فإذا رجعنا الى التأريخ القديم، منذ أيام الحضارة السومرية وما بعدها لوجدنا أن الموجات البشرية استوطنت وادي الرافدين وقد قدمت من جميع الاتجاهات تارة من الجزيرة العربية وتاره اخرى من الشرق من البلاد الفارسية وتاره اخرى من الشمال لغربي او الشمال الشرقي كالحيثيون واليونايون، فالإسكندر المقدوني مثلا بعد وفاتة في مدينة بابل ترك من بعده خليفته سلوقس يبني عاصمته سلوقيا على الضفة الغربية من نهر دجله جنوب بغداد يقابلها على الضفة الشرقية عاصمه فارس المدائن وقد دام التواجد اليوناني حوالي مائتي سنه .

وتعرض العراق الى احتلال فارسي وعثماني وغيرهما مما ترك بالتأكيد بصمه على هويه سكانه.

أما البصرة كغيرها من موانئ العالم وما جاورها من دول فكان اهلها ايضا هم نتيجة امتزاج اقوام مختلفة من عشائر عربيه واقوام اخرى من بلاد فارس او الهند او افريقيا وغيرهم عاشوا وتعايشوا في هذا البلد الأمين فتميزت البصرة بعلمائها وأدباءها في العصر العباسي.

وفي الحقبة التي عشتها في البصرة نجد أهالي البصرة مزيج من الأقوام مع اختلاف الأديان والمذاهب فنجد المسلمين من المذهب السني والشيعي والمسيحيين بمختلف مذاهبهم من كاثوليك وأرثدوكس وبروتستانت كذلك اليهود والصابئة.

كذلك نجد أهالي البصرة مزيج من الوافدين اليها من انحاء العراق المختلفة او الدول المجاورة فالنجادة قادمون من نجد وسكن معظمهم قضاء الزبير والحساوية قدموا من الأحساء في المملكة العربية السعودية والبحارنة قدموا من البحرين كذلك كان هناك الكثير من ابناء الخليج من الكويت او الأمارات العربية او عُمان، كما كانت هناك جاليه إيرانية وهنديه وأخرى من أصول أفريقية وغيرهم.
كان أثرياء البصرة يشترون ويمتلكون العبيد وبالذات الأفارقة ممن يتم خطفهم او شرائهم على الساحل الشرقي في افريقيا وكانت جزيرة زنجبار من أهم مراكز تجارتها. وكان أثرياء البصرة كما هو حالهم في بغداد يمتلكون الكثير من هؤلاء.

وكان شيوخ العشائر في جنوب العراق يمتلكون ايضا الكثير من العبيد الأفارقة.

وتواجد الأفارقه في البصرة يرجع منذ العهد العباسي حيث حدثت ثوره الزنج في منطقه ابو الخصيب (احتمال المنطقة المجاورة لنهر أبو فلوس) وتم القضاء عليها من قبل الخليفة العباسي الواثق.

جغرافية البصرة
----------------

مدينه البصرة تقع على نهر شط العرب الذي هو نتيجة عن اتصال نهر الفرات ونهر دجله في القرنة كذلك يصب به رافد مهم شمال المعقل وهو نهر الكرمة ومصدره الأهوار الواقعة في السهول المنخفضة المتصلة بنهر الفرات ودجله ويمتد نهر شط العرب الى نحو مائه كيلومتر جنوب مدينه البصرة ويصب فيه في مدينه المحمرة الإيرانية نهر كارون المهم الذي هو مصدر مهم للمياه العذبة والرواسب الطينية في شط العرب حيث يحمل تيار المد مياهه شمالا نحو مدينه البصرة.

ومن الأنهر المهمة التي حفرت في العهد العباسي حسب ما أظن هم نهر الرباط جنوب المعقل ثم نهر الخندق شمال منطقه العشار ثم نهر العشار في منتصف منطقه العشار ثم نهر الخورة جنوب العشار ثم نهر السراجي جنوب منطقه البراضعية ثم انهر صغيره جنوبه حتى نهر ابو الخصيب وبعده نهر ابو فلوس.

وفي الضفة الشرقية لشط العرب جنوب قريه التنومه وما تسمى بقضاء شط العرب, يوجد نهر الصالحية الذي يتفرع من شط العرب في الجهة المقابلة لنهر الخورة ثم يمتد جنوباً ليلتقي مع شط العرب مره أخرى قرب أبو الخصيب.

بسبب كثره الأنهار وتعددها امتدت مزارع النخيل والأشجار المثمرة على ضفتي النهر وسأتحدث لاحقا عن الزراعة في البصرة.

وكانت مدينه البصرة قد بنيت عند الفتح الإسلامي في منطقه الزبير الآن أي حوالي 30 كيلومتر غرب شط لعرب في منطقه موقعه الجمل التي حدثت بين جيش الأمام علي رضي الله عنه وجيش السيدة عائشة ام المؤمنين زوجه الرسول رضي الله عنها وقتل بها الزبير ابن العوام رضي اللة عنه وطلحه ولا يزال مرقدهما هناك وبني في عهد الأمام علي رضي الله عنه اول مسجد في العراق وهو في شرق ناحيه الزبير اليوم وتبقى منه احد اركان جداره ويسمى خطأ بالمناره. وفي شماله على بعد حوالي عشره امتار كان متبقيا دار الأمام حيث كنا نشاهد بعض غرفه و مع الأسف لم يتم الحفاظ على هذا الإرث المهم وتهدم ما تبقى منه بعد سنين قليله.

على شط العرب وشمال نهر العشار كانت منطقه العشار ويعتقد انها كانت ميناء البصرة ألقديم الأبله ويذكر الدكتور طارق الكاتب في كتابه عن البصرة قد تكون منطقه العشار مدينه تأريخيه سومريه او غيرها وكان يتمنى في كتابه ان يتم المزيد من التنقيب الأثري فيها.

منطقه العشار محصورة بين نهر الخندق شمالا ونهر العشار جنوبا كانت مركز المدينة في العهد العثماني حيث توجد به القشله وهي مركز الحكومة آنذاك وكان بنائها موجود حتى الأربعينيات حيث كان مركز الشرطة في المدينة وكان هناك بناء على نهر العشار موقعه الآن جسر شارع الكويت يمتلكه الوالد وكانت به غرف به حواجز من القضبان الحديدية واعتقد انه كان سجن في العهد العثماني.

والعشار هو المركز التجاري للبصرة وكان به ميناء عثماني يقع على ضفة شط العرب وشمال صدر نهر العشار ترسو به الباخرة القادمة من الهند ولم يكن جنوب نهر العشار مأهولا حتى بدء شخص مسيحي اسمه المعلم عزيز بامتلاك الأراضي وبيعها لاحقاً فبنيت المنطقة جنوب النهر ومنها شارع الوطني الذي اصبح الشارع التجاري المهم في المنطقة وسميت المنطقة بالعزيزية.

أما شمال نهر العشار فكان شارعه المهم التجاري هو سوك المغايز وسمي بعد ذلك سوق الصيادلة وكان به أجمل المخازن التجارية التي كان يملكها الهنود مثل جاشيمال أو الصيدليات المهمة منها صيدليه الريحاني وصيمح وباكوس وجوليس وكان هاذا السوق يتقاطع مع سوق شعبي سموه شارع الخضيري حيث يقع عليه جامع الخضيري الذي بناه قاسم باشا الخضيري وهو جامع لأهل السنه وكان أمامه في الثلاثينيات السيد رشيد من أهالي تكريت كذلك كان هناك جامع اخر لأهل السنه على نهر العشار هو جامع الأمير او جامع مقام علي ويئمهُ المسلمون من الطائفتين السنيه والشيعية. وكان أمامه شهاب الدين القيسي وهو أخ أحد العلماء في بغداد وعم المصارع العراقي الأمريكي المشهور عدنان القيسي ألذي أشتهر في بغداد في السبعينيات.

وتوجد في العشار المتصرفية وما نسميه الآن المحافظة أما محله البصرة فهي مدينه اخرى تبعد حوالي خمس كيلومترات غرب العشار وتقع ايضا على نهر العشار نجد بها العوائل البصرية القديمة (منطقة الموفقية) والبيوت القديمة على طراز العهد العباسي، ولا تزال الى حد الأن بعض هذه البيوت ذات الشناشيل موجودة على ضفة نهر العشار والتي يتم صيانتها وادارتها من قبل الدولة ومنها بيت الوالي العثماني وسميت المنطقة ايضاً حي الباشا نسبهً الى هذا البيت.

بساتين النخيل
-------------

كانت البصرة تزهو ببساتين النخيل على ضفتي شط العرب. والنخلة تزرع كفسائل ويتطلب حوالي من ستة الى ثماني سنوات حتى تعطي ثمارها. وانواع التمر كثيره ومتنوعة اهمها البرحي والحلاوي والساير والخضراوي أما الزهدي فسعره منخفض ويصدر الى الهند وغيرها من الدول الفقيرة آنذاك.

الأنواع الجيدة كانت تنضف وتكبس في مكابس كثيره تسمى بالجراديغ واجود الشركات المصنعة للتمور كانت شركه أصفر (ولصاحبها لقب كونت من فرنسا وهو ايضا قنصل فخري لها) وشركه مارين وهاتين الشركتين كانتا تصنعان اجود انواع التمور المحشوة باللوز والجوز وتباع بالأسواق المحلية او تصدر الى اوربا وامريكا.

وقد وهب رب العالمين البصره مضخة طبيعية تصعد الماء في الجداول الكثيرة لسقي البساتين كل ست ساعات وذلك لحدوث ظاهره المد والجزر فسبحانه وتعالى بقدرته وبكرمه على البشر لم تكن البساتين بحاجة لأي مضخات ميكانيكية للسقاية.

وكان تفصيل البساتين منسق على الشكل التالي: لكل بستان منفذ مائي يسمى (الأردبه) يوصل الماء من شط العرب إلى النهر الرئيسي في البستان ومن هذا النهر تتفرع على الجانبين الأنهر الصغيرة ويزرع النخيل والأشجار المثمرة في المساحات بين الأنهر.

ومن أشجار الأثمار كانت تكثر أشجار البرتقال والنارنج والالنكي والطرنج والليمون الحلو والحامض وكذلك أشجار الرمان والتين والعنب وكانت تكثر في ابو الخصيب زراعه أشجار المانكه وفي الفاو شجيرات الحنه.

يقطف التمر عاده في شهر ايلول بعد ان كان في استمرار نضوجه يمر بمراحل مختلفة من النضوج من خلاله الى رطب ثم الى تمره.

وكان يباع أيضا سعف النخيل او الفسائل اتي تكثر حول النخلة ويستفاد ايضا من الكرب الذي هو اصل السعفة بعد تيبسه.

شباب العائلة في بستان قصر الوالد في البراضعية في نهايه الثلاثينيات

وكان في العادة أن تكون حصه الفلاح من المحصول هو الثُمن (1\8) من قيمه بيع التمور ويترك له مبلغ بيع السعف او الكرب وكان المالك يدفع اجور تنظيف الأنهار وصيانتها كذلك حرث الأرض وتسميدها.

وكان الفلاحين يعيشون في بيوت من الطين واكثرهم كانوا يمشون حفاه الأقدام والنخله تحتاج الى عنايه خاصه من تسميد وتلقيح وقص السعف وحراثه الأرض لمكافحه الأعشاب الضارة ومكافحه الحشرات (الدوباس) واخيرا قطف التمر الناضج.

وكانت الأنهار تنظف وترفع الأطيان من قعرها بصوره مستمرة بواسطه الفلاحين وباستعمالهم المسحاة وعاده بأجور يوميه .

كانت مياه المد تصعد عالية في الأنهر وخصوصا في ايام القمر وهو بدر. وكنا نسبح في النهر المجاور لبيتنا في قريه البراضعية أيام الصيف.

وكانت البواخر في شط العرب او في ميناء المعقل تنقل التمور المصدرة الى كل أنحاء العالم كذلك سفن الخليج الشراعية المسماة (البوم) تنقل التمور الى موانئ الخليج او الهند.

مزارع صحراء الزبير

---------------------

تمتد الصحراء غرب قضاء الزبير الى الجزيرة العربية. وتربه الصحراء غرب الزبير هي تربه قابله للزراعة لأنها متكونه من مزيج من الأتربة الناتجة عن ترسبات المياه العذبة والبحرية والرمال الصحراوية وكانت المنطقة كلها جزء من البحر والدليل على ذلك اننا نجد بها الأصداف البحرية المختلفة.

تكثر في المنطقة غابات شجره الأثل وهي شجره تشابه اوراقها اوراق شجره الصنوبر و لا تحتاج الا الى القليل من الماء وتقاوم حراره وجفاف الصحراء ويستفاد زارعوها من اخشابها. وفي ايام الربيع تكثر السفرات الى منطقة الاثل (كشتة) وينصب بعضهم الخيام الكبيرة حيث يقيمون فيها لعدة اسابيع لتكون كمنتزه لأهالي البصرة.
 يتواجد الكثير من ابار المياه الجوفية العذبة الصالحة للشرب و لزراعه بعض الخضروات وامتدت المزارع فيما بعد لزراعه الطماطم والبصل والثوم وغيرها من الخضروات حتى منطقه صفوان الحدودية مع الكويت.

الجزء الثاني - سكان البصرة

كما ذكرت يتوزع سكان البصرة على المناطق المختلفة التي كانت مقسمة الى محلات يقابلها في اللهجة المصرية الحارات لتكون مدن صغيره كالعشار والبصرة (أو تسمى البصرة القديمة) والزبير وابو الخصيب .

منطقه العشار كان يسكنها خليط من التجار والموظفين والكسبة والأجانب، بينما منطقه البصرة كانت تسكنها العوائل البصرية القديمة واليهود وغيرهم، اما الزبير فكان يسكنها الوافدون من نجد وهي في تماس مع الصحراء المشتركة مع دولة الكويت والمملكة العربية السعودية.

واذا اتجهنا الى الجنوب فسنمر على بساتين النخيل والقرى المختلفة ومنها البراضعية والسراجي ومهيجران وعويسيان وابو مغيره وابو الجوزي والسبيليات وغيرها حتى نصل الى ابو الخصيب وهي مدينه صغيره تكثر بها البيوت القديمة والأزقة الضيقة ويسكنها الكثير من الأهالي من الأصل الخليجي .

وكان يربط العشار بأبو الخصيب طريق جميل جدا متعرج تحوطه البساتين وقد زرع احد المتصرفين على جانبيه اشجار اوراد الدفلة ذات الألوان المختلفة. ويخترق الطريق انهار وجسور كثيره.

أما في شمال مدينه البصرة فتوجد مناطق الأهوار وهي مساحات مائية كبيره تكثر بها الطيور المهاجرة وبها خزين كبير من الأسماك ويسكنها صيادي السمك ومربي الجواميس وهي ابقار سوداء ويسمى مربيها المعدان. أما بقيه العشائر في المنطقة فهم خليط من عشائر لهم صلات قرابة مع سكان مدينه العمارة والناصرية والبصرة.

تجار البصرة
-------------

كان تجار البصرة اكثرهم من الوافدين عليها من مناطق العراق المختلفة او القادمين من نجد او الخليج العربي او ايران او الهند او الشركات الأجنبية المختلفة .

ومن التجار في ذلك الوقت كان من عائلتنا الوالد عبد الوهاب وكان في الأربعينيات رئيس غرفه زراعه البصرة واخيه هاشم وكان في نفس المدة رئيس غرفه تجاره البصرة وفالح وعطا وثابت وعبد الجبار (وولده عبد الكريم) وجعفر. ومن التجار ايضا عبد الرزاق السبتي صاحب اكبر حمام في العشار وعائله الرحماني ومن النجادة الوافدين من نجد عوائل كثيره منهم حمد و سليمان الذكير والعقيل والبسام والمهيدب وعبد اللطيف المنديل وعبد المحسن الشعيبي ومن اصل كويتي عائله الصباح وكان منهم زميلي في الدراسة الثانوية الشيخ ناصر الصباح وعائله النقيب ومنهم السيد هاشم وكان لديه لقب نقيب الأشراف والسيد حامد النقيب (وأحد اولادة وأسمة محمود كان زميلي في الدراسة). عائله البدر تسمى في الكويت بالجناعات وتسمى ايضا بعائله السالم البدر وعائله جاسم الصقر والغانم وثنيان الجاسم (وكان بعض أولادة زملائي بالدراسة) وعائلة الحمد وكان ابنه محمد زميل اخي في الدراسة (وعين في الستينيات من القرن الماضي سفير دولة الكويت في بغداد) وغيرهم.

ومن عوائل البصرة القديمة عائله الزهير وبركات والنعمة والرِشيد والعبد الواحد (والمعروف منهم محمد سعيد العبد الواحد وصالح العبد الواحد) ثم عائله باش اعيان وهي عائله اعطيت لقب باش اعيان من الحكومة العثمانية اي رئيس الأعيان وذات اصل يرجع الى اشراف العهد العباسي واشتهر منهم صالح الباشاعيان وعائله المناصير ومنهم الحاج مصطفى المناصير والرديني والكرطاس وعائله الشيخ خزعل أمير المحمرة السابق الذي توفى في سجنه في طهران بعد الحرب العالمية الأولى ونزحت عائلته للبصرة ومنهم ولده جاسب واخوته.

ومن الطائفة المسيحية كان الكونت اصفر وهو قنصل فخري لفرنسا وصاحب مكبس من اجود انواع التمور يشابهه في ذلك عائله مارين والتاجر عبد الكريم الصايغ.

ومن العوائل اليهودية كانت عائله لاوي وقد يكون الاسم الصحيح ليفي وعائله عدس والعائلتين لديهم وكالات سيارات فورد وشوفروليت في البصرة كذلك من العوائل الأخرى طويق ويعقوب نوح ومير شنطوب وكوهين وغيرهم. وهناك عوائل بصريه اخرى اعتذر لعدم المامي بهم جيدا.

دور السكن
-----------

كان الفرق شاسع بين الطبقات الاجتماعية آن ذاك، صنفت حسب الإمكانيات المالية.

فكان هناك من يسكن الصرائف وهي اكواخ من القصب كذلك البيوت المبنية من الطين او البيوت البسيطة المبنية من الطابوق واخيراً القصور.

والبيوت الكبيرة التي هي من العصر العباسي او ما اقدم من ذلك كانت كالبيوت البغدادية القديمة مكونه من مدخل إسمه (المجاز) ثم يليه فسحه كبيره مفروشه بالطابوق المربع (الفرشي) الكبير ويسمى (الحوش) ويحيطه طابقين من الغرف والمرافق المختلفة اما الطابق العلوي فيكون عاده ذو شرفه مربعه تطل على الطابق الأرضي ويكون فيه غرف للسكن.

وفي أكثر البيوت البصرية كانت هناك غرفه تسمى ديوانيه للضيوف الرجال والأخرى تسمى الحريم للنساء.

وكان هناك ما يسمى بالخان. وكان والدي يملك واحداً على ضفة نهر العشار قرب ساعة سورين ويتألف من طابق أرضي يحتوي على مكاتب تجارية ومخازن البضائع المستوردة كالاعاب اليابانية، أما الطابق العلوي فقد كان بمثابه فندق ويسمى مسافرخانة.

قصور البصرة

---------------

كانت البصرة تضم عدة قصور جميله, في ما يلي بعض التفاصيل:

1- قصر سيد طالب النقيب.

وهو قصر كبير اصبح الأن اطلال ويقع في منطقه السبيليات قرب أبو الخصيب ومع الأسف لم تعمل له ايه صيانه ويسكنه الأن المهجرون من اهالي الفاو وغيرهم.

والقصر يقع على ضفاف شط العرب وكان صاحبه من رجال السياسة المتنفذين وكانت لديه مليشيات أيام الحكم العثماني ثم عين وزير داخليه في بداية الحكم الملكي ونفاه الإنكليز بعد ذلك الى الهند حيث توفى هناك. وعلى ما أتذكر ان السفينة البحرية التي نقلت جثمانهُ مرت امام بيتنا ليلاًً وكانت مضائه بمصابيح كثيرة وقيل أن عبدالرزاق المير (سمي فيما بعد الأمير) كان يرافق السيد طالب النقيب في الهند وعاد مع نعشهِ.

2- قصر أغا جعفر.

ويقع في قريه السراجي التابعة لقضاء ابو الخصيب في جنوب قريه البراضعية. يسمى ايضا قصر ابو السباع حيث يوجد تمثالين لأسدين أمام القصر يقودان الى درج ينحدر الى النهر.

والقصر يقع على ضفاف شط العرب وبجانبه نهر السراجي. والقصر كبير الحجم ذو هندسه معماريه جميله وشرفات تطل على شط العرب. استملكته الدولة في السبعينيات من القرن الماضي وصار جزء من منتزه السراجي ثم اصبح بعد ذلك جزء من القصور الرئاسية في التسعينيات وجدد حسب أوامر الرئيس السابق واحيطت به البحيرات واصبح بعد ذلك جزء من القصور الرئاسية ان ذاك والتي اصبحت في عام 2003 مركز قياده القوات البريطانية.

3- قصر الحاج عبد الوهاب الخضيري (والدي).

بني سنه 1932 وازيل من قبل الدولة سنه 1952 لعمل كورنيش البراضعية.

والقصر من اجمل قصور البصرة واسع ذو طابقين تحيط الطابق الثاني شرفه على جهاته الثلاثة. ويقع القصر في قريه البراضعية وعلى ضفاف شط العرب. وتحيطه عده حدائق وبستان مساحتها مايقارب الخمس دونمات.

4- قصر سيد هاشم النقيب.

ويقع على ضفاف شط العرب (محاذياً لما عرف فيما بعد الكورنيش ومجاوراً لفندق شيراتون الان) جنوب نهر العشار وهو قصر كبير وجميل واصبح بعد ذلك متحف.

5- قصر محمد خلف العبد الواحد.

ويقع على ضفة نهر العشار قرب المتصرفية. وهو قصر جميل ذو هندسة خاصه به تعلوه القباب البيضاء وقد ازيل في الستينيات من القرن الماضي لعمل كورنيش نهر العشار.

وهناك قصور اخرى امثال قصر سيد حامد النقيب في محله البصرة وقصر عبد الجبار الخضيري على ضفة نهر العشار وقصر عبد الرزاق المير في محله الخربطلية جنوب المعقل وقصر القنصلية البريطانية على ضفاف شط العرب (قرب جسر التنومة العائم) والذي اصبح بعد ذلك مقر جامعه البصرة ويجاورهُ قصور عبد اللطيف المنديل وعبد المحسن الشعيبي.
كذلك اود ذكر بيوت الشناشيل في محله البصرة القديمة في محله الموفقية وما تسمى ايضا محله الباشا حيث قصر الوالي التركي أبان الحكم العثماني وعلى ضفاف نهر العشار وغيرها من بيوت عوائل البصرة الواسعة في محله البصرة. كذلك قصر هاشم الخضيري و صالح العبد الواحد في البراضعية وهما قرب قصر الوالد.
وعلى الضفة الشرقية من شط العرب في منطقه كوت الجوع القريبة من نهر الصالحية يوجد قصر عبد الكاظم الشمخاني وهو قصر جميل فيه شرفة واسعة ومحاط ببستان نخيل.

الأديان والمذاهب المختلفة
---------------------------

كان المسلمون في البصرة من المذهبين السني والشيعي وتكون النسبة مختلطه في أحياء المدينة المختلفة ثم يكثر اتباع المذهب الشيعي حول المدينة بينما يكون المذهب السني هو السائد في ابو الخصيب والزبير.

وكان اتباع الطائفة اليهودية والمسيحية والصابئة حالهم كحال المسلمين يعيشون كلهم في سلام واحترام كلٌ لهُ دينه او مذهبه. فكانت المساجد السنية والشيعية تتجاور لبعضها. أما الكنائس المسيحية فكانت في منطقة العشار. أما مركز العبادة اليهودي فكان في محله البصرة القديمة.

وكان لأتباع المذهب السني جامعين في العشار أولهما جامع الخضيري الذي بناه في وسط محله العشار قاسم باشا الخضيري وكان الوالد يقوم بأموره من بعده وكان امام الجامع من اهالي تكريت لمده طويله. أما الجامع الأخر فهو جامع المقام (جامع الأمير) والذي يقع على صدر نهر العشار وكان إمامهُ شهاب الدين القيسي ويقصدهُ اتباع المذهب الشيعي ايضاً.

وكانت في محله البصرة جوامع قديمة متعددة سنية أقدمها جامع الكواز الذي بني قبل حوالي الأربعمائة سنه من قبل عائلة باشا أعيان وبه مقبرة عائلتهم.
أما اتباع المذهب الشيعي فكانت لهم جوامع متعددة سواء بالبصرة او بالعشار او القرى الأخرى. وكان من اشهر علمائهم الميرزا جمال الدين والسيد عبد الله الموسوي.

وفي الزبير يوجد جامع الزبير حيث به قبر الصحابي الزبير ابن العوام رضي الله عنه وفي شرق المدينة أطلال جامع الأمام علي رضي الله عنه وهو اثر لما بناه الأمام علي رضي الله عنه وقربه (بجوار طريق الكويت البصرة) يوجد مرقد طلحه الذي استشهد في موقعه الجمل. أما المسيحيون فكانت لهم كنيسه قرب نهر الخندق ذات قبه كبيره وكنيسه اخرى قرب سوق المغايز وكنيسه بناها الجيش البريطاني بروتستانتيه قرب مدخل نهر العشار وكان للأرمن ايضاً دار عباده خاصه بهم وهم من طائفه الأرثدوكس.
وكان لليهود معبدهم في محله البصرة وكان لديهم حاخام معتمد يرأس شؤون الطائفة الدينية.
وكان التعايش تام بين جميع الأديان والطوائف والاحترام متبادل بين جميع افرادها.

اللغات الدارجة
----------------
كانت اللغة الدارجة او ما تسمى بالعامية مزيج من اللغة العربية الفصحى وكلمات عربية محرفة، وقد نبهنا بذلك مدرسنا للغة العربية في مدرسه الثانوية (الإعدادية) وهو مصري الجنسية الذي عين بعد ذلك مدرس في دار المعلمين في بغداد اننا نتكلم الكثير من الكلمات العربية الفصحى القديمة كما أن موقع البصرة الجغرافي وتماسها مع دول اخرى لا تتكلم العربية كذلك أن الاحتلال العثماني الذي طال حوالي الأربعمائة سنه على العراق ككل ترك بصماته على اللهجة العراقية والبصرية على الخصوص فكما كنا نستعمل الكلمات الإيرانية أمثال (جاي خانه، بوسطه خانه) وغيرها كنا نستعمل الكلمات التركية أمثال (الكوزلغ) اي العوينات والبوينباغ أي الرباط وغيرها من الكلمات التركية.
وتركت اللغة الإنكليزية اثرها ايضا فكل الأجزاء الميكانيكية للسيارة كانت اسماء بريطانية محرفه.
وهناك اللهجة الخاصة بأهالي البصرة القدماء واللهجة البغدادية او الموصلية وغيرها للوافدين على المدينة وكانت اللغة الدارجة للمسيحين تقارب اللهجة الموصلية حيث كان اكثرهم وافدين منها طالبين الرزق في البصرة. أما الطائفة اليهودية فكانت لهم لهجتهم وكلماتهم العامية الخاصة بهم ايضا و المشابهة ايضا للهجه الموصلية. والصابئة كانت لغتهم تقارب سكان مدينه العمارة وما حولها حيث الكثير منهم قدموا من تلك المنطقة.

لباس أهل البصرة
-----------------
قبل استقلال البلاد في العشرينيات كان اللباس السائد عند أهالي القرى الدشداشة وفي المناسبات يلبس الشخص العباءة ويغطي رأسه بالكوفية (الجفية) بدون عقال ويكون لونها اسود وابيض لأهالي البصرة وابيض واحمر للنجادة ويلبس الناس النعال الجلدي بدل الحذاء.
أما التجار من الأصل البغدادي فكانوا يلبسون الملابس الصفراء اللون. ومتكونه من عمامة صفراء تسمى الكشيدة، وزبون (شبه المعطف)، واليمني (حذاء لونه احمر او اصفر) او حذاء عادي، و يلبسون حزام من القماش او الجلد، ثم تلبس العباية.

ويلبس موظفي الدولة ووجهاء المدينة الملابس الأوربية ويسمى (باش بوزغ) ويضعون على رؤوسهم الطربوش الأحمر ثم تلته بعد ذلك السداره التي صممها الملك فيصل الأول وتسمى ايضا بالفيصليه.

أما علماء الدين فالسنة يلبسون الطربوش الأحمر يلف حولهُ القماش الأبيض ثم الملابس العربية من رداء طويل ويكون لعلماء الشيعة ايضا اما طربوش احمر يلف حولهُ القماش الأخضر (السيدية) او العمامة السوداء أو البيضاء.

ورجال الدين المسيحيون لهم لباسهم الخاص الملون بالأسود والأحمر ويتدلى الصليب على صدورهم أما الحاخام اليهودي فيكون لباسه الأسود مع عمامة سوداء.

ورجال الدين الصابئة يلبسون كوفيه بيضاء ودشداشه وعبائه وتكون لحاهم طويله.
 أما نساء البصرة فكان البعض منهن وبخاصه من الأصل البغدادي يلفون رؤسهم بالعصْابًه السوداء ويغطين وجوههن بالبوشية السوداء ويلبسن رداء اسود يسمى بالصْايًه وتكون ملابسهم سوداء ثم العباءة وينتعلن في ارجلهن البابوج الأسود.

أما نساء القرى فكن يلبسن العباءة ويلففن حول الوجه قماش اسود يسمى الفوطه بدون غطاء وجه (البوشي) واذا صادفت امرأه رجل في طريقها فتغطي وجهها بالعباءة ويلبسن النعال الأسود. ونساء الأهوار كن يلبسنَ ثياب سوداء وتضع المسنات منهن على رؤسهن عمامة سوداء واحياناً تغرز الشابات في انفهن حلقة من الذهب وتسمى الخزامه. ومن الملابس الأخرى للنساء الثوب الهاشمي الذي هو ايضا منتشر في دول الخليج ويشبه الساري الهندي.

وصادفت ذات مره امراه مسيحيه ذاهبه للكنيسة وهي تلبس عبائه ملونه وتغطي وجهها ببرقع ملون وكانت هذه عاده النساء المسيحيات في الموصل او بغداد حسب ظني. وتلى بعد ذلك في الثلاثينيات الجيل الجديد من البنات والشابات السافرات. وكانت الشابات وطالبات المدارس سافرات يلبسن الملابس الحديثة.

وكانت من مظاهر الزينة التي انقرضت الان لبس حلقة كبيرة من الذهب في اسفل الساق اي فوق الكعب وتسمى الحجل، اما ما يلبسة الاطفال فتكون حلقة ذهبية تحاط بها أجراس ذهبية صغيرة وتسمى الجناجل. وكانت تلبس ايضاً في الزند حلقة اخرى من الذهب وفي الغالب تكون على شكل افعى وتسمى الزنادي. وكان عقد الذهب المتدلي من الرقبة يسمى كردانة. وأحيانا تلبس النساء القرويات وبالأخص في الأهوار حلقه ذهبيه توضع في شحمه الأنف وتسمى (خزامه) واطلق هاذا الأسم في بغداد على مدفع عثماني ضخم وسمي طوب أبو خزامه.

الأسماء
--------

كان اهل السنه يقلدون الأتراك بتسميه اولادهم وبناتهم امثال الأسماء طلعت ومدحت ونشأت وغيرها كذلك تسبق كلمة عبد أسم الجلالة امثال عبد الوهاب وعبد الجبار، أو اسماء الرسول صلى الله عليه وسلم. اما الطائفة الشيعية فكانت تكثر لديهم الأسماء التي تسبق بعبد لأسم الجلالة او اسماء ألأمه الاثني عشر امثال عبد علي وعبد الحسين عبد الحسن وعبد الزهرة وغيرها، او اسماء الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكانت الطائفة المسيحية تسمي اولادها وبناتها بأسماء العائلة المالكة البريطانية امثال فكتور وفكتوريا والبير والبرتين وادوارد واحياناً عبد المسيح. أما اسماء اليهود فكانت مشابه لأسماء ما ذكر من انبيائهم امثال عزرا وحسقيل وكوهين وغيرها. كان الصابئه يسمون اولادهم بأسماء عربيه عاديه ليس لها صبغه دينيه.

الحِرف المختلفة
----------------

الأطباء
كان هناك أطباء هنود قدموا مع الجيش البريطاني ثم استقروا بعد الحرب العالمية الأولى في البصرة ومنهم الدكتور ديفد وهو طبيب باطنيه حاذق عمل في عيادته الخاصة بالعشار حتى وفاته في السبعينيات وكان هناك ايضا الدكتور بورانسيك طبيب امراض العيون وهو من طائفه السيخ الهندية وكان يلبس العمامة وفقد امواله في التجارة في الخمسينيات ثم هاجر الى دول الخليج والدكتور لامير الهندي وكان جراح.

ومن العراقيين كان الدكتور وداد الكاتب من أصل حلبي واستقر بالبصرة و كان مدير مستشفى البصرة والدكتور لويس يلده والدكتور جمال الفحام من اصل سوري برع في التجارة ايضا ومن اوائل خريجي الكلية الطبية العراقية كان الدكتور محمد حسين السعدي جراح مشهور امتلك مستشفى وعمل في مستشفى البصرة حتى السبعينيات والدكتور الحمداني والدكتور جلال الخضيري والدكتور شمس الدين النقيب خريج بريطانيا والدكتور عتيشه وخلوف من لبنان وعبد الحميد الطوخي من مصر وطبيب الأسنان الوحيد في البصرة في الثلاثينيات كان الدكتور صبيح مصطفى وكان قد درس طب الأسنان في دمشق.

المحامون
----------

اشتهر منهم حسن عبد الرحمان العاني وعبد الرحمان العمر وكان الأثنان اصحاب كفائه وذمه. كذلك المحامي محمد أحمد خان بهادر وهو من أصل ايراني اتقن اللغة العربية وكان قد قدم الى البصرة بعد الحرب العالمية الأولى وكان يمتلك مكتبه كبيره وتقلد منصب نقيب المحامين لبعض الوقت والمحامي إسكندر منصور كان ايضا من مشاهير المحامين في البصرة وحسين الجميل ومكي الجميل وعبد الجليل برتو.

التجار
------

كانت التجارة متنوعه فمنهم من كان يمارس تجاره القومسيون مثل الوالد حيث كانوا يستلمون الحبوب من جميع انحاء العراق حيث تخزن وتنظف في سقائف كانت تسمى بالأسياف واكثرها في محله الخندق او ما تسمى ايضا مقام علي ثم تباع الى تجار التصدير الى الخارج ويأخذ تاجر القومسيون عمولته عن ذلك كما كان هناك مكبسي التمور او مستوردي البضائع من اوربا او اليابان وغيرها من الدول او تجار السوق المحلية.
وتمور البصره يتم تصديرها الى جميع أنحاء العالم حيث تغلف بعبوات جيده واحيانا تحشى التمور بالجوز او اللوز وتعقم قبل تصديرها ضد التسوس او الحشرات والرخيصه منها تصدر بعبوات كبيره من أوراق السعف التي تسمى بالخصاف وتصدر للهند اوغيرها من دول الشرق الأقصى.

وكانت أكثر عوائل البصرة تمتلك مزارع النخيل وتعيش من أيرادها، ويطلق عليهم إسم الملاكهَ.
وكانت البصرة مركز الشركات التجارية الأجنبية وشركات التأمين ولم تكن هناك مصارف عراقية وإنما بريطانية منها البنك العثماني الذي كان يقع في موقع مصرف الرافدين بالعشار الآن وكان هناك بنك اخر اسمه ايسترن بنك.

الصياغ
--------

كان الحرفيون في صياغه الذهب من الصابئة وأشهرهم زهرون كان هناك أيضا من الطائفة اليهودية والمسيحية من يمارس تلك المهنة.وكانت المصوغات في غايه الدقه والجمال اما ذهبيه أو فظيه وتطلى بماده ملونه تسمى المينه.. واشتهر زهرون بعمل النخله الفضيه ويكون التمر المدلى منها من الذهب وكانت تهدى ألى الملوك و كبار الشخصيات.

النجارون
----------

هؤلاء الحرفيون الذين ساهموا في تشييد قصور البصرة وعمل الأثاث المنزلية وبعضها مشابه للأثاث الهندي.

البناؤون
--------

وكان يسمى البنه (الأسطة) وبرعوا في مهنتهم التقليدية ومنهم الكثير من أهالي بغداد وهم الذين بنو قصور البصره الجميله بدون الأستعانه بأي عامل أجنبي.

الفنانون
--------

لم تشهد البصرة في تلك الحقبة نهضه فنيه لا في الغناء ولا في الرسم . ولكن كانت هناك فرق شعبية رجالية يشابه غنائها الغناء الخليجي وفرق شعبيه نسائيه من أصل أفريقي يسمون بالدكاكة.
وقد زارت البصرة فرقه الممثل المصري يوسف وهبي وبضمنها الممثلة أمينه رزق وأدت مسرحيات مختلفة لمده اسبوع في مسرح أقيم في أحدى الساحات وقد شاهدت مسرحيه على كرسي الاعتراف كذلك زارت الفنانة المصرية فاطمه رشدي البصرة مرتين وقد شاهدت لها على مسرح سينما الحمراء مسرحيه قيس وليلى وقد ادت الفنانة فاطمه رشدي بها دور قيس. وكذلك زارت البصرة المطربه المصرية المشهورة نادرة وغنت في إحدى الملاهي.

وكانت في البصرة دارين للسينما الأولى تسمى الحمراء لصاحبيها عبود و حبيب الملاك وكانت تقع قرب ساحه أم البروم في العشار والأخرى سينما الوطني لصاحبها عبدالمجيد سلومي في شارع الوطني في العشار وكان هناك في الأربعينيات سينما صيفيه كانت تسمى ايضا سينما الوطني الصيفية في العشار واخرى لقريبي عبد الكريم الخضيري واسمها شط العرب وكان يشتري ايضاً الافلام المصرية ومنها مانال نجاحاً كبيراً وأخص منها فلم عنتر وعبلة وفلم القلب له واحد لصباح.

وكانت الأفلام السينمائية في البداية صامتة أمثال أفلام شارلي شابلن و ميكي ماوس ثم تلتها الأفلام الناطقة الغير ملونة وبعدها في بداية الأربعينيات بدأ عرض الأفلام الملونة وتسمى تكني كولور ومن أشهرها كان الفلم الأجنبي حرامي بغداد.

وكان هناك ملهى شرقي يطل على ساحه ام البروم اسمه ملهى الفارابي وخلال الحرب العالمية الثانية كان هناك ملهى غربي في العشار مقابل مبنى المتصرفية تعمل به راقصات أجنبيات ويسمون بالكيت كات.

اما بالنسبة للمذياع (راديو) في ذلك الزمن، كانت الاجهزة كهربائية وكبيرة الحجم وتستعمل ثلاث موجات قصيرة ومتوسطة وطويلة والأصوات المستلمة كثيرة الضوضاء (وشوشة).
وفي الثلاثينيات كنا نستمع الى اذاعة قصر الزهور التي كان يديرها الملك غازي وايضاً كانت هناك اذاعة بغداد.

وفي فترة الحرب كنا نتتبع اخبارها من اذاعه لندن واذاعة الشرق الاوسط التي كانت تبث من مدينة يافا والتي زرتها في سنة 1944 عندما ذهبنا لعلاج اخي وكذلك اذاعة برلين وكان مذيعها يونس بحري وهذه الاذاعة كان الاستماع اليها ممنوع خلال الحرب ويرسل المخالف الى المعتقلات التي أسست في منطقة الفاو والعمارة طوال فترة الحرب.

النوادي
---------

كان هناك نادي الميناء في المعقل وأعضائه غالبيتهم من الأجانب والقليل من العراقيين واستمر في وجوده حتى يومنا هاذا والأخر نادي الموظفين في العشار ويقع قرب ساحه تمثال أسد بابل الأن وكان أعضائه من موظفي الدولة والشخصيات من أهالي البصرة.
ألمقاهي الشعبيه
ألمقاهي الشعبيه انتشرت في العشار في الشارع الممتد من شارع المغايز وحتى ساحه أم البروم حيث تمتد الأرائك الخشبيه ويتمتع روادها بالشاي يوزع عليهم في الأستكانات وهي اقداح صغيره ممزوجا بكثير من السكر وشديد الحراره بحيث يسكب شاربه بعضه في الصحن الصغير الموضوع تحت الأستكانه ويرتشفه تدريجيا.
وفي ذالك الشارع كان يوجد محل الدوندرمه التي تسمى الأن ايس كريم وكان صاحبه أيراني الجنسيه وأسمه زينل واشتهر بألذ أنواع الدوندرمه بنكهاتها المختلفه من الفواكه.
وكانت قهوه التجار تقع قرب جامع الخضيري يؤمها التجار صباحا وتكون بمثابه البورصه حيث يتتبعون حاله السوق وينتشر بينهم الدلالون للتفاوض على البيع والشراء.. وكنت أمر عليها صباح كل يوم في طريقي الى مدرستي الأبتدائيه وارى الوالد والأقارب وغيرهم من التجار يتداولون فيما بينهم.

الصحافة
---------

كانت هناك صحيفتان هما الناس لعبد القادر السياب والثغر لأحد أفراد عائله النعمة. ومن كُتاب البصرة ايضاً الكاتب طه الفياض ..واكثر ما يكتب بها هي الأخبار المحليه فكانت رقابه الحكومه شديده على الصحف والمجلات وكانت تغلق بأمرها من حين لأخر ومن الصحف في تلك الفترة صحيفه حبزبوز الهزليه الأنتقاديه واخرى للشاعر الكرخي تصدران في بغداد ونتلهف على قرائتها وكان الملا عبود الكرخي يصل البصره لاستلام الأشتراكات وويل للذي لايشترك في جريدته حيث كان عرضة للهجاء بقصيده من قصائد صاحب الجريده وبعكس ذالك فالمدح يكال على من يكرمه واحدهم اطلق عليه الكرخي لقب صاحب العطوفة. وكان والدي يستظيفه عند اقامته في البصره في الفندق الذي كان يملكه والمطل على نهر العشار..

العملات النقدية
----------------
في بداية الثلاثينيات كنا نتعامل بالعملة الهندية اي الروبية والبيزة والقران والعانة ثم دخلت العملة العراقية من دينار وريال وهو مائتين فلس ثم الدرهم وهو خمسون فلس والعشرين فلس ثم الأربعة فلوس ثم الفلس حسب ما أتذكر.

الجزء الثالث -- الأعياد والمناسبات الاجتماعية والدينية

أعياد المسلمين

قبل عيدي الفطر والأضحى يذهب الأهل لشراء الملابس والأحذية الجديدة لهم ولأولادهم ونذهب جميعا للحلاق ومساء العيد نستحم جميعا وكان الحمام به خزان ماء يغلى بإشعال الخشب والأحطاب تحته وتمتد الحرارة الى ارضيه الحمام ويمتلئ الهواء ببخار الماء الرطب الحار.

وفي صباح العيد نذهب لتقبيل أيادي الوالد ونستلم العيدية ونقبل الوالدة وتنصب في المدينة والقرى (دواليب الهوا) حيث يذهب الأطفال بملابس العيد الزاهية.

أما في عائلتنا فكان الوالد يدعو الأقارب لتناول الغداء واحيانا يدعوهم إلى سفرات الى بستان المطوعة المقابلة الى مدينه المحمرة الإيرانية ويكون الذهاب اليها بالماطور (الزورق الميكانيكي) ونشاهد على الساحل الإيراني أطلال قصر الشيخ خزعل (الفِيليهَ) ثم تمثال ملك ايران رضا بهلوي على ضفة تلاقي شط العرب ونهر الكارون مؤشرا بيده نحو شط العرب وكان يرسو على ضفاف نهر الكارون بعض البواخر الحربية الإيرانية للتباهي بها. وكنا نقضي اليوم بكامله في البستان مع ضيوفنا .
 وكانت هناك سفره اخرى الى اطلال أور في أحد الأعياد وكانت السفرة شاقه حيث لم يكن الطريق واضح او معبد وقد تهنى لعده مرات قبل وصولنا إلى هدفنا. وفي ما يلي صورة عائلية لتلك السفرة.

وكان لقصر الوالد بستان كبيره بها علاوة على النخيل انواع الأشجار المثمرة من تين وبرتقال والليمون الحلو والللالنكي والرمان وشجره مانكة كذلك كانت هناك (قمريه) وهي سقف من الخشب المتقاطع تتسلق عليها اثمار العنب كذلك كانت مختلف الأنواع من الورود منها اوراد الجوري والياسمين والرازقي فكنا نسرح ونمرح بها طول ايام العيد وكان لدينا زورق بغدادي (جلبوت) نتنزه به فوق مياه شط العرب حيث تكثر في أيام العيد الأبلام العشارية والماطورات وعليها كل اجناس البشر مستبشرين وينطلق بعضهم بالأغاني تصاحبها احيانا الأدوات الموسيقية المتنوعة من عود وكمان وطبله (دنبك) ودف.

وفي أحد الأعياد ذهبت مع طلاب مدرستنا الابتدائية صباح اول أيام العيد أمام دار المتصرفية حيث خرج على احد شرفاتها السيد هاشم النقيب وكان يسمى نقيب الأشراف وكان شيخا وقورا يلبس الكشيده البيضاء والزي العربي ودعى الى صلاح الأمه وإلى رفاهيتها. وصباح احد الأعياد أيضا ذهبت مع بقيه طلبه مدرستنا الابتدائية نجمع التبرعات لفلسطين ونضع شاره من القماش الأسود على صدر من يتبرع لنا بالنقود التي توضع في صندوق صغير كنا نحمله لذلك الغرض.

الأعياد المسيحية
----------------

تحتفل الطائفة المسيحية بعيد ولاده المسيح (الكريسمس) وتدق اجراس الكنائس ويتوجه الناس اليها بملابسهم الجديدة وقد دعينا ونحن اطفال لدى عائله الدكتور خلوف اللبناني وشاهدنا المراسيم والشجرة المزينة بالمصابيح الملونة كذلك تمثيليه عن ولاده المسيح.

وفي عيد رأس السنه الميلادية كان الوالد يدعى اليها ويوزع علينا في اليوم التالي طرابيش الورق الملونة والصفارات وغيرها مما كانت تعطى له في الحفلة ولتواجد الشركات الأجنبية والقنصليات كان الوالد يذهب اليها بالزي الأسود (ألأسموكنك).

أعياد اليهود
-----------

كان للطائفة اليهودية أعيادها ايضا وكان في أحدها يقام قوس من النخيل امام بيوتهم يسمى العرزوله وما كنا نعرف الكثير عن أعيادهم.

الصابئة
--------
كانت لهم ايضا أعيادهم ولم يكن لنا إلمام بها.

شهر رمضان

-------------

كان بالنسبة لنا كأطفال أو صبيان هو شهر الأكلات اللذيذة، حيث يتفنن الطباخ بتقديم أنواع المشويات من كباب وغيره والحلويات المختلفة من محلبي وكلاج وانواع القيمر مع الدبس والبقلاوة وغيرها .

وكان الوالد يدعو الأقارب للإفطار طوال ايام شهر رمضان ويعمل ايضا وليمتين متتاليتين لأهالي قريه البراضعية ويقسمون على وجبتين كل وجبه حوالي عشرون ضيفا.

وأتذكر أنه عندما يحين موعد الإفطار مع الأقارب تبدأ عصبيتهم قبل الإفطار وينظرون الى الوقت في الساعة العربية في انتظار موعد الإفطار. ويقول بعظهم الآن الساعة الهَ جارك اي تبقى ربع ساعه الى الأفطار واخيراً يصيح احدهم بفرح (طبكت الساعة) أي حان وقت الإفطار.

عاشوراء
---------

كانت الأيام العشرة لأحياء ذكرى استشهاد الأمام الحسين رضي الله عنه أيام حزينة حيث تقام به قراءة فصول استشهاد حفيد الرسول واصحابه الكرام يوميا في المساجد والحسينيات الشيعية كذلك وتكون هناك (قرايات) للرجال واخرى للنساء تقرأها لهن (الملايه). وتسير مواكب الضاربين انفسهم بالزناجيل على الظهر او القامات على الجبين او يسير البعض وهم يلطمون صدورهم المكشوفه بأيديهم. وتنتهي المراسيم في ظهر اليوم العاشر بقرائه شامله ليوم الاستشهاد واحياناً تعمل (التشابيه) في الشوارع يقوم بها ممثلون يمثلون بها استشهاد الأمام رضي الله عنه وأصحابه الكرام.

وفي منتصف اليوم العاشر تقام ولائم الغداء في جميع انحاء المدينة وهي عاده (الهريس) تطبخ في جدور كبير معلقه فوق نيران الحطب المشتعلة.

وكان الوالد وغيره من المذهب السني يشاركون اخوانهم من المذهب الشيعي بحضورهم مجالس العزاء.

عيد نوروز
-----------

وهو عيد الربيع في أيران وعند الأكراد في 21 اذار من كل سنه. وكان يسمى عندنا بالكسله. وتدوم به الأحتفالات منذ الصباح الباكر وحتى المساء وتبدأ القوارب النهرية (الماطورات) والأبلام العشارية تسير في شط العرب ناقله الشباب والراقصات والراقصين مع أدواتهم الموسيقية المختلفة فتسير المراكب في شط العرب ثم تدخل في نهر الخورة حيث يتجمع الناس على ضفتيه وتستمر الزوارق بالدخول والخروج في النهر وشط العرب طول النهار.

ويرقص على تلك البواخر الراقصون والراقصات ويستمر ذلك حتى المساء وكنا عاده نقضي النهار في بستان لنا على ضفاف نهر الخورة مع المدعوين حيث نتغدى ويكون الموسم موسم الفواكه حيث تكثر على الموائد من برتقال وخس وليمون حلو.

ليالي شط العرب
----------------

كنا نشاهد في ليالي الصيف وبالأخص القمرية منها الأبلام العشارية وعلى متنها الشباب ومعهم الآلات الموسيقية تتهادى على مياه النهر واحيانا تقف على الضفاف حيث يستمر الغناء والعزف على العود والكمان حتى ساعه متأخرة من الليل.

دوائر البصرة الحكومية
------------------------
سوف أشرح في ما يلي دوائر الدولة في البصرة.

المتصرفية
-----------
كان العراق يقسم الى ألويه (محافظات) يدير كل منها المتصرف (المحافظ) ويقسم اللواء الى أقضيه مثل قضاء القرنة ونواحي امثال السيبة وشط لعرب والزبير ويرأسها قائم مقام أو مدير ناحيه.

والمتصرفية كانت في العشار وكان ولا يزال بنائها جميل مزين بالأقواس الأندلسية.

دائرة مدير المعارف (التربية)
---------------------------
كانت تقع في العشار وكان يرأسها لسنوات عديده شخص اسمه عبد الرزاق ابراهيم.
في الثلاثينيات لم تكن هناك في منطقة العشار الا مدرسه واحده ابتدائية للبنين وأسمها مدرسه الدبة أو العشار في محله الخندق (مقام علي) حيث اتممت انا واخي كمال دراستنا بها. وكان هناك مدرسة ابتدائية اخرى في محله القبلة في حي البصرة القديمة.

وكانت هناك مدرسه اخرى ابتدائية للبنات ومدرسه متوسطة وثانويه (اعداديه) في العشار كان بجوارها مسرح لمديره المعارف تقام به بعض المسرحيات الطلابية او الفرق الوافدة من بغداد وغيرها من الفعاليات الاجتماعية او الثقافية. وقد اكملنا أنا وأخي كمال دراستنا بها ومن احد طلابها كان الشاعر بدر شاكر السياب الذي كنت اسبقه بعده سنوات وكان نحيف القامه حاد الذكاء وقد عاش خلال تلك الدراسة مع قريبه عبد اللطيف السياب في بيت قريبه الحاج عامر الكامل وكان بيته في منطقه الكزارة قرب نهر الخورة واتمنى ان تسمى تلك المدرسة بأسم ذلك الشاعر الكبير.

وكانت هناك اقدم المدارس الأهلية مدرسه ألأرساليه التبشيرية الأمريكية في العشار والتي سميت في ما بعد مدرسه الرجاء وكان مديرها لمده عقود الأمريكي فان نيس وكنا نسميه مستر وانيس وكانت تدرس المرحلة الابتدائية فقط. كذلك مدرسه الطائفة اليهودية الابتدائية في حي البصرة القديمة واسمها الأليانس اي التعاون بالفرنسية وكانت تدرس بها اللغة العبرية والفرنسية والعربية حسب ما اخبرني به أحد المعارف. وليس لدي إلمام بالمدارس الأخرى في اللواء (المحافظة).

كانت الدراسة صباحي ومسائي وكان كل صف به عدد محدود من الطلاب وكان المدرس يبذل جهد كبير في التدريس وكان الطلبة يكنون لمدرسيهم كل ود واحترام
وكان المدرسون والمدرسات علاوة على العراقيين منهم كان بعضهم من الدول العربية لسوريا ولبنان وفلسطين ومصر واحيانا كان مدرس اللغة الإنكليزية بريطاني الجنسية. ومن مدرسينا في الثانوية أذكر أبراهيم نعوم للغة الإنكليزية وحبيب هدايا للفيزياء وعبد الكريم المناصير للتأريخ وأحمد النقشبندي للدين .

الصحة
-------
وكان يرأسها رئيس الصحة وتقع الدائرة بضمن بنايه المستشفى الملكي. ويشرف رئيس الصحة على المستشفى الوحيد بالبصرة وعيادات الأطباء وغيرها من شؤون الصحة.

وكان المستشفى الوحيد قد بني في منطقه باب الزبير لجفاف مناخها وبُعدها عن المدينة. وسميََ بعد ذلك بالمستشفى الملكي، وكان يعمل به أطباء بريطانيون وأجانب ثم بدأ الأطباء العراقيون بالعمل بعد تخرجهم من الكلية الطبية التي انشأت في بغداد. وكان أول هؤلاء الجراح محمد حسين السعدي.

وكان هناك الكثير من الأمراض المتوطنة في البصرة أمثال الملاريا والبلهارسيا ومرض السل والتراخوما والتيفوئيد وغيرها. وشخصياً أصبت بمرض الملاريا لعدة مرات وتم علاجي من قبل الدكتور الهندي ديفد.

المحكمة
--------
كانت تقع في منطقه البصرة القديمة قرب البلدية. وكان رئيس المحكمة في الثلاثينيات بريطاني، وبتخرج الطلاب من كليه الحقوق في بغداد بدأ تعيينهم في محكمه البصرة ومن الأوائل منهم أخي نوري واندرس عشو وحقي الجيبجي وعبد الحافظ الطه وعلاء الوسواسي والسيد هادي صالح وغيرهم وقد افتتحت بعد ذلك محاكم فرعيه في الأقضية والنواحي. وكان الحكام مشهورين بالنزاهة والعدل وكنت اشاهد اخي نوري يسهر ليلا لدراسة الملفات التي ستعرض عليه فيما بعد .

سجن البصرة
--------------
يقع مقابل المستشفى وهو سجن على ما اعتقد تم بناؤه في بداية الدولة العراقية اسوه بالمستشفى.

البلدية
------
وكانت تقع في البصرة القديمة مقابل المحكمة ويرأسها رئيس البلدية ومنهم عبد الجليل بيرتو و حسن خالد النقيب.

دائرة الطابو (التسجيل العقاري)
-------------------------------
كانت في بيت قديم واسع في محله البصرة القديمة وبجانبها دكاكين المعقبين الذين يعقبون المعاملات كذلك الكتبة (ألأرظحلجية) الذين يكتبون للأميين طلباتهم الى الدائرة المعنية وكان مثل ذلك يحصل أمام جميع دوائر الدولة.

دائرة البريد
-----------
وكما نسميها باللغة الدارجة (البوسطه خانه) وسميت بعد ذلك بدائرة البريد والبرق وتقع في بنايه كبيره على الضفة الجنوبية لنهر العشار مقابل جسر شارع الكويت الآن تقريبا.

كان البريد دقيق ومنتظم وكان يوجد أمام البناية صندوق بريد أحمر اللون يشابه ما كان موجود في بريطانيا في ذلك الوقت.

والهاتف (التلفون).

----------
و جهاز الهاتف كما نشاهده في الافلام القديمة يتكون من الجهاز المنفصل عن جهاز السمع (السماعة)، وجهاز التكلم اما ان يكون على المنضدة او نوع اخر يعلق على الجدار وتعلق به السماعة. اما الاتصال بالمدن الاخرى فيكون بواسطة بدالة البريد وتسمى سنترال وكان الخط غير واضح (كثير الوشوشة) ويتطلب منا التكلم بصوت عالي (صياح).

مديرية الشرطة
---------------
كانت تسمى القشلة التي كانت في العشار ثم انتقلت الى المتصرفية بعد ذلك.

دائرة الموانئ

--------------
بنيت دائرة الموانئ العراقية في منطقه المعقل ببنايه كبيره تعلوها قبه كبيره وكان يرأسها لعده عقود البريطاني الكرنل ورد وكانت مسؤوله عن الميناء الوحيد في المعقل كذلك المرور في شط العرب حيث كانت البواخر الكبيرة تدخله من الفاو حتى الميناء في المعقل ويعين مرشدون كانوا أجانب ثم استبدلوا بعراقيين يقودون البواخر من مدخل المياه الإقليمية في الخليج حتى رصيف المعقل.

وكان هناك رصيف اخر على ضفة نهر شط العرب وقرب مدخل نهر العشار وذلك منذ الحكم العثماني وكانت ترسو به باخره واحده للركاب تأتي من الهند اسبوعيا وتسمى (الميل) أي باخره البريد ويأتي على ظهرها الكثير من الهنود (وخصوصاً من طائفة البهرة) لزياره الأماكن المقدسة في العراق.

وكان ميناء المعقل هو الميناء الوحيد بالبصرة كما اسلفت وترسو به البواخر القادمة من مختلف أنحاء العالم وينشط باستيراد ما يحتاجه العراق كذلك تصدير التمور والشعير والحنطة في مواسمها.

وعندما لا يتسع الميناء لجميع البواخر القادمة ترسو البواخر في وسط شط العرب وتربط بطوافات منتشرة على سطح النهر أو تستعمل ما لديها من معدات للرسو (ألأنكر) وترسوا بجنبها الجنائب او السفن الشراعية (المهيلات) لأنزال حمولتها أو بالعكس وبواسطه رافعات الباخرة. وتتكاثر الزوارق الصغيرة (المشاحيف) حولها لبيع ركابها المواد الغذائية والفواكه وغيرها. وكان هناك متعهدون لتجهيز البواخر بالغذاء اللازم.

وكانت القطع العسكرية البريطانية تزور البصرة من فرقاطات وطرادات وكان من المعتاد عند وصولها لمنطقه العشار ان تطلق مدافعها اثنان وعشرون طلقه مدفع صوتيه للتحية ويتجول بعد ذلك ملاحوها في اسواق العشار للتنزه والتبضع.

وكانت السفن الشراعية المسماة بالبوم تدخل شط العرب قادمه من الهند وسلطنه عمان وبقيه موانئ الخليج وكنا نشاهدها وهي تمخر مياه شط العرب ناشرتاً اشرعتها عندما تكون الرياح مؤاتيه لها او تسحب بواسطه القارب ويجذف بحارتها لسحبها نحو مرساها وهم يغنون الأغاني الخليجية .

النقل النهري
-------------
في بداية القرن كان هناك أسطول من البواخر النهرية والجنائب تنتقل من البصرة الى بغداد وبالعكس وكانت هناك شركه بريطانية تسمى (بيت لنج) وأخرى تعود الى عبد القادر الخضيري واهم بواخره (القادري) لنقل المسافرين والبضائع.

توقفت بواخر المسافرين تدريجيا وبقت الملاحة النهرية لنقل البضائع فقط، وقد امتلكت شركات حنا الشيخ وعبد الجبار الخضيري ثم ولده عبد الكريم بعده وعبد المنعم الخضيري إخوته بواخر صغيرة وجنائب لهذا الغرض.
 وكانت تستعمل في شط العرب الزوارق السريعة الخشبية (الماطورات) والسفن الشراعية الكبيرة (المهيلات) والزوارق لنقل الأشخاص والتنزه وهو البلم العشاري الذي يسير أما بالمجاذيف أحدهما مجذاف طويل أمامي مربوط بجانب الزورق ويتحكم به البلام والذي يجلس في القسم الأمامي من الزورق والبلام الأخر يجلس في القسم الخلفي من الزورق وبيده مجذاف صغير يسمى الغرافة لتوجيه مسار الزورق يمينا ويساراً حيث لا توجد دفه توجهه وعندما يكون تيار الماء شديدا حيث لا ينفع به التجذيف يستعمل البلامة المردي وهو عود طويل من القصب القوي المستورد من الخارج يركزه الملاح الأمامي والخلفي في قعر النهر ويدفع به البلم الى الأمام. 

ويقال ان كلمه المردي هي كلمه سومريه، ويغطى البلم العشاري الذي يتسع عاده لأربعه ركاب بغطاء طويل يظلل الركاب وكذلك يمكن انزال ستائر من الجانبين. وهناك ا(الدوسة) وهي لوحه من الخشب تستعمل لمشي البلام الأمامي عليها ذهابا وايابا عند استعماله المردي كذلك لأنزال الركاب على الرصيف. وكان محل جلوس الركاب مجهز بوسائد مريحه (مخدات) ذات الوان زاهيه.

وكانت تشاهد على شط العرب المشاحيف القادمة من الأهوار وهي زوارق صغيره من الخشب مغطاه بالقار، قاعها مسطح تستعمل في الأهوار وتأتي للبصرة لبيع الحليب ومشتقاته من الأجبان او الزبدة والكريمة (القيمر) الى اهل البصرة او الى البواخر الراسية في شط العرب وكان في العادة تقودها النساء القادمات من مناطق الهور (المعيديات) اللاتي يبعن مشتقات الحليب في شوارع العشار وأزقتها. وهذه المشاحيف يرجع تأريخها الى العهد السومري حيث شاهدتها في المتحف العراقي ومتاحف هولندا.
اما بالنسبة للسفن الشراعية الكبيرة (المهيلات) فكانت عند توقف الرياح، تسحب بواسطة حبل يربط في مقدمتها والطرف الأخر يربط بالملاحين وهم يقومون بسحب السفينة من على ضفاف النهر وقد شاهدت ذلك لمرة واحدة فقط. وباعتقادي ان هذه الطريقة كانت تستخدم على نهر الفولكا في روسيا سابقاً.

الطرق والجسور
----------------
كانت الطرق معبده داخل التجمعات السكنية المهمة أمثال العشار والبصرة والمعقل وابو الخصيب والزبير وكانت ترتبط فيما بينها بطرق معبده وتُرِكت طرق اخرى غير معبده أمثال ما بين ابو الخصيب والفاو أو طريق بصرة و بغداد فكانت المواصلات تنقطع على تلك الطرق ايام الأمطار أو الفيضانات.

ولم يكن هناك اي جسر على نهر شط العرب فأهالي منطقه شط العرب المقابلة للعشار كانوا يجتازون النهر أما بالماطورات (الزوارق السريعة) او في الأبلام العشارية وكانت بعض الزوارق تغرق بمن عليها بين حين وآخر عند هبوب الرياح القوية وخصوصا إذا كان اتجاهها آتيا من الجنوب فتكسو شط العرب الأمواج العالية المخيفة.
وكان هناك جسر واحد على نهر الكرمة مكون من جنائب العائمة (دوب) يربط طريق بصرة بغداد من الجانبين حسب ما أتذكر.

مطار البصرة
--------------
وقد أنشئ سنه 1936 وتوجد به قطعه رخاميه تذكاريه يذكر بها ان المطار قد بني في عهد الملك غازي.

ومطار البصرة كان المطار الرئيسي في المنطقة حيث كانت تهبط به جميع الطائرات القادمة من اوربا الى الشرق الأقصى وبالعكس.

وكان به فندق وصالة انتظار ومطعم يديره طباخ سويسري كذلك مكاتب شركات الطيران المختلفة. وكانت تحيط به عدة حدائق فسيحة ومسبح. وكان من يخدم فيه يدرب بصوره جيده وبعضهم يبدأ بتدريبهم منذ سن مبكر.

وكانت هناك طائره مدنيه مائية تهبط على شط العرب وترسو امام المطار وقد سافر بها الوالد واخي كمال الى فلسطين للعلاج وقد هبطت على سطح بحيره الحبانية قبل ان تهبط على سطح بحيره طبرية في فلسطين.

وكنا نذهب الى المطار للجلوس في صالته الكبيرة لنشاهد ركاب الطائرات المختلفة المارة به وهم يجلسون به لمده قصيره خلال عبورهم به الى مختلف الاتجاهات في العالم.

والجدير بالذكر اننا كنا نتناول المثلجات اللذيذة المسماة بالدوندرمة (آيسكريم) والتي تقدم بأكواب معدنية فضية.

الكهرباء والماء
---------------
كانت دائرة الكهرباء وأجهزتها تقع في منطقه العشار غرب بنايه المتصرفية.

أما دائرة الماء وخزاناتها فكانت تقع في البراضعية جنوب العشار ومجاوره لبيتنا وكان مديرها في الثلاثينيات هندي يسكن مع عائلته بنفس الموقع وكانت تربطنا به وعائلته صداقه وكان يدعونا الى مشاهده الأفلام السينمائية التي كان يعرضها لنا.

وموقع اساله الماء هو في شمال الموقع الحالي في البراضعية.

قطار البصرة بغداد
--------------------
سبق انشاء سكه الحديد بين البصرة وبغداد انشاء سكه الحديد بين بغداد والموصل من قبل المانيا في العهد العثماني أما ما بين البصرة وبغداد فقد تم ذلك بعد دخول الجيش البريطاني الى العراق سنه 1914 لأغراض عسكريه وكانت الإدارة اولا بريطانية وبقى مدير محطه القطار في البصرة بإدارة هندي اسمه صبري حتى الأربعينيات، وقد ذكرهُ الشاعر ملا عبود الكرْخي بإحدى قصائدهِ الشعبية.

وكانت هناك سكه واحده للذهاب والإياب وكان قطار الركاب غير مكيف حيث يصل المسافر الى الجهة المقصودة وهو مغطى بالتراب.

وكانت هناك ثلاث درجات للركاب:
الدرجة لأولى مقصوره لشخص واحد ممكن تحويلها للمنام.
الدرجة الثانية مقصوره لأربعه أشخاص للمنام أيضا.
أما الدرجة الثالثة فكانت تحتوي على أرائك خشبيه للجلوس فقط.
وكانت هناك عربة للطعام وكانت نوعية الطعام والخدمات بها جداً ممتازة. وببدء الحرب العالمية الثانية أدخلت العربات المكيفة تدريجيا.

وكان القطار يغادر البصرة ليلاً ليصل الى بغداد في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي تقريباً. ويتلاقى القطاران القادمان من البصرة وبغداد في محطه السماوة.
ومن العادة عند توقف القطار في محطه المسيب، يشتري الركاب من الباعة المتجولين في المحطة القيمر (كريم) الذي اشتهرت به هاذه المدينة.

وكان اهل البصرة عند سفرهم الى بغداد يأخذون معهم الهدايا (الصوغهَ) الى اقاربهم هناك ومنها تنكات ( الصناديق المعدنية) من التمور او الأسماك البحرية التي اشتهرت بها البصرة أو طرشي ابو الخصيب أو حلاوة نهر خوز. وكانت توضع في عربه الأمانات التي تقع في نهاية القطار كذلك يحملون معهم الغذاء اللازم للسفرة (المتاع).

وسائط النقل البريه الأخرى
--------------------------
في الثلاثينيات كانت هناك لاتزال العربات تسحبها الخيول الهزيلة وكان سائقها يسمى ( العربنجي) وكان الصغار يتراكضون خلفها ويحاول البعض التسلق خلفها فإذا استطاعوا ذلك يصرخ البقيه منبهين السائق الى ذلك بكلمات (وراك وراك) وحينئذ يقوم العربنجي بمد سوطه الى الخلف لضرب الأطفال المتعلقين بمؤخره العربة .

أما السيارات الخاصة فكانت قليله العدد لا يتعدى عددها العشرات ويملكها اثرياء المدينة والأجانب ومثل ذلك سيارات الأجرة أو الحافلات التي كان جدارها من الخشب.

سيارة الوالد في الثلاثينيات مع السائق الحاج مال الله وأحد موضفي الوالد (سلمان الغصوني)

الثروة السمكية
---------------
الثروة السمكية في البصرة متوزعه على الأهوار وشط العرب وساحل الخليج وما يتفرع منه بضمنه خور الزبير.

ففي الأهوار تكثر أسماك المياه العذبة حيث يصطادها الأهالي بالفالة (رمح بنهايته معدن مدبب) أو بالشبكة أما في شط العرب فكان يستعمل (الكركور) للصيد وهو قفص من المعدن يترك في قعر النهر وبه الطعم تدخله السمكة ولا تستطيع مغادرته.

وتكثر أسماك الماء الحلو في شط العرب أمثال سمك الشبوط والحمري علاوة على الأسماك الموسمية التي تصعد من الخليج أمثال (الصبور) الذي يكثر في اوقات الربيع واحيانا كان من الكثرة ورخص الأسعار بحيث كان المزارعون يستعملونه لسماد النخيل وهو سمك كثير الأشواك ولكن اشواكه غير مؤذيه وتهضم بسهوله اذا تم ابتلاعها وكان أهل لبصره يتلذذون بأكله ويحشى بكثير من التوابل والتمر الهندي والثوم مما يؤدي اكلةُ الى العطش وضجر اكلهِ ولذلك قيل المثل "مثل الصبور مأكول مذموم". وكان ضيوفنا القادمون من بغداد يعانون من مشقه في أكل الصبور وتجنب أشواكه.

وفي فصل الصيف يكثر سمك الشانك (مشابه لسمك الشعري في دولة الأمارات) في شط العرب قادماً من الخليج العربي ويصطاد بالشص (عصا تنتهي بالخيط والسنارة) أو بواسطة (البِلدْ) وهو خيط طويل ينتهي بالطعم وبثقل يرمى بعيداً عن الشاطئ. ويصطاد سمك القرش (كوسج) خلال موسم الصيف ايضا بواسطه (البلد) ولكن بحبل غليظ و سناره كبيره. ويستعمل بعض الصيادون (السْلية) وهي شبكه ترمى على شكل دائرة محمله بأثقال معدنيه على سطح الماء فتذهب الى الأعماق فتنكمش (تغلق) حيث تتعلق بها أسماك النهر.

وأحيانا اخرى كان الأهالي يغلقون مدخل الأنهر الفرعية لشط العرب بشبكه بعد نهاية المد حيث تتعلق بها الأسماك عند حصول الجزر ومحاولتها الخروج من النهر وتسمى العملية (يسكر النهر). ويتم اصطياد سمك الصبور في فصل الربيع ويسمى الصيادين (الهيالة) حيث يمدون شباكهم الطويلة والمربوطة بزوارقهم ومثبت فيها كرب النخيل لكي تطفوا الشباك على المياه عبر شط العرب محمولة بتيار الماء الجاري، وتستمر هذه العملية لبضعة ساعات وبعدها يتم رفع الشباك مع الاسماك المتعلقة بها.

ويكثر في شط العرب في ايام الصيف سمك القرش (الكوسج) ويفترس احيانا أرجل السابحون من الصبية في النهر وكان منظر عادي أن نرى بعضهم في شوارع البصرة بأطرافهم المبتورة.

سمك الزبيدي والمزلق يصطاد من الخليج، أما الروبيان فيكثر في الخليج والأهوار على حد سواء.
وكانت تكثر على جانبي الأنهر الصغيرة السرطانات (أبو الجنيب) وكنا نستعمله كطعم لصيد الأسماك وخصوصا سمك الشانك.

الطيور
-------
كانت تمر في سماء البصرة الطيور المهاجرة المختلفة متجهه شمالاً او جنوباً حسب فصول السنه. أما في بساتين البصرة لم تكن هناك الا اعدادا قليله من الطيور وهي الحمام والغراب الملون بلون اسود وابيض والعصافير والبلابل وأحيانا الببغاوات الهندية التي تعشعش في أعالي النخيل ويمر احيانا الهدهد وطائر السنونو المهاجرة.
وكانت من آنٍ لآخر تغزو المنطقة اسراب الجراد ويأكلها الناس مشويا.
وفي الشتاء تكثر طيور النورس فوق مياه شط العرب وبالأخص حول البواخر البحرية الراسية فيه حيث تلتقط ما يرما اليها من طعام من تلك البواخر.

الحيوانات
---------
كانت تكثر في شوارع البصرة وأزقتها الكلاب السائبة والقطط وكانت الخنازير البريه تكثر في بساتين المطوعة وغيرها وكنا نسمع ليلا صياح ابن آوى الذي كان يكثر في بساتين الصالحية على الضفة الشرقية المقابلة لنا من شط العرب وفي الصحراء كان الأهالي يصطادون (الضب) وهو من الزواحف ويقال ان لحمه لذيذ.
وفي الصحراء كانت ايضا تتواجد الغزلان.

وتتواجد الثعابين (الحيايا) في الصحراء و الأهوار. وكانت العقارب تكثر في الصحراء.

أهوار البصرة
--------------
وهي مسطحات مائية واسعه يكثر بها نبات قصب البردي والذي أُستعمل فيما بعد في مصنع للإنتاج الورق شيد لاحقاً قرب قضاء القرنة.
ويعيش أهالي الأهوار يعيشون بعزله عن المدن على جزر منتشرة وبيوتهم من القصب ويربون أبقار الجاموس التي تنتج الحليب العالي الدسم ومشتقاته من الأجبان او القيمر (الكريم). كذلك تكثر في الأهوار الأسماك و أيضاً الطيور المهاجرة التي تهاجر اليها من جميع مناطق أوربا و روسيا خلال الشتاء القارس في تلك الدول.

وكانت هناك مواسم لاصطياد الطيور في الأهوار ويرتادها الكثير من هواه الصيد قادمين اليها من مختلف انحاء العالم.
ومياء الأهوار تأتيها من نهري دجله والفرات والكثير منها مشتركه بين لواء البصرة والناصرية.

وفي منطقه الأهوار الكثير من المناطق الأثرية للمدن السومرية والأكدية ويتم تهريب الآثار احيانا من تلك المناطق الى المتاحف العالمية المختلفة بالرغم من تشديد القوانين عليها.

ألمناخ
البصره اتصفت بمناخ بارد شتاء وحار صيفا, ودرجه الحراره شتاء قد تصل الى الصفر ’وشتاء تجتمع عائلتنا حول موقد النار ويسمى البخاري وبه يشعل الفحم الحجري ويستعمل الأهالي المنقله المحمله بالفحم الملتهب و استعملت ايضا المدفئات النفطيه وتسمى بالصوبه ..وفي فصل الشتاء تكثر الرياح والأمطار اما في الصيف فالجو حار ورطب وقد تصل الحراره الىما أعلى الخمسون درجه مؤويه..
والجو يتأثر باتجاه الرياح, فالشماليه منها قد يكون مصدرها البحر الأبيض المتوسط أو هضاب تركيا او سيبريا أما الجنوبيه وهي عاليه الرطوبه تصل اليها من الخليج والهند أو منخفضات البحر الأحمر أو شرق أفريقيا.

آثار البصرة ومعالمها
---------------------
البصرة هي اول مدينه عربية بنيت عند فتح الجيوش الإسلامية للعراق وبنى الأمام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه جامع الزبير كما اسلفت شرق مدينه الزبير الحالية وبجنبه دار الخلافة ولا يزال هذا الأثر موجود حتى الأن وحوله بنيت مدينه البصرة ويكتشف المنقبون الأثريون بيوتها القديمة حتى وقتنا هذا وتشاهد في المنطقة قطعات الآجر المنتشرة على السطح ولمسافات كبيره وقرب المسجد.

وفي منطقه الزبير وقرب المسجد كانت موقعه الجمل حيث استشهد بها الصحابي الزبير ابن العوام رضي الله عنه ويوجد ضريحهُ في جامع الزبير وسط مدينه الزبير أما ضريح طلحه فيوجد حيث دارت المعركة قرب جامع الأمام علي رضي الله عنه ويقع قرب الطريق الواصل بين البصرة والكويت.

وتوجد في الزبير مقبره اهل السنه وبها ضريح الأمام حسن البصري وفوق الضريح يوجد برج صغير مخروطي الشكل سلجوقي العمارة مشابه ما هو موجود في بغداد في مقبره الأمام الغزالي في الرصافة ومقبره الشيخ معروف في الكرخ.

وفي البصرة أضرحه كثيره اخرى منتشرة في أنحاء مختلفه من المدينه وبعضها يقع على جانب طريق العشار ابو الخصيب ومنها ضريح الجوزي والسراجي وخليفه ابن علي قرب قريه البراضعية ونهر الخورة وغيرهم واترك الى علماء الآثار شرح ذلك.

مكتبات البصرة
---------------
كانت هناك في الأربعينيات مكتبه حكومية واحدة أما المكتبات الأهلية الخاصة فأهمها كانت مكتبه عائله باش أعيان في البصرة وكانت تظم الكثير من المخطوطات العربية من العهد العباسي وكان المحامي محمد خان بهادر يحتفظ أيضا بمكتبه هامه في بيته وسبق ان شاهدتها بنفسي.

وكانت هناك مكتبات لبيع الكتب والمجلات اهمها مكتبة فيصل حمود في البصرة القديمة ومكتبة عبدالحميد في سوق المغايز في العشار. ومن مجلات ذالك الزمن الهلال والمصور والرواية والأثنين وكلها مصرية.

ألفيضانات
كانت الفياضانات تحدث في فصل الربيع فتغمر المياه القادمه من شط العرب أراضي واسعه من البساتين أو الصحراء األمجاوره لأيران أو ألمملكه السعوديه والكويت أو الأهوار مما يحدث أنقطاع المواصلات مع العماره أو الفاو وأحيانا حتى الزبير فكنت أشاهد المياه تغطي جانبي الطريق بين البصره والزبير ..ويكثر خلال ذالك تواجد البعوض وينتشر مرض الملاربا بين السكان.
وقد عمل الوالد سد ترابي خلف بساتينه الواقعه على نهر الصالحيه لتمنع المياه القادمه من الشرق من الحدود الأيرانيه عن بساتينه.

الجزء الرابع - أحداث اجتماعية

وفاه الملك فيصل الأول
-----------------------
من أوائل ذكرياتي كانت وفاه الملك فيصل الأول في اوائل الثلاثينيات من القرن الماضي حيث اتذكر معالم الحزن التي عمت على المدينة وخرجت المظاهرات تندب الملك الفقيد ومن الأهازيج التي اذكرها حتى اليوم كانت تردد (مات وتهنى بموتته، حره وشريفه موتته). ويذكر المؤرخون حتى يومنا هذا فضل الملك فيصل الأول على تحديث العراق وجمع الطوائف المختلفة في اتجاه واحد وهو نمو وتحديث بلدهم وكان الملك فيصل يتمتع بثقافه جيده حيث درس ونشأ في إسطنبول أيام الحكم العثماني.
وحاول الملك فيصل تحسن العلاقات مع الدول المجاوره فزار تركيا وأيران لهاذا الغرض واجتمع بالمغفور له الملك عبد العزيزالسعود وكان أحد أقاربي وهو ألحاج ياسين الخضيري أحد من حضر ذالك الأجتماع وروى لي أحد الأقارب أنه في أنتظار وصول الملك عبد العزيز كان يدخن سيكاره وفوجىء بقدوم الملك فرمى سيجارته حث كان يمنع التدخين في المملكه ولاكن الملك ابتسم واخبر الحاج ياسين أننا نمنع التدخين في المملكه حتى لايبذر الفرد ماله في ذالك.

ذكرت الأميره بديعة في مقابله تلفزيونيه أن ألحاج ياسين الخضيري أستضافهم في قصر يطل على نهر دجله مجور لبيته في شارع الرشيد ببغداد واعتقد انه بيت اخيه عبد القادر.. 

والمعروف ان ا لحاج ياسين الخضري جمعته صداقة بالملك فيصل الأول واخيه الملك علي والكثير من الساسة العراقيين أمثال ياسين الهاشمي وذكر طه الهاشمي في مذكراته أن الحاج ياسين الخضيري كان يدير أملاك ياسين الهاشمي عندما ألتجأ الى سوريا بعد أنقلاب بكر صدقي ثم توفى في دمشق .
وهناك قصه طريفه رواها لي رئيس التشريفات الملكية السابق تحسين قدري عندما كان لاجئا في سويسرا وهي كما رواها لي وكنت قد سمعتها قبلا من الأقارب:—

كان وجهاء بغداد يضعون على رؤوسهم الطربوش التركي وكان يسمى بالفينه فاستبدلها الملك فيصل بالسداره أو الفيصليه ورفض الحاج ياسين ارتداء الفيصليه لاعتزازه بطربوشه الذي كان ذكرى للعهد العثماني ..فدعى الملك فيصل الحاج ياسين لوليمه عشاء وطلب من تحسين قدري أن يقدم له السداره موضوعه على طبق من الفضه على أنها هديه من الملك ويرغب منه ان يهدي الملك طربوشه مما أحرج قريبي الحاج ياسين ذالك وتقبل ان يضع السداره على رأسه بدل الطربوش الذي اهداه للملك

الملك غازي
------------
يجمع المؤرخون ان الملك غازي كان له شعوره الوطني واحلامه في مستقبل افضل للعراق وإنه لم يصل الى اهدافه.

وفي اواخر الثلاثينيات أنشأ في قصر الزهور في بغداد محطه أذاعه (راديو) وكانت تذيع الأناشيد الوطنيه ورغبات الملك وتطلعاته وكانت علاقته متوترة مع السفارة البريطانية في بغداد وكنا نحن الشباب نراه كمثلنا الأعلى لنيل أهدافنا. ومن هوايات الملك غازي قياده السيارات السريعة وقيادة طائرتهِ المسماة بالنسر الذهبي بنفسه.

وقد زار البصرة قبل وفاته بمده قصيره في منتصف الثلاثينيات وقد تجمعنا مع طلاب المدارس الأخرين في الشارع المقابل لشارع المغايز فظهرت في السماء طائره الملك (النسر الذهبي) وهي ملونه بلون اصفر ذهبي وبعد هبوطه في مطار البصرة شاهدنا موكب الملك يمر من امامنا بسيارة مكشوفه وهو يقف عليها ويضع امام عينيه نضاره سوداء قاتمه يحيي الجماهير المصطفة على جوانب الطريق.

وبعد مده سمعنا بمقتل الملك مما أثار شعور الشعب بالغضب والحزن، وكان الاعتقاد السائد انه اغتيل بسبب مواقفه المتشددة في السياسة.

وفاة السياسي ياسين الهاشمي
-----------------------------
بعد قيام الانقلاب العسكري بقيادة بكر صدقي، التجأ السياسي ياسين الهاشمي الى الشام حيث توفى ودفن في دمشق.
واقيم له بعد وفاته مأتم كبير في سينما الحمراء في البصرة حضرتهُ وتكلم به الكثير من شخصيات البصرة عن ذلك السياسي الذي ترك بصمه خاصه به على سياسه العراق.

زيارة أحد شيوخ الأمارات
--------------------------
في نهاية الثلاثينيات زار أحد شيوخ الأمارات (وقد يكون المغفور له الشيخ شخبوط) مدينة البصرة واحتفلت الحكومة بزيارته واقيمت له حفله استقبال ليتعرف على رجال الحكومة ووجهاء المدينة وحضرها والدي. واخبرنا والدي بأن الشيخ كان يستقبل الضيوف بوجه مبتسم وبترحاب عربي كعادتهم في ذلك الوقت.

زيارة ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير سعود
----------------------------------------------------
زار في أواخر الثلاثينيات المغفور له ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير سعود البصرة وكان طويل القامه مهيب الطلعه ويرتدي الملابس العربيه ورأيته يمر بالسيارة متوجهاً الى دار المتصرف في العشار حيث أقام. وقد أنتظرت ذالك لمده طويله على جانب الطريق لأرى ذالك المشهد

زيارات رجال الدولة العراقية البصرة
-----------------------------------
كان نوري السعيد وياسين الهاشمي وغيرهم من رؤساء الوزارات العراقية يزورون البصرة من حين لأخر فيتسابق وجهاء البصرة لدعوتهم لمآدب الغداء والعشاء وكان والدي ينتقد اهالي البصرة لأنهم لا يطلبون شيء لمدينتهم بعكس اهالي الموصل الذين كانوا يكثرون من طلباتهم لتحسين مدينتهم عند زياره رجال الدولة لها.

نوري ألسعيد
--------------
في بدايه الأربعينيات زار نوري السعيد البصره بزياره خاصه وكان ذالك في شهر رمضان.. واتصل بوالدي وطلب زيارته بعد الفطور لما كانت لنوري السعيد م علاقه وديه مع قريبنا الحاج ياسين .

وكان من عاده الوالد الأستماع ألى ألنشره الأخباريه لأذاعه برلين لتتبع أخبارالحرب .. وكان الأستماع ألى هاذه الأذاعه ممنوع في المحلات العامه حيث كان المذيع يونس بحري يقذف الشتائم ألى الوصي عبد الأله ونوري السعيد ويعطي الوعود والأمال الى الشعوب العربيه.

أنتظار لوصول نورالسعيد طلب من اخي أن ينتظر وصوله في ساحه القصر وتحذيرهم عند وصوله حيث كان قد حان وقت أذاعه الأخبار من برلين.. وحدثت المفاجئه حين دخول نوري السعيد الغرفه وهم يستمعون ألى برلين حيث لم يقم المرحوم أخي كمال بما عهد أليه.. فاظطرب وخجل الحاظرون وأغلق عمي هاشم الراديو قائلا أن أحد الأطفال فتح الراديو سهواعلى أذااعه برلين.. وذالك خجلا من نوري السعيد الذي كما ذكرت كان مستهدفا من تلك الأذاعه.. فضحك السياسي الداهيه وقال انت ايضا استمع ألى أذاعه برلين.. حيث انني منعتها عن الجاهل الذي يصدق على كل ما يقال.. بينما على الذكي العالم ان يتتبع جميع الأذاعات حتى يعلم الحقيقه وأنها ليست ممنوعه على أمثالكم.

طرفه تاريخيه
أخبرني المرحوم الدكتور عبد الرحمان جيجان بما يلي .
أنه كان طالبا خلال الحرب العالميه الثانيه في ألمانيا...وكان يعمل عمل اضافي في أذاعه برلين العربيه حيث يطبع النشرات الأخباريه وغير ذالك ليذيعها المذيع يونس بحري.

وبعد الحرب العراقيه البريطانيه لسنه 1941 ولجوء رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني ألى برلين حددت له مقابله مع هتلر وكان من المفروض أن يحضرها ويقوم بالترجمه السفير الألماني السابق في بغداد غروبا ولكنه كان لا يزال في أسطمبول فكلف يونس بحري والدكتور عبد الرحمان جيجان لحضور المقابله والترجمه. فتمت حسب قول الدكتور عبد الرحمان مقابلتان بين رشيد عالي الكيلاني وهتلر وكانت أحدى المواضيع طلب هتلر ان يذيع رشيد عالي الكيلاني طلب الى العراقيين والعرب الأنضمام الى مساعده الجيش الألماني أو الأنخراط بقوة تشكل لهاذا الغرض مقابل وعد ألمانيا له بتحرير الدول العربيه واستقلالها التام وطلب رشيد عالي ان يقدم له هتلر وعد تحريري بذلك ولكنه رفض واستطرد بانتي لست بحاجه لذالك لأن الجيش الألماني هو في طريقه لحتلال جبال القفقاس الروسيه وسيصل ألى بغداد قريبا وانتهت المباحثه بذالك

وسألته عن أنطباعه عن هتلر فقال رجل قوي الشخصيه متوتر الأعصاب يحاول السيطره على عصبيته بصعوبه.

وقصه طريفه أنه بنهايه الحرب تشرد هو وزميله يونس بحري وسمعوا أن قائد قوه الحلفاء ألقائد عمر برادلي ومقره في مدينه هايدلبرك الألمانيه فذهبو أليه ليساعدهم في محنتهم..فضحك وقال لهم انكم تعتقدون بأنني من أصل عربي..والحقيقه أن ليست لي صله بالعرب وأنما أنا ولدت في ألأسكندريه ووالدي أمريكيان وأحب والدي أن يسميني بهاذا الأسم وليس لي أي جذور عربيه ومع ذالك فسأدعكم تتناولون الغذاء في مطعم الجيش واستمر ذالك الى حين مغادره الجنرال برادلي لمركزه وبذالك انتهت الوجبات الغذائيه لهم.

أحداث سياسيه واجتماعيه عاصرتها
-----------------------------------
عند احتلال العراق بعد الحرب العالمية الأولى كانت هناك مدرستان بريطانيتان تحاولان دراسة كيفية حكم البلد أولاهما المدرسة البريطانية في الهند التي كانت تحاول تطبيق الأستعمار البريطاني في الهند على العراق والأخرى المدرسة البريطانية في مصر التي كان رأيها مختلف في كيفيه حكم العراق ومن هؤلاء كانت المس بيل وعبد الله فلبي اللذان ساندا إقامة الملكية وحكم الملك فيصل الأول.

وبعد ثوره العشرين في العراق أخذت بريطانيا القرار بالرأي الثاني وأخذ البلد يتجه تدريجيا الى الحكم الذاتي ثم الاستقلال التام.

وكنا في الثلاثينيات نشعر بشده لحب الوطن ونتحمس لكل مطالب الاستقلال التام ونطالب بتحرير فلسطين وفي نهاية الثلاثينيات بدء في المدارس نظام الفتوه حيث كنا نلبس ملابس خاصه من قماش الخاكي ويدربنا احيانا ضباط من الجيش على فن المسيرة والنظام العسكري ونحمل الرماح الخشبية وكنا نحلم (خطأً) ان المانيا وهتلر سيقومان بتحرير فلسطين ومسانده الدول العربية في استقلالها التام وكانت هناك الكثير من الأناشيد الحماسية أمثال (يافتوه هيا للجهاد) و (يا أوربا لا تغالي لا تقولي الحرب طال سوف تأتيك الليالي نورها نور الحراب).

وكانت اذاعه برلين ومذيعها يونس بحري تلهب الشعور الوطني في نفوسنا. حتى حدث ما حدث في اول مايس سنه 1941.

حرب رشيد عالي الكيلاني أو حرب مايس 1941

---------------------------------------------------
بدأت العلاقات البريطانية وحكومة رشيد عالي الكيلاني ويسندهُ القواد العسكريون الأربعة بالتوتر في الأشهر الأولى من سنه 1941 وقبل الحرب بأسابيع دخلت شط العرب اكبر بارجه عسكريه بريطانية (سبق وان دخلت النهر) ورست أمام منطقه العشار وكانت تحمل طائره مائية تحلق بين حين واخر فوق المدينة وكانت تلك البارجة تناور بمدافعها باتجاه المدينة.

وفي نهاية شهر نيسان شاهدنا باخرتين لحمل المسافرين وهما تسيران من امام بيتنا محمله بالجنود الهنود الذين كانوا يلوحون لنا بالتحية بمناديلهم البيضاء. وكانت في البصرة لا تزال هنالك قاعده جويه بريطانية وهي قاعده الشعيبة.

وفي فجر أحد أيام شهر مايس 1941 سمعنا طلقات الرصاص في منطقه العشار واتضح ان الجيش البريطاني كان يقوم باحتلال منطقه العشار وكانت هناك مقاومه بسيطة من قبل مركز الشرطة في العشار وكان الجيش العراقي قد انسحب من المدينة حسب اعتقادي وتلى ذلك أعمال النهب والسلب في سوق المغايز في العشار ولم يحدث مثل ذلك في منطقه البصرة القديمة حيث كان الشيخ صالح باش اعيان لديه من الأتباع المسلحين ما يكفي للحفاظ على أمن المنطقة كما اشيع في وقته.

وبعد انتهاء الحرب التي طالت نحو الشهر حكم البريطانيون المدينة حكماً مباشر. وكان في البصرة خبير بريطاني زراعي في احدى الشركات البريطانية والذي عُين كمستشار عسكري بريطاني في البصرة وهو في الحقيقة كان كحاكم عسكري فعلي واسمه الميجر داوسن.

وشعرنا بمهانه الاحتلال مع الأسف وتبخرت كل احلامنا آن ذاك.

البصرة خلال الحرب العالمية الثانية

-----------------------------------
بعد احتلال البصرة سنه 1941 كثرت أعداد جيوش الحلفاء المارة بها وكان الجنود من مختلف الدول يتجولون في شوارعها.
ومدت سكه حديد بين البصرة ومدينه الأهواز الإيرانية لتوصيل المعونات العسكرين القادمة بحراً الى البصرة وتمريرها الى الجيش السوفيتي وكنا نشاهد البواخر الراسية أمام بيتنا وهي محمله بالطائرات المغلفة والذخائر الحربية الأخرى.
وبني جسر خشبي على شط العرب أمام مطار البصرة وفوقه سكه الحديد التي ذكرتها أعلاه.

وخلال سنوات الحرب كان الأهالي يشعرون بوطأة الغلاء وبدأ في العراق نظام التموين. وتوقف بعض التجار عن اعمالهم أمثال والدي بينما اثرى غيرهم ثراءً فاحشاً خلال تلك المدة وكان يطلق عليهم لقب أثرياء الحرب.

الختام
------
اختتم ما كتبته عن مدينه البصرة العريقة لحقبه الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي ذاكراً وأنا من اهلها اعتزازي وامتناني لما قدمت لي تلك المدينة العظيمة وأهلها الطيبين من رفاهيه العيش وانا سعيد بانني استطعت كطبيب اخصائي بأمراض الأطفال أن أقدم لجيل من اطفالها وخلال سنوات عديده كل ما تعلمته في دراستي في سويسرا وعملي بمستشفياتها من علاج طبي مما أعتز به اليوم متمنيا لأهل البصرة ما يستحقونه من سعادة وتقدم.
 

سلامة الفكرِ تكون بسلامة منهج التفكير

صادق جواد سليمان

الفكر في رُقيه لا يملك إلا أن يكون نبيلا

عالم الفكر ليس عالما راكدا وإن بدا أنه راكد إزاء ما نشهد من صخب عالم الحركة. في عالم الحركة يوجد كثير من زبد، وأقل من ذلك مما ينفع الناس. بمعنى آخر، قليل من الحركات الصاخبة يكون وراءها فكر نير، وحيث الحركات لا تنبثق من فكر نير، ولا تندفع بهديه، تكون أدعى إلى الإخفاق، وبالنتيجة أدنى أن تضير عوض أن تفيد. من هنا نرى أن كل وضع تقليدي راكد متمترس يخشى أثر الفكر النير الذي يتحداه أكثر مما يخشى صخب الحركة التي تنازعه. ذلك أنه إذ يستطيع مواجهة أيما حركةٍ بحركة أقوى، وأن يقابل أيَما عنفٍ بعنف أشد، فإنه لا يسنطيع مواجهة فكر إلا بفكر أرقى، وهو ما هو منه فقير.
تاريخ الفكر هو تاريخ الإنسان منذ أن وعى الإنسان على نفسه ومحيطه. الحضارات عامة، في انطلاقاتها الفكرية الأولى، أودعت أفكارها في صياغات دينية. جميعها في مسعاها لأجل فهم الذات، والكون، والسنن السارية في الكون، تعاملت مع الوجود بفكر متهيب من المجهول، الأمر الذي جنح بها نحو تأويلات غيبية في قراءة الطبيعة وتمظهراتها، في استقراء نشوء الحياة على الأرض وتطور أجناسها، في فهم وضعية الإنسان ضمن حراك الحياة، وفي تخيل مآل الإنسان بعد الوفاة.
إلا أن الفكر الديني، بعد ردح من الزمن، أمام تراجع اقتناع الناس بشروحاته الغيبية، لم يجد مناصا من أن يطرق باب المعرفةِ العلمية، فطرقه لكن بشديد حذر. في ذلك، بانتقائية غير عابهة كثيرا بمعيار المنهج المعرفي، صنع الفكر الديني سندا كلاميا زاخرا لتبرير تأويلاته - سندا متناغما مع المعرفة العلمية حيثما ناسبه، ومتفاديا التصادم مع مخرجاتها ما أمكنه. بذلك تصالحت الديانات مع المعرفة العلمية، لكن بارتياب مستتر، بعد أن كانت قد خاصمتها جهارا لأمد طويل، وتعاملت مع رادتها من العلماء والفلاسفة بإجحاف وإيذاء.
الفكر هو ما نشعر به بوجودنا، ونهتدي به إلى وجود ما حولنا، قريبه وبعيده، ظاهره وباطنه. هو ما ننطلق منه في تعاملنا مع كافة أمور الحياة، وما نحاول استنباطا به فهم خفايا الوجود. فإن كان فكرا سليما جاء نظرنا وأداؤنا سليما وفق نسقه، وإن كان فكرا معتلا جاء نظرنا وأداؤنا معتلا على شاكلته. من هنا ضرورة أن نحرص دوما على سلامة التفكير، وذلك باجتناب جميع مشوهات التفكير، أكانت عضوية الأثر، كمواد السكر والتخدير، أو نفسية الوقع، كالانفعالات التي تخرج المرء عن طور الرشاد، كما الغضبِ والغرور والحسد وكراهية الآخر ونزعة الانتقام، وكما الخوفِ والطمع والأثرة المجحفة بحقوق الآخرين.
هل يمكن تشخيص عناصر التفكير السليم؟ نعم يمكن: عناصره، على ما أرى وضوحا، ثلاثة: المعرفة العلمية، المنطق العقلي، الضابط الخُلقي. من ترافد هذه العناصر الثلاثة، وتلازمها، يتشكل المنهج المعرفي، الصائنُ سلامةَ التفكير.
لننظر مليا في كل من هذه العناصر الثلاثة.
العنصر الأول في المنهج المعرفي هو المعرفةُ العلمية ذاتُها، أي الإحاطةُ بالشيء أو الأمر الذي نتعامل معه إحاطة موضوعية. المعرفة في سياق تبلورها التاريخي نتاجٌ إنساني مشترك، تداورت على بلورته الحضارات من خلال تقابس متبادل مستدام. مضمار المعرفة مفتوح أبدا أمام الاستنباط: تحققا، وتوسعا، وتعمقا، في كافة المجالات. في عصرنا المعرفة تتضاعف أسياً في الرصيد الإنساني، بفضل أبحاث جادة وجريئة يقوم بها باجتهاد دائب علماء أجلاء من مختلف الأمم. في عصر سلف كان للأمة العربية الإسلامية شأن معرفي مشهود حين أنتج علماؤها وفلاسفتها أبحاثا معرفية رائدة على امتداد عدة قرون. ثم إذ انحسر المد المعرفي العربي الإسلامي أمام ممانعة أهل الكلام، تلقفت نتاجَه بعد حين أمم الغرب. بعملية اقتباس نشط وغزير، ثم باجتهاد ذاتي متواصل، بنى الغرب تراكميا الصرح المعرفي الذي من رحمه انبعثت الحضارة التي نعيش معطاها الثر في عصرنا مدار الأرض.
ثاني عناصرِ المنهجِ المعرفي، الصائنِ سلامة التفكير، هو المنطق العقلي. بالمنطق العقلي نتعامل مع التعالقات بين الأشياء والأمور: به نربط بين العلة والمعلول، بين السبب والأثر، بين التنظير والتجريب، بين الاستقراء والاستدلال، وصولا إلى اكتشاف الأوفق من الإمكانات المودعة في الطبيعة، واستنباط الأمثل من الخيارات المتاحة للإنسان لأجل حفظ ذاته، إنماء وعيه، وتدبير معاشه. بصرامة ذهنية، وبموضوعية لا تساوم، يبين المنطق العقلي الواقعَ كما الواقع عليه، فلا يدع مجالا لبناءات ظنية، أو شطط، أو تورية، أو تحريف. بالمنطق العقلي نُبطل تأثير الرضا والسخط، فلا تعود عينُ رضانا كليلة عن كل عيب، ولا عينُ سخطنا كفيفة عن كل فضل.
بالمنطق العقلي ندرك أن في أيما مجتمع، الظلم يؤدي إلى اضطراب سياسي فتفكك اجتماعي. التمييز بين الناس على أساس نسب أو جاه أو مال أو موقع سلطوي يخل بكرامة الإنسان. تفشي الجهلِ والفقر يكرس التخلف ويزيد المعاناة. التعصب، دينيا كان أو طائفيا أو قبليا، يولد الفرقة والخصام. ليكن لأيما مجتمع أيُما دين أو ثقافة أو عرق، أو موطن، إذا ارتضى تحكمَ هذه العواملِ السلبية في شأنه، فليس له أن يلوم سوى نفسه إذا تعثر سيره وتردى حاله، وانقطعت عليه سبل استدامة الأمن والنماء.
في المقابل: بالمنطق العقلي ندرك أن في أيما مجتمع العدل يؤدي إلى استقرار سياسي ووئام اجتماعي. المساواة بين المواطنين تعزز الانتماء للوطن وتحفز على خدمة الصالح العام. رسوخ شورى صادقة يوطد قاعدة المساءلة ويقي من مفاسد الاستبداد وشرور التسلط. نشر العلم واليسر المعيشي يخلق النماء ويثري خبرة الحياة. ثبات الوسط الوطني يستجمع الطاقات من كافة الأطراف وبتظافرها يمكن من انتهاض حضاري. هنا أيضا، ليكن لأيما مجتمع أيما دين أو ثقافة أو عرق، أو موطن، إذا حافظ على هذه العواملِ الإيجابية في خبرته، فإنه يشهد تطورا للأحسن ويجد ميسورا أمامه استدامةَ الأمن والنماء.
بالمنطق العقلي ندرك أن المباعدة بين المسؤولية والمساءلة تعطب أداء كل منهما، فلا المسؤولية تنجز بشكل صحيح وأمين، ولا المساءلة تمارس كما ينبغي أن تمارس لأجل تقويم الأداء وترشيده. ذلك أنه حيثما تحصر المسؤولية العامة في شخص، أو في نفر معين، دون طائل مساءلة، يحدث خلل في النظام العام، وتباعا يحدث صدع في الاستقرار السياسي ومن ثم بالوئام الاجتماعي. فإذا طالت هذه الحال فإنها تستولد ظاهرة الاستبداد التي، كاستتباع منطقي، تستولد ظاهرة الفساد.
احتراسا من حدوث هذا الخلل، لجأت الشعوب في عصرنا إلى أنظمة ديمقراطية تعمل بمنهاج المشاركة العامة مؤسسيا في إدارة الشأن العام. لأجل ذلك هي فرعت سلطة الدولة إلى سلطات رئيسة ثلاث: سلطة تشريعية، سلطة تنفيذية، وسلطة قضائية. ثم إنها فاصلت بين هذه السلطات، كيلا تتفرد أية منها بالقرار الوطني. من هنا نجد الدساتير العصرية عبر العالم تتبنى مبدأ المفاصلة والمشاركة معا بين السلطات الثلاث، وذلك بمنهاج متوازن محكم، مؤصَل دستوريا ومفصل تشريعيا باتساق مع الدستور.
بالمنطق العقلي ندرك أنه حيثما الشعب ينتخب من يرى في مواقع المسؤولية، فإنه يتحمل تبعة اختياراته. عندها لا يكون له أن يؤاخذ إلا نفسه إذا لم يحسن الاختيار. مع ذلك، تبقى للناخبين سلطة تصحيح الوضع بعزل المسيء أو المقصر، أو تبقى لهم فرصة انتخاب شخص أنسب في دورة لاحقة. بمثل هذه الممارسة الدستورية تنضج خبرة الشعوب ويصوب الاجتهاد الوطني في تطوير الأمور وتصحيحها حيثما يلزم. بتعطيل هذه الممارسة الدستورية يُعطل على الشعب التمرسُ في عملية إنتاج حوكمة رشيدة.
ثالث عناصر المنهج المعرفي الصائنِ سلامةَ التفكير هو الضابط الخلقي. الضابط الخلقي يرشد الغاية والوسيلة معا، وبذلك، يدفع الفرد والمجتمع سويا للارتقاء. مسعى الارتقاء كثيرا ما يتعرض لمزالق الهوى والحمق. الضابط الخلقي يحصن المسعى بتوطيد مبادئ العدل، والمساوة، وكرامة الإنسان، والشورى: المبادئُ الأربعة المؤصَلةُ قرآنيا، والتي منها تتفرع جميع حقوق الإنسان عالميا، ومنها تستمد، أو يجب أن تستمد، حقوقُ المواطنة في كل دولة. ذلك أنه حيثما توفى حقوق المواطنة توفى حقوق الإنسان، والعكس صحيح. من بعد ذلك، الضابط الخلقي يلزمنا بالصدق دوما، وباللاعنف ما أمكن: الثنائيُ الذي برهن مهاتما غاندي نضاليا في الهند نجاعة تأثيره في إحقاق الحق وإزهاق باطل عنيد.
الضابط الخلقي هو بمثابة جرس أودع في ضمائر البشر ليحذر من مغبة كل جنوح لعمل آثم أو تصرف مشين لا يليق بالإنسان كمخلوق كريم. فإن جافى المرء ضميره وأجرم عاد الضمير ليلومه ويقلق مضجعه حتى يكفر عن جرمه ويتوب. في ذلك رحمة، كي لا يستمر المرء في غيه فتتراكم تبعات إثمه، بل أن يتدارك ويصحح سريعا ما يكون قد بدر منه من خطأ أو تقصير.
في قناعتي، أيُما فكر لا يستند إلى المنهج المعرفي بعناصره الثلاثة مجتمعة، أي أنه لا يستند إلى المعرفة العلمية عمليا، لا يستقرء الأمور بالمنطق العقلي نظريا، لا يحتكم إلى الضابط الخلقي مرشدا عمومَ النظر والأداء، هو فكر غير قويم، أمورس على صعيد شخص أو جماعة، أو مورس في سياسة دولة أو من منظور دين.
بما وعيتُ عن الشأن البشري أستبنتُ أن ما يَصلح وينمو به حال فرد، يَصلح وينمو به حال أمة، وبما يَصلح وينمو به حال فرد وأمة، يَصلح وينمو به حال جميع الأفراد والأمم، بصرف النظر عن فارق دين، أو عرق، أو جنس، أو ثقافة، أو موطن. سنة الله قسطاس مستقيم: لا تحابي أحدا ولا تجافي أحدا. كما نزرع نحصد. لا عمل يصدر منا إلا ويرتد أثره علينا: خيرا بخير، وشرا بشر، هنا في هذه الحياة. فإذا شكرنا شكرنا لأنفسنا، وإذا أحسنا أحسنا لأنفسنا، وإذا ظلمنا ظلمنا أنفسنا، وإذا كدنا بالمكر السيء حاق بنا المكر السيء – تلك بصائر من الفكر النير للناس كافة نتدبرها في القرآن المجيد.
أخيرا، أفكارا ستة أوجزها كتلخيص لما يؤدي إليه العمل بالمنهج المعرفي – أفكارا أجدها مؤكدة في المعطى الحضاري العربي الإسلامي، ومؤكدة في الفكر الإنساني النير، بسواء: أفكارا أرى أنها بقدر ما تستقر في وعي الإنسان ووجدانه، فيفعلها في عموم نظره وأدائه، تصنع له حياة طيبة موفورة النعم، ظاهرة وباطنة. بمثل ذلك هي تصنع للمجتمعات عبر العالم، إذا هي عملت بها - حياةً مهيئة لانطلاق إنساني رشيد ونبيل.
*الفكرة الأولى هي فكرة وحدة الإنسانية: أن ما هو موحَد فطرة بين الناس أعم وأهم مما هو متفاوت ظرفيا بينهم.
*الفكرة الثانية هي فكرة الحرية: الحرية ليس بالمطلق، وإنما بالقدر الذي لا يضر بالآخر، شخصا كان أو جماعة، وكحرز أمان ضد الاستعباد.
*الفكرة الثالثة هي فكرة المساواة: أن القيمة الإنسانية في جميع الناس متساوية، وأن التفاوت بينهم يكون بالقيمة المضافة، أي تلك المكتسبة بجهد شخصي.
*الفكرة الرابعة هي فكرة العدل: أن كل تعامل بين الناس يجب أن يكون بميزان العدالة، على قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
*الفكرة الخامسة هي فكرة كرامة الإنسان: أن لا يهان الإنسان أو يدان في ذاته، إنما يدان جرمه، فيعاقب عليه بما يتناسب مع خطورة الجرم.
*الفكرة السادسة والأخيرة هي فكرة الشورى الممكنة من المشاركة العامة مؤسسيا في تقرير الأمر العام، والرابطة بين المسؤولية والمساءلة، ومن ثم الواقية من توأم الاستبداد والفساد:
بهذه الأفكار المثلى على مر العصور ذكر الأنبياء، إليها ندب الحكماْء، عليها قامت الحضارات: وبهديها جرى تطور الإنسانية على مسار النماء المعرفي والمكنة العملية، وأكدت مكارم الأخلاق.
ختاما، بما أن هدف ملتقاكم التنموي هذا هو إنماء الفكر النير، الفكر الممكن من الارتقاء الحضاري، إذن ثابروا حثيثا على حض مفكرينا داخل الوطن، وعبر الوطن العربي الكبير، وحض نظرا ئهم من المفكرين في سائر الأمم، ليبث الجميعُ وسط الشعوب أفكارا تنبذ العنف، ترفض الاستبداد، تميت الفساد، تعمل بمبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشورى، وتحتكم إلى المنهج المعرفي في التدبر الفكري والتدبير العملي.
ما عرضتُ عليكم هي منظومة أفكار صميمة تنشد تحقيق الصلاح والنماء في الحراك الإنساني في كل زمان ومكان. وهي أفكار تتسق مع ما يطمح ملتقاكم التنموي هذا إلى تحقيقه: إحياءً لكل أثر حميد، ومعاصرةً لكل تطور رشيد. هي، لذلك، أفكار جديرة بأن يتمحور اهتمام العالم حولها، ويتواصل سعي الأمم والشعوب في تفعيلها: في دساتيرها، في تشريعاتها، وفي مسلكياتها السياسية الاجتماعية. ذلك أنها، في المؤدى الأخير، أفكار تتحقق بها إنسانية الإنسان عروجا للأوفى والأمثل باطراد.
بورك مسعاكم، وحبيتم توفيقا بالله في جميع الأمور**
--------------
كلمة في ندوة " الفكر والمفكر بين الإحياء والمعاصرة " - الملتقى السنوي التنموي السادس لطلبة مؤسسات التعليم العالي جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عمان 31 مارس 2014
 

مستقبل علم الاجتماع في العراق: التحديات وآفاق الحل

أ. د. لاهاي عبد الحسين *

مقدمة:

دخل علم الاجتماع كفرعٍ مهم من فروع المعرفة الإنسانية الى المؤسسة الأكاديمية العراقية أولاً من خلال بوابة كلية الآداب، جامعة بغداد عام 1954، ليظهر كقسمٍ علمي جذاب وممتع ومفيد. وسرعان ما أجتذب القسم الناشئ الفتي أعداداً متزايدة من الطلبة المريدين والراغبين والطامحين على السواء، وانضم اليه عدد من التدريسيين اللامعين الشباب ممن كوّنوا لبنة علماء الاجتماع في العراق من أمثال علي الوردي وعبد الجليل الطاهر وقيس النوري ومتعب السامرائي وتبعهم آخرون. أما وقد أتم القسم عامه الستين فأنّ من المتوقع أنْ يبرز أكثر رسوخاً وقوة وانتشارا إلا أنّ واقع الحال لا يشير الى ذلك. فالأغلبية الساحقة من الطلبة المقبولين في السنة الأولى في أقسام علم الاجتماع في مختلف الجامعات العراقية الحكومية في الغالب[2]، تظهر سمات السخط والقنوط لقبولهم هنا، حيث يوزع الطلبة مركزياً من قبل دائرة التوزيع المركزي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ويستسلم البعض الآخر لواقع الأمر كمن رضي بنصيبٍ لم يكن ليخير فيه. لقد بهتتْ الأضواء وتوارتْ الأفكار ولم يعد البعض ليطمح الى أكثر من شهادة جامعية لتأمين الحصول على وظيفة حكومية تؤمن دخلاً متواضعاً إنّما مستقراً.

نحاول في هذه الدراسة التعرف على احتمالات المستقبل بالنسبة لأقسام علم الاجتماع في العراق. لقد اعترت العلم مشكلات كثيرة يظهر تأثيرها واضحاً من خلال قلة، وفي الأقل غياب وهج التميز الفكري والعلمي في الدراسات الاجتماعية التي لم يصل معظمها خارج حدود الكلية أو القسم المعني. واختلط صوت المحلل والمفسر السوسيولوجي للعالِم أو الطالب في مجال علم الاجتماع بأصوات المختصين في مجالات معرفية أخرى كالسياسة والتاريخ والدين والفلسفة واللغة بل وضاع بعضها في أتون تفسيرات العامة. وفيما ازدادت أعداد الطلبة المسجلين في أقسام علم الاجتماع في مختلف الجامعات العراقية على مستوى الدراسات الأولية والعليا على السواء وازدادت معها أعداد الرسائل والأطاريح المجازة لغرض الحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه التي تقترب بسرعة من سقف الخمسمائة رسالة وأطروحة[3]، إلا أنّ القليل منها فقط استطاع أنْ يشق طريقه ليقول شيئاً ما ويسهم بصنع الأمل لتقديم شخصية علمية معروفة من وزن شخصية د. علي الوردي الذي فاق بشهرته ومتعة محاضراته ومؤلفاته الآفاق. ولعل من سوء حظ العلم أنْ يتأسس القسم على يد الدكتور علي الوردي الذي سنّ سنّة ظهر فيما بعد أنّ من الصعب مجاراتها وموازاتها.

تنطلق الدراسة الحالية من تساؤل رئيس حول مستقبل علم الاجتماع في العراق! فهل يستطيع هذا العلم أنْ ينهض ويحقق اختراقا في الوعي الفكري والثقافي العراقي كما يفترض أنْ يفعل كل المشتغلين في مجال العلوم الإنسانية الأخرى على وجه العموم وكما فعل د. علي الوردي في خمسينات وستينات القرن الماضي. ما هي المشكلات التي تواجه نهضةً واختراقا مفترضاً من هذا النوع! وهل كان لعلماء الاجتماع الرواد في العراق ممن ينظر اليهم عالياً دور في هذا الأشكال! ويكمن السبب في هذا التساؤل في أنّ علماء الاجتماع المحدثين في العراق درسوا على أيادي أولئك العلماء الرواد وقرأوا لهم ومنهم وعملوا بأشرافهم ونالوا تواقيعهم. لماذا يعاني الطلبة المحدثون والحائزون على شهادات الماجستير والدكتوراه في مجال علم الاجتماع من مشكلات مهنية كثيرة لعلّ أشدها خطورة على مستقبل العلم تلك التي تبدأ بالاطار النظري والمنهجي الفضفاض الذي يترك الطالب نهباً لأسلوب السرد والعرض المفتوح ويجعله يمر عبر طقوس الكتابة المهلهلة وغير المتماسكة حتى بلوغ إشكالات التوثيق العلمي ورصد المصادر وما اليها. لماذا يعاني طلبة علم الاجتماع في العراق من ضعف القدرة على التحليل العلمي المهني الجيد والمتسلسل والمتين. لماذا تعتمد معظم الرسائل والأطاريح على طرق منهجية نمطية كما في طريقة المسح الاجتماعي واستخدام أبسط الطرق الإحصائية في التحليل كالنسب المئوية دون غيرها الى جانب طرق إحصائية وصفية لا تتجاوز ما يوجد في الفصل الأول من أي كتاب في الاحصاء الاجتماعي كالمعدل والنمط والانحراف المعياري ومعدل كاي وما اليها. الأنكى من هذا أنّ كثيراً من الطلبة يستخدمون هذه الطرق دون أنْ يدركوا وظيفتها العلمية حتى لكأنّها تستخدم بطريقة لا يمكن للرسالة أو الأطروحة أنْ تجاز بدونها – نوع من إسقاط فرض. ثمّ لماذا ينشغل الطلبة بأسلوب الحشو والسرد الرتيب كما في شرح معنى العينة على وجه العموم وطريقة قياسها ومعنى النظرية السوسيولوجية العلمية بحد ذاتها ووظيفتها وما الى ذلك مما يفترض أنْ يكون الطالب أتقنه وأستوعبه في السنة التحضيرية التي تسبق مرحلة كتابة الرسالة أو الأطروحة. وفيما يتعلق بالدراسات السابقة، غالباً ما تظهر أنماط متحجرة في العرض والتحليل حيث يطلب من الطلبة مراجعة دراستين ‘دوليتين’، وأخريين عربيتين ودراستين عراقيتين. فيما يتعلق بالأخيرة (دراسات عراقية) غالباً ما يراجع الطلبة دراسات تمّ القيام بها من قبل زملائهم الطلبة ممن أنجزوا رسائلهم أو أطاريحهم العلمية دون اهتمام يذكر بما تنطوي عليه مثل هذه الرسائل والأطاريح التدريبية على إشكالات نظرية ومنهجية. أما الخلاصة فأنّها في الغالب مشتتة وغير دقيقة وبخاصة تلك التي تكتب باللغة الإنكليزية بغية تقديم العمل لجمهور أوسع. يظهر الأساس لعديدٍ من مثل هذه المشكلات في أعمال علماء الاجتماع الرواد. لذلك، فأنّ الدراسة الحالية تقترح العودة الى عينات مختارة من أعمال أولئك العلماء الرواد والجيل الذي تبعه وصولاً الى عدد من علماء علم الاجتماع المحدثين بغية التأمل في أعمالهم وإنجازاتهم وإسهاماتهم التي يمكن أنْ تساعد على استكشاف جذر المشكلة. عندها قد نتمكن من أنْ نقول شيئاً عمّا يمكن عمله وإلا فأنّ آفاق المستقبل للعلم قد لا تكون مدعاةً للدعة والطمأنينة وبخاصة في ضوء التنامي الواسع والمتسارع لمختلف فروع المعرفة الإنسانية والحاجة الى حضور فاعل وقوي حمايةً للعلم أولاً، ودعماً لدوره الفاعل والمؤثر في المجتمع، ثانياً.

تركز هذه الدراسة على علماء علم الاجتماع العراقيين ممن عملوا في العراق ولا زالوا يعملون فيه. معروف أنّ هناك الكثير من الاجتماعيين العراقيين اللامعين ممن يعملون خارج العراق في جامعات أمريكية وأوربية مرموقة، إلا أنّ هؤلاء سيستثنون من هذه الدراسة لأسباب واضحة لعل من أبرزها أنّهم عملوا ويعملون في مؤسسات أكاديمية ذات قواعد عمل راسخة ومحددة سلفاً وأنّهم صاروا بمحض الحصول على فرصة عمل في أيٍ من هذه المؤسسات جزءاً من بنية اجتماعية تقف بصلابة ورسوخ. يختلف الوضع في العراق من حيث أننا لا زلنا نتمتع بقدرٍ كبير من الحرية المرغوب بها أو غير المرغوب بها للتلاعب ببنية المؤسسة، أو، أحياناً الخضوع لها خضوع العبد لسيده إبان العصور الوسطى. بمعنى أنّه بينما يحظى التدريسي أو الأكاديمي العراقي بقدرٍ من القدرة على التأثير في صياغة ما يقوم به فأنّه أيضاً يخضع لبيروقراطية متزمتة لا تتيح إلا قدراً محدوداً من الحرية للتطوير والتغيير. وتكمن في هذه الصيغة المتناقضة بطبيعتها واحدة من أهم المشكلات التي تواجه تطور علم الاجتماع في العراق.

أولاً: علي الوردي

معروف أنّ علي الوردي كان أول من حصل على شهادة دكتوراه فلسفة في علم الاجتماع من جامعة تكساس، أوستن الأمريكية عام 1950 عن أطروحته الموسومة، ‘تحليل اجتماعي لنظرية بن خلدون: دراسة في علم اجتماع المعرفة’[4]. وكان لعودة الوردي أثرٌ مهم بل وحاسم لتقديم علم الاجتماع والعمل على تأسيسه في العراق من خلال فتح قسم علم الاجتماع الذي بدأ بالتكامل من خلال اجتذاب أعداد متزايدة على نحوٍ حذر ودقيق في حينها لأساتذة أكفاء من أمثال عبد الجليل الطاهر وقيس النوري ومتعب السامرائي وآخرون انضموا اليهم كما سنأتي على ذلك تباعاً.

أرسى د. علي الوردي القواعد الأولى لعلم الاجتماع والتي تتضح معالمها في أطروحته للدكتوراه المشار اليها أعلاه. وتظهر مراجعة الأطروحة القدرة الفذة للوردي في المناقشة والتحليل والتفسير ومن ثم الاضفاء وتوظيف الأفكار. كما تظهر الأطروحة قدرة الوردي على الدعوة للبحث عن مسلمات نظرية شرقية عربية إسلامية مختلفة عن المسلمات النظرية السوسيولوجية السائدة في الغرب، ليس على أساس المواجهة والخصومة والتفنيد والتسفيه وإنّما على أساس البحث عن مسببات تنسجم مع الواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع العراقي باعتباره ميدان العمل الأول الذي يمكن أنْ ينفتح لدراسة المجتمع العربي الكبير في أعمال مستقبلية. وقد لاحظ هذا المنحى لدى د. الوردي مختصون يعملون في مجالات علمية أخرى[5]. ومثل أي أطروحة دكتوراه من جامعة رصينة بدا واضحاً أنّها كتبت بطريقة تعبر عن الالتزام العلمي العالي بقواعد العمل الأكاديمي من حيث التنظيم والتصنيف وتسجيل المصادر وما اليها. ومن حيث يدري أو لا يدري، أشار الوردي في معرض مناقشة موضوع النظرية الى ما أسماه (محاضرات د. لويس فرث) صاحب النظرية الحضرية في الولايات المتحدة. إلا أنّ هذه الاشارة سرعان ما أصبحت حجة لدى بعض طلبة الدراسات العليا في العراق ممن أصبحوا يشيرون الى محاضرات أساتذتهم في القسم على أنّها مصدر لا يرقى الشك الى مصداقيته. وجرى التنبيه الى هذه الظاهرة الخطيرة والتأكيد على عدم سلامتها من حيث أنّ محاضرات فرث أو ميد شيء ومحاضرات آخرين لم ينتجوا نظرية وإنّما توقفوا عند حدود نقل المعرفة النظرية ومن مصادر ثانوية في الغالب شيء آخر.

وجاءت فيما بعد أعمال د. الوردي وأولها، ‘شخصية الفرد العراقي’[6]، وهي المحاضرة التي ألقاها في كلية الملكة عالية عام 1952 والتي انطوت بالأساس على فكرة التعريف بأهمية الموضوع ولفت الانتباه لأهمية العوامل النفسية والاجتماعية التي يمكن أنْ تلعب دوراً في بلورتها. وكان الوردي بذلك بنى على أفكار عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية المعروفة، روث بيندكت. وفي أعماله الأخرى من أمثال, ‘خوارق اللاشعور’[7]، ‘وعاظ السلاطين’[8] وغيرها، اكتفى الوردي بالإشارة الى المصادر الرئيسة التي بنى عليها كما في ماكس فيبر وفكرة الفهم والمعنى والفهم الذاتي وروث بيندكت ومفهوم الشخصية القومية ووليام أوكبرن وفكرة التخلف الثقافي التي يصر الوردي على ترجمتها بـ ‘الازدواج’. يتقدم الوردي مع ذلك على غيره في أنّه اهتم بصورة صادقة بالمجتمع العراقي وحاول فهمه وإفهام الآخرين به. وهذا ما جعل منه استثناء للقاعدة.

كان علي الوردي أنثروبولوجي المنهج سوسيولوجي النظرية. فقد اعتمد الموروث الشعبي والأمثلة الدارجة والمقولات الشائعة لدعم فرضياته وقناعاته فيما يتعلق على سبيل المثال بشخصية الفرد العراقي وما أسماه طبيعة المجتمع العراقي والتوجهات النفسية والاجتماعية السائدة فيه. وأظهر نقداً واضحاً لطرق البحث العلمي الحديثة وفي مقدمتها المسح الاجتماعي بطريقة استخدام استمارة الاستبيان لأسباب ترتبط في جلّها بأمية المجتمع وعدم تعاونه مع الباحث العلمي وتكتمه وتمسكه بالقيم المحافظة التي تحول دون التوصل الى نتائج يمكن الوثوق بها. وكما سيتضح، فأنّ ميزة الوردي على من تبعه من علماء الاجتماع في العراق أنّه كان بحد ذاته شخصية ناجحة. على الرغم من أنّه تأخر في الالتحاق بالمدرسة بدايةً بسبب عدم انتشار المدارس الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في زمانه إلا أنّه ما أنْ دخل المدرسة حتى تفوق فيها. وعندما توفرت له فرصة للدراسة في الولايات المتحدة في أربعينات القرن الماضي استخدم الوقت استخداما ناجحاً وفعالاً فكان أنْ حصل على ماجستير في علم الاجتماع بطريقة (MA) أو ماجستير آداب وليس ماجستير علوم (MS) وهي الطريقة التي لا تتطلب رسالة نظرية معقدة وإنّما تكتفي بوضع عمل أشبه ما يكون بالتقرير أو بحث التخرج الجيد[9]. وهذا ما وفر له الوقت إذ لم يستغرق في هذا المجال أكثر مما كان محدداً وهو فترة السنة الواحدة. بدأ بعدها الوردي على الفور بإنجاز أطروحته المشار اليها من قبل وهو الذي يعرفها ويعرف موضوعها وقرأ فيها ولها كما يستدل على ذلك من خلال النظر في مصادره العربية وقراءاته الواسعة المهيئة من قبله مسبقاً في هذا المجال المحدد. بمعنى أنّه كان يعرف ما يريد مما أسهم بتسريع وصوله الى الهدف الرئيس في الحصول على شهادة الدكتوراه في فلسفة علم الاجتماع (Ph. D) ومن ثم عودته المباشرة الى العراق وإصراره على العمل فيه وتحمله الاستفزازات والتجاوزات من مختلف الفئات الاجتماعية وبخاصة المحافظة منها سواء على صعيد المجتمع أو على صعيد المؤسسة الدينية والأكاديمية وغيرها. العبرة أنّه كان صاحب رسالة تفانى في حملها. وعندما لم يلق من يدعمه مادياً ومعنوياً ليؤلف وينشر ما يؤلفه أنفق على ذلك من جيبه الخاص فكان يؤم مدن العرب الساطعة، بيروت أو القاهرة أو الإسكندرية وبخاصة في فترات العطلة الصيفية حيث تتوقف الدراسة في الجامعات العراقية ليتفرغ للكتابة ويجهز مؤلفاته ويعود الى العراق ليطبعها على نفقته الخاصة. مقابل الاستفزازات والتجاوزات من قبل البعض حظي الوردي بمحبة بالغة واحترام طاغي من قبل فئات متنوعة من جمهور القراء في العراق ممن تلقوا أعماله بشغف ومحبة واستمتاع فكان أنْ حملوه الى الآفاق الرحبة للشهرة والاحترام على المستوى العربي والدولي. بالتأكيد كان لغزارته في الكتابة وحضوره في أذهان القراء ودأبه ومثابرته دور مهم في دعم مكانته العلمية والثقافية الآخذة في التوسع، الأمر الذي لم يتمكن منه حتى اللحظة كل من أعقبه من التدريسيين والمتخصصين في مجال علم الاجتماع في العراق. توفي علي الوردي بعد صراع مع المرض صيف 1995 في داره بالأعظمية ببغداد.

لقد وضع الوردي سنّة في مجال الكتابة والبحث الاجتماعي نجحت في استقطاب اهتمام نظرائه من الزملاء والتدريسيين بدليل أنّ كثيراً من هؤلاء وكما سنأتي على توضيحه أتبعوا طريقته أو كرسوا أعمالهم لمحاججته ونقده واقتراح البدائل لأفكاره فلم يزد معظمهم على أنْ يكون صدى له، شيء لم يستطيعوا الفكاك منه. ومع أنّه لم يلق منهم المودة والاعتراف والتقدير الذي يستحقه بدليل شغبهم عليه حتى على مستوى الطلبة ممن كانوا ينقلون للوردي ما يسمعونه ويتفكهون به، إلا أنّه بالنهاية نجح فيما لم يتمكنوا من النجاح فيه. على سبيل المثال، دُرِسّت مادة علم النفس الاجتماعي التي قدمها ودرسها د. علي الوردي أولاً في قسم علم الاجتماع من قبل تدريسية شابة في حينهاJ[10] بعد أنْ أحال نفسه على التقاعد بطلبٍ منه عشية تعيينها تدريسية في القسم عام 1972، إلا أنّها لم تضف شيئاً يذكر بدليل عدم قيامها بتأليف أو نشر أي عمل في هذا المجال فضلاً عن إخفاقها في المحافظة على حيوية المادة في أذهان الطلبة فكان أنْ تغاضوا عنها ولم ينجحوا في تكريس أيٍ من النظريات أو التوجهات النظرية في ميدان علم النفس الاجتماعي على مستوى رسائلهم أو أطاريحهم أو أعمالهم المستقبلية.

ثانياً: عبد الجليل الطاهر

عاد د. عبد الجليل الطاهر الى العراق بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في مجال علم الاجتماع من جامعة شيكاغو عام 1952 عن أطروحته الموسومة، ‘الجاليات العربية في أمريكا’[11] وسرعان ما عمل مع الوردي على تأسيس قسم مستقل لعلم الاجتماع في كلية الآداب التي كانت قد تأسست قبل جامعة بغداد عام 1949. قدم الطاهر عدداً من الأعمال كان أولها مجموعة من التراجم كما في ‘العشائر والسياسة’[12]، ‘المزارع التعاونية الجماعية’[13]، ‘أصول فلسفة الطبقة الوسطى في عصر التنوير’[14]، و‘العشائر العراقية’[15]. ولديه أعمال أخرى حاول أنْ يعلن من خلالها إنتاجه العلمي وأولها كتابه الموسوم، ‘التفسير الاجتماعي للجريمة’[16]. ينطوي هذا الكتاب على محاولة لتحليل المشكلات الاجتماعية في بغداد والعراق وهي المحاولة التي امتزجت بتقديم أفكار عدد من علماء الاجتماع الأمريكان ممن أهتموا بالجريمة وبخاصة أولئك الذين عملوا في الجامعة التي تخرج منها، جامعة شيكاغو. استخدم الطاهر في هذا الكتاب طريقة الحكايات المنقولة التي عبر فيها عن التأسي على قيم الماضي في التماسك الاجتماعي حيث ذهبت بحسب تعبيره العائلة الممتدة أدراج الرياح وعمّ الفساد وضاعت العفة نتيجة الاختلاط بين الجنسين. افترض الطاهر في هذا الكتاب أنّ المشكلات الاجتماعية في العراق لا تختلف عن تلك التي يعاني منها المجتمع الأمريكي باستثناء “أنّهم” يملكون الإحصاءات الدقيقة لتقدير ما يمرون به فيما لا نملك ذلك في العراق. وفعل شيئاً مماثلاً في تناول نظرية الانحراف لروبرت ميرتون التي قدمها في كتابه الموسوم، ‘المشكلات الاجتماعية في حضارة متبدلة’[17]. عرض الطاهر لنظرية ميرتون في الانحراف على نحوٍ دقيق وبحسب الجدول الذي تضمن تسمية الأهداف المحددة ثقافياً وأنماط السلوكيات الاجتماعية المتوقعة والتي أوردها على ما هي عليه وبحسب ترجمته (التوافق؛ الأبداع؛ الطقوسية؛ الانطوائية؛ الثوروية)، إلا أنّه اكتفى بالإشارة عند رأس العنوان الى أنّ “هذه النظرية تستفيد من ميرتون” حتى لكأنّ النظرية نظريته وأنّه لم يفعل أكثر من أنْ “يطلع” على ميرتون. وكذلك الحال في استخدامه لأفكار من كتاب ‘الانتحار’[18] لدوركهايم في معرض تناوله لموضوعة النظام الاجتماعي وأنماط التكيف، إذ يضع الطاهر هامشاً يقول فيه “اعتمد الكاتب في عرض هذا المفهوم على مقال الأستاذ دوركهايم[19]. بل وخلت قائمة المراجع الخاصة بالفصل من الإشارة الى إيٍ من ميرتون ودوركهايم. وكذلك هامشه في معرض الفصل السادس الموسوم، القوى الاجتماعية وسيكولوجية الجماهير، إذ يشير الهامش الى مراجعة نفس الكتب …[20] إنّما أي كتب!

ولعل أهم ما قدمه الطاهر كتابه الموسوم، ‘أصنام المجتمع: بحث في التحيز والتعصب والنفاق الاجتماعي’[21]. يقع الكتاب في (147) صفحة من القطع المتوسط وأنّ أهم ما ميز الكتاب أنّه خلا من تسجيل أي مصدر فيما وضعت قائمة بالمصادر في نهاية كل فصل دون أنْ تربط على نحوٍ دقيق ومحدد بما تمّ التطرق اليه في متن الكتاب. كان على القارئ – كما يبدو – أنْ يحدس لمن تعود هذه الفكرة أو تلك. أما الانطباع الرئيس الآخر الذي يكوّنه القارئ ساعة تصفح كتاب ‘الأصنام’، أنّه صدى مباشر لكتاب ‘وعاظ السلاطين’[22]، الذي صدر قبله بعامين (1954) لعلي الوردي. يعترف الطاهر في هذا الكتاب أنّه مدين الى الفيلسوف الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561- 1626) في اختيار العنوان والذي كان قد حذر فيه من وجود نوع من الآلهة الكاذبة. ويوضح الطاهر المعنى الذي تنطوي عليه فكرة الآلهة الكاذبة وهي بنظره ‘الأصنام’، التي تتركز حولها الأفكار المغلوطة المشوهة المحرفة التي يعتنقها الفرد بوعي أو بدون وعي عن الواقع الاجتماعي[23]. ويظهر تأثره بـ ‘وعاظ السلاطين’، بقوله: “أو يلتمس كاتب آخر السبب في ‘وعاظ السلاطين’، الذين ينشرون الأوهام والأباطيل للدفاع عن الوضع الراهن وحمايته وإلقاء المسؤولية على عاتق المجرمين”[24]. وعلى الضد من أسلوب الوردي الكيّس في الكتابة، يظهر الطاهر ميلاً تعبوياً متشدداً وصارماً، يفقده القدرة على جذب القارئ، بمثل ما يفعل الوردي كقوله: “إنّ البحث في أثر الأصنام بالمعرفة من أقدس واجبات المتعلم، فيجب عليه أنْ يتعقب أصول المزالق والمهاوي التي قد يقع في حضيضها، ليجتث جذور الأوهام حتى تسلم المعرفة من الشوائب والنقائص، ويتخلص الأنسان من كل أنواع التحيز والتعصب والتعرض، فيرى الحقيقة الواقعية ناصعة منعزلة من كل ما يلصق بها من أحكام ذاتية”[25]. يظهر للقارئ فيما بين السطور، أنّ الطاهر أستهدف في كتاب ‘الأصنام’، نقد القادة الدكتاتوريين من أمثال هتلر وموسوليني مؤكداً على أهمية الحرية والحق في إبداء الرأي كقوله: “لا يمكن أنْ يتكون صنم اجتماعي عن طريق حرية الرأي والتعبير والمناقشة والجدل والأقناع والاعتقاد وإنّما باستعمال القوة والزجر والدعاية والتزكية والسلوك الرعاعي”[26].

يلاحظ القارئ أيضاً أنّ كتاب ‘الأصنام’، لا يتصف بوحدة الفكرة والمنهج إنّما هو وعاء لكثيرٍ من الأشياء. عموماً، فأنّه ينطوي على إظهار لمعرفة الكاتب بعدد من الكتاب والمنظرين والفلاسفة من أمثال نيتشة، باريتو، فرويد، فيبر، مانهايم، سوروكن وتوينبي. من جانبٍ آخر فأنّه يستخدم مقاربات دون الإشارة الى صانعيها كما في استخدامه مقاربة إيميل دوركهايم لشرح الظاهرة الدينية انطلاقا من المجتمع البدائي الميكانيكي دون إفصاح. فهو يحاول أنْ يفسر في صفحات قليلة علامات التحيز والتعصب فيما أسماه “المجتمع البدائي” تماماً كما فعل دوركهايم في ‘الأشكال البدائية للحياة الدينية’[27]، إنّما دون تسمية. وخصص الطاهر الفصل السادس من ‘الأصنام’، لعرض فكرة كارل مانهايم في أثر المركز الاجتماعي على تطور أفكار الفرد والجماعة ثمّ ينتقده على عجل ليقدم فكرة بيتريم سوروكن في هذا المجال عن الثقافة الروحية والثقافة المادية. وفي الفصل الأخير الذي جاء بعنوان “مجتمع بدون أصنام”، يقدم الطاهر رأيه في أنّه لا يمكن لأي مجتمع أنْ يخلو من الأصنام بما في ذلك المجتمع اللاطبقي الذي لا ينجو بنظره من ذلك، إنّما الأمل الوحيد في الابتعاد عن تأثير الأصنام والأوهام يكمن في البحث عن الحقائق لبلوغ الحرية – حرية التفكير والضمير والمناقشة وإبداء الرأي والتصويت[28]. وفي مكانٍ ما ودون سابق إنذار، يعبر الطاهر عن رفضه لاستخدام “الإحصاء… في معرفة آراء الناس في العدالة الاجتماعية، وفي التعصب العنصري والطائفي، وفي الديموقراطية”[29].

لم يقدم الطاهر في مقالته الموسومة، ‘علم اجتماع المسرح: بحث في الأشباح الجماعية’[30]، أكثر من تفسير وصفي بأسلوب إنشائي بدرجة كبيرة لدور المسرح في المجتمع. لعل الملفت للنظر أنّ المقالة برمتها خلتْ من أي مصدر باستثناء (23) هامشاً كانت عبارة عن شروحات غير موثقة من قبل الكاتب لبعضٍ مما ورد من أسماء كتاب، فلاسفة أو سلاطين وما اليهم. على سبيل المثال، يشرح كلمة (تراجيديا) في هامش. أو يترك هامشاً آخر رقم (15) لتوضيح ما هو المقصود بمفردة إطار التفكير “الفيبري” ويقول “نسبةً الى العالم الاجتماعي الألماني الكبير، ماكس فيبر صاحب الأعمال الكثيرة التي ترجم العديد منها الى اللغة الإنكليزية”[31]، دون أنْ يعطي ولو مصدر واحد لفيبر بصورة دقيقة. يبدو لي أنّ هذه الطريقة تمتّ عن الرغبة في عدم تمكين الطالب من الإحاطة بالموضوع بصورة كافية وتساهم بتكريس فكرة إبقائه / إبقائها عبداً لمن يملك مفاتيح اللعبة (الأستاذ). وهذا أسلوب أتبع بدرجة كبيرة في قسم علم الاجتماع ولا يزال يتبع بحجة عدم تمكن الطلبة من العودة الى المصادر الأصلية التي كتبت باللغة الإنكليزية. ويمضي الطاهر في هذا العمل ليشرح ويقدم أفكاره بطريقة تعليمية تلقينية مباشرة موضحاً ومفسراً لبعض المفردات والأسماء وبالنهاية يسعى الى الوصول الى ما يشغل باله وهو توجيه النقد الحاد الى الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية. ولكنّه على الضد من علي الوردي الكيّس وغير المباشر لا يصل الى قلب القارئ وعقله. إنّه يكتب بطريقة تقليدية تقوم على مبدأ تكديس المعلومات ومراكمتها حتى لكأنّه المصدر الوحيد الذي لا يضاهى. وهذه بحد ذاتها مشكلة مورست وتمارس وقد تكون المسؤولة عن محدودية الابتكار في الدراسات الاجتماعية حيث لا يشجع الطالب على التفكر والتأمل فيما يقرأون من جانب، أو تطوير نظرة نقدية لما يقرأون من جانبٍ آخر. ولنا أنْ نستشهد بالطريقة التي خرج فيها روبرت ميرتون على أستاذه تالكوت بارسونز لينتج نسخته هو للـ “وظيفية”. تلك هي إذن مسألة نمط ومنهج تعليمي يقوم على مبادئ مختلفة تشجع التفكير والمحاججة العلمية ولا تتطير من الاختلاف وعدم الاتفاق وبالتالي التميز. وكان ذلك ما أسماه د. علي الوردي “المنهج العلمي الحديث” الذي أكسبه المحبة والاحترام لأنه شارك الناس بأحدث ما تعلمه وتعلمه العالم المتقدم من قبل.

قد يفسر هرب الطاهر للعمل في ليبيا عشية مضايقات سياسية شرسة ضده في العراق وعودته التي لم يطل له بها المقام حيث توفي عام 1973 وهو بعد في بداية الخمسينات من العمر، قد يفسر هذا نزعة التأليه التي يحيطه بها طلابه ممن عرفوه إنساناً طيباً ومواطنا فذاً لخدمة بلده ومجتمعه العراقي.

ثالثاً: حاتم الكعبي

التحق بعد عبد الجليل الطاهر عالم اجتماع عراقي آخر هو د. حاتم عبد الصاحب الكعبي الذي نال شهادة الدكتوراه في مجال علم الاجتماع من جامعة شيكاغو عام 1954 عن أطروحته الموسومة، ‘التحليل النفسي الاجتماعي للحركة القومية في العراق’[32]. وسرعان ما أستطاع الكعبي إثبات حضوره من خلال أعماله العلمية والتي اتسمت بمسحة علمية منهجية صارمة. كانت كتاباته دقيقة، سهلة وموثقة بدرجةٍ كبيرة بالمقارنة مع كتابات الطاهر. وكان من أوائل ما نشره الكعبي كتابه الموسوم، ‘في علم اجتماع الثورة’[33]. يقع الكتاب في (70) صفحة من القطع المتوسط ويتوزع ما بين تسعة فصول قصيرة وهي تعريف الثورة؛ أسباب الثورة؛ معالم الفترة التي تسبق الثورة؛ مراحل الحركة الثورية، قادة الحركة الثورية وأتباعها؛ دور المثقفين والمفكرين في الحركة الثورية؛ ما تتوخاه الحركة الثورية وما تتمخض عنه؛ أنواع الثورات وأخيراً، مقارنة الحركة الثورية بالحركة الإصلاحية. أقر الكعبي في معرض التقديم للكتاب أنّه كتبه أصلاً كمقالة أعدت للنشر في العدد الخاص بثورة 14 تموز عام 1958 في مجلة “المعلم الجديد”، إلا أنّ ذلك لم يحصل مما أدى به الى نشرها بنفسه بصيغة كتاب. يلاحظ أنّ الكعبي نحا في هذا الكتاب نحو من سبقه منهجياً وبخاصة عبد الجليل الطاهر في أنّه قدم أفكاراً وآراء لعدد من علماء علم الاجتماع البارزين في زمانه من أمثال بلومر، لنت، مانهايم، ديفس، ملر، بارك، سوريل، فيبر وصولاً الى لينين ومن قبله كارل ماركس[34]. ولا يصل الكتاب الى نتيجة معلومة ليترك انطباعا في أنّه جزء من مشروع ستتم العودة اليه فيما بعد. وهكذا فعل الكعبي في أعمال أخرى كما في قائمة الأعمال التي وعد بإنجازها ولم يفعل إذْ وافته المنية وهو بعد لمّا يبلغ الستين من العمر، عام 1971. وخلا كتابه الآخر الموسوم، ‘نمو الفكر الاجتماعي’[35]، الذي يقع في (100) صفحة من المصادر بل وحتى من جدول المحتويات. لقد كان هذا الكتاب مراجعة نظرية عامة شاملة ألحق في نهايتها عدداً من المصادر الأجنبية ذات الصلة بنمو الفكر الاجتماعي الغربي، حصراً.

وراجع الكعبي فكرة “المنقذ المنتظر”، في مقالته الموسومة، ‘من آثار الاتصال والاحتكاك الاجتماعي والحضاري: الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر’[36]. وهنا أيضاً، كان كل ما فعله الكعبي أنّه قدم أفكار عدد من المنظرين الغربيين ومن أبرزهم لنتون، باير ولوي، مستخدماً طريقة دوركهايم بالتركيز على المجتمع البدائي على افتراض أنّ هذا أسهل. وخلص الكعبي في هذا المجال الى فكرةٍ مفادها أنّ انتشار الشعور بالاضطهاد يؤجج الحاجة الى دور ‘المنقذ’ الاجتماعي.

يمثل كتاب ‘حركات المودة’ للكعبي[37] الذي يقع في (248) صفحة المرحلة الأكثر نضجاً في أعماله. إلا أنّه في هذا الكتاب أيضاً نحا نحو من يضع كتاباً منهجياً مصمماً لتعريف الطالب بموضوعة المودة مما يتضح من خلال النظر الى محتويات الكتاب الرئيسة: 1. تعريف بالمودة؛ 2. نبذ مختصرة (العقل الجمعي، التقليد، الايحاء، اللاعقلانية، نظرية التوتر …)؛ 3. تغير المودة؛ 4. المودة والبنية الاجتماعية؛ 5. حركات المودة. من جانبٍ آخر، خلا هذا الكتاب من ثبت المصادر على الرغم من إشارته بالمتن الى أسماء مهمة وذيل الكتاب بـ (18) مصدراً من الكتب الشائعة في هذا المجال. والظاهر أنّ الكعبي بلغ ذروة النضج الأكاديمي مقتبل السبعينات كما يتضح في آخر ما نشر له بعد وفاته في الكتاب الموسوم، ‘السلوك الجمعي’[38]. يقع الكتاب في (600) صفحة وكتب على غلافه، الجزء الأول إلا أنّ الجزء الثاني لم ير النور قط. بلغ عدد المصادر في هذا الكتاب (83) مصدرا ووضع الكتاب في ثلاث أبواب رئيسة هي: السلوك الجمعي من ملحظ تاريخي؛ طبيعة السلوك الجمعي ونشأته؛ التجمعات الجمعية البدائية. يذكر أنّ هذا الكتاب أستخدم ككتاب أساسي منهجي في مادة السلوك الجمعي على مستوى الدراسات الأولية والدراسات العليا منذ صدوره عام 1973 حتى اللحظة.

رابعاً: علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا العراقيون في الستينات

عاد الى العراق مقتبل الستينات عالم الأنثروبولوجيا الشاب في حينها، د. قيس النوري بعد نيله شهادة الدكتوراه في مجال علم الأنثروبولوجيا من جامعة واشنطن، سياتل عن أطروحته الموسومة، ‘الصراع والمثابرة: الاستيعاب الثقافي للعراقيين الكلدان’[39]. وهذه دراسة أنثروبولوجية ميدانية لجماعات المهاجرين الكلدان الذين نزحوا من قرية في شمال العراق، الموصل وأقاموا في ديترويت. وفيها يطور النوري مقاربة جديدة تأملت في الصلة بين الاستيعاب الثقافي والاستمرارية العرقية على الضد مما كان شائعاً آنذاك في الأدبيات العلمية والتي كانت تهتم بمسألة الاستيعاب الثقافي وديناميكيات التغير لدى الجماعات المهاجرة الى الولايات المتحدة.

على الضد ممن سبقوه، وبخاصة الوردي والطاهر أظهر د. النوري من البداية اهتماما بالنشر في دوريات علمية محكمة عربية ودولية. ووضع عدداً من الكتب المنهجية لعل من أبرزها كتابه الموسوم، ‘مدارس الأنثروبولوجيا’[40]. يقع الكتاب في (400) صفحة وكتب النوري في مقدمته التمهيدية “لقد آلمني طويلاً أنْ أرى مكتباتنا الجامعية والعامة وهي تفتقر الى كتاب بالعربية يتناول آفاق الأنثروبولوجيا وتياراتها الفكرية. وقد دفعني هذا الشعور الى الأقدام على هذه المحاولة …”[41]. يظهر الكتاب منهجياً بامتياز وهو مصمم لطلبة الدراسات الأولية ويتناول التيارات والتوجهات الرئيسة بحسب الكاتب في مجال علم الأنثروبولوجيا. وفيه، انتقل النوري من التعريف ببدايات الأنثروبولوجيا الى تقديم بعض المدارس المعروفة كالتطورية والانتشارية ومدرسة الثقافة والشخصية والبنيوية الفرنسية والمدرسة البريطانية الى جانب أفراد من العلماء والمنظرين الذين أسهموا في صعود علم الأنثروبولوجيا ومنهم بحسب الكاتب هربرت سبنسر، كروبر ولوي. لم يوثق الكتاب وإنّما ذيلت فصوله بسبعة الى ثمانية مصادر لكل واحدٍ منها وعددها (16) فصلاً. الملفت للنظر، أنّ النوري كتب لمجلات علمية عربية ودولية محكمة كما في مقالته الموسومة، ‘آفاق الديموقراطية والتركيب الثقافي العربي’[42]. أو ‘مشخصات الاغتراب الأكاديمي العربي’[43]. ومقالته ‘التوجهات النقدية فيما بين القبليين المتحضرين في الشرق الأوسط بالتركيز على العراق’[44] وغيرها. إلا أنّه لا يعبر عن كثيرٍ من الاهتمام بتوثيق وتنقية الكتب المنهجية التي ينشرها وبخاصة في العراق مما ساهم بتقديري في ترهل مستوى أداء طلبة الدراسات الأولية والعليا على حدٍ سواء وأدى الى تخرج أشخاص لا يظهرون حساسية لمثل هذا الجانب المهم في العمل العلمي. بالتأكيد، يمكننا والحالة هذه أنْ نتوقع مزيداً من الترهل بل والاخفاق في تحقيق التراكم العلمي اللازم لتحقيق خطوات متقدمة بالاتجاه الصحيح، أو في الأقل العمل على تحسين مستوى الأداء، ما لم يصار الى معالجة الأمر.

أشتهر عالم اجتماع عراقي معروف آخر هو د. متعب السامرائي بكتابين رئيسيين هما كتابه الموسوم، ‘ثورة على القيم’[45]، وكتاب ‘الواقع الفكري والمجتمع العربي الجديد: هل يستطيع العرب فهم ماضيهم وتقييم حاضرهم والانطلاق نحو مستقبلٍ أفضل’[46]. يلاحظ على نحوٍ ممتع أنّ د. السامرائي أظهر حساً مرهفاً بالجندر منذ ذلك الحين إذْ تقرأ أنّه يضع جهداً ليذكّر بحضور المرأة كقوله التلميذ والتلميذة، المعلم والمعلمة، علماً بأنّه تحمل كثيراً من النقد والتقريع على مستوى العامة بشأن مواقفه من المرأة التي قُرِئت كما لو أنّها معادية لها. وكان كتاب ‘الواقع الفكري والمجتمع العربي الجديد’ أقرب الى الرسالة السياسية التعبوية باتجاه تدعيم الفكر القومي العربي ضد الفكر الأوربي الحديث منه الى التحليل السوسيولوجي للقوى الاجتماعية المؤثرة في المجتمع. وفي هذين الكتابين أيضاً لم يظهر السامرائي مثل من سبقه من زملاء المهنة والاختصاص اهتماما يذكر بالمصادر وتسجيلها والتحقق منها الأمر الذي وجد صداه على الفور في عشرات الرسائل والأطاريح لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في مجالي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا التي أجيزت في قسم علم الاجتماع في كلية الآداب، جامعة بغداد ومنها حملت الى الأقسام المستحدثة لعلم الاجتماع في عدد من الجامعات العراقية كجامعة الموصل، القادسية، بابل، واسط والأنبار ومنذ العام الماضي جامعة تكريت في محافظة صلاح الدين.

خطفت السياسة والعمل في المؤسسات الحكومية أحد ألمع الحاصلين على شهادة دكتوراه فلسفة في مجال علم الاجتماع من جامعة ميريلاند الأمريكية عام 1960 وقبلها شهادة ماجستير آداب في علم الأجرام من جامعة بيركلي / كاليفورنيا الأمريكية عام 1958. فقد انشغل د. محمد المشاط بالوظائف الرسمية ابتداء من مدير بعثات ثم وكيل وزارة المعارف عام 1963 وتدرجه في المسؤولية حتى عمله سفيراً للعراق في عدد من البلدان الأوربية وأخيراً سفير جمهورية العراق لدى الولايات المتحدة الأمريكية للفترة من 1989 – 1991[47]. كان من الطبيعي والحالة هذه أنْ لا تتوفر للدكتور المشاط فرصة للإنتاج العلمي المميز والمستقل باستثناء مشاركته في تأليف كتاب بعنوان، ‘مبادئ علم الاجتماع’، مع د. حاتم الكعبي[48].

وبرز في هذه الفترة أيضاً د. شاكر مصطفى سليم كأحد أكثر علماء الأنثروبولوجيا تميزاً من حيث مستوى الأداء على صعيد المحاضرة المنهجية المنظمة والعمل المكتوب الموثق على نحوٍ استثنائي بالمقارنة مع من سبقه من الزملاء والأقران. نال د. سليم شهادة الدكتوراه من جامعة لندن عن أطروحته الموسومة، ‘سكان الفرات لدلتا الفرات’، عام 1955 والتي نشرت من قبل مطابع الجامعة عام 1962[49]. وساعدت جامعة بغداد على نشر الأطروحة باللغة العربية والتي أخذت عنواناً آخر، ‘الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق’[50]، عام 1970. وضع د. سليم بعض الأعمال المترجمة المتميزة وفي مقدمتها كتاب كلايد كلوكهون الموسوم، ‘الأنسان في المرآة: علاقة الأنثروبولوجي بالحياة المعاصرة’، والذي نشر بالمشاركة مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر[51]. كما ترجم الكتاب الموسوم، مقدمة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية’[52]، مذيلاً الترجمة بالشروحات اللازمة والمستمدة بالأساس من كتابه اللاحق، ‘قاموس الأنثروبولوجيا’. ولعل أهم ما نشره د. سليم قاموسه الشهير الموسوم، ‘قاموس الأنثروبولوجيا’[53]، الذي يقع في (1060) صفحة وضم أكثر من (5055) مصطلح دققت حسب أفضل المراجع العلمية المتوفرة في هذا المجال منها (683) تعريف بالقبائل البدائية و(155) تعريف وتقديم لعلماء أنثروبولوجيا، أثنولوجيا وأثنوغرافيا متميزين. وساعدت جامعة الكويت على طبعه عام 1981 بعد أنْ قضى في العمل عليه ما يزيد على الأربع سنوات. توفي شاكر مصطفى سليم عن عمر ناهز السادسة والستين وهو في عز عطائه العلمي والفكري ليلتحق بزميليه الطاهر والكعبي ممن توفيا مبكرا كما أراد الله لهما أنْ يفعلا.

خامساً: الجيل الوسيط من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في العراق

ظهر في السبعينات من القرن الماضي ما يمكن أنْ يسمى “الجيل الوسيط” من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا المحدثين في العراق. وكان من أبرز أولئك الأكاديميين د. عادل شكارة، د. عبد المنعم الحسني، د. يونس حمادي التكريتي، د. قحطان سليمان الناصري ود. إحسان محمد الحسن. باستثناء الأخير ساهم العلماء الأربعة الأوائل بعدد من الكتب المنهجية المهمة والتي رأت النور مطلع الثمانينات والتسعينات. مثلّ طبع الكتب المنهجية ظاهرة جديدة في القسم إذ قضت أجيال من الطلبة قبل ذلك التاريخ لما يقدر بثلاثين الى أربعين عاماً منذ تأسيس القسم فترات الدراسة دون كتب منهجية محددة يمكنهم العودة اليها. وبقي أولئك الطلبة حتى ثمانينات القرن المنصرم باستثناء أعمال د. حاتم الكعبي تحت رحمة المحاضر أو الأستاذ للسنوات الأربعة التي قضوها في الكلية.

اشترك د. عادل شكارة ود. عبد المنعم الحسني في وضع كتاب ‘التخطيط الاجتماعي’[54]. كتب الكتاب بطريقة تعليمية مباشرة وضم عشرة فصول بدأت بتقديم أنواع التخطيط، مستوياته، أسس التخطيط ومبادئه، مراحل التخطيط، التخطيط في النظام الرأسمالي والاشتراكي، التخطيط للتنمية في الدول النامية، التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي وأخيراً التخطيط للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في العراق. يقع الكتاب في (341) صفحة. كما في الكتب المنهجية المشار اليها أعلاه اعتمد الكاتبان على أفكار وإسهامات علماء الاجتماع الغربيين من أمثال مانهايم وخلا الكتاب في الوقت نفسه من التوثيق الجيد للمصادر.

وظهر في هذه الفترة أيضاً د. يونس حمادي التكريتي الذي وضع أحد أضبط الكتب المنهجية في مجال علم السكان معتمداً على أحدث المراجع العلمية في هذا المجال[55]. الى جانب هذا الكتاب وكما أطلعني هو شخصياً فقد أُشغِلَ التكريتي وأنشغل بعددٍ لا حصر له من ورش العمل والمؤتمرات والدورات والندوات العلمية التي كانت وزارة التخطيط العراقية خلال السبعينات تدعو اليها وتحتم عليه كأستاذ جامعي ومختص أنْ يحضرها ويشارك فيها خاصةً وأنّه كلف للعمل كمستشار في شؤون السكان بالوزارة آنذاك. وكان هذا كما يتضح أحد أهم الأسباب التي حالت دون أنْ يترك مزيداً من الأعمال ذات الصلة في هذا الميدان المهم، علم السكان أو الديمغرافية، كما كان يحلو له أنْ يسميه. تضمن الكتاب ثلاثة عشر فصلاً غطت القضايا الجوهرية في مجال علم السكان كما في بيانات ومصادر البحث الديمغرافي؛ النظريات السكانية؛ نمو السكان؛ الخصوبة والولادات؛ الوفيات؛ الهجرة؛ توزيع السكان والتحضر؛ تركيب السكان؛ القوى العاملة، الخصائص الاجتماعية والاقتصادية؛ السكان والعائلة والسياسات السكانية. بسبب مواقفه العلمية المتشددة أحيل د. يونس حمادي التكريتي على التقاعد في تسعينات القرن الماضي وهو يقيم اليوم – حسب علمي – في الولايات المتحدة الأمريكية ليقضي بقية حياته محدقاً في العراق وقسم الاجتماع الذي ساهم في بنائه في كلية الآداب، جامعة بغداد من على بُعْد.

في هذه الفترة أيضاً عاد الى العراق د. قحطان سليمان الناصري بعد نيله شهادة الدكتوراه من جامعة درهام البريطانية عام 1978 في علم الأنثروبولوجيا عن أطروحته الموسومة، ‘الأقطاع، الأفخاذ والاصلاح الزراعي في قرية عراقية’[56]. لولا أنّه هو أيضاً وقع ضحية الوظيفة الحكومية والمسؤوليات الإدارية والسياسية الملحقة بها كما حدث مع زميله السابق د. محمد المشاط، كان يمكن لـ د. الناصري أنْ يسجل إضافة مهمة في مجال دراسة المجتمعات المحلية وما أكثرها في العراق، إلا أنّه لم يفعل ليس لشيء إنّما لعدم توفر الوقت والمجال اللازم. فقد عمل الناصري لما يقرب من خمسة وعشرين عاماً عميداً لكليتي التربية والآداب في جامعة البصرة على التوالي، كانت كافية لتجهض إمكاناته العلمية وتصرفه باتجاهات أخرى. وعندما عاد من البصرة الى بغداد عمل عميداً لكلية التربية للبنات في جامعة بغداد وأخيراً عميداً لكلية الآداب في جامعة بغداد حتى إحالته على التقاعد قسراً في أعقاب حرب 2003. وبذلك خسر القسم والكلية علماً من أعلامه المرفرفة وبخاصة في ضوء تقاعد ووفاة العدد القليل من علماء الأنثروبولوجيا في العراق قبل ذلك التاريخ وبعده. وضع الناصري عدداً محدوداً من البحوث والدراسات المنشورة وغير المنشورة وبمشاركة آخرين أحياناً، إلا أنّه بالمحصلة بقي خزيناً علمياً شخصياً يجلس في داره اليوم يصارع المرض وانعدام الراحة، في أقل تقدير.

برز في هذه الفترة أيضاً د. إحسان محمد الحسن الذي هيمن بنشاطه ومطبوعاته التي زادت على السبعين كتاباً خلال عشرين عاماً حتى بداية التسعينات من القرن الماضي عندما بدأ نجمه بالأفول بسبب اكتشاف نزعة التكرار والعمومية والكمية في أعماله، إضافة الى عوامل أخرى تتعلق بشخصيته وميله الى التبسيط والإيجاز والتساهل. أثبت د. الحسن حتى خروجه القسري من القسم حوالي 2005 نتيجة مضايقات وضغوط طلابية وانتشار شائعات غير مؤكدة بمقتله على يد جماعات إرهابية مسلحة أنّه الأكثر إنتاجاً وأنّه يفوق في الكم الذي نجح في طباعته ونشره ما فعله الوردي – مع الفارق في التشبيه -. إذْ لم يترك الحسن ميداناً من ميادين علم الاجتماع إلا وطرقه مدعياً بلا تردد أنّه يتضلع فيه سواء كان في ميدان علم الاجتماع الصناعي أو علم اجتماع العائلة أو علم الاجتماع السياسي أو الحضري والديني وما اليها بل وحتى في ميدان علم الاجتماع العسكري وعلم اجتماع الممارسات الرياضية. ولم يغفل الحسن مسألة الترجمة فكان أنْ وضع عدداً من الأعمال المترجمة بمفرده أو بالتعاون مع آخرين. من هذه التراجم، ‘معجم علم الاجتماع’[57]، وإتجارها جديدة في علم الاجتماع’[58]، وغيرها.

إلا أنّ العمل الذي ميّز د. الحسن – بتقديري -، إنّما هو كتابه الموسوم، ‘الأنبياء عراقيون’[59]، مما يؤهله لمراجعة موجزة هنا. تجاوز الحسن في هذا الكتاب زملائه من علماء علم الاجتماع في العراق ممن أتينا على ذكرهم وإعطاء خلاصات موجزة عن أبرز أعمالهم ونشاطاتهم الأكاديمية. ففي معرض تقديمه لفحوى الكتاب يقدم الحسن أفكار عدد من علماء الاجتماع الغربيين ويدعم ذلك بتقديم كتبه كمراجع أساسية إضافة الى استخدام مصادر حكومية حزبية لا تمتّ الى العلم بصلة من حيث أنّها كتبت من وجهة نظر إيديولوجية منحازة في الغالب. يصف الحسن الكتاب بقوله: “يُعدّ هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية بل وحتى في اللغات الأخرى الشرقية ومنها والغربية”[60]. ويضيف أنّ هذا الكتاب يمثل حقلاً جديداً في مجال علم الاجتماع يقوم من حيث الأساس على فكرة أنّ “أنبياء الله سبحانه وتعالى هم عراقيون إما بالولادة أو بانحدار النسب …”. ويبرر الكاتب اختيار العراق مهبطاً للرسل والأنبياء وهي بنظره: 1. أنّ العراق موطن أولى الحضارات البشرية؛ 2. أخلاق العراقيين الفاضلة؛ 3. أنّ العراقيين يكرهون كل ما يتسم بالصفات السلبية كالكذب والرياء والخيانة والغدر”[61]. ويختتم الحسن ‘أطروحته’ بالقول “لم يكن العراق مهبط الرسالات السماوية وموطن الأنبياء والرسل والصالحين بل كان أيضاً مبعث القادة والعظماء والأبطال عبر التاريخ كحمورابي ونبوخذنصر وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي وصدام حسين[62].

اليوم، يبرز ثلاثة من علماء الاجتماع المحدثين في العراق ممن تتلمذوا على أيادي معظم من مرّ ذكرهم وهؤلاء حسب التسلسل الزمني لتخرجهم وحصولهم على شهادات الماجستير والدكتوراه في مجال علم الاجتماع: د. كريم محمد حمزة؛ د. ناهدة عبد الكريم؛ د. عدنان ياسين مصطفى. زخر الباحث الشاب في حينها د. كريم محمد حمزة بإمكانات وطاقات ممتازة على صعيد العمل الميداني السوسيولوجي المتقد حماساً وحيوية وبخاصة في صفوف الفئات الاجتماعية المهمشة كالبغايا والمتسولين. وكان حصل على شهادة الماجستير في مجال علم الاجتماع من قسم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد عن دراسته الموسومة، ‘البغاء السري في بغداد: دراسة ميدانية’[63] عام 1974. وكانت الدراسة دراسة استطلاعية بامتياز تضمنت استكشاف المهنة قبل البغاء، مبررات الممارسة، شبكة العلاقات الاجتماعية، الدخل والأنفاق، أماكن الإقامة والممارسة وما اليها. وضع حمزة عددا من الأعمال البحثية خاصةً وأنّه عمل باحثاً علمياً في المركز القومي للبحوث الجنائية لعدد من السنوات. كما حاول تطوير منهجيات البحث العلمي حيث نشر مقالته المعروفة في تحليل المضمون[64] وقام بدراسات تقويمية عديدة لدور الرعاية الاجتماعية والطفولة وما اليها. إلا أنّ وقوعه في الأسر الإيراني عشية مشاركته في الحرب العراقية الإيرانية كجزء من الخدمة الإلزامية (1982 – 1990) كان كافياً لتحجيم إمكاناته وأولها الحيلولة دون إتمام دراسته العليا لنيل شهادة الدكتوراه في مجال علم الاجتماع التي لم تحصل له حتى صيف 1995.

حصلت د. ناهدة عبد الكريم على شهادة الماجستير عام 1975 عن رسالتها الموسومة، ‘دراسة حالة الرعب الجمعي في مدينة بغداد’[65]، وأشرف عليها د. حاتم الكعبي. كتبت د. عبد الكريم في مجالاتٍ عديدة جداً وبخاصة في مجال المنهج وطرق البحث العلمي. ونشرت في عدد متنوع من المجلات العلمية العراقية المحكمة وقامت بتدريس مادة طرق بحث وتصميم بحوث وكتبت عن المرأة والتنمية المستدامة والطفولة والشباب والرعاية الاجتماعية والمسنين وما اليها. حصلت على شهادتها للدكتوراه عام 2000 عن أطروحتها الموسومة، ‘ثورة العشرين: الأسباب والآثار الاجتماعية’[66].

عاد د. عدنان ياسين مصطفى الى العراق عام 1990 بعد نيله شهادة الدكتوراه في مجال علم اجتماع التنمية من جامعة هل البريطانية عن أطروحته الموسومة، ‘النساء والتنمية في سياق حضري: دراسة للنساء المهاجرات في مدينة الموصل’[67]. اهتم د. مصطفى بمشكلات المجتمع الحضري والسلوك المنحرف وظهور المجتمع المدني إضافة الى قيامه بمراجعة تراجم بعض الكتب وبخاصة تلك التي صدرت عن بيت الحكمة الى جانب عمله كتدريسي في كلية التربية للبنات، جامعة بغداد.

عموماً، فأنّ القاسم المشترك بين هؤلاء العلماء المحدثين الثلاثة هو أنّهم أُشغِلوا وانشغلوا بالمشاركة بعشرات الندوات والمؤتمرات وورش العمل العلمية والتدريبية على الصعيدين المحلي والعربي مما حال – كما يبدو – دون التفرغ لأعمال كبيرة ومؤثرة، أو في الأقل متابعة ما تمّ البدء به في مرحلة البداية. بقيت على سبيل المثال، دراسة د. كريم محمد حمزة في ‘البغاء السري’، يتيمة دون أنْ تلحق بدراسة أخرى تستطلع التغيرات التي أصابتها أو تطويرها باتجاه تحليلي يأخذ بالاعتبار جوانب لم تدرس بعد!

الخاتمة: كلمة بشأن المستقبل

كما يتضح مما سبق، فقد تمّ التركيز على دور الأشخاص والأفراد ممن نالوا شهاداتهم العلمية في مجال علم الاجتماع في الغالب من جامعات أجنبية مرموقة، إلا أنّنا لم نقل شيئاً عن أقسام علم الاجتماع كتنظيمات مؤسساتية يفترض أنْ تكون قادرة على وضع أسس وقواعد عمل تحمي المستفيدين من طلبة وتدريسيين من مغبة الابتعاد عما هو ضروري لتطور العلم ووظيفته في الحياة العامة للمجتمع. وكان للسياسة المركزية الصارمة المتبعة في العراق لعقود من الزمن أنْ صنعت أقساماً متطابقة الى حد الرتابة على الرغم من الاختلافات الثقافية والاجتماعية النسبية للجامعات التي تقوم فيها هذه الأقسام بقدر ما يتعلق الأمر بالمحافظات التي تأسست فيها. فكان أنْ درست مواد علمية مماثلة كما في مواد المداخل في مجال علم الاجتماع، علم النفس، الفلسفة، الخدمة الاجتماعية، الأنثروبولوجيا، مصطلحات ونصوص باللغة الإنكليزية، الحاسوب وحقوق الأنسان على مستوى المرحلة الأولى للدراسات الأولية. ودرست مواد المشكلات، علم الاجتماع الريفي، علم الاجتماع التربوي، علم الاجتماع الاقتصادي، الأنثروبولوجيا الاجتماعية، علم النفس الاجتماعي وطرق البحث على مستوى المرحلة الثانية وهكذا وصولاً الى المرحلتين الثالثة والرابعة. وحدث أنْ شذّت بعض الأقسام وبخاصة في اقليم كردستان العراق مؤخراً عن هذا التطابق كما في قسم علم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية في جامعة السليمانية وهي أحد أبرز جامعات الإقليم. إذ قدمت مادة جديدة حملت عنوان (جندر وعنف) الى جانب مادة علمية أخرى تدرس في كل الأقسام العلمية على مستوى الجامعة وهي مادة (جدل علمي) لتشجيع الطلبة على تطوير مهاراتهم الجدالية وإكسابهم الشجاعة الأدبية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم وقناعاتهم[68]. وأدخلت مادة جديدة غير مطروقة في قسم علم الاجتماع في كلية الآداب، جامعة صلاح الدين في أربيل عاصمة الإقليم بعنوان (كردولوجي) بهدف تعريف الطالب الكردي بنشأة اللغة الكردية وتطورها الى جانب الاهتمام بخصوصية المجتمع الكردي وحاجاته[69]. وهذه مبادرات تستحق التقدير بنظري لكونها تبحث عن التميز الذي يفترض أنْ يطبع كل الأقسام بحسب حاجاتها وتطلعاتها المجتمعية والثقافية.

لعل مستقبل علم الاجتماع في العراق سيبقى رهين التلكؤ والمراوحة في أحسن الأحوال إذا لم يصار الى الاعتراف بأخطاء الماضي والابتعاد عن تأليه الأشخاص وفي مقدمتهم علماء الاجتماع الرواد ممن تجاهل بعضهم أو ربّما تقصد الامتناع عن تسليم مفاتيح اللعبة للطلبة من خلال تقديم أعمال ترتقي الى مستوى الأعمال العلمية الرصينة التي مارسوها في كتابة أطاريحهم ولا بدّ أنّهم عانوا من عدم الالتزام أو التفريط بها. لا ريب والحالة هذه أنْ نجد طلبة اليوم يقفون حيارى أمام الانتقادات التي توجه لهم في مناقشة رسائلهم وأطاريحهم لأنّهم كانوا ثمرة إعداد وتأهيل لم يألوا جهداً في استيعابه إنّما تكمن الإشكالية في نوعية ما تلقوه ووجهوا اليه وليس في إهمالهم وعدم إكتراثهم كما يبدو على السطح. وهذه – بنظري – إحدى أهم الأسباب التي تحول دون أنْ يتمكن الطالب والتدريسي العراقي من تحقيق حضور قوي ومستدام على مستوى الكتابة في المجلات العلمية خارج العراق. لا يكفي والحالة هذه أنْ تقوم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتقديم المحفزات والمكافآت المادية للتشجيع على المشاركة عربياً ودولياً كما تفعل بسخاء منذ أكثر من عام لأنّ المشكلة أعمق مما يعتقد وبخاصة على مستوى الدراسات الاجتماعية والإنسانية على وجه العموم بالمقارنة مع ما يجري على مستوى الدراسات العلمية والتطبيقية الأخرى. وإذا كان يمكن تبرير الماضي وما حدث فيه من فشل وإخفاق في إرساء قواعد العمل العلمي السليم بسبب حداثة العلم وضغط العمل وما اليه فأنّ اختصاصي اليوم المطلعون على ما هو صحيح ممن يعلمون علم اليقين الطريق الى الحقيقة يتحملون مسؤولية علمية وأدبية لتصحيح المسار وبالطريقة التي تحدث نقلة جادة على مستوى الحضور العلمي على المستوى العربي والدولي باعتباره المقياس والبرهان الذي لا يرقى الشك إليه. إلى جانب هذه القضايا الفنية التقنية ذات العلاقة بالمنهج وطرق التسويق والتقديم المناسبة فأنّ المتخصصين الحاليين مطالبين بتوجيه الاهتمام لعدد من القضايا الجوهرية على مستوى النظرية التي يمكن أنْ تقدم بصيغة أسئلة. ما هو الموقف من قضية ‘الثقافة’ والبنية الاجتماعية’! الى أي درجة يتطلب إيلاء الاهتمام بما يسمى ‘الصيرورة’، على الضد من ‘الثبات والسكون’، في وقتٍ يمور فيه المجتمع بشتى الغليانات على صعيد العرق والقومية والجندر والمنطقة والدين والمذهب والسياسة وما اليها. كيف تتجلى حكمة الزمان والمكان في مجتمع اليوم! كيف تسجل ‘المحلية’ حضورها في وجه جريان ‘العولمة’ الجارف لكل ما يصادفه! كيف يؤثر التقدم المهول في أجهزة الاتصال الحديثة على سلوك جماعات واسعة من السكان ممن يتعلمونها اليوم كما تعلموا من قبل قيادة السيارة بالخبرة والممارسة وليس بالقراءة والتعلم وتفهم النظام القيمي والأدبي المرافق لها وما الإشكالات التي تترتب على هذا النوع من التعلم والتلقي! كيف السبيل الى الخروج من البحث في اعتقادات الناس وتصوراتهم الى البحث عن الحقيقة بطرق جديدة ومبتكرة من حيث أنّ ما يقولونه شيء وما يفعلونه حقيقةً شيئاً آخر! كيف تفسر المطالبات بالتدخل الأجنبي العسكري من قبل الجيل الذي نشأ على مقاومة الاستعمار والتحرر الوطني والقومي! هذه وغيرها من الأسئلة يمكن أنْ تساعد على تطوير وجهات نظر يجاب عليها من خلال البحث العلمي الميداني وصولاً الى مستوى إنتاج الدليل وليس فقط البحث عما يدعم الافتراض والتصور العام الشائع والمسلم به. حتى نبلغ ذلك، فأنّ أمامنا الكثير مما يتحتم علينا عمله.

*) كلية الآداب، جامعة بغداد

 العنوان الإلكتروني للكاتبة عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الهوامش

--------------------------------------------------------------------------------

[2] لم تفتتح أي جامعة أهلية خاصة – حسب علمي – قسماً لعلم الاجتماع فيها.

[3] حنتوش، د. خالد ساجت، النتاج البحثي في القسم الأم لعلم الاجتماع في العراق: دراسة تحليلية – إحصائية لما أنتج في الدراسات العليا (1972 – 2011) (بحث مقبول للنشر في بيت الحكمة)، بغداد، 2013

[4] Wardi, Ali Husayn, A Sociological Analysis of Ibn Khaldun’s Theory: A Study in the Sociology of Knowledge, University of Texas (Unpublished Dissertation), 1950

[5] النقيب، د. مرتضى حسن، على الوردي والتحديث في المجتمع العراقي (بغداد: كلية الآداب، جامعة بغداد، 2013) (بحث غير منشور)

[6] الوردي، علي حسين، شخصية الفرد العراقي (بغداد: مطبعة الرابطة، 1951)

[7] ——————-، خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة (مستنسخ) (بغداد: بلا مطبعة، 1952)

[8] ——————-، وعاظ السلاطين (مستنسخ) (بغداد: بلا مطبعة، 1954)

[9] Wardi, Ali Hussain, A Study in the Sociology of Islam, University of Texas, (Unpublished Research), 1948

[10] فوزية العطية تدريسية أحيلت على التقاعد عام 2012 لبلوغها السبعين من العمر

[11] Al- Qazzaz, Ayad, Sociology in Underdeveloped Countries: A Case Study of Iraq, The Sociological Review, Vol. 20, No. 1, 1972

[12] الطاهر، د. عبد الجليل (ترجمة) العشائر والسياسة (بغداد: مطبعة الزهراء، 1958)

[13] —————————-، المزارع التعاونية الجماعية (بغداد: مطبعة العاني، 1960)

[14] —————————-، أصول الطبقة الوسطى في عصر التنوير’، (بغداد: مطبعة الرابطة، 1960)

[15] —————————-، العشائر العراقية (بيروت: مطابع دار لبنان، 1972)

[16] —————————-،التفسير الاجتماعي للجريمة (بغداد: مطبعة الرابطة، 1954)

[17] ————————— المشكلات الاجتماعية في حضارة متبدلة (بغداد: دار المعرفة، ص 195، 1953)

[18] Durkheim, Emile, Suicide: A Study in Sociology (Translated by John A. Spauling & George Simpson)(New York: A Free Press, 1951)

[19] مصدر سابق، الطاهر، المشكلات الاجتماعية في حضارة متبدلة، ص 203، 1953

[20] ———————————————————–، ص 247، 1953

[21] الطاهر، د. عبد الجليل، أصنام المجتمع: بحث في التحيز والتعصب والنفاق الاجتماعي (بغداد: مطبعة الرابطة، 1956)

[22] الوردي، د. علي، وعاظ السلاطين (مستنسخ) (بغداد: بلا مطبعة، 1954)

[23] مصدر سابق، الطاهر، أصنام المجتمع، ص 3

[24] ———————————–، ص 4

[25] ———————————–، ص 6

[26] ———————————–، ص 39

[27] Durkheim, Emile, The Elementary Forms of Religious Life (Translated from the French by Joseph Ward Swain) (London: The Free Press, 1915)

[28] مصدر سابق، الطاهر، أصنام المجتمع، ص 132

[29] ———————————–، ص 133

[30] الطاهر، د. عبد الجليل، علم اجتماع المسرح: بحث في الأشباح الجماعية، مجلة الآداب، العدد 12، ص 65 – 110

[31] ——————————————————————————————، ص 81

[32] Al- Qazzaz, Ibid, 1972

[33] الكعبي، د. حاتم عبد الصاحب، في علم اجتماع الثورة (بغداد: مطبعة الزهراء، 1959)

[34] ——————-، في علم اجتماع الثورة، ص 30، 1959

[35] ——————-، نمو الفكر الاجتماعي (بغداد: المكتبة العصرية، 1964)

[36] ——————-، من آثار الاتصال والاحتكاك الاجتماعي والحضاري: الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر، ص 200 – 217، مجلة الأستاذ، المجلد الثالث عشر بعدديه الأول والثاني، مطبعة الحكومة، بغداد، 1965 – 1966

[37] ——————-، حركات المودة (الديوانية: مطبعة الديوانية الحديثة، 1971)

[38] ——————-، السلوك الجمعي (الجزء الأول) (الديوانية: مطبعة الديوانية الحديثة، 1973)

[39] Qais, Alnouri, Conflict & Persistance: The Iraqi Chaldean Acculturation, University of Washington, Seattle, 1964 (Unpublished Dissertation)

[40] النوري، د. قيس نعمة، مدارس الأنثروبولوجيا (بغداد: دار الحكمة للطباعة والنشر، 1991)

[41] ——————————————، ص 14

[42] ———————، آفاق الديموقراطية والتركيب الثقافي العربي، ص 38 – 49، مجلة الفكر العربي، العدد 85 – 86، 1996

[43] ———————، مشخصات الاغتراب الأكاديمي العربي، ص 64 – 75، دراسات عربية، العدد 1- 2، 1996

[44] Al Nouri, Qais N., Pecuniary Trends Among the Urbanizing Tribals in the Middle East Focusing on Iraq, pp. 75 – 90, International Journal of Contemporary Sociology, Vol. 35, No. 1, April 1998

[45] السامرائي، متعب مناف، ثورة على القيم (بغداد: بلا مطبعة، 1965)

[46] ———————-، الواقع الفكري والمجتمع العربي الجديد: هل يستطيع العرب فهم ماضيهم وتقييم حاضرهم والانطلاق نحو مستقبلٍ أفضل (بغداد: مطبعة العامل، 1966)

[47] المشاط، محمد، كنت سفيراً للعراق في واشنطن: حكايتي مع صدام في غزو الكويت (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008)

[48] ————————————————————————————————————–، ص 17

[49] Salim, S. M., Marsh Dwellers of the Euphrates Delta (Monographs on Social Anthropology, No. 23) (London: The Althone Press, University of London, 1962)

[50] سليم، شاكر مصطفى، الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق (الطبعة الثانية) (بغداد: مطبعة العاني، 1970)

[51] كلوكهون، كلايد، الأنسان في المرآة: علاقة الأنثروبولوجي بالحياة المعاصرة (ترجمه وعلق عليه د. شاكر مصطفى سليم) (بغداد: المكتبة الأهلية، 1964)

[52] مير، لويس، مقدمة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية (ترجمة وشرح شاكر مصطفى سليم) (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1983)

[53] سليم، د. شاكر مصطفى، قاموس الأنثروبولوجيا (إنكليزي – عربي) (الكويت: جامعة الكويت، 1981)

[54] شكارة، د. عادل ود. عبد المنعم الحسني، التخطيط الاجتماعي (بغداد: دار الحكمة للطباعة والنشر، 1992)

[55] التكريتي، د. يونس حمادي، مبادئ علم الديمغرافية: دراسة السكان (بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بلا سنة)

[56] Qahtan, Al Nasri, Landlords, Lineages & Land Reforms in an Iraqi Village, University of Durham, 1978 (Unpublished Dissertation)

[57] ميتشيل، دينكن (تحرير)، معجم علم الاجتماع، (ترجمة د. إحسان محمد الحسن) (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1981)

[58] ————، اتجاهات جديدة في علم الاجتماع (ترجمة د. إحسان محمد الحسن وآخرون) (بغداد: بيت الحكمة، 2001)

[59] الحسن، د. إحسان محمد، الأنبياء عراقيون، (بغداد: مطبعة الحضارة، 2000)

[60] —————————————، ص 8

[61] —————————————، ص 79 – 90

[62] —————————————، ص 176 – 200

[63] حمزة، د. كريم محمد، البغاء السري في بغداد: دراسة ميدانية، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1974 (رسالة ماجستير غير منشورة)

[64] ——————-، دراسات تحليل المضمون، الجزء الأول والثاني، مجلة البحوث الاجتماعية والجنائية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، العدد 1، السنة الرابعة، 1975

[65] عبد الكريم، د. ناهدة، دراسة حالة الرعب الجمعي في مدينة بغداد، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1975 (رسالة ماجستير غير منشورة)

[66] ——————، ثورة العشرين: الأسباب والآثار الاجتماعية، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2000 (أطروحة دكتوراه غير منشورة)

[67] Yassin, Adnan Mustafa, Women & Development in an Urban Context: A Study of Migrated Women in Mousil City, Sociology Department, University of Hull, 1990 (Unpublished Dissertation)

[68] اتصال هاتفي برئيسة قسم علم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية، جامعة السليمانية د. جوان بختيار، 7 أيلول، 2013

[69] اتصال هاتفي برئيس قسم علم الاجتماع سابقاً في كلية الآداب، جامعة صلاح الدين (أربيل) د. صباح النجار، 8 أيلول، 2013

المراجع
Wardi, Ali Husayn, A Sociological Analysis of Ibn Khaldun’s Theory: A Study in the Sociology of Knowledge, University of Texas (Unpublished Dissertation), 1950

حنتوش، د. خالد ساجت، النتاج البحثي في القسم الأم لعلم الاجتماع في العراق: دراسة تحليلية – إحصائية لما أنتج في الدراسات العليا (1972 – 2011) (بحث مقبول للنشر في بيت الحكمة)، بغداد، 2013

النقيب، د. مرتضى حسن، على الوردي والتحديث في المجتمع العراقي (بغداد: كلية الآداب، جامعة بغداد، 2013) (بحث غير منشور)

الوردي، د. علي حسين، شخصية الفرد العراقي (بغداد: مطبعة الرابطة، 1951)

——————-، خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة (مستنسخ) (بغداد: بلا مطبعة، 1952)

——————-، وعاظ السلاطين (مستنسخ) (بغداد: بلا مطبعة، 1954)

Wardi, Ali Hussain, A Study in the Sociology of Islam, University of Texas, (Unpublished Research), 1948

Al- Qazzaz, Ayad, Sociology in Underdeveloped Countries: A Case Study of Iraq, The Sociological Review, Vol. 20, No. 1, 1972

الطاهر، د. عبد الجليل (ترجمة) العشائر والسياسة (بغداد: مطبعة الزهراء، 1958)

—————————-، المزارع التعاونية الجماعية (بغداد: مطبعة العاني، 1960)

—————————-، أصول الطبقة الوسطى في عصر التنوير’، (بغداد: مطبعة الرابطة، 1960)

—————————-، العشائر العراقية (بيروت: مطابع دار لبنان، 1972)

الطاهر، د. عبد الجليل، التفسير الاجتماعي للجريمة (بغداد: مطبعة الرابطة، 1954)

الطاهر، د. عبد الجليل، المشكلات الاجتماعية في حضارة متبدلة (بغداد: دار المعرفة، ص 195، 1953)

الطاهر، د. عبد الجليل، أصنام المجتمع: بحث في التحيز والتعصب والنفاق الاجتماعي (بغداد: مطبعة الرابطة، 1956)

الطاهر، د. عبد الجليل، علم اجتماع المسرح: بحث في الأشباح الجماعية، مجلة الآداب، العدد 12، ص 65 – 110

Durkheim, Emile, Suicide: A Study in Sociology (Translated by John A. Spauling & George Simpson)(New York: A Free Press, 1951)

Durkheim, Emile, The Elementary Forms of Religious Life (Translated from the French by Joseph Ward Swain) (London: The Free Press, 1915)

الكعبي، د. حاتم صاحب، في علم اجتماع الثورة (بغداد: مطبعة الزهراء، 1959)

——————-، نمو الفكر الاجتماعي (بغداد: المكتبة العصرية، 1964)

——————-، من آثار الاتصال والاحتكاك الاجتماعي والحضاري: الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر، ص 200 – 217، مجلة الأستاذ، المجلد الثالث عشر بعدديه الأول والثاني، مطبعة الحكومة، بغداد، 1965 – 1966

——————-، حركات المودة (الديوانية: مطبعة الديوانية الحديثة، 1971)

——————-، السلوك الجمعي (الجزء الأول) (الديوانية: مطبعة الديوانية الحديثة، 1973)

Qais, Alnouri, Conflict & Persistance: The Iraqi Chaldean Acculturation, University of Washington, Seattle, 1964 (Unpublished Dissertation)

النوري، د. قيس نعمة، مدارس الأنثروبولوجيا (بغداد: دار الحكمة للطباعة والنشر، 1991)

———————، آفاق الديموقراطية والتركيب الثقافي العربي، ص 38 – 49، مجلة الفكر العربي، العدد 85 – 86، 1996

———————، مشخصات الاغتراب الأكاديمي العربي، ص 64 – 75، دراسات عربية، العدد 1- 2، 1996

Al Nouri, Qais N., Pecuniary Trends Among the Urbanizing Tribals in the

Middle East Focusing on Iraq, pp. 75 – 90, International Journal of Contemporary Sociology, Vol. 35, No. 1, April 1998

السامرائي، متعب مناف، ثورة على القيم (بغداد: بلا مطبعة، 1965)

———————-، الواقع الفكري والمجتمع العربي الجديد: هل يستطيع العرب فهم ماضيهم وتقييم حاضرهم والانطلاق نحو مستقبلٍ أفضل (بغداد: مطبعة العامل، 1966)

المشاط، محمد، كنت سفيراً للعراق في واشنطن: حكايتي مع صدام في غزو الكويت (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008)

Salim, S. M., Marsh Dwellers of the Euphrates Delta (Monographs on Social Anthropology, No. 23) (London: The Althone Press, University of London, 1962)

سليم، شاكر مصطفى، الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق (الطبعة الثانية) (بغداد: مطبعة العاني، 1970)

كلوكهون، كلايد، الأنسان في المرآة: علاقة الأنثروبولوجي بالحياة المعاصرة (ترجمه وعلق عليه د. شاكر مصطفى سليم) (بغداد: المكتبة الأهلية، 1964)

مير، لويس، مقدمة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية (ترجمة وشرح شاكر مصطفى سليم) (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1983)

سليم، د. شاكر مصطفى، قاموس الأنثروبولوجيا (إنكليزي – عربي) (الكويت: جامعة الكويت، 1981)

شكارة، د. عادل ود. عبد المنعم الحسني، التخطيط الاجتماعي (بغداد: دار الحكمة للطباعة والنشر، 1992)

التكريتي، د. يونس حمادي، مبادئ علم الديمغرافية: دراسة السكان (بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بلا سنة)

Qahtan, Al Nasri, Landlords, Lineages & Land Reforms in an Iraqi Villege, University of Durham, 1978 (Unpublished Dissertation)

ميتشيل، دينكن (تحرير)، معجم علم الاجتماع، (ترجمة د. إحسان محمد الحسن) (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1981)

————، اتجاهات جديدة في علم الاجتماع (ترجمة د. إحسان محمد الحسن، د. عبد المنعم الحسني، د. حمدي حميد يوسف، إبراهيم عبد الرزاق) (بغداد: بيت الحكمة – 2001)

الحسن، د. إحسان محمد، الأنبياء عراقيون، (بغداد: مطبعة الحضارة، 2000)

حمزة، د. كريم محمد، البغاء السري في بغداد: دراسة ميدانية، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1974 (رسالة ماجستير غير منشورة)

——————–، دراسات تحليل المضمون، الجزء الأول والثاني، مجلة البحوث الاجتماعية والجنائية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، العدد الأول، السنة الرابعة، 1975

عبد الكريم، د. ناهدة، دراسة حالة الرعب الجمعي في مدينة بغداد، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1975 (رسالة ماجستير غير منشورة)

——————، ثورة العشرين: الأسباب والآثار الاجتماعية، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2000 (أطروحة دكتوراه غير منشورة)

Yassin, Adnan Mustafa, Women & Development in an Urban Context: A Study of Migrated Women in Mousil City, Sociology Department, University of Hull, 1990 (Unpublished Dissertation)
 

معايير المحاسبة الدولية واثرها على اصلاح النظام المحاسبي في اقتصاد العراق

د. صباح قدوري *

ملخص:

تتوجه اليوم السياسة الاقتصادية العراقية نحو الليبرالية والانفتاح على الأسواق الخارجية. والانتقال إلى اللامركزية الإدارية في تسيير الاقتصاد، ومنهج التحول إلى اقتصاد السوق. يحتاج تنفيذ هذه السياسة الاقتصادية الى وجود رقابة ادارية ومالية حكومية وشعبية فعالة، حتى لا تنحرف وتتحول الى ظاهرة الفساد المالي والاداري . ولكن في الواقع الملموس، ساهم سوء ترجمة تطبيق هذه السياسة في الواقع الاقتصاد العراقي، الى تفاقم نظام الفساد المالي والإداري في المؤسسات العامة والخاصة، الحكومية منها والحزبية، وخاصة بعد الاحتلال في عام 2003.

وأمام هذه الحالة تعاظمت الحاجة للتفكير بإجراء الإصلاحات الضرورية في الاقتصاد العراقي، ومنها النظام المحاسبي. وسيكون تطبيق معايير المحاسبة الدولية احد عوامل ذلك الانفتاح باتجاه تطوير نظام محاسبي يقضي على مشكلة الفساد في العراقي، وقبل ذلك سيساهم في توحيد الأنظمة المحاسبية المتعددة المعمول بها في القطاعين العام والخاص، تسهيلا للعمل وضبطا نوعيا له. وربما كان ذلك أدعى في تطوير أساليب الرقابة المالية وجودتها، وأيضا في تحديث القدرات المهنية للعاملين في حقلي المحاسبة والإدارة في العراق الجديد.

وتتطلب هذه الحالة الانتقال إلى اقتصاد جديد للمحاسبة، واستخدام أدوات جديدة لمعالجة وظيفة النظام المحاسبي، من أجل توفير المعلومات المحاسبية التي تلبي احتياجات المستثمرين والمالكين والممولين وغيرها.

Abstract

Today, Iraq’s economic policy is leaning towards liberalism and openness to foreign investment. The transition to decentralization and market economy is in process, but not without costs.

 The financial and administrative system in Iraq is infested with corruption at all levels, especially after the occupation in 2003.This fatal situation requires the much needed reforms of the financial system, and thereby the accounting system. The application of international accounting standards could be one of the key factors in the development process of a multi-applicable accounting system, and the fight against corruption.

The implementation of contemporary accounting methods would not only enforce control and quality capabilities, but also the professional capacity of workers in the field of accounting and administration.

The situation requires a move towards a new accounting system, and the use of new tools to address the challenges of the current situation. It is in the country’s interest, that the accounting system can provide relevant and up to date information, which can fulfil the needs of investors, financiers and others.

 توطئة:

إن ظهور النظام المحاسبي القياسي العالمي، يعدّ ضرورة أساسية لتطوير علم وفن المحاسبة، وللإبتعاد عن كافة السلبيات التي تواجه الطرق المحاسبية المختلفة في بلدان عديدة، ومنها العراق. إن تطبيق هذا النظام سيرفع بلا شك مستوى التوعية في أوساط المسؤولين والمشرّعين في الدوائر والمؤسسات والوحدات الاقتصادية التابعة للدولة، وفي وحدات إدارة الاعمال. حيث أن تبني هذه المعايير يوفر مرجعا محاسبيا واحدا وثابتا. ويساهم في تعزيز مهنة المحاسبة على الصعيد العالمي. وفي تطوير اقتصاديات دولية قوية، عن طريق ترسيخ وتشجيع الالتزام بالمعايير المهنية عالية الجودة، وتعزيز التقارب الدولي بين هذه المعايير والتعبير عن قضايا المصلحة العامة والمسؤولية الاجتماعية، حيث تكون الخبرة المهنية أكثر ملاءمة. ويؤمن هذا النظام أيضا عملية ضمان وسلامة المعاملات الاقتصادية وتفسير المعلومات. ويوفر إفصاحا ماليا يسهل فهمه وقراءته ومعالجته والتعامل معه، ومحاسبة المسؤولين في الحكومة على أساسه. كما يضع أسسا موحدة لعملية التقييم والمقارنة وتوحيد المبادئ والأصول والقواعد المحاسبية في ظل تعقيد العلاقات الاقتصادية، ونتيجة للتطور السريع الذي يحدث في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وكذلك التوجه نحو ليبرالية العلاقات الاقتصادية العالمية من خلال الانفتاح المتزايد لنموذج اقتصاد السوق- الحر.

أهمية البحث:

وتكمن أهمية هذا البحث، في اتباع منهج تحليلي معرفي ووصفي، الامر الذي يقود إلى بلورة تصور منطقي وآليات التنفيذ اللازمة لتطوير النظام المحاسبي، من خلال التأكيد على ضرورة الاستفادة من تطبيق معايير المحاسبة الدولية في الاقتصاد العراقي وأهميته. لا سيما وأن تفاقم نظام الفساد المالي والإداري في العراق وخاصة بعد الاحتلال في عام 2003، سيجعل بلا شك تطبيق المعايير المحاسبية الدولية أحد العوامل، بل والمفتاح الحقيقي لتطوير نظام محاسبي من شأنه أن يقضي على هذه المشكلة. لا سيما وأن الحالة الاقتصادية العراقية الحالية قد تكون مؤهلة، مع الأخذ بنظر الاعتبار دور المنظمات المهنية الوطنية المحاسبية، وبرامج الحكومة والجامعات ومراكز البحوث المختصة لتطبيق ذلك، وتأثيرها على إجراء الإصلاحات الضرورية والمهمة في الهيكل الاقتصادي وفي الأنظمة المحاسبية المعمول بها حاليا.

مشكلة البحث:

يمكن تلخيص مشكلة البحث بدراسة إمكانية تبني هذه المعايير في القطاعين العام والخاص، وفي فرص تطبيقها بحيث تتلاءم وتتكيف مع البيئة الوطنية، وتوجّه الاقتصاد العراقي نحو الليبرالية، واللامركزية الإدارية، وتطبيق نموذج اقتصاد السوق، محددا ذلك بضرورة إجراء الإصلاحات الضرورية والمهمة في البنية الهيكلية للاقتصاد والنظام المحاسبي العراقي.

هدف البحث:

 أما الهدف من هذا البحث، فيتمثل بأن تبني هذه المعايير، سوف يحقق مبدأ التوافق بين الأنظمة المحاسبية والتقارير المالية المتعددة المعمول بها في العراق، والتي تنظم أمورها مصادر مختلفة، كالقانون التجاري الضريبي، قانون الميزانية العامة للدولة، قانون أصول المحاسبات العامة للدوائر والمؤسسات في القطاع العام والجمعيات، وقوانين وحدات إدارة الأعمال في القطاع الخاص، وغيرها.

 فرضية البحث:

إن فرضية البحث تكمن في الفكرة الآتية، فلكي يؤدي النظام المحاسبي دوره الحقيقي والفعال في الاقتصاد العراقي، لابد من الاستفادة من تطبيق هذه المعايير بما يساهم بلا شك في توحيد الأنظمة المحاسبية المتعددة المعمول بها في القطاعين العام والخاص. ومن ثمَّ في تحسين أساليب الرقابة المالية وجودتها ومناهجها من الجانبين النظري والتطبيقي وتطويرها جميعا. والفرضية ترى بأن ذلك سيرفع من كفاءة الأداء المالي والمحاسبي والإداري وإنتاجيته، وكذلك في تطوير القدرات المهنية للعاملين في الحقل المحاسبي.

محاور البحث:

وفي ضوء ما تقدم ، يمكن إجمال محاور البحث بالآتي:-

المحور الاول: توصيف مكثف للحالة الاقتصادية في العراق الجديد.

المحور الثاني: لمحة مختصرة عن الأنظمة المحاسبية في العراق.

المحور الثالث: سرد مختصر ومكثف عن التطور التاريخي للنظام المحاسبي، ووظائفه.

المحور الرابع: المعايير المحاسبية الدولية، وإمكان تبنيها والاستفادة من تطبيقاتها في الاقتصاد العراقي.

المحور الخامس : الخلاصة والمقترحات

المحور الاول: توصيف مكثف للحالة الاقتصادية في العراق الجديد

يلعب الاقتصاد المعرفي اليوم دورا كبيرا في اقتصاديات البلدان المتطورة. وقد أصبح أكثر تأثيرا في الحياة من بين العوامل الأخرى المادية والطبيعية. وتلعب التكنولوجيا وخاصة المعلوماتية منها دورا مهما وبارزا في نمو وتطوير اقتصاد المعرفة. يقول الكاتب وليام اي. هلال وزميله كينيث ب. تايلور في كتابهما الموسوم “اقتصاد القرن الحادي والعشرون- الآفاق الاقتصادية – الاجتماعية لعالم متغير: ”اليوم أصبح واضحا كون المعرفة وخاصة اقتصاديات المعرفة هي الأصل الأكثر استراتيجية في الوحدات، ومصدر الإبداع والابتكار والقيم والتقدم الاجتماعي- أي المورد الذي لا ينضب”.

فالاستعانة بمفاهيم الاقتصاد المعرفي، يساعدنا على التعرف الحقيقي إلى بعض ملامح النظام الاقتصادي العراقي في المرحلة الراهنة وأنشطته، وذلك من خلال تحليله وتقيمه واستخلاص النتائج المترتبة على أدائه، ووضع استراتيجية واضحة وشفافة لتفعيله، والتصور في آفاق تطوره المستقبلي، من خلال إجراء إصلاحات وتغيرات جذرية في البنية الهيكلية لهذا القطاع، الذي يعدّ عصب الحياة للعراق الحالي والمستقبلي. ومما لا شك فيه أن هذه الإصلاحات لابد أن تشمل الجانب المحاسبي أيضا، من خلال تطوير النظام المحاسبي وتحديثه على صعيدي القطاع العام والخاص.

وقبل أن ندخل في موضوع إمكان وضرورة تطبيق المعايير المحاسبية الدولية في العراق، لا بد من إعطاء صورة واضحة ومكثفة، (من دون الدخول في التفاصيل)، عن طبيعة النظام الاقتصادي وميكانزمه، وهي كالآتي:-

1.1. إن الاقتصاد العراقي الحالي، هو اقتصاد ريعي. ويعني ذلك تبعية الدولة أو المجتمع للمداخيل الناتجة من صادرات المصادر الطبيعية، مثل النفط، وهي المصادر التي تلعب دورا بارزا في كل أنشطة الدولة. بمعنى آخر فإنَّ الدولة تؤمِّن ميزانيتها بالاستناد إلى تصدير النفط. حيث تبلغ نسبة مساهمة القطاع النفطي بحدود 50-60%من الناتج المحلي الإجمالي. وتشكل عائدات النفط أكثر من 95% من موارد الميزانية العامة للدولة.2.غلبة طابع النشاط الاقتصادي الاستهلاكي، يرافقه تدني مستوى النشاط الانتاجي، وخاصة الصناعي والزراعي والخلل والقصور في البني التحتية لهما، الأمر الذي يساهم في خلخلة إمكانات خلق التراكم الرأسمالي للاقتصاد في المدى المنظور.
1.انعدام رؤية شفافة واستراتيجية و/أو أيديولوجية واضحة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. وقد بلغت موارد الدولة العراقية منذ الاحتلال في2003 حتى الان نحو500 خمس مئة مليار دولار امريكي، لم تستثمر منها الا مبالغ قليلة جدا في تطوير القطاعات الانتاجية ، وخاصة الصناعة والزراعة، ولا في مجالات بناء واعادة بناء البني التحتية، و/أو جلب التكنولوجيا المتطورة، ولا في تحسين وتامين الخدمات العامة الضرورية من الصحة والتعليم ومياه للشرب وكهرباء ومشتقات النفط، ولا لتنفيذ خطط جادة للقضاء على البطالة الواسعة. اذ تم تبديد غالبيتها في مشاريع وسياسات لا علاقة لها بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية المستدامة. كما جرى نهب عشرات المليارات منها من قبل المحتلين والفاسدين والمافيات على المستويات الإدارية والحزبية.
2.تدمير شامل ومبرمج للبني التحتية، نتيجة الحروب المجنونة في العهد السابق والاحتلال الأمريكي وحلفائه للعراق في عام2003.
3.انسياب نسب متعاظمة من الدخل القومي الى الخارج من خلال قنوات التجارة الخارجية والفساد، والى توزيع غير عادل للدخل القومي. كما أبقى البلاد سوقاً للسلع الصناعية والزراعية والخدمات الأجنبية من دون أية ضوابط. أضافة الى الهبوط المستمر في التنمية وانخفاض الدخول الحقيقية للجماهير الكادحة. كما عمّق من ضعف الطبقة الوسطى المنتجة الرأسمالية الصناعية المحلية.
4.احتل العراق على وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية2011، المرتبة الثالثة في العالم بعد الصومال وافغانستان، في تفشي نظام الفساد الإداري والمالي فيها، وتفاقمت حِدّته بعد الاحتلال في عام 2003.
5.حسب التقرير الصادر من الأمم المتحدة، فإنَّ نسبة الفقر في العراق وصلت إلى 17%. ونسبة البطالة بحدود 20%، وخاصة في صفوف الشبيبة والخريجين والنساء، مع وجود 6 ملايين امي. كما أن نسبة التضخم لاتزال بحدود 6%
6.الانفتاح غير المنضبط على اقتصاد السوق، وهو نهج السياسة الاقتصادية الحالية المفروضة على العراق من قبل المؤسسات المالية الدولية، (الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية). وضعف أداء القطاع العام، وخاصة في عملية إعادة البناء، (البنية التحتية، وإدخال التكنلوجيا الحديثة، والخدمات الأساسية). كما أن أداء القطاع الخاص المحلي بات ضعيفا أيضا.
7.ضعف ومحدودية مصادر القوة البشرية المتطورة وذات الخبرة اللازمة في العملية الإنتاجية. والضعف في البنى التحتية هو ايضا من ضمن عوامل اخرى، تعرقل عملية النمو والتطور الاقتصادي في العراق.
8.إن العقود المبرمة بين الحكومة الفيدرالية، واقليم كردستان العراق مع الشركات النفطية الاجنبية العاملة في العراق، تنقصها الشفافية العالية. وتعتبر عقود اقليم كردستان على اساس عقود المشاركة في الانتاج، وهذه تشكل إجحافا كبيرا بالجانب العراقي. وعلى وفق بعض البيانات الاولية، فإن هذه العقود تمنح الشركات المذكورة، ولمدة طويلة قد تزيد عن 20 سنة، حصة ارباح عالية من النفط المستخرج، والمشاركة في الملكية ايضا، بكلفة زهيدة لهذه الشركات، مقابل تطوير الحقول النفطية العراقية.
9.لقد ساهمت السياسات الاقتصادية القائمة على تحرير الأسواق والأسعار بأشكال تتنافى مع السياسات الاقتصادية التنموية، مع غياب وانعدام المحاسبة والشفافية على الصعيدين الإداري وغير الاداري. أقول، ساهمت في تزايد حِدّة الاستقطاب الاجتماعي، مما أدى إلى انقسام المجتمع، ونجم عنها فجوة كبيرة بين الفقراء والأغنياء، مسبّبة تركز الثروة بشكل كبير في يد الفئات المتنفذة في قمة الهرم الحزبي والإداري العام، وهي التي تسيطر على الميول الاقتصادية ورسم الاتجاهات العامة المعمول بها.
10.ضعف واضح في أداء التشريعات المالية وفي تطوير النظام الضريبي والمؤسسات المالية وعلى رأسها البنوك، وعدم استقرار قيمة العملة المحلية.
11.التردي المريع المتفاقم للخدمات كافة، البلدية والصحة والتعليم والكهرباء والماء وغيرها.
14.هناك خلل بنيوي في تركيبة الموازنة، وذلك بسبب تفاوت كبير في نسبة توزيع نفقات الموازنة بين الإنفاق العام التشغيلي الذي يمثل نسبة أكثر من 70%، فيما الإنفاق الاستثماري العام لا يشكل إلا ما نسبته 25-30% من مجموع الموازنة. وقد تسببت هذه الحالة في عجز الموازنة عن خلق ديناميكية مطلوبة على مستوى النمو الاقتصادي، والذي يشترط وجود استثمارات ضخمة يحتاجها البلد وخاصة في مجال بناء وإعادة بناء البنى التحتية، وإدخال التكنلوجيا الحديثة، وتأهيل القطاع النفطي، والنهوض بالقطاعات الإنتاجية ، وفي مقدمتها القطاعين الصناعي والزراعي، وتفعيل التجارة ووضعها بخدمة الخطط التنموية العامة، تمهيدا للانتقال من اقتصاد ريعي الى اقتصاد منتج للقيمة المضافة مستقبلا
المحور الثاني : لمحة مختصرة عن الأنظمة المحاسبية في العراق

نجد اليوم في العراق أنظمة محاسبية متعددة. وعلى الرغم من التزام القطاعين الصناعي والتجاري، بتطبيق النظام المحاسبي الموحد، إلا أن المؤسسات الحكومية والنشاط الاستثماري والمالي والاجتماعي ووحدات الأعمال الخاصة بقي يتبع أنظمة مختلفة. وهذه الأنظمة هي:

1- المحاسبة الحكومية، وتطبق في الدوائر والمؤسسات الحكومية المرتبطة حساباتها مركزيا بالخزينة العامة للدولة.

2- النظام المحاسبي الموحد للقطاعين الصناعي والتجاري الحكومي.

3- النظام المحاسبي للنشاط الاستثماري، على وفق الخطط الاستثمارية لوزارة التخطيط .

4- الأنظمة المحاسبية المطبقة في البنوك وشركات التأمين.

5- أنظمة محاسبية مختلفة في وحدات إدارة الاعمال- القطاع الخاص.

ومن الطبيعي أن تختلف هذه الأنظمة فيما بينها من حيث التسجيل والسجلات والدفاتر والمبادئ والقواعد المحاسبية وإعداد الحسابات الختامية وإنتاج التقارير المالية والإفصاح المالي، مما يؤدي الى تعددية في مناهج الحسابات، وهذه تفضي إلى نتائج مختلفة فيما بينها.

إن النظام المحاسبي الموحد المطبق في وحدات الصناعية الحكومية، وضع في حينه لسد احتياجات الاقتصاد الموجه أو المخطط، وفي ظل هيمنة القطاع العام في النظام المركزي لتسيير الاقتصاد وإنتاج البيانات لخدمة الاقتصاد الكلي أكثر منه لخدمة الاقتصاد الجزئي، ولم يتغير ذلك النظام حتى الآن.

وكما نجد ان العلاقة بين المحاسبة المالية ومحاسبة التكاليف في تصميم النظام المذكور، جاءت لتركز على (الأول) على حساب (الثاني)، وبذلك أهمل دور وحدات إدارة الأعمال بوصفها المنتج الأساس للبيانات التحليلية التي تنتجها محاسبة التكاليف. وعليه يمكن القول بان النظام المحاسبي الموحد بشكله الحالي، ليس أكثر من مسودة النظام المحاسبي للتكاليف.

ولمزيد من التفاصيل بهذا الخصوص، يمكن الاطلاع عليها في بحثين للباحث، من خلال الرابطين المدرجين في بداية قائمة المصادر.

وبناء على ما تقدم، يمكن القول، بعدم ملاءمة الانظمة المحاسبية المطبقة اليوم للمرحلة الحالية التي تمّر بها السياسة الاقتصادية العراقية، وذلك للأسباب الآتية:-

1- توجّه الاقتصاد العراقي نحو الليبرالية والانفتاح، واللامركزية الإدارية، وتطبيق مبدأ الاقتصاد الحر.

2- عدم توفر المقومات الاساسية لها من الموارد المالية والبشرية المناسبة.

3- عدم توافر البنية الأساس للنظام المحاسبي.

4- مقدار سعة الوحدات الاقتصادية واسواقها المالية في المدى المنظور.

5- مقدار وجود كوادر مهنية متمثلة في المحاسبين ومكاتب المحاسبة.

6- حجم مساهمة الجامعات العراقية، والمنظمات المهنية المحاسبية، ومراكز البحث العلمي في تطوير عملية النظام المحاسبي.

وقد فرضت هذه الحالة استخدام أدوات جديدة لمعالجة وظيفة النظام المحاسبي، من أجل توفير المعلومات المحاسبية التي تلبي احتياجات المستثمرين والممولين. وبرأينا فإن الانتقال إلى اقتصاد جديد للمحاسبة، يتطلب تقديم اطار عمل مقترح يمكن تبنيه للتعامل مع معايير المحاسبة الدولية. وبهذه المناسبة ، نود الاشارة الى ان المعايير المحاسبية العراقية في اغلبها هي ترجمة لمعايير المحاسبة الدولية، الا انها لم تجر عليها تعديلات او اعادة تفسير وصياغتها، بحيث تتلاءم مع البيئة الاقتصادية الجديدة للعراق اليوم، ومع متطلبات العولمة والتطورات السريعة في العلاقات التجارية العلمية ، وفي مجال التكنولوجيا المعلوماتية. ومن هذه المعاير على سبيل المثال وليس الحصر، ( المعايير في مجال التقارير المالية وعرض البيانات والافصاح المالي، ومدى ملائمتها للمؤسسات التجارية والشركات العالمية، فاستخدام الكلفة التاريخية في اعداد الحسابات الختامية من دون الاخذ بنظر الاعتبار معالجة التضخم للحسابات، استخدام طرق مختلفة في احتساب الاندثار، حيث يجب الاستقرار على اتباع طريقة موحدة من دون التغير، مثل تقييم الاستثمارات بكلفة الانتاج، الشركات التجارية تتبع طريقة محاسبة المشتريات في تسجيلاتها، وتصنيف الشركات التي تخضع للتدقيق وتصديق حساباتها من مكاتب وشركات تدقيق الحسابات المرخصة . ان بعض معايير التدقيق الدولية في اصول مراجعة الحسابات، وطرق معالجة الاخطاء وتسوية الحسابات الختامية ، وبعض معايير في محاسبة التكاليف والادارية ، وتوحيد السنة المالية لإعداد الحسابات الختامية على وفق السنة التقويمية العالمية، ومعالجة الاحتياطيات والتخصيصات، ومعالجة الاصول غير الملموسة وغيرها)، تقتضي الضرورة اصدار معايير وطنية لها بالتوافق والتكيف مع معايير المحاسبة الدولية على وفق البيئة الوطنية الجديدة. والاستعانة بمبادئها واصدار الإرشادات والتفسيرات بأهميتها، وتحديد سقف زمني للشروع بتطبيقها.

المحور الثالث: سرد مختصر ومكثف عن التطور التاريخي للنظام المحاسبي، ووظائفه

قبل الدخول في موضوع المعايير المحاسبية الدولية، أرى من الضروري إلقاء نظرة سريعة ومختصرة على عملية التطور التاريخي للنظام المحاسبي المعاصر، واستمرار هذه العملية بشكل متواصل. وهو حصيلة تفاعلات اقتصادية واجتماعية وقانونية وبيئية متطورة، وحسب متطلبات العلم وحاجات المجتمع.

إن نظرية المحاسبة الحديثة، (نظام القيد المزدوج)، وضعها الرياضي الربان، ( لوكا باشيولي) في كتاباته

(Summa de Arithmetica,Geometria,Proportioni et Proportionalita) تحت العناوين أي مبادئ ( الحساب، الهندسة، التساوي؛ المعادلة والنسب)، والتي صدرت في مدينة البندقية (فينسيا) ايطاليا سنة 1494+م. وفي عام 1581م تأسس أول معهد للمحاسبة في المدينة نفسها.

وتعتمد على جوهر هذه النظرية في مبدأ المدين والدائن، حيث جاءت كإحدى الاكتشافات الرياضية التي تقول: إن لكل قيد حسابي مدين يقابله قيد حسابي دائن، أي بمعنى آخر ان المجموع الجبري لجانب المدين يساوي المجموع الجبري لجانب الدائن، وان الفرق بينهما يساوي الصفر، وبذلك تحتفظ عمليات تسجيل المعاملات الاقتصادية بالموازنة في كل مراحلها حتى إعداد التقارير المالية الختامية المتعارف عليها بتقرير النتيجة، أي الأرباح والخسائر، والميزانية العمومية التي تعبر عن قيمة وسائل انتاج الوحدة الاقتصادية ومصادر تمويلها، معبرا عنها بوحدة النقد وفي وقت محدد، مع الأخذ بنظر الاعتبار تعديل هذين التقريرين، في حالة كون نسبة التضخم المالي عالية عند اعدادهما.

وينسب تاريخيا استخدام دفتر اليومية العامة(Journal) ، لتسجيل المعاملات الاقتصادية على وفق نظرية القيد المزدوج، لأول مرة، الى ايطاليين. في الوقت الذي تقترن عملية تطوير السجلات المحاسبية وترحيل المعاملات من دفتر اليومية الى الدفاتر الفرعية التي تسمى بدفتر الاستاذ(ledger) ، وترصيدها، باسم انكليز. كما تنسب عملية تطوير يوميات ذات الاعمدة المتعددة والمستخدمة في البنوك، وايضا في تطوير نظام محاسبة التكاليف والادارية، الى امريكيين. كما وظهرت بعد الحرب العالمية الثانية المحاسبة الاجتماعية، والمحاسبة القومية. واخيرا ظهرت بنوك المعلومات لمساعدة الوحدة الاقتصادية في عملية اتخاذ القرارات.

 تعتبر المحاسبة اليوم لغة الأعمال، (language of business The) ، وجزء من نظام المعلومات الاقتصادي العلمي الكمي، والمعلوماتية، (سبيرنتك وانفورمتك cybernetics and informatics)، واليوم يطبق ايضا النظام المحاسبي عن طريق البرامج الإلكترونية المتقدمة التي تلبي متطلبات تطور وتقدم المجتمع في مجال التكنولوجيا المعلومات.

ومنذ ذلك الوقت تجري باستمرار عملية تطوير وتحديث النظام المحاسبي عالميا. وأصبح اليوم نظريا وعمليا له علاقة ملموسة مع مختلف النشاطات البشرية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والعملية، ويحتل مكانه الأساس بين كافة العلوم. ونتج عن ذلك ظهور فروع متخصصة له ، شملت كل اشكال النشاط الاقتصادي البشري.

المحاسبة كنظام من ناحية ، وكفن من الناحية الأخرى . لها جانب نظري وجانب آخر تطبيقي. فالأول يتمثل في النظرية المحاسبية ومبادئها وقواعدها، والجانب الآخر يتكون من شقين، الأول يتضمن القوانين والأعراف والأنظمة، والثاني هو الجانب الفني-القيد المزدوج-، المستخدم في عملية انتاج البيانات الاقتصادية وقياس الأداء وتقييمها.

ان تركيب النظام المحاسبي، هو الذي يحدد وظائفه. اذ يمكن تقسيم تركيب النظام المحاسبي إلى الأنظمة الفرعية الآتية:-

1- قسم التبويب وتسجيل المعاملات الاقتصادية – مسك الدفاتر.

2- قسم الاحتساب، قياس الموارد الاقتصادية للوحدة – محاسبة التكاليف

3- التقارير المحاسبية، تتمثل في انتاج البيانات، وعرضها، وتزويد المستويات الإدارية المختلفة داخل وخارج الوحدة الاقتصادية بهذه المعلومات، للاستفادة منها في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية .

4- التحليل المالي ، ترجمة هذه البيانات بشكل عملي، لتسهّل عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية النهائية.

 ان منهجية التسجيل وعملية الاحتساب وعرض النتائج على شكل تقارير مالية، ومن ثم تفسير هذه النتائج وتقديمها الى المستويات الإدارية المختلفة للاستفادة منها في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية، تشكل بمجموعها النظام المحاسبي، الذي يؤدي الوظائف الآتية:-

  1- تزويد المسؤولين في مختلف المستويات الإدارية للاقتصاد الوطني بالمعلومات الجارية والزمنية، معبرا عنها بالأرقام والتي تعدّ ضرورية في عملية اتخاذ القرارات اللازمة لتوجيه النشاط الاقتصادي الكلي والجزئي، ويتم ذلك من خلال وسائل التسجيل وتقديم التقارير المالية، التي تهدف الى خدمة الاغراض الثلاث الرئيسة، وهي:-

ا- اعداد التقارير الإدارية الداخلية للإدارة، التي تشتمل على البيانات اللازمة للتخطيط ورقابة الوظائف الروتينية الدورية.

ب- اعداد التقارير الإدارية الداخلية للإدارة، التي تشتمل على البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات غير الروتينية، واعداد الخطط والسياسات المهمة- الاستراتيجية للوحدة الاقتصادية.

ج- اعداد التقارير المطلوبة للجهات الخارجية، وخاصة لأصحاب الوحدات الاقتصادية في القطاعين الخاص والعام، والجهات الضريبية، والبنوك، والمقرضين، والموردين، والعملاء، والمستثمرين، ومالكي الأسهم، وغيرها من الجهات الخارجية الأخرى.

2- خلق الظروف اللازمة لأداء عملية الرقابة الداخلية والخارجية للنشاطات الاقتصادية، ولتحديد الحالة المالية للوحدة الاقتصادية من خلال قياس الأداء، وتحديد درجة تحقيق الأهداف الموضوعة في البرمجة او الخطة، ومقارنتها بالمتحقق وبيان الانحرافات واسبابها والمسؤولين عنها. وتتم الرقابة الداخلية من قبل الجهاز الإداري لقسم المحاسبة والمالية في الوحدة الاقتصادية، اما الرقابة الخارجية ، فتجري من قبل الجهات الخارجية كمكاتب المحاسب القانوني المعترف بها والمسجلة عند الجهات الحكومية الرسمية، او من قبل الإدارة الحكومية المتمثلة بالجهاز المركزي للرقابة المالية.

3- خلق الاسس اللازمة لإجراء المقارنة الجارية والزمنية بين الوحدات الاقتصادية ، عن طريق تحليل وتفسير البيانات المحاسبية ، وتظهر هذه الوظيفة من خلال تطبيق النظام المحاسبي للتكاليف.

4- اعطاء صورة واضحة عن الوضع المالي للوحدة في الاقتصاد الكلي والجزئي ، عن طريق عرض البيانات الموحدة والمستحصلة من عمليات التسجيل والاحتساب والتحليل، والتعبير عنها بالحسابات الختامية والمتمثلة بحسابات النتيجة والميزانية العمومية على صعيد الوحدة الاقتصادية للاقتصاد الجزئي، والتي تساهم بإعداد الميزان القومي على صعيد الاقتصاد الكلي، والأخيرة يعتمد بدرجة مهمة، على مدى وجود النظام المحاسبي الموحد الذي يساعد على عملية انتاج البيانات اللازمة لهذا الغرض.

المحور الرابع: المعايير المحاسبية الدولية ، وامكان تبنيها والاستفادة من تطبيقاتها في الاقتصاد العراقي

حدث في السنوات الأخيرة نمو كبير في الاقتصاد العالمي ، ما ادى الى عولمة الشركات، والأسواق المالية ، والاستثمارات الرأسمالية عبر القارات واندماجها مع الشركات الوطنية. وكذلك التطور السريع الذي تشهده التكنولوجيا المتقدمة وخاصة في مجال الاتصالات والمعلومات، ما انتج صعوبات امام الشركات والمستثمرين في كثير من بلدان العالم في تفسير البيانات المحاسبية والمالية واستخدامها في عملية المقارنة. على الرغم من أن كثيرا من البلدان تستخدم معايير قياسية واعراف محلية في النظام المحاسبي، وهناك جمعيات مهنية وطنية تعني بتطوير مهنة المحاسبة، الا انها تستخدم طرق ومبادئ مختلفة لإنتاج هذه البيانات وتفسيرها لأغراض التقييم والأداء والمقارنة، مما سبب في ظهور مشاكل كبيرة في عملية الرقابة والفهم المختلف بين الشركات، في حالة حدوث النزاعات المالية والقانونية، وعدم اقرار البيانات الحسابية والتقارير الناتجة عنها. وأمام هذه المشكلة ولصعوبة الرقابة وتدقيق حسابات ومكافحة ظاهرة الفساد المالي والاداري، وللسيطرة على الأرباح الكبيرة التي تحققها الشركات العالمية الكبرى وخاصة الأمريكية والأوربية منها، اصبحت الحاجة الى ايجاد نوع من النظام المحاسبي القياسي العالمي، الذي يعدّ من الضروريات الأساسية لتطوير علم المحاسبة وللابتعاد عن كافة السلبيات المحاسبية التي كانت تواجه الطرق المحاسبية المطبقة في البلدان المختلفة ومنها العراق، بحيث يتم بموجبها تامين عملية ضمان وسلامة المعاملات الاقتصادية، وتفسير المعلومات المالية وعملية التقييم والمقارنة وتوحيد المبادئ والأصول المحاسبية التي تجري بين هذه الشركات في ظل عولمة وتعقيد العلاقات الاقتصادية الدولية.

إن انبثاق جمعيات وطنية واقليمية وعالمية مختلفة في مجال المحاسبة منها، قاد الى وضع قواعد لتنظيم المحاسبة للجمعيات الوطنية، وقواعد مالية ومحاسبية لدول الوحدة الأوربية ، فنشأت انظمة محاسبية، كالنظام المحاسبي الموحد للأمم المتحدة، الاتحاد الدولي للمحاسبين، والدليل المحاسبي الإحصائي الموحد والتصانيف السلعية للجامعة العربية، ولجنة توجيه المعايير المحاسبية في المملكة المتحدة عام 1969، مجلس معايير المحاسبة الامريكية في الولايات المتحدة عام 1973، الاتحاد العام للمحاسبين والمراجعين العرب، الجمعية العالمية لدارسة التطور التاريخي للمحاسبة، والمنظمة العربية للتنمية الصناعية، وغيرها.

وفي سنة 1972 ، انعقد المؤتمر الدولي للمحاسبين في سيدني بأستراليا، واتخذت فيه قرارات مهمة بإنشاء هيأتين، بهدف التفاعل مع مشكلات المحاسبة الدولية والاختلاف بين الانظمة المحاسبية المتبعة في بلدان المختلفة. وتم تأسيس الاتحاد الدولي للمحاسبين IFAC، ولجنة معايير المحاسبة الدولية IASC. تحاول الاخيرة ايجاد مبدأ التوافق بين الانظمة المحاسبية والتقارير المالية، التي تنظم امورها مصادر مختلفة، كالقانون التجاري، والقانون الضريبي، وقانون اصول ميزانية الدولة، وقانون اصول محاسبات الشركات التجارية والصناعية والجمعيات وغيرها، بهدف الخروج بالمعايير القياسية التي تكون مقبولة على صعيد العالمي.

 وتهدف الى تحقيق النتائج التالية:-

1- تقييم الكفاءة والأداء والحالة المالية للشركات الأجنبية التابعة والمشتركة.

2- تقييم اهلية فرص الاستثمار وامكانية تحقيقها.

3- التوافق في التركيبة التجارية والمعاملات المالية، بأسلوب يحقق اكثر نفعا في المجالين الضريبي والتقارير المالية المختلف عليها.

4- تقييم المعلومات المالية الخاصة بالمنافسين الأجانب، على الرغم من وجود تباينات كبيرة في التطبيق العملي لهذه المعلومات حول العالم، وذلك بسبب تعدد الأنظمة المحاسبية وقواعد اعداد هذه المعلومات .

5- وتعدّ ايضا الية لتطوير علم المحاسبة.

منذ ما يقارب من أربعة عقود، وبالتحديد من عام 1973، تجري محاولات جادة من قبل الجمعيات والمنظمات المحاسبية المختلفة المذكورة، والتي تساهم في عملية تطوير النظام المحاسبي، والى توحيد المبادئ والأسس والقواعد المحاسبية المختلفة عليها من قبل هذه الجمعيات. وذلك عبر عقد المؤتمرات الدولية، وكتابة البحوث والمقالات واثارة المناقشات، بهدف الوصول الى النظام المحاسبي القياسي العالمي الذي يكون مقبولا من قبل الجميع. ومنذ ذلك الوقت صدرت عدة المعايير الدولية للمحاسبة. وصلت حتى الان الى 41 معيارا محاسبيا، منها على سبيل المثال وليس الحصر، (المعايير الدولية للإفصاح المالي، والمعايير الدولية لمحاسبة القطاع العام، معايير ضرائب الدخل، معايير الإفصاح في البيانات المالية للبنوك والمؤسسات المالية المشابهة، معايير الاستثمارات العقارية، معايير المحاسبة الزراعية، والمعايير الدولية لرقابة الجودة والتدقيق والمراجعة والخدمات ذات العلاقة، ودليل قواعد السلوك الأخلاقي للمحاسبين المهنيين، والمعيار المحاسبي المصري، وغيرها). ولا تزال عملية اصدار وتطوير هذه المعايير مستمرة، وقد الغيّ بعض منها، وتجري على بعضها الآخر ايضا التعديلات المطلوبة. حيث أصدرت اكثر من 30 تفسيرا لتلك المعايير، الا انه ماتزال هناك اختلافات كثيرة في المعايير الدولية المتبعة محليا في كثير من بلدان العالم. وذلك بنتيجة اختلاف البيئة الوطنية الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، والجهات التي هي بحاجة الى هذه المعلومات المالية لاستخدامها في عملية اتخاذ القرارات من قبل، المستخدمين والمالكين، والمستثمرين، وحاملي الاسهم ، والبنوك، والدوائر والمؤسسات الحكومية، وغيرها من الجهات.

ان اكثر المفاهيم المحاسبية التي هي موضوع الاختلاف بين هذه الجمعيات التي تتبع معايير محلية، يمكن اجمالها بالآتي :-

1- المعالجة المحاسبية للموجودات غير الملموسة، والتي تشمل:-

- شهرة المحل: اما اعتبارها من الموجودات(رأسملتها)، ومن ثم اخضاعها للاندثار خلال فترة اقصاها 40 عاما، او تستهلك مقابل تخصيص الاحتياطي لها ، او معالجتها بالطريقتين معا ، واندثارها في فترة لا تزيد عن5 سنوات .

- الاختراعات، براءة التسجيل، الامتيازات والعلامات الفارقة: تعالج الى حد ما بنفس الطريقة السابقة.

- تكاليف البحوث والتطوير والدعاية: اما ان تضاف مباشرة الى حساب الأرباح والخسائر بوصفها نفقات تستخدم لغرض كسب المال، او عدّها موجودات، (نفقات مصروفة مقدما)، تخضع للاندثار- الإطفاء خلال 5 سنوات.

2- استخدام طرق مختلفة في تقييم البضاعة او موجودات آخر المدة.

3- استخدام طرق مختلفة في احتساب الاندثار، ويجب الاستقرار على اتباع طريقة موّحدة من دون التغير.

4- فرق تخفيض او زيادة قيمة الاوراق النقدية، اما تحويلها الى حساب الأرباح والخسائر، او عدها موجودات تخفض بها قيمة الأوراق.

5- استخدام الكلفة التاريخية في اعداد الحسابات الختامية، (حساب الأرباح والخسائر، والميزانية العمومية).

6- معالجة التضخم للحسابات الختامية وتعديلها.

7- طرق معالجة الأخطاء وتسوية الحسابات الختامية.

8- تقييم الاستثمارات بكلفة الإنتاج.

9- على شركات التجارية ان تتبع طريقة محاسبة المشتريات في تسجيلاتها.

10- الشركات التي تخضع للتدقيق، هي شركات كبار ومتوسطة وبعض شركات صغيرة . ان مبدأ تصنيف هذه الشركات سيكون على اساس، الحد الأقصى لمجموع الميزانية العمومية، الحد الأقصى لحجم المعاملات الاقتصادية (حجم المبيعات)، حجم راس المال، متوسط عدد العاملين، مثلا 25 ،50 ، الى اخره.

ان فاعلية تأثير وجود النظام المحاسبي القياسي العالمي، تتجسد في خلق الحالة التوافقية بين الشركات العالمية التي تستخدم انظمة محاسبية قياسية محلية مختلفة حول العالم، والتي يمكن اجمالها كالاتي:-

1- زيادة الفوائد الناجمة من البيانات والمعلومات والتقارير المحاسبية، بسبب استخراجها على وفق اسس ومعايير قياسية عالمية ووضعها في اطار موحد.

2- خدمة عملية مقارنة الحالة المالية والنتائج للشركات في البلدان المختلفة.

3- تقليل من مخاطر الاستثمارات الرأسمالية في الأسواق العالمية، والناتجة عنه اختلاف استخدام النظام المحاسبي والتقارير الناتجة عنها، بسبب تطبيق القواعد القانونية المحلية.

4- ان توحيد الأسس والطرائق ومفاهيم المحاسبية ، يتطلب توحيد اسس وطرائق العمل وتطوره ، مما يزيد من امكانية تحقيقه، بعكس تعدد الأسس والطرائق المحاسبية الذي يستدعي تعدد طرق العمل وطرق التنفيذ ووسائله، مما يؤدي الى تشتت الجهود وتشعبها وضياع وقت التنفيذ والجهود المبذولة لأجلها، ويسبب ايضا الى تزايد في كلفة تصديق التقارير القانونية التي تتطلبها البلدان المختلفة.

ان وجود معايير دولية في المجال المحاسبي والمالي تغطي حسابات القطاعين العام والخاص، وتساعد على تحقيق، ما يلي:

1- ضمان التوحيد والتنسيق والتوافق المحاسبي العالمي.

2- تسهيل عملية قراءة القوائم المالية الموحدة.

3- تخفيض التكاليف.

4- توثيق البيانات المحاسبية في الأسواق العالمية.

5- تسهيل المعاملات الاقتصادية بين المتعاملين دوليا.

6- مواكبة الحداثة وتطورات التكنلوجيا المعلومات والمعرفية في مجال النظام المحاسبي.

وهنا لابد من الاشارة والتوكيد على مسالة مهمة، وهي ان تطوير وتحديث النظام المحاسبي في اي بلد، يتم عن طريق الدولة والجمعيات المهنية الخاصة بالمحاسبة. ففي الحالة الأولى ، يكون التطور محدودا ومقيدا بالقوانين والتعليمات التي تصدرها الدولة في كيفية تطبيق النظام المحاسبي . اما في الحالة الثانية، فيكون تطوير النظام المحاسبي وتحديثه مستمرا وبلا حدود. وبناء على ذلك نجد ان الواجب يلزم على الجمعيات المهنية الوطنية الخاصة بالمحاسبة في العراق ، ان تعمل على تشجيع سياسة توفيق المعايير الوطنية مع المعايير الدولية من خلال تقارب وازالة الاختلافات بين المعايير الوطنية والدولية تدريجيا. مع امكانية وضع سقف زمني مناسب للانتقال الى التقيد والالتزام بتطبيق المعاير الوطنية المتوافقة مع المعايير الدولية في وحدات القطاعين العام والخاص.

ان الوظيفة الاساسية للنظام المحاسبي كما ذكرنا سابقا هي، قياس الاداء وانتاج البيانات والمعلومات وعرضها على شكل القوائم المالية كمخرجات للنظام المحاسبي، على ان تلبي احتياجات مختلف فئات مستخدمي لهذه البيانات المالية من داخل وخارج الوحدة الاقتصادية، من العاملين، والممولين، والمقرضين، والمستثمرين، وحاملي الاسهم، والجهات الضريبية، ولأغراض تقاسم الأرباح، والجهات الإحصائية، وعلى مستوى الاقتصاد الكلي في احتساب الدخل القومي، اعداد جداول التشابك الصناعي، وغيرها، وذلك بهدف اتخاذ القرارات. لذا فانه يجب اتباع قواعد وسياسات محاسبية، و استخدام المعرفة المهنية للمعايير المحاسبية والمراجعة والتحليل المالي، والتي تساعد على الافصاح عن هذه المعلومات والبيانات على اسس جودة النوعية بدلا عن الكمية، وتعبر عن الحقائق والعلاقات الأساسية التي تتعلق بالوحدة الاقتصادية.

كما ويتضمن الافصاح المحاسبي، ( من دون الدخول في التفاصيل)، في ضوء معايير المحاسبة الدولية، المواضيع التالية:-

1- الاطار النظري والفكري، واسس ومقومات الافصاح المالي.

2- المعلومات المطلوبة في الافصاح عن القوائم المالية.

3- التقيد بمعايير المحاسبة الدولية بالإفصاح عن القوائم المالية.

بالنسبة للنقطة الأولى اعلاه، يعرف الافصاح المحاسبي، بانه اعداد البيانات والمعلومات المحاسبية الضرورية بصورة كاملة وصحيحة وموثوقة غير مضللة وملائمة، معبرة عن صورة واضحة وشفافة عن الوحدة الاقتصادية. وتقديمها الى مستخدميها على شكل القوائم المالية قابلة للفهم، بغرض الاستفادة منها في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية. وتعتبر عملية الافصاح ايضا، على انه اجراء يتم من خلالها اتصال الوحدة الاقتصادية بالعالم الخارجي. وان تساعد هذه القوائم المالية الجهة الخارجية على اتخاذ قراراتها الاقتصادية تجاه الوحدة. على ان تقدم تلك المعلومات والإفصاح عنها بأساليب متنوعة وبصفة دورية. وتتضمن هذه القوائم بشكلها التقليدي المتعارف علية في العرف المحاسبي، كالاتي:

1- قائمة الدخل/النتيجة.

2- قائمة المركز المالي والتغيرات الحاصلة عليها.

3- قائمة الأرباح المحتجزة.

4- معلومات اساسية ترفق بالملاحظات.

وبخصوص النقطة الثانية اعلاه، تتضمن مواضيع منها، السياسات المحاسبية المتبعة في اعداد القوائم المالية، تحديد المستخدم للمعلومات، واغراض استخدام المعلومات، والبيانات المقارنة، واساليب وطرق الافصاح. تتحدد نوعية البيانات الواجب تضمينها في التقارير المالية ، بالاتي:-

1- قائمة المركز المالي.

2- قائمة الدخل.

3- قائمة مصادر الأموال استخداماتها.

4- قائمة التدفق النقدي.

5- قائمة التغيرات في حقوق الملكية.

اما بخصوص النقطة الثالثة، فان معيار المحاسبة الدولي الأول، يتضمن موضوعات عرض البيانات المالية، وهي:-

1- عرض البيانات المالية للأغراض العامة، على ان تكون قابلة للمقارنة.

2- يجب التقيد في هذا المعيار عند عرض القوائم والبيانات المالية.

3- ان هذا المعيار ساري على كافة المؤسسات، بما في ذلك البنوك وشركات التامين.

4- يتولى مجلس الإدارة في الوحدة الاقتصادية مسؤولية مهمة اعداد وتقيم البيانات والقوائم المالية.

5- تقدم البيانات المالية عند عرضها معلومات عن:-

- ممتلكات الوحدة الاقتصادية.

- التزامات الوحدة الاقتصادية تجاه العاملين وغيرهم.

- ايرادات واعباء الوحدة الاقتصادية، بما فيها الارباح والخسائر.

- التدفقات النقدية.

ونعرض هنا بعض المعايير المحاسبية الدولية عن الافصاح المحاسبي على سبيل المثال، وليس الحصر، ومنها :-

1- يتطلب معيار المحاسبة الدولي الاول، ان تعرض الوحدة الاقتصادية الموجودات المتداولة وغير المتداولة، والمطلوبات المتداولة وغير متداولة، مصنفة كمجموعات مستقلة في صلب الميزانية العمومية.

تحليل المصروفات والإيرادات في صلب قائمة الدخل او في الإيضاحات.

2- يتطرق المعيار المحاسبي الدولي الثاني عن الموضوعات التي تخص المخزون السلعي: تعريف والمصطلحات، والمعالجة المحاسبية للمخزون، كتقييم المخزون بما يتماشى مع الاقتصاد التضخمي، (بضاعة تامة الصنع، بضاعة تحت التشغيل، المواد ولوازم الانتاج، وتكلفة الخدمة)، تكلفة المخزون، قياس المخزون ، والطرق المستخدمة في القياس، وغيرها من المواضيع التي تتعلق بالمخزون السلعي والخدمي، وبمحاسبة التكاليف.

3- كما يتطلب معيار المحاسبي الدولي السابع، ان تقدم الوحدة الاقتصادية في التقرير، بيانات عن التدفقات النقدية من النشاطات المختلفة، التشغيلية والاستثمارية والتمويلية. ويفضل استخدام الطريقة المباشرة في العرض.

المحور الخامس: الخلاصة والمقترحات

في ظل تنامي عولمة الاقتصاد، وانفتاح البورصات واسواق المال عالميا، يتم اليوم تبني معايير المحاسبة الدولية بشكل متزايد على مستوى العديد من دول العالم. وتلتزم اليوم بتطبيق هذه المعايير من 107 دولة، من ضمنها الدول المتقدمة. وتتبنى ثمانية دولة عربية منها، ( السعودية، البحرين، مصر، الكويت، لبنان، عمان، قطر ، الأمارات العربية المتحدة)، بتطبيقها، وخاصة في وحدات القطاع الخاص، بحيث يتفاعل تطبيق هذه المعايير مع البنية الجديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية. وهذا الالتزام ليس خيارا ، بل الزاما لكل بلد ينوي الانتقال المباشر الى مراحل التقدم والتطور العالمي المشهود، يضاف اليها امكانيات حل مشكلات جوهرية تطفو بوضوح في هذا البلد او ذاك ، كما تبرز حالة الفساد التي تحتاج لمعالجة محاسبية دقيقة ومنظمة بموضوعية في سياق محدد.

المبادرة في تشكيل الهيئة الوطنية لمعايير المحاسبة في العراق. تأخذ على عاتقها مهمة العمل والتنسيق مع لجنة معايير المحاسبة الدولية . والاستفادة من خبراتها العلمية والمهنية والعملية في مجال توحيد المفاهيم والمبادئ والقواعد والقوانين واعداد الحسابات الختامية والتقارير المالية ، وذلك بهدف تحقيق المهمات الاتية:-

1- اصلاح النظام المحاسبي في العراق ، بحيث يرتقي الى مستوى القياسي العالمي ، مما يعود ذلك بفوائد كبيرة على توثيق المعاملات التجارية الداخلية للشركات الوطنية والاجنبية او الشركات العالمية المشتركة.

2- تحديد الاختلافات فيما بين المعايير الوطنية الحالية والمعايير الدولية. وتعديل هذه الاختلافات للتوافق مع المعايير الدولية ، وبما يجعلها تتلاءم مع البيئة الوطنية.

3- الزام الوحدات الاقتصادية بتطبيق المعايير الوطنية المتوافقة مع معايير المحاسبة الدولية.

4- هناك تجارب الدول المطبقة لمعايير المحاسبة الدولية في القطاعات الاقتصادية المختلفة. يمكن الاستفادة منها وتطبيقها في الاقتصاد العراقي ، وخاصة في القطاع العام. وذلك للمحافظة على المال العام من الهدر والضياع والسرقة والفساد .

5- النهوض بالمهام الرقابية بكل حيادية وموضوعية وشفافية وكفاءة مهنية عالية. ومواكبة التطورات المتسارعة في حقول الرقابة المالية ورقابة الاداء.

6- التركيز على الرقابة الوقائية وقبل الوقوع في الاخطاء. وبالنتيجة ايضا تقديم المشورة المحاسبية المالية للجهات الخاصة للرقابة ، ليستفيد من موضوعاتها المالية المتخصصة ،العاملون في مختلف الدوائر والمؤسسات والوحدات الحكومية. وخاصة في الوقت الذي ما زال العالم يعاني فيه من الأزمة المالية والاقتصادية واثارها.

7- الاستفادة من التقنيات والأساليب الحديثة في إنجاز الاعمال بمزيد من الفاعلية والجودة.

8- اصدار معيار وطني متوافق مع كل اصدار جديد للمعايير الدولية، وينسجم مع الأوضاع السياسية والاقتصادية للدولة.

9- ضرورة التأكيد على تدريس مادة المعايير المحاسبية الدولية في كليات الاقتصاد وادارة الأعمال. وكتابة البحوث والدراسات من قبل الأكاديميين والمعنيين بشؤون تطوير النظام المحاسبي في العراق . بحيث تصبح هذه البحوث مرشدا لوضع استراتيجية للجمعيات المهنية الوطنية والجهات الحكومية الخاصة بتطوير واقع مهنة المحاسبة ومقوماتها المهنية ، ومنها معايير المحاسبة الدولية والمراجعة على المستوين النظري والتطبيقي .

10- ان معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام تغطي الحسابات للوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية والشركات التابعة للدولة، كما تغطي احتساب العجز في الموازنة مشيراً الى ان اهم مشكلتين في اية دولة هما العجز في الموازنة العامة والدين العام.

ومن أجل ترجمة هذه المهمات الى حيز التطبيق، لابد ان تبادر وزارة المالية الجهة المسؤولة المباشرة عن شؤون الإدارة المالية في العراق، و/أو تبادر كلية الادارة والاقتصاد في الجامعة المستنصرية الموقرة، بالاشتراك مع أية جهات أخرى ذات الاختصاصات، وتتبنى هذا المشروع، إلى عقد مؤتمر او ندوة علمية ومهنية لتعريف ولتوضيح أهمية تبني وتطبيق معايير المحاسبة الدولية في القطاع الاقتصادي العراقي. ومواكبة التطورات الدولية في مجال الرقابة والجودة والتدقيق والمراجعة المالية، وقواعد السلوك الأخلاقي للمحاسبين المهنيين، الصادرتين من الاتحاد الدولي للمحاسبين، والمترجمتين الى اللغة العربية عن المجمع العربي للمحاسبين القانونيين في اصداراته لسنة 2010، وبالتعاون مع اتحاد المحاسبين والمدققين العراقيين، وكليات الادارة والاقتصاد في الجامعات العراقية، ومراكز البحوث ، وهيأتي الرقابة المالية والنزاهة، ومكاتب المحاسبين القانونيين، والبنك المركزي العراقي، ومراكز الاستشارات والتطوير الاداري، والخبراء والاختصاصيين في مجال النظام المحاسبي، والمجمع العربي للمحاسبين القانونيين، والبلدان العربية المطبقة فيها هذه المعايير. وذلك لبحث ومناقشة هذا الموضوع الحيوي والمهم للاقتصاد العراقي. وبرؤية واضحة نحو التمييز الرقابي المهني المستدام لتعزيز المساءلة العامة، وتوطيد مفاهيم الإفصاح والشفافية. ومساعدة القطاع العام والخاص للعمل بكفاءة وفاعلية وبرسالة مباشرة للمساهمة في تحسين استخدام وإدارة الموارد العامة للدولة. والمحافظة على المال العام من الهدر والضياع ، والحرص على سلامة الاقتصاد الوطني من خلال رقابة شاملة ومستقلة على المال العام.

على ان تنبثق عن هذه الندوة ورش متخصصة لتقديم رؤية علمية وقانونية ومهنية وموضوعية واضحة بهذا الخصوص، والخروج بالقرارات والتوصيات الرشيدة من الندوة ، ومتابعة تنفيذها ضمن سقف زمني محدد ، ورفعها الى الجهات التشريعية والتنفيذية للبت فيها واصدار الأليات والمستلزمات اللازمة لتنفيذها في المدى المنظور.

المصادر:

الرابط

 1- http://www.averroesuniversity.org/pages/JOURNALofAVERROESUNIVERSITY01.pdf

2- http://www.averroesuniversity.org/pages/JOURNALofAVERROESUNIVERSITY02.pdf
 

1- Intermediate Accounting Comprehensive, Volume Fifth addition, Simons

U.S.A

2- International Accounting Summaries, A guide for interpretation and Comparison, Coopers & Lybrand (International) 1991

John Wile & Sons , INC.

3- IASC, International Accounting Standard , Presentation of Financial Statements, August

London, 1997.
4- Luca Pacioli ,“Tractatus X1,de Computis et Scripturis, Summa de
Arithmetica,Geometria,Proportioni et Proportionalita“,SKwP, Warszawa 2007.

كتاب مترجم عن الايطالية من جمعية المحاسبين في بولندا، بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجمعية، (1907- 2007)، باللغة البولندية.

5- اصدارات المعاير الدولية لرقابة الجودة والتدقيق والمراجعة وعمليات التأكد الاخرى والخدمات ذات العلاقة ، الاتحاد الدولي للمحاسبين، الجزء الاول ، طبعة عام 2010 ، باللغة العربية.

6- اصدارات المعايير الدولية لرقابة الجودة والتدقيق والمراجعة وعمليات التأكد الاخرى والخدمات ذات العلاقة ، الاتحاد الدولي للمحاسبين، الجزء الثاني ، طبعة عام 2010 ، باللغة العربية.

7- “اقتصاد القرن الحادي والعشرين الآفاق الاقتصادية- الاجتماعية لعالم متغير”، تحرير: وليام اي. هلال (و) كينيث ب. تايلور، ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد (و) د. حسن عبدالله بدر.

ISBN 978-91-633-2084-2
8- دليل قواعد السلوك الاخلاقي للمحاسبين المهنيين، الاتحاد الدولي للمحاسبين ، طبعة عام 2010 ، باللغة العربية.

9- حافظ عبد اللطيف، موريس واسيلى، فؤاد العشري، “النظرية والتطبيق في النظام المحاسبي الموحد”، الطبعة الثالثة، دار الفكر العربي ، القاهرة 1976 .

10- حسن عبد الكريم سلوم، بتول محمد نوري، “دور المعايير المحاسبية الدولية في الحد من الازمة المالية العالمية”، دراسة مقدمة الى المؤتمر العلمي الدولي السابع، كلية الاقتصاد والعلوم الادارية ، جامعة الزرقاء، الاردن.

11- وجدي حامد حجازي، تحليل القوائم المالية في ظل المعايير المحاسبية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر 2011

12- شريف توفيق، حسن علي محمد سويلم، ”استراتيجيات توفيق المعاير الوطنية والعربية لتتوافق مع عولمة المعايير الدولية للمحاسبة”، الزقازيق ، مصر 2004 .

13- معايير المحاسبة الدولية الصادرة عن لجنة المعايير المحاسبية الدولية.

14- محمود الشجاعي” النظام المحاسبي الموحد في ضوء المعايير المحاسبية ” ، المكتبة العصرية، المنصورة 2006 .

15- تقرير منظمة الشفافية الدولية ،لعام 2011 .

16- تقرير برنامج الامم المتحدة الانمائي في العراق، لعام 2011 .وتقرير تحديات التنمية في الدول العربية2011 ، برنامج الامم المتحدة الانمائي ، المركز الاقليمي للدول العربية بالقاهرة.
17- صباح قدوري، “تحديث محاسبة التكاليف في وحدات الصناعي الحكومي العراق”، رسالة، دكتوراه غير منشورة، باللغة البولندية، جامعة لودز، بولندا 1985 .

18- صباح قدوري،” تطور النظام المحاسبي في العراق”، بحث منشور في العدد الاول من الدورية العلمية المحكمة، جامعة ابن رشد/ هولندا، كانون الاول/ديسمبر 2010 .

19- صباح قدوري ”تحديث محاسبة التكاليف في النظام المحاسبي الموحد للوحدات الصناعية العراقية”، بحث منشور في العدد الثاني من الدورية العلمية المحكمة، جامعة ابن رشد/هولندا، نيسان/ ابريل 2011 .
20-”صناعة معايير المحاسبة الدولية التطور ودور المجالس والهيئات الوطنية والدولية”، مركز الدراسات والمعلومات، هيئة المحاسبة والمراجعة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مارس 2005 .وادناه موقعها الإلكتروني.
www.gccaao.org
21- هيني فان جريوننج، “معايير التقارير المالية الدولية: دليل التطبيق “، ترجمة طارق حماد ، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية ، القاهرة 2006

===========================
.*) خبير في العلوم الادارية والنظم المحاسبية.