الجمعة 29 تموز/يوليو 2016
TEXT_SIZE

حتّى نصل إلى مستقبلٍ عربيٍّ أفضل

هل يمكن أن يكون العام الجديد والأعوام القادمة سنوات خير على العرب وأوطانهم؟ وهل يمكن تحقيق مستقبلٍ عربيٍّ يكون العرب فيه أفضل حالاً ممّا هم عليه الآن؟!
لعلّ السبب في طرح هذا السؤال عن كيفية تصوّر مصير المستقبل العربي، هو هذا التردّي الحاصل في بلاد العرب، من المحيط إلى الخليج. فنظرةٌ شاملة للواقع العربي الراهن تنذر بأسوأ الاحتمالات والمخاطر. فقلب المنطقة العربية يتهاوى، وأطرافها تتآكل، بينما العقول والكفاءات العربية تهاجر لتعيش في غربة الغرب.
وكأنّ شعوب هذه الأمّة قد اختارت الانتحار البطيء عوضاً عن مداواة جسدها العليل!
ففي فلسطين جرحٌ كبير عمره أكثر من نصف قرن، لكن القيادات الحالية للجسم الفلسطيني اختارت التصارع فيما بينها عوضاً عن التوحّد في مواجهة العدو المحتل، فأصبح المستقبل الفلسطيني مبهماً، وفيه من الكوابيس أكثر ما فيه من الأحلام! أمّا في سوريا والعراق وليبيا واليمن، فنزفٌ يوميٌّ غزير بفعل جراح الفتنة والتدخل الخارجي والفوضى معاً!.
يضاف على هذه اللوحة العربية السوداء، ما تعيشه الدول العربية الأخرى من هواجس الإرهاب أو مشاكل الأمن مع الجوار، أو المعاناة من أزماتٍ اقتصادية متراكمة، أو من تصارعٍ أحياناً مع النفس أو مع الخصوم في الداخل!.
وأحسب أنّ المسؤولية عن تردّي هذا الواقع، شاملة شمولية المجتمع العربي بكلّ ما فيه من حكّام ومحكومين، من رسميين وشعبيين، من سلطات ومعارضات، وأخيراً، من مثقفين وغير مثقفين!
وحتى تتحدّد المسؤولية أكثر، فإنّ الأمر ليس "مؤامرات خارجية" أو "مخطّطات صهيونية وأجنبية" فقط، رغم خطورة هذه المخطّطات وتأثيراتها السلبية. لكن موقع العطب هو في "الداخل" العربي الذي أباح ويبيح استباحة "الخارج" لكلّ شؤون العرب وأرضهم ومقدّراتهم.
إنّ بعض المثقفين العرب يعتقدون بأنّ المشكلة تكمن في الحكومات فقط، وبعضهم الآخر يراها في التيارات البديلة عن الأنظمة القائمة.. بينما المهم، أنّ الجميع يشترك في الاتفاق على وجود أزمة كبيرة في الحاضر العربي. فقد يختلف العرب في تحديد طبيعة المشكلة وجذورها، وقد يختلفون في صورة الحل المنشود، لكنّهم يجمعون في الحدّ الأدنى، على المخاطر المحدِقة بمصير المستقبل العربي.
إنّ الأرض البور قد تصطلح إذا كانت هناك إرادة إنسانية فاعلة ومهيّأة لعمل الإصلاح.. لكن تكبر المعضلة حينما لا تكون الأرض بوراً، بل أرض خيرات وثروات، بينما قيادات الشعب هي البور!
إنّ للأمّة العربية حقوقاً على أبنائها المقيمين والمهاجرين، والتحدّيات التي يواجهها العرب الآن وفي المستقبل، تستدعي الآليّة التالية لوقف الانحدار العربي الشامل:
على مستوى الحكومات العربية:
إقرار حقّ المواطن "السائل" و"المحروم"... المواطن "السائل" عن حاضره وعن واقعه.. "السائل" عن مستقبله والمستقبل المجهول لأولاده.. "السائل" عن أسباب الانهيار والتصدّع في المجتمع والوطن.. "السائل" عن هويّته وثقافته.. "السائل" عن لقمة عيشه وعن غياب العدالة في توزيع ثروات وطنه..
والمواطن "المحروم" من حقّه في المشاركة.. من حقّه في التعبير.. ومن حقّه في التنقّل والعيش بكرامة دون خوفٍ أو جوعٍ أو تشرّد..
هذه الحقوق للمواطن العربي "السائل" أو "المحروم"، تتطلّب من الحكومات العربية (وهي هنا ليست في سلّة واحدة بل عليها مسؤولية موحّدة) بأن تقرّر فيما بينها (على غرار ما فعلته حكومات أوروبا الغربية، رغم ما بينها من اختلافات وتاريخ حافل بالصراعات) الحرّيات والحقوق الآتية لأبناء الدول العربية:
(1) حرّية التفكير والمعتقد.
(2) حرّية القول والتعبير.
(3) حرّية المرور والتنقّل بين الدول العربية.
(4) حرّية العمل والاستثمار لأبناء الدول العربية.
أي تطوير شعار مُنظّر الفكر الرأسمالي آدم سميث: "دعه يمرّ.. دعه يعمل"، إلى شعار عربي رباعي يقوم على: "دعه يفكّر.. دعه يقول.. دعه يمرّ.. دعه يعمل" لعموم أتباع الدول العربية! وفي تنفيذ ذلك الشعار، يحافظ العرب على ثرواتهم المالية والبشرية، وتستثمر الدول العربية طاقتها الفكرية والمادية على أرضها، فلا نعيش نشوة الاعتزاز الوطني والقومي كلّما نجح طبيب أو عالم أو كاتب أو رجل أعمال ومال، على أرض غير العرب ولصالح تقدّم مجتمعاتٍ أخرى!!.
إنّ التحدّيات الخطيرة التي تواجه العرب الآن، تتطلّب في الحدّ الأدنى هذه الحرّيات للمواطنين العرب، والتي تستوجب في جزءٍ منها، حدّاً أدنى من التضامن العربي على أسس جديدة، تٌحترَم فيه حدود وسيادة دول الجامعة العربية وحق كل دولة فيها باختيار النظام السياسي الملائم لها، وبما لا يتناقض مع الحرّيات الأربع الواردة أعلاه.
على مستوى المعارضات العربية:
إقرار مبدأ نبذ العنف في عملها السياسي وفي أساليب حراكها من أجل تغيير حكومات، ومهما تعرّضت لعنف سلطوي، واتّباع الدعوة السلمية القائمة على الإقناع الحر، والتعامل بالمتاح من أساليب العمل السياسي، ثمّ التمييز الحازم بين معارضة الحكومات وبين تهديم الكيانات، حيث تخلط عدّة قوى عربية بين صراعها مع السلطات، وبين تحطيمها- بوعي منها أو بغير وعي- عناصر وحدة المجتمع ومقوّمات وحدته الوطنية.
ولعلّ من المهمّ أيضاً، أن تدرك المعارضات العربية، أنّ الإصلاح المنشود هو مطلوبٌ لها أولاً، وبأن يبدأ فيها، فالعطب والخلل والعلل، هي في كل المجتمع، لذلك فإنّ الإصلاح المنشود هو للمجتمع كلّه.
ومن يسعى للإصلاح في مجال فكري، فإنّه متمّمٌ في عمله لمن يسعى إليه في مجال سياسي أو إداري أو علمي أو اقتصادي. فتكامل وسائل الإصلاح ومنطلقاته، هو الذي يؤدّي إلى تكامل أهدافه العامّة الشاملة المنشودة.
فحيثما يبدأ الإصلاح، يحقّق دوره بالتكامل مع الجانب الآخر، طالما أنّه يأخذ دور العزف على آلة موسيقية تشترك مع غيرها من الآلات المختلفة في إطار عزف لحنٍ واحد: (الإصلاح الشامل للمجتمع العربي)، ومن ضمن "أوركسترا" واحدة إذا أمكن ذلك أيضاً حيث تحتاج البلاد العربية، إضافةً إلى سلامة الفكر والأساليب والقيادات، إلى التنسيق والتعاون الإيجابي بين قوى الإصلاح فيها.
أخيراً، على مستوى المهاجرين العرب:
لقد توفّرت للمهاجرين العرب فرصة العيش المشترك فيما بينهم بغضّ النظر عن خصوصياتهم الوطنية، وبالتالي إمكانية بناء النموذج المطلوب لحالة التفاعل العربي في أكثر من مجال. أيضاً أتاحت لهم الإقامة في الغرب فرص الاحتكاك مع تجارب ديمقراطية متعدّدة من الممكن الاستفادة منها عربياً في الإطارين الفردي والاجتماعي. لذلك، فإنّ للمهاجرين العرب خصوصية مميّزة في عملية الإصلاح العربي المنشود، لأنّهم أشبه بنُجاةٍ من سفينة معطبة مهدّدة بالغرق، وهم أدركوا شاطئ البر والأمان هنا أو هناك، لكنّهم تركوا خلفهم في عرض البحر، أهلاً وأقارب وأصدقاء وجيراناً وممتلكات، تتخبّطهم كلَّ يوم الأمواج العاتية. ولن يكفي الجلوس على مقاهي شاطئ البر الآمن لتحليل اتجاه الرياح ومدى مسؤولية ربّان السفينة أو مصيرها، لن يكفي كلُّ ذلك لإنقاذ من وما تركوه خلفهم، بل إنّ مسؤوليتهم هي في الأنضمام لطاقم المصلحين للسفينة المتواجدين عليها.
إنّ مأساة الأمّة تكبر يوماً بعد يوم، ليس فقط بسبب ما يحدث فيها، بل أيضاً نتيجة ما يخرج منها من كفاءات وأموال وأدمغة...
إنّ التكامل الحاصل بين الولايات الخمسين الأميركية، يجعل صاحب الكفاءة أو رجل الأعمال الأميركي يهاجر من ولاية، إذا اضطربت اجتماعياً أو أمنياً، إلى ولاية أميركية أخرى.. كذلك الحال الآن بين دول الاتحاد الأوروبي. فهي أممٌ تحتفظ بأدمغتها وأموالها وبشبابها وخبراتها، فلا تنضب ولا تعجز ولا تنتحر!
بينما الأرض العربية تجفّ وتنضب "كفائياً" ومالياً قبل أن تجفّ وتنضب المياه وآبار النفط فيها.
فما أحوج هذه الأمّة إلى "عمل نهضوي عربي شامل" يحقّق مستقبلاً لا تتلازم فيه الأرض البور مع البشر البور!
وعن هذا "المشروع العربي النهضوي" حديث آخر.

=============================
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 

مناقشة هادئة لمواضيع تطوير كفاءة المؤسسات التعليمية والبحثية في العراق

الاولويات الإستراتيجية للبرنامج الحكومي:
مناقشة هادئة لمواضيع تطوير كفاءة المؤسسات التعليمية والبحثية في العراق
أ.د. محمد الربيعي
طرحت قبل ايام الاولويات الإستراتيجية للبرنامج الحكومي المعلن من السيد رئيس الوزراء للمدة (2014-2018) وبعنوان إستراتيجيات الوزارات تضمنت الاولويات التالية:
1- عراق آمن ومستقر،
2- الارتقاء بالمستوى الخدمي والمعيشي للمواطن،
3- تشجيع التحول نحو القطاع الخاص،
4- زيادة انتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية،
5- الاصلاح المالي والاداري للمؤسسات الحكومية،
6- تنظيم العلاقات الاتحادية-المحلية .
ويبدو جليا عند تصفح الوثيقة المكونة من 16 صفحة شمولية الاولويات في التعبير عن مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والامنية بما يؤكد ان واضعي هذه الاولويات الإستراتيجية قد اخذوا بنظر الاعتبار كل ما هو عاجل ومهم من إجراءات وسياسات توجه مسيرة الأداء الحكومي على المدى القصير، وما يسهم في تطوير برامج الدولة ويسرع من عملية البناء والتنمية. ومن دواعي سروري ان هذه الاولويات ستطرح في مؤتمر علمي كبير لإتاحة الفرصة أمام الخبراء والمهتمين من مناقشته وإبداء ما يعن لهم من آراء حوله، وهو ما يعكس اهتمام قيادة البلاد بمشورة اصحاب الاختصاص والخبراء الاكاديميين، فضلا عن اتاحة الفرصة لكل المواطنين من الاطلاع على برنامج الوزارات وبالتالي امكانية تقييم عملها في المستقبل القصير.
وإقتصادا للوقت والجهد، واحتراما للاختصاص واهميته في معالجة فقرات الاولويات الإستراتيجية المختلفة فإنني سأحتفظ بعدد من الملاحظات على نصوص المواد التي تضمنتها الاولويات المشار إليها، محاولا التركيز على النقاط الخاصة بموضوع اهتمامي وخبرتي والمتعلق بتطوير كفاءة المؤسسات التعليمية والبحثية وذلك على النحو التالي:
1- فك الازدواج في المدارس واستيعاب النمو الطبيعي لأعداد الطلبة، وتوفير بيئة مدرسية ملائمة وصحية من خلال بناء وتأهيل مدارس جديدة في عموم المحافظات.
سيتطلب تحقيق هذا الهدف انشاء الآلاف من المدارس المجهزة بأحدث ما يتوفر من مرافق ومعدات تدريسية بالاضافة الى توفير اعداد كافية من المعلمين والمدرسين لضمان فك الازدواج بكفاءة وقدرة حقيقية. ولربما من المستحيل تحقيق هذا الهدف كاملا في فترة اربعة سنوات لذا فمن المهم هو ضمان توفير معدل مقبول من ساعات دراسية مدرسية يتم فيها تغطية منهج دراسي متكامل في السنة الدراسية الواحدة. لذا فان حساب عدد الوحدات المدرسية اللازمة سيعتمد على عدد الساعات الصفية وهي التي بدورها تحدد عدد الوحدات المدرسية اللازمة، الا انه يبقى توفير ساعات دراسية كافية في السنة بدرجة من الاهمية تعادل او تتفوق على مسألة فك الازدواج.
لا تتوفر لي معلومات عن عدد ايام الدراسة وعدد الساعات الصفية في السنة الواحدة في العراق، الا انه من الضروري ان لا يقل العدد عن 220 يوما، أو ما يعادل 1000 ساعة في السنة الدراسية الواحدة، بالاضافة للساعات المخصصة للنشاطات اللاصفية كما هو معمول به في دول مختلفة من العالم. لا بد، ومع ذلك ان يراعى عند إجراء المقارنة بين كافة النظم المدرسية المعمول بها في العالم اختيار ما يتناسب منها مع أوضاعنا الذاتية وظروفنا الخاصة وتطلعاتنا إلى زيادة عدد الملتحقين بالتعليم الاولي والثانوي والجامعي، كل ذلك على ضوء ما هو متاح من إحصاءات سكانية وامكانيات مالية.
كما ان بناء الوحدات المدرسية اللازمة سيتعلق بدرجة كبيرة بعدد المعلمين والمدرسين المتوفرين وعلى اساس نسبة معلم او مدرس لكل 20-25 طالب، وهي نسبة بالرغم من صعوبة تحقيقها اعتبر بلوغها من الاولويات الستراتيجية، لذا فليس هناك فائدة من فك الازدواج مع بقاء نسبة معلم لكل 30 الى 50 طالب في الصف الواحد. ان احدى طرق تطوير التعليم الاساسي هي بالاستفادة من الطاقات الهائلة المتوفرة لدى حملة الماجستير والدكتوراه العاطلين وذلك بتعينهم كمدرسين في المدارس الثانوية والاعدادية كما هو عليه الحال في معظم دول العالم خصوصا في مدارس الدول الغربية.
2- تطوير البنى التحتية للتعليم العالي والبحث العلمي وذلك لاستيعاب طلب المحافظات والزيادة المتدفقة وتحديد الطاقة الاستيعابية لكل مؤسسة والالتزام بالمخطط التصميمي لها. واستكمال الابنية التعليمية حسب المقرر لها مع ادخال التقنيات ومستجدات المرحلة القادمة مع تطوير كفاءة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في مجال اسداء الخدمة للجميع وصولا الى كفاءة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.
لا غبار عن كون تطوير البنى التحتية كهدف ضروري لتمكين الجامعات من اداء دورها في تدريب كفاءات عالية يحتاجها سوق العمل إلا ان ذلك يجب ان لا يكون بصورة توسع افقي عن طريق استحداث جامعات جديدة وكما يبدو كتلبية لطلب المحافظات والتي بدورها لن تتوقف عن الطلب حتى تكون لكل ناحية وقرية جامعة خاصة بها.
طلب المحافظات بجامعات جديدة غير موضوعي ولا يتناسب مع العدد المحدود من التدريسيين ذوي القدرات الملائمة للعمل في الجامعات فليس كل من حصل على الدكتوراه يمكنه ان يصبح استاذا جامعيا ناهيك عن حملة الماجستير والذين يمثلون حاليا 70% من تدريسي الجامعات العراقية ، والذين يجب ان تكون اولويات البرنامج الحكومي هو اما تدريبهم عاليا، او توفير فرص عمل لهم كمدرسين في المدارس الثانوية والاعدادية. ولكي لا يتم وضع العربة امام الحصان، يجب اولا اجراء دراسة حول حاجة مؤسسات الدولة والسوق الاهلي والمحافظات الى التخصصات التي يحتاجها البلد، فنحن، وكما اكدنا عليه مرارا وتكرارا، نحتاج الى اصلاح منظومة التعليم العالي، "لدرء انخفاض الكفاءة التعليمية والتدريبية والجودة، وإيقاف الزيادة في الفاقد التربوي المرتبطة بنشوء الجامعات الحديثة، والذي يتطلب نهجا تربويا وإداريا وتعليميا مغايرا لما هو قائم حاليا، وليتمكن خريج الجامعة في يومنا هذا من ممارسة مهنته بصورة متقنة أو يتمكن من تنمية قدراته وقابلياته لكي يتقن مهنته".
ان استحداث جامعات جديدة في الوقت الذي لازالت فيه الجامعات الحالية تعاني من ضعف مزمن في مناهجها وأساليب تدريسها، وشحة التدريسيين الأكفاء فيها، والنقص الرهيب في تجهيز مختبراتها وأبنيتها، وتوفير المساكن اللائقة لطلبتها، سيؤدي الى مجرد زيادة في المؤسسات التعليمية التي تفتقد فيها شروط البيئة الجامعية المطلوبة، وستزيد من أعداد الخريجين العاطلين، ومن الذين لا يحتاجهم سوق العمل وفي انهيار المهارات الاحترافية والمهنية للخريجين. لذا اعود وأقول نعم تحتاج الجامعات الحالية الى تطوير البنى التحتية من بنايات ومرافق ومختبرات وأجهزة وكتب وانظمة الكترونية لكي تتمكن من توفير بيئة جامعية حقيقية غير مزيفة. الا اني استغرب من التأكيد على تطوير كفاءة منظومة التعليم العالي من دون الاشارة الى ضرورة تطبيق نظام الجودة في التعليم العالي وذلك بإنشاء مؤسسة عليا مستقلة لضمان الجودة والاعتماد، فبدون ضمان الجودة لن تتمكن الجامعات من تطوير وتحسين مخرجاتها، وتلبية احتياجات سوق العمل. كما استغرب التأكيد على الالتزام بالمخططات التصميمية بدلا من التأكيد على ضرورة مراجعة هذه المخططات لغرض تخليصها من التقليدية وانعدام مواكبة روح العصر والتي تحصل نتيجة ضعف المعرفة بالتطورات العالمية الجديدة وعدم معرفة الفروق بين الفضاء المدرسي والفضاء الجامعي.
3- الارتقاء بالبحث العلمي من خلال بناء قاعدة مادية ومختبرات علمية تخصصية في مجالات:
بحوث الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، قياسات التراكيز الواطئة جدا لليورانيوم، وباعثات الفا وبيتا وكاما، تصنيع وتشخيص المواد المتقدمة والنانوية، توفير احتياجات الوزارة من الابنية الادارية والمختبرات والورش وتأهيل البنى التحتية لتمكين الدوائر العلمية من القيام بأعمالها البحثية.
يبدو ان هذه الاولويات هي خليط من مواضيع يعتبر البحث العلمي ضرورة لتطويرها وتوطينها في العراق ومواضيع تكنولوجية بحته لا نحتاج الا الى استيرادها وتطبيقها في العراق، وهي اولويات يبدو انها ملائمة لوزارة العلوم والتكنولوجيا بالرغم من عدم الاشارة مباشرة للوزارة، وهنا لابد لنا في هذا السياق ان نأخذ بنظر الاعتبار الدور الكبير الذي يمكن لهذه الوزارة ومنتسبيها من الكفاءات العلمية في بناء صرح شامخ للبحث العلمي والابتكار هذا اذا ما توفرت المرافق العلمية والمختبرات الحديثة وتم ضخ دماء علمية شابة جديدة ومن المبتعثين لجامعات الدول الغربية، علما انه تتوفر للوزارة حاليا اكثر من 1000 عالم عراقي متمرس يمكنهم في حالة توفر البيئة البحثية الملائمة والمدعومة من قبل الدولة من حل مشاكل عديدة في الصناعة والزراعة والصحة ورفع شأن العراق في المحافل الدولية والادبيات العلمية.
برأينا، لابد للاولويات الاستراتيجية للتنمية الوطنية ان تأخذ بنظر الاعتبار ما يلي:
1- واقع البحث العلمي والتكنولوجي والتطوير من حيث عدد ومستويات القدرات العلمية في كل فرع من فروع المعرفة العلمية، وليس استنادا لأهمية الموضوع واهتمام العالم به فقط كما يبدو من بعض المواضيع المدرجة في الاولويات ومواضيع اخرى اهملت لأنها ليست مثيرة، بالاضافة الى اعتبار ما يمكن ان تقدمه مؤسسات البحث العلمي خارج وزارة العلوم والتكنولوجيا كالجامعات من مساهمات في تطوير وتنمية الاقتصاد العراقي وحل مشكلات البلد الصحية والزراعية وارتباطها بالتنمية وإغناء المعارف العلمية والتكنولوجية على الصعيد العالمي.
2- العلاقة الادارية والعلمية بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة العلوم والتكنولوجيا ودورهما في الاشراف على البحث العلمي وتطويره لان الاولويات الإستراتيجية للبحث العلمي بواقع الحال في العراق تتعلق بعمل الالاف الباحثين في هاتين الوزارتين والوزارات الاخرى بضمنها وزارات الزراعة والبيئة والنفط والمياه.
3- الامكانيات المالية المخصصة للتربية والتعليم الاساسي والعالي ونسبة الانفاق الحكومي على البحث العلمي.
غرض هذه الاولويات الإستراتيجية يجب ان يشمل تطوير بيئة متكاملة لتمكين الجامعات والمؤسسات العلمية من بناء هيكلية للبحث العلمي بالاستناد إلى الاجهزة الحالية بعد تطويرها لتتلاءم مع التطورات العالمية في اساليب وطرق وأغراض البحث العلمي اخذين بنظر الاعتبار شحة الموارد المالية وظروف العراق المرحلية والتي تتطلب برنامجا جذريا وسريعا وقابلا للتطور والعطاء.
اما اهم مرتكزات هذه الاولويات الستراتيجية فيجب ان تشمل ما يلي:
1- استحداث منظومة مالية متوازنة ومستقرة لتمويل البحث العلمي.
2- تدريب وتأهيل قيادات فاعلة لتسيير وادارة المؤسسات البحثية الوزارية والجامعية.
3- خلق اجواء علمية ايجابية لتنمية القابليات الابتكارية للباحثين والاكاديميين.
4- تركيز مصادر البحث العلمي والامكانات من بنى تحتية و تجهيزات و موارد بشرية في عدد اقل من المؤسسات العلمية والجامعات.
5- تشجيع البحث العلمي المشترك الداخلي والتعاون العالمي.
6- وضع منظومة تقييم بالاستناد الى معاييرالجودة العالمية.
4- تزويد الطلاب والهيئات التعليمية بالمصادر العلمية للتعليم والتعلم، وانشاء المكتبة الالكترونية.
لربما يقصد هنا تدريب الهيئات التعليمية ببيدوغوجيات التعليم والتعلم الحديثة، وتغير أساليب التدريس باعتماد نهج جديد يضع الطالب في المركز ويهدف الى تعليمه مهارات التعلم والقابليات، وادخال تكنولوجيا المعلومات والاتصال وطرق التعليم عن بعد. في مدارس وجامعات الدول المتطورة تتمحور مخرجات التعلم حول المتعلم اي الطالب، وليس حول المدرس، وتركز على التعليم الناتج عن فعالية ما، لا على الفعالية نفسها، وعلى المهارات والقدرات الرئيسية، كما تعبر عن الرسالة التعليمية للمدرسة وللجامعة وعن القيم التي تمثلها. ويعبر عن هذه المخرجات افعال يجب على التلاميذ تفعيلها فتقوم بعملية الربط بين الاهداف والنتائج ومنها يتم معرفة مدى تفهم التلاميذ لمادة المقرر.
ومن المؤسف انه لم يذكر هنا اهمية توفير الحوافز فهي مهمة جدا لتحقيق الاهداف المتوخاة من مخرجات التعليم، فكما يقول المثل الانكليزي "يمكنك ان تقود الحصان الى النهر ولكنك لن تستطيع اجباره على شرب الماء"، فاذا لم تتوفر الحوافز للطالب فان تعليمه سيكون مضيعة للوقت. ومن الطبيعي ان تكون القدرة على تحفيز الطالب على التعلم احدى المهارات الرئيسية لكل مدرس لذا يكون تدريب المدرسين بالبيدوغوجيات الحديثة للتعليم والتعلم واستخدامها بصورة صحيحة اهم من تزويدهم بمصادرها. كما ان ادخال المكتبة الالكترونية يحتاج الى تدريب الهيئات التعليمية ليس فقط على طرق استخدامها، وإنما على ضرورياتها في عملية التدريس التي تستند على تعلم وتفهم الطلاب للدروس وليس على التلقين والاجترار. ادخلت المكتبة الالكترونية في التعليم العالي في العراق منذ فترة طويلة ومن دون تحقيق الفائدة القصوى واستخدامها بالصورة الصحيحة حيث لا تتوفر اية ادلة حاليا على مساهمتها في تحسين مستوى البحث العلمي، انها اصبحت مجرد اداة سريعة في الاقتباس من الادبيات العالمية. هذه حالة شائعة في دول العالم النامي حيث يتم ادخال التكنولوجيا الحديثة من دون مراقبة مفعولها وكفاءة استخدامها ودرجة الاستفادة منها.
5- مواكبة التطورات الالكترونية والتكنولوجية في التعليم والتعلم وإدخال مادة الحاسوب ضمن المناهج التعليمية.
ان تنفيذ مثل هذه الاولوية الإستراتيجية سيكون مرهونا بتطوير قابليات المدرسين في مجال تقنية المعلومات، كشرط لادخال مادة الحاسوب بنجاح ضمن المناهج التعليمية. اني استطيع القول ان غياب الرقمنة في المدارس، هي احد التحديات التي تحتاج الى جهد كبير وتعاون كبير فيها بين الجامعة والمدرسة، ولان تكنولوجيا المعلومات وتطويرها يعني بشكل او بأخر تطوير التعليم لأنه يوفر ادوات التواصل المختلفة بين بيئة التعليم والمتعلمين. برأي ان مواكبة التطورات الالكترونية لابد ان تشمل توفير خدمة الانترنت للمدارس، وتوظيف الخدمات الالكترونية في هذا الصدد، وتوفير كوادر بشرية على قدر كبير من التدريب والتأهل لاداء رسالة التدريس على اكمل وجه. ولابد للأولويات الإستراتيجية ان تجيب عن اسئلة مشروعة وهي كيفية تحفيز الطلاب على المضي قدما في التعليم والدراسة برغبة وبمسؤلية كاملة، وما هو نوع التعليم الذي نحتاج اليه في السنوات المقبلة؟
نحن ايضا نحتاج الى ادخال اللغات العصرية وخاصة الانكليزية الى مناهج الدراسة الابتدائية ومن السنة الاولى، لمعالجة الضعف اللغوي عند الفرد العراقي، وكإيمان بأهمية تعلم اللغات منذ سن مبكرة. أما الجامعة فدورها في تعليم اللغات يتركز في تأهيل مدرسي اللغات ومن يحتاجهم سوق العمل. وكما اكدت عليه سابقا بأني مقتنع بأن تخلفنا العلمي والتكنولوجي يعود بدرجة كبيرة الى تخلفنا في اللغات العالمية، لأنها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات وكسب العلوم ونقل التكنولوجيا، وبها أيضا ننقل علومنا وابتكاراتنا واكتشافاتنا وكل ما يمكن ان نساهم به لتطوير الحضارة الانسانية الى العالم. ان المشاكل البيداغوجية التي تعاني منها المدرسة والجامعة حاليا والتي تزداد استفحالا هي التي تعيق تطوير تدريس اللغة الانكليزية، ومعالجتها بصورة صحيحة تجعل المدرسة مؤهلة للاستجابة لمتطلبات المجتمع في مجال العلم والمعرفة والمهارات. لذا ولغرض بناء شخصية متكاملة للشاب العراقي منفتحة على ثقافات وحضارات العالم وذات قابليات وامكانيات لغوية تخلق علاقة تفاعلية بين الاندماج الاقتصادي الذي تفرضه العولمة وواقع الارتباط العلمي والثقافي، يتطلب ذلك استراتيجية تربوية لها اهداف كبرى منها تمكين طالب المرحلة الاعدادية من التحدث والمواصلة باللغة الانكليزية بطلاقة كما هو عليه طالب المرحلة الاعدادية في عدد كبير من الدول كألمانيا وهولندة والسويد.
6- تشجيع مؤسسات التعليم الخاص في المجالات كافة وتحفيز الاستثمار في هذا المجال مع ضمان الارتقاء بمستوى التعليم.
التعليم الخاص سلاح ذو حدين فهو رسالة احيانا وتجارة احيانا اخرى. في الوقت الذي يجب ان تعمل الدولة على تحفيز الاستثمار وتشجيع انشاء المدارس والجامعات الخاصة ضمن اسس معايير ضمان الجودة ومتطلباتها في الاعتماد، لابد أن نكون هناك رقابة شديدة عليها بحيث تضمن غلق المدارس والجامعات التي لا تكون مستوياتها مساوية، او افضل من المدارس والجامعات الحكومية. التعليم الخاص يجب ان يتمم التعليم الحكومي، وان لا يقتصر على المدارس والجامعات الصباحية التي تعني بالتعليم الاكاديمي، بل يجب ان يمتد ليشمل المعاهد التطبيقية والمهنية والفنية مثل معاهد تعليم الحاسوب واللغات والفنون وإعطائها اهتماما خاصا. ويشمل التعليم الخاص ايضا المدارس والمعاهد والمراكز والجامعات التي تنشئها الدول الاجنبية استنادا الى اتفاقيات ثقافية بين العراق وبين هذه الدول. وفي هذا المضمار اقترح ان يتم مراجعة اللوائح التنظيمية للتعليم الخاص بحيث تنص وبوضوح على هدف اللوائح في تحقيق المعايير الوطنية في الجودة بما يضمن تشجيع التنافس بين المدارس الخاصة، والعمل على ربط التعليم باحتياجات المجتمع ورفع مستوى التعليم والتعلم في الوطن عموما.
7- اعادة هيكلية المؤسسات التربوية التي تخرج المعلمين والمدرسين لضمان جودة العملية التربوية.
انا ممتن لرئيس الوزراء لشمول هذا الهدف في برنامجه، فهو هدف كثيرا ما دعوتُ اليه وطالبتُ الجامعات بالنظر في الهيكلية التنظيمية و الاكاديمية لكليات التربية ومعاهد اعداد المعلمين. ان احد اسباب انخفاض مستوى التعليم في المدارس هو ضعف تدريب المدرسين، والذي يعود بدرجة كبيرة الى عدم قدرة الجامعات على تغيير هيكلية الكليات لانعدام الاستقلالية وهذا يعد اخطر تحدي يواجه الدولة لتنفيذ الاولويات الإستراتيجية، ويعد ايضا من مكامن الخلل الرئيسية في النظام التربوي العراقي، والذي يكمن في المشاكل الادارية التي يعاني منها الهيكل التنظيمي لوزارة التربية ووزارة التعليم العالي، والمتمثل باتباع التنظيم العمودي والمركزي، والمتسبب بانعدام مرونة القوانين، وعدم مواكبتها للتغيرات السريعة في القطاعات التعليمية الدولية مما يشكل عائقا امام عمل الجامعات. من الضروري ان تعمل الجامعات على الغاء بكالوريوس كليات التربية وان تحل محلها نظام الدبلوم العالي للتربية بحيث يسمح لكل حاصل على شهادة البكالوريوس او ما يعادلها وفي البرامج العلمية والإنسانية والطبية والهندسية والاجتماعية وغيرها ممن يرغب ان يصبح مدرسا ان يسعى للحصول على الدبلوم العالي في التربية. كما انه من المهم ان يتم تشجيع اصحاب الشهادات العليا من الماجستير والدكتوراه لان يمتهنوا التدريس لما في ذلك فائدة كبرى للتعليم الاساسي وعلى غرار ما هو حاصل بصورة طبيعية في الدول الغربية.
8- اعادة تفعيل العمل بقانون التعليم الالزامي ورفع مستواه لغاية نهاية الدراسة المتوسطة.
ينص الدستور في المادة الرابعة والثلاثون على: 1- التعليم عامل أساس لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة وهو الزامي في المرحلة الابتدائية وتكفل الدولة مكافحة الامية . 2- التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله. بالرغم من ذلك لا اعرف بانه يوجد حاليا قانون ينظم عملية التعليم الالزامي كما هو عليه عملية التعليم الخاص، بحيث تهدف الاولويات الى تفعيل العمل به وبحيث تضمن الدولة كل المستلزمات لنجاحة خاصة وان طموحات واضعي الاولويات الإستراتيجية تتعدى المرحلة الابتدائية في التعليم الإلزامي إلى مرحلة المتوسطة مما قد يتطلب ذلك تعديلا دستوريا. كما انه من المحتمل ان تواجه الدولة صعوبات كبيرة في تطبيق القانون في ظل انعدام الامن وانتشار الارهاب.
وأخيراً، مع شديد الاسف، لم تتطرق الاولويات الستراتيجية الى موضوع استقلالية الجامعات، ويبدو واضحا عدم رغبة خبراء وزارة التعليم العالي في وضع توجهات استراتيجية واضحة في هذا المجال. كان بالأحرى تقديم اهداف واضحة عن هيكلية التعليم العالي، ومؤسساته بالاعتماد على رؤية جديدة لمستقبل التعليم العالي، وعلاقة الجامعات بالوزارة لغرض ترشيد المؤسسات القائمة، واستحداث مؤسسات جديدة انطلاقا من الأسس العامة لأسلوب الحكم الذاتي المتمثل في استقلالية المؤسسات التعليمية، واعتبار كل جامعة حرم ذو حصانة تتمتع بشخصية اعتبارية.
هذا ما احببت طرحه في هذه المناسبة، وسأعود الى الموضوع اذا ما طرحت هذه الاولويات الإستراتيجية للمناقشة العامة لغرض إثراء الحوار حولها، وهدفي هو تطوير الرؤية المستقبلية لقطاع التربية والتعليم والبحث العلمي والابتكار وردف عملية التخطيط والتنفيذ.

 

الإنسان بين الماهية والهوية

الأستاذ صادق جواد سليمان*
 أنا كلما عدت إلى هذا المكان، إلى "مركز الحوار العربي"، الذي في الواقع لا مكان محدداً له سوى حيث تعقد حواراته، يساورني إحساس شبيه بإحساس عائد، بعد غياب، إلى الرافد الذي نهل منه. بذلك أجدني مدينا لكل من ساهم في إثراء هذا الرافد وتواصل مع نشاطاته. كما أجدني مغتبطا بالصداقات التي ترابطنا بها هنا وبقينا عليها رغم تباينٍ في الرؤى، سياسيةٍ أو فكرية. وراء هذه الاستمرارية، المعطاءةِ رغم شح المورد، جهدٌ مثابَر نثمنه عاليا لإنسان فذ وأخ كريم، الأستاذ صبحي غندور، مؤسس المركز ومديره، والذي لا نزال نشهد له ريادة متميزة في خدمة القضايا العربية، واهتماما متواصلا بالقضايا الإنسانية، المتزايدة جميعها، كما نلاحظ، تشعبا وتعقدا، بل وترديا، في حراك هذا العصر.
عندما عرض علي الأخ صبحي وأنا إذاك في عُمان، أن أتحدث ضمن فعاليات المركز خلال زيارتي هذه، وترك لي- بلطفه المعهود - تحديد محور الحديث، لم أحر في اختيار الموضوع، فقد كنت، تأمليا،ً كلفا به طوال أشهر الصيف، بالأخص خلال الفترة المطولة بعض الشيء التي قضيتها في الهند، والتي أتاحت لي فيما أتاحت، فرص تناظر موسع مع أكاديميين هنود يجمعون بين المعرفة العلمية المعاصرة والواردات من النظر الفلسفي في موروث سائر الديانات والمدارس الفكرية.
موضوع حديثي هو " الإنسان بين الهوية والماهية ": أعرضه مدركا أنه موضوع يكاد لا يكون له محل من الإعراب وسط ما يشغل الجميع من متابعة قلقة للأحداث الجارية في عالمنا العربي، بل عبر العالم كله. مع ذلك، ما سأعرضه بنظري هو ما من شأنه أن يمكن من التحول من ثقافة المغالبة بالعنف والاحتراب التي أضحت تعاني تحت وطأتها الإنسانية في كل مكان، إلى مسار رشيد، مسار تآلف وتعاون يفتح الأفق واسعا امام الأمم جميعها لتحقق نفسها إنسانيا بأوفى وأمثل المتاح.
"الإنسان بين الهوية والماهية" هو موضوعنا، وإذن فلنبدأ بالهوية – IDENTITY: الهوية تعرّف المرء من حيث انتماءاته الخارجية، أي تلك التي بعضها أضفى عليه مجتمعه، وبعضا آخر اتخذها لنفسه، وأبرزها: الثقافة، العرق، الوطن، الدين، المذهب، المنظور الفكري أو السياسي.
*في المقابل، الماهية -ESSENCE - تعرّف الإنسان من حيث كينونته الوجودية، اي تلك التي نشأ من رحمها أصلا، وبقي عليها فطرة مدى ما عاش، أيا كانت معرفات هويته.
*الهوية، بمعرفاتها المتعددة، تورَد جوابا انتمائيا إزاء السؤال: من أنت؟ من هو؟. أو، إذا كان التساؤل مثارا من الذات: من أنا؟ الجواب هنا يأتي بمعرفات متعددة، يصدرها كل شخص بالمعرف الذي يؤثره من بين معرفات هويته.
*في المقابل، الماهية، التي هي مشتركة بين الناس جميعا، تورَد جوابا وجوديا على التساؤل: ما أنا، ما أنت، ما هو؟ الجواب هنا يأتي بمعرف واحد فحسب: أنا إنسان.
*في عصرنا معظم الناس عبر العالم، في مجال معرفة الذات وتعريفها، يأتي تركيزهم على الهوية الانتمائية. بتعبير آخر: فهمهم لأنفسهم، وتعريف أنفسهم لغيرهم، وتعاملهم مع الآخرين، يأتي مشكلاً ومنطلقاً من المعرفات الانتمائية: مثلاً: أنا عربي لذا متمايز عن غير العربي، عُماني، لذا متمايز عمن هو من بلد آخر، مسلم، لذا متمايز عن غير المسلم، منتسب لمذهبٍ أو لمدرسة فكرية او لحزب سياسي معين، لذا متمايز عن المنتسب لمذهب آخر أو لمدرسة فكرية مغايرة أو لحزب سياسي آخر، وهكذا.
*في المقابل، قلة من الناس، في مجال معرفة الذات، وتعريفها، والتعامل مع الآخر، يأتي تركيزهم على المُعرّف الوجودي المشترك بين الناس، أي الماهية الوجودية، وخلاصة التعريف هنا: أنا إنسان قبل كل شيْء، وإنسانيتي تسبق أي انتماء مضاف وتعلو عليه.
*في التركيز على الماهية الوجودية تتضاءل الفروقات الواردة في تعريف الهوية الانتمائية. هنا، كأمر أول وأساس، يرى المرء الآخر، أيا كانت معرفات هوية الآخر... يراه كمثل ما يرى نفسه: كائناً حياً واعياً يتماثل مع جميع أفراد جنسه من حيث الجسد، وملكة التفكير intellect، ومن وراء ذلك، بل وبأهم من ذلك وأعمق، من حيث الروح المودعة فيه، أو بالعبارة القرآنية، المنفوخة فيه من الذات الإلهية.
*قديماً وحاضراً، التغافل عن وحدة الإنسانية المتمثلة في الماهية الوجودية المشتركة بين الناس تسبب، ولا يزال يتسبب، في معظم المشاكل المولدة للصراع في الحراك البشري. بالنتيجة، معظم مشاكل البشر، سياسيةٍ، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، وسواها، لا تزال تنتج عن التركيز المفرط على تعددية معرفات الهوية الانتمائية، وفي المقابل، اللاتركيز على وحدة الماهية الوجودية. ذلك أن التركيز على تعددية الهوية الانتمائية، والتجاهل، لوحدة الماهية الوجودية، من شأنه استثارة التفرقة بين الأمم، بل وضمن الأمة الواحدة، بين فئات تتباين عرقاً أو ديناً أو مذهباً أو منظوراً فكرياً أو سياسياً. التفرقة تولد الخصام، والخصومة تراكمياً تؤدي إلى الصراع، في عاجل أو آجل.

إلى ماذا أرمي تحديدا بهذه المقدمة؟
*أرمي إلى استلفات النظر إلى تراجع خطير أراه يحدث حثيثا في الحال الإنساني عالمياً، نتيجة تزايد تشخص إنسان هذا العصر بتعددية معرفات هويته الانتمائية، مقابل تزايد تجاهله لوحدة ماهيته الوجودية.
*أنا إذ ألاحظ هذا السياق، في زمن تكاثر التعداد البشري، مقترناً بتكاثف تواصل الأفراد والجماعات من مختلف الأمم، على نطاق غير مسبوق في حراكه ومداه، فإنني أستشرف تصاعد وتيرة الصراع، في مختلف أشكاله، عبر العالم بأسره.
*في استطراد هذا السياق المعيق للنماء الحضاري، أرى صراعاتٍ متفاقمةً ما بين الأمم، أو إن شئتم، ما بين الدول، وتباعا، أرى تشظى الصراع إلى ما بين فئات الأمة الواحدة، الوطن الواحد، الدين الواحد، وهكذا ... مُثاراً، في الأغلب الأعم، بعاملين: التسييس والتحريض.

كيف يكون الابتعاد عن هذا المسار المنهك؟
*الابتعادَ أراه في الارتكاز في الماهية الوجودية، بمعنى أن يكون ارتكاز الناس وعياً في ماهيتهم الوجودية، الجامعة والموحدة، أقوى وأثبت وأعمق من ارتكازهم في هوياتهم الانتمائية، المتفرقة والمفرقة.
*الابتعادَ أراه في إخضاع تعددية معرفات الهوية الانتمائية لوحدة الماهية الوجودية، المؤصلة ذاتياً، بحيث لا ينفصم عنها المرء أينما حل أو ارتحل، وفي أيما بيئة وطنية، ثقافية، دينية أو مذهبية نشأ وترعرع.
*الابتعادَ أراه في التحول من منظور يحبسنا، أفراداً وجماعات وأمماً، في قواالب تخاصم مستدام، ناتج عن التشبث المبالغ بتعددية الهوية الانتمائية، إلى منظور ينقل الجميع إلى ساحات تعايش رحب، قائم على الأصل المشترك، أصل الماهية الوجودية.
*إجمالا، ارى الابتعادَ في تعميق إلإحساس بمشتركنا الإنساني: الانطلاق منه، والانضباط به في عموم مساحات التفاعل والتعامل، أيا كانت المشاكل المعترضة، وكيفما كان حراك الأحوال والظروف.
*بذلك، على ما أرى، سوف نمكن من لجم استدامة الصراع الآخذ بالانتشار عالميا، الباعث مرارا على العنف... العنف المهلك من المدنيين الأبرياء أضعاف ما يهلك من المتحاربين، العنف الذي يتلف ويشرد ويُهدر كرامة الإنسان، وفي ساعة هيجان هادر يدمر ما يكون قد عُمر حثيثا بمجهود عمر.
*الصراع يُصرف الطاقة الخلاقة في الإنسان عن الإعمار والإنماء، يُفسد المناخ السياسي الاجتماعي، يُسمم الحال النفسي، وبذلك يقعد الإنسانية عن التقدم حضاريا نحو الأوفى والأمثل. لذا لا خير أرى في نزوعات تستثير الصراع.
*من وجه آخر، بما رصدت من تفشي العنف عبر العالم في العقود الأخيرة، وبما وعيت بالأخص من تاريخ القرن العشرين بحروبه المتكررة، ممكنة في مداها التدميري المهول بالعلم الحديث modern science، لم أعد مطمئنا إلى العلم الحديث معزولا عن الانضباط الخلقي. العلم الحديث مُمكّن وليس بمرشدٍ، بمعنى أنه قابل للتسخير لخير كان أو شر. لذا، ما لم يرتدف العلم الحديث باللازم الخلقي، ذلك الذي ينعته الفيلسوف الألماني إيمانيوئل كانط باللازم المؤكد the categorical imperative فقد يغدو العلم الحديث عامل تخريب وإفساد أكثر منه عامل تعمير وإصلاح.
*كما أنني ما عدت متفائلا اليوم، كما كنت متفائلا بالأمس، بحداثة عشتها طويلا وثمنت معطاها كثيرا، حداثةٍ أرى أن قد شابها الصراع، وشانها العنف، وشوهتها نزعة المغالبة بالإثم والعدوان، فأضحت بقدر ما تيسر العيش تزيد الطيش، وبقدر ما تريح البدن ترهق الروح، وبقدر ما تعد بالسعادة تنتج الشقاء... حداثةُ تغرر أكثر مما تبصر، فيتراجع في سياقها المتعجرف، الحال الحضاري، وتهدر جراء جرفها الغاشم، كرامة الإنسان.
ما هي بنية رؤياي لماهية الإنسان الوجودية، تلك التي أدعو إلى الارتكاز فيها والانطلاق منها لأجل بتر مسلسل الصراع، لأجل تنشيط سياقات التعايش والتعاون، لأجل ربط مسار الإبداع الحداثي بهدف الارتقاء الحضاري؟:
*بنية رؤياي هي أن الإنسان في ماهيته تشكل من جسد، وملكة تفكير، وروح. الجسد يتضاءل ويفنى، وملكة التفكير تتضاءل بتضاؤله وتفنى بفنائه. الروح، من حيث أنها طاقة محضة، لا تتضاءل ولا تفنى: هي، كالله والمادة، من أزل لأبد.
*خلال الحياة، تعالق تلازمي يسري، بين الجسد وملكة التفكير: بمعنى كلما تلازم الجسد بهدي تفكير سديد، كلما صح وسلم، والعكس بالعكس.
*بمثل ذلك، تعالق تلازمي يسري بين ملكة التفكير والروح: بمعنى كلما تلازم الفكر بصفاء الروح، كلما صح وسلم، والعكس بالعكس.
*في كنهه الوجودي، الإنسان روح قبل أن يولد، وروح بعد أن يُتوفى. روح الإنسان من روح الله، سوى أن روح الإنسان جزء من كل، وروح الله كل مطلق. لذا كلما توثقت صلة الإنسان بالله، صلة المحدود بالمطلق، صلة المتكامل حثيثا بالكامل أصلا، صلة المستزيد من الخير بالمعين غير الناضب خيره، كلما تعرض وعياً، وسما خلقاً، وصفا نفساً، وتمكن من بناء حضاري نابذ للعنف، موطد للسلم، مقيم للعدل، متعامل بالمساواة، صائن للكرامة، ومنمى التآلف والتعاون فيما يثري ويسعد الجميع.
*في المقابل، كلما ازداد الإنسان انحباساً في شراك الخصام والصراع، متعصبا لانتماءات هويته الخارجية مفصولة عن وعيه لماهيته الوجودية، كلما انحدر على المدرج الحضاري، فإن لم يتدارك أمره، أخلد إلى الأرض وارتكس.
تلك هي بنية رؤياي التي أرى من خلالها لزومية إعلاء الإنسان ماهيته الوجودية فوق هويته الانتمائية، لكي يُمكّن من نظر أعرض أفقاً، ويُحفّز على أداء أكثر نبلاً، ورشداً ورسواً في مكارم الأخلاق.
*في رؤياي أيضا أن ذلك هو الخليق بالإنسان أن يرسو فيه وينطلق منه في كل ما يفكر ويقول ويفعل، كونَه استودع روحَا أزلية أبدية لأجل أن يسعى حثيثا على مسار حضاري حميد، مستدامٍ من جيل لجيل: مسارٍ مستصلح للنفس، وراعٍ الشأنَ الإنساني ككل، إذ أن بالأمرين تلازميا، يرتهن تحقق الإنسانية بأمثل المتاح أمامها أن تتحقق.
*على أن تلك مكنة كامنة لا تزال في عصرنا، أكثر من أي عصر سبق، تنتظر الإظهار والتفعيل بوعي إنساني مستنير، وعي مبصرٍ بالإيمان، مسندٍ بالمعرفة، مرشدٍ بالحكمة، ومنضبطٍ بضوابط الخلق الكريم.
*من بصائر القرآن المجيد بصيرة يجدر وعيها صميما بهدا الصدد: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. نقطة الاستيعاب هنا: أن منشأ التغيير في الحال الإنساني، سلباً أو إيجاباً، هو الإنسان نفسه: بمعنى أن ساحة التغيير المنشود لا تكون ابتداءً في عمارة الأرض أو الترفه في المعاش بقدر ما تكون، كأمر أول وأساس، في استصلاح النفس، وهو المسعى المستدام الذي عرف في الحكمة المتعالية الموروثة من سائر الديانات والمدارس الفكرية... عرف بالجهاد الأكبر، باعتبار أن باستصلاح النفس يُستصلح المحيط، لكن العكس لا يكون ضرورة بصحيح.
*بصىيرة قرآنية أخرى: من أهم وأنجع ما تستصلح به النفس، فتصلح بذلك الحياة وتطيب، هو الاستقرار في الإيمان ... الإيمان المثبت لنا في الصدق، المؤيد لنا بالصبر، الحاض لنا على صالح العمل، المعين لنا في الشدائد... الإيمان الجانح بنا للسلم، والدافع لنا للارتقاء طرداً على السلم الحضاري .
*مثل هذا الإيمان لا ينحصر تحققه في أهل أيما ملة بعينها، وإنما هو حال وجداني يتنامى في أيما إنسان يصدق قوله، يصلح عمله، يحسن خلقه، وتصفو نفسه، أيا كانت هويته.
*ختاما، أتمنى أن ينبعث مثل هذا الوعي الحضاري مجددا لدى الأمة العربية، فتصححَ وضعها وتُقوّمَ مسارها، متأصلةً في ماهيتها الوجودية المشتركة بينها وسائر الأمم، متحصنةً بالمعرفة العلمية، متحليةً بمكارم الأخلاق، وبذا كله، مزدهرةً في عروبتها التي هي هويتها الثقافية الجامعة، موصولةِ بهويتها الوجودية، ولذا حاضنةِ لجميع الأديان والمذاهب والمواطن والأعراق.
*أتمنى أن تحقق الأمة العربية بذلك نموذج " خير أمة " الذي ندبها إليه القرآن المجيد، فترشدَ بذلك مسارها الذاتي، وتسهم في ترشيد المسار الإنساني ككل، مستعيدة بذلك أهليتها التاريخية كمصدرِ أحد أعظم الروافد الحضارية التي رشدت خبرة الإنسان.
*في قناعتي، ما لم تنطلق العروبة، وهي الهوية الانتمائية الجامعة للعرب، من منطلق الماهية الوجودية المشتركة بينها وسائر الأمم،... مالم تنطلق موفورةً في العلم المتبلور من الاجتهاد الإنساني، متميزة بمكارم الأخلاق المدركة بالفطرة، ومعنية بالشأن الإنساني المشترك كافة بين الناس، فإنها لن تزدهر حضاريا، ولن تثمر بما ينفعها ذاتيا وينفع الناس.
*هي أيضا لن تفي باستحقاقات عالمية مقاصد الإسلام، الذي أُرسل نبيه للناس كافة، وأُرسل رحمة للعالمين.
*أخيرا، أتمنى أن يكون لكل منا دوراً في تفعيل هذا التوجه القائم على تأصل ثابت إنسانياً، وتفرع متسام عروبياً، لأجل تحقق حضاري، عربياً وإنسانياً، في ترادف واتساق. هكذا إلى أن تحين الآجال، فنرحل عن دنيانا، تاركينها لمن بعدنا أحسن مما وجدناها... مرتحلين عنها برضا واطمئنان.
-----------------
* مفكر وكاتب من عُمان ودبلوماسي سابق. والموضوع ألقي في محاضرة في "مركز الحوار العربي"، في العاصمة الأمريكية واشنطن، بتاريخ 19 نوفمبر 2014
------------------------
ويمكن متابعة مقابلة مع الأستاذ صادق سليمان في برنامج "حديث الخليج" الذي يقدمه على قناة الحرة الدكتور سليمان الهتلان.
الجزء الأول:

https://www.youtube.com/watch?v=B1v4dkG7c-E&feature=youtu.be

الجزء الثاني:
https://www.youtube.com/watch?v=iYqK2pToc7s&list=PLOr6XDVLqNYf9cP7iEWWQ1Lb9v2wRFQlQ

التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق واللامركزية في العراق

د. علي مرزا

أولاً: مقدمــة[1]
منذ بدء الاحتجاجات في محافظة الأنبار ومناطق أخرى في وسط العراق في أواخر 2012 وتحولها تدريجياً إلى تصعيد عسكري، توسع مسرح عمليات الجماعات المسلحة وخاصة داعش ضد القوات المركزية. وخرجت الفلوجة ثم أجزاء أخرى من الأنبار منذ أوائل 2014 عن السيطرة الحكومية لتصل منعطفاً خطيراً في 10 حزيران 2014 باحتلال الجماعات المسلحة لمدينة الموصل، بعد أن كانت تحت نفوذهم لفترة طويلة. ثم احتلت مدن ونواحي من محافظتي صلاح الدين والأنبار وأنحاء من محافظتي ديالى وكركوك (ISW, 2014). و"فُتِحت" الحدود مع شرق سوريا، في 29 حزيران. وبالنتيجة تحددت في العراق، من الناحية العسكرية، ثلاثة مناطق، تتغير تخوم وامتدادات ومواقع سيطرة اثنان منها مع/في المنطقة الوسطى حسب مجرى العمليات العسكرية، (ISW, 2014, Lewis, 2014, Cockburn, 2014):
(1) كردستان وأجزاء من محافظتي كركوك ونينوى بعد أن دخلت قوات البيشمركة مناطق "متنازع عليها" ومناطق أخرى بما فيها حقول نفط كركوك.
(2) المنطقة الوسطى شمال بغداد (نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار). وهي المسرح الاساس للعمليات العسكرية. ولا زالت اجزاء مهمة منها تحت سيطرة القوات الحكومية والمتطوعين أو/و العشائر الموالية والبيشمركة. ولقد تصاعدت جهودها في استجماع شملها وتنسيقها منذ أواخر آب لاستعادة السيطرة على الأجزاء الأخرى. ولكن من ناحية ثانية، فإن الجماعات المسلحة لا زالت تسيطر على مواقع استراتيجية ولوجستية فيها وامتداداتها إلى سوريا. ويقع ضمن مجالها خط أنبوب تصدير النفط من كركوك إلى جيهان/تركيا. كما قامت باستخراج النفط في بعض حقول منطقة حمرين كحقل عجيل، (Iraq Oil Report, 9 July, 2014).
(3) بغداد والمنطقة الجنوبية. وهي تحت سيطرة الحكومة المركزية، مع تكرر الهجمات الارهابية حول "حزام" بغداد وفي داخلها.
ولقد أثارت ممارسات الجماعات المسلحة في التهجير والاضطهاد والقتل ضد الاقليات والخصوم في المنطقة الوسطى استنكاراً عالمياً واسعاً أعقبه إجراءات لمساعدات انسانية. ونتيجة لمهاجمة هذه الجماعات لمناطق محيطة بكردستان بما في ذلك سد الموصل وكذلك تهديد أربيل في أوائل آب، رافق الإسناد السياسي الدولي تكثيف القصف الجوي الأمريكي (ودول أخرى، فيما بعد) لمواقع هذه الجماعات في العراق. وقررت دول من الإتحاد الأوربي وحتى إيران تزويد كردستان بالسلاح. وفي خطابه في 10 أيلول أعلن الرئيس أوباما عن "استراتيجية لحلف دولي" لمكافحة الارهاب تقوم على توسيع القصف الجوي في العراق (وإمكانية امتداده إلى سوريا، الذي بدأ فعلاً في أواخر الشهر) بالإضافة لتدريب وإسناد القوات العراقية ووقف تدفق المتطوعين وتجفيف منابع تمويل داعش، وأخيراً تقديم مساعدات انسانية.
ثانياً: الخلاف والوفاق المجتمعي
مما تقدم يتبين أن وحدة العراق وسلامة أراضيه تتعرضان، في الوقت الحاضر، إلى مخاطر وتهديد جدي يتعدى بكثير ما تعرضتا له منذ تشكيل الدولة في 1921. وهناك من يرى أن هذه المخاطر والتهديد، الذي تكرر، بدرجات عنف مختلفة، اكثر من مرة منذ ذلك التاريخ، ينبع من أن الدولة تشكلت في حينه من مناطق وطوائف وأثنيات متباينة ولقد جمعها مشروع فرضته اصطناعاً بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. في المقابل، هناك من يرى أن الترابط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي/الحضاري لمناطق العراق ومكوناته تطور تدريجيا، خلال قرون سبقت القرن العشرين، ليصبح نتيجة لذلك منطقة مترابطة واحدة في بداية القرن. وبالنتيجة فإن ما فُرِض كان واقعاً وليس اصطناعاً، الخفاجي (2012).
وعلى كل حال، فلقد أعقب تشكيل الدولة تَطَوِر الترابط والتفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وتَكَوِن جامع حضاري/ثقافي/فني من خلال التعليم وفي الصحف والنشر والإعلام والشعر والأدب وفي حركات سياسية موحِدة، وكذلك من خلال الخدمة العسكرية الإلزامية، أدت جميعها إلى نشوء شعور وطني عراقي.
ولكن كل ذلك لم يؤدي إلى تكوين عقد اجتماعي مستدام. فالمناطق المختلفة ومكوناتها، بالرغم من زيادة ترابطها وتفاعلها وعلاقاتها واقترابها من تكوين هوية وطنية عراقية جامعة، انما مسكتها القوة العسكرية والأمنية للحكومة المركزية. ففي خلال الحكم الملكي ومع نشوء حركات سياسية قطرية/وطنية ويسارية وقومية عابرة للطوائف والأثنيات، خاصة في المدن، فإن الدولة واجهت انتفاضات وتمرد عشائري متكرر في الفرات الأوسط والجنوب وفي الشمال لتعكس، بجانب منها، توتر طائفي وأثني أمكن التغلب عليه بالقوة. مع ملاحظة انه حتى العقد الأخير من القرن الماضي، كان تكرر الحملات العسكرية في الشمال شاهداً على توتر أثني مزمن. وبعد 1958 استمرت قوة السلطة المركزية، مع اندلاع النزاع اليساري-القومي الذي ربما كان، بجانب منه، يخفي توتراً طائفياً. وبعد 1968، كان للقبضة الأمنية القوية، من ناحية، وتوسع الاستخدام في الدولة ومن ثم الارتفاع بالمستوى المعيشي نتيجة الإيرادات النفطية المتزايدة، من ناحية أخرى، أثر في تخفيف أو خمود هذا التوتر. ولكن باندلاع الحرب العراقية-الإيرانية وعمليات التهجير والاضطهاد، وبروز احزاب دينية معارضة، تقوى البُعد الطائفي في المجتمع. وتُمَثِل انتفاضة 1991 بعد حرب الكويت، من ناحية، والحملة الإيمانية للنظام خلال التسعينات، من ناحية أخرى، عاملاً هاماً في تركيـز هذا البُعد مجدداً (Haddad, 2011). أما بَعد 2003 فلقد تم مأسسة هذا البُعد في النظام السياسي والذي غلبت الممارسة والخطاب الطائفي/الأثني فيه على ممارسة وخطاب التوحيد. وجاء النزاع المسلح خلال 2005-2008 ثم العمليات العسكرية الجارية لتوسع الشرخ المجتمعي.
ولقد رافق التوتر الطائفي/الأثني أو تمت من خلاله انواع اخرى من النزاع، قد تكون أكثر أساسية منه، مثل النزاع على الموارد الطبيعية وبالذات النفطية وربما، يعتقد بعض الباحثين، حتى أشكال من النزاع الطبقي. وبالرغم من انتشار الموارد النفطية/الغازية في أنحاء العراق، كما سيرد أدناه، فإن هذه الموارد متركزة في الجنوب أساساً وفي الشمال بالدرجة التالية. إن السيطرة على المنابع ومن ثم العوائد النفطية/الغازية كان من أهم الوسائل لتحقيق التمكن الاقتصادي ومن ثم التمكن السياسي والمسك بزمام السلطة سواء كان على مستوى السلطة المركزية (Tripp, 2000) أو حديثاً في إقليم كردستان، وقد يمتد ذلك، فيما يبدو، إلى المحافظات. وبالنتيجة سيمثل شكل السيطرة على هذه الموارد وإدارتها وتوزيعها أحد التحديات التي تواجهها وحدة أو تنافر المناطق والمكونات المختلفة في العراق.
وهنا تكمن جذور معضلة جوهرية. فمن ناحية، أثبتت الحكومات المركزية، خلال ما يزيد على تسعة عقود، بدرجات مختلفة، على عدم قدرتها على اتباع حوكمة رشيدة جامعة لكافة المناطق والمكونات مما أدى بالنتيجة إلى استمرار توتر/نزاع، يزداد ويخفت حسب الظروف. بالإضافة لذلك فإنها أثبتت خاصة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي على تواضع إدارتها للموارد النفطية، خاصة: (أ) أثناء 1980-2003، من خلال إنفاق جزء كبير من عوائدها على حروب ومغامرات اقليمية ومن ثم ربطها بأقساط خدمة ديون وتعويضات خارجية سنوية والتزامات أخرى طويلة الأمد، (ب) بعد 2003، من خلال ضياع جزء مهم من عوائدها نتيجة للفساد والمحسوبية والنزاع الطائفي/الأثني. كل ذلك دفع/يدفع إلى بروز دعوات لتكوين إدارات ذاتية مستقلة للمحافظات/المناطق على غرار التجربة الكردستانية، والتي تقود بالنتيجة إلى إضعاف جدي للسلطة المركزية. ولكن في المقابل، هناك عوامل اقتصادية (توفر الموارد الطبيعية، سعة السوق، ترابط الموارد المائية، الخ) وأمنية (خاصة في حالة الوصول إلى توافق مجتمعي وما يؤدي أليه من سلم أهلي وتحجيم للتدخل الإقليمي)، وموضوعية/ذاتية (علاقات ووشائج اجتماعية وثقافية/حضارية وسكانية، الخ) ودولية/اقليمية، كلها تبرر أو تدفع باتجاه استمرار العراق بدولة موحدة، يكون لسلطة مركزية مقتدرة ذات مصداقية وطنية ومؤسسات اتحادية فعالة دور أساس في الحفاظ عليها.
ومع صعوبة إيجاد تسوية مستدامة لهذه المعضلة، التي استمرت طويلاً، فإن تطبيق إدارة لا-مركزية "متوازنة" للمحافظات/المناطق وتقرير آلية للمشاركة في الموارد النفطية خاصة من المناطق المتمكنة اقتصادياً (الغنية بالنفط/الغاز) نحو مناطق "العجز"، يمكن أن تكون عناصر أساسية لأي حزمة تستهدف تحقيق هذه التسوية. لذلك ستركز هذه الورقة على بعض جوانب هذين العنصرين، تباعاً في الفقرات التالية.
ثالثاً: المركزية واللا-مركزية
تعرضت سلطة الادارة المركزية للانحسار منذ صدور قرار مجلس الأمن بفرض مناطق حضر الطيران في 1991 والتي أدت إلى تحول اقليم كردستان إلى منطقة مستقلة عن المركز. ثم امتد الانحسار إلى المنطقة الوسطى بعد 2003، خاصة خلال 2005-2008، لتخرج أجزاء مهمة منها فعلياً عن سلطة المركز منذ حزيران 2014. وقد يصبح من الصعب عكس الانعزال الفعلي الحالي لمناطق العراق، بعد انتهاء العمليات العسكرية، بدون ادراك حقيقة أنه كما في كردستان فإن العودة إلى إدارة مركزية لباقي العراق كما كانت قبل 10 حزيران، اصبحت غير مقبولة سياسياً أو إدارياً. إن ما يمكن تأمله هو تحويل هذا الانعزال إلى تنظيم إداري/مالي يساهم في إعادة التوحيد الاقتصادي. وبالرغم من وجود شواهد قوية تبين أن عرب العراق يفضلون استمرار دولة موحدة فإن هذه الوحدة، إن كانت ممكنة في ظل الاستقطاب الطائفي، تتطلب إدارة لا-مركزية واضحة بوحدات جغرافية ذاتية الإدارة. ولقد وجد ذلك صدى في تأكيد رئيس الوزراء الجديد على اللا-مركزية، في المرحلة المقبلة، عند عرضه لبرنامج حكومته في جلسة نيل الثقة في مجلس النواب في 8 أيلول/سبتمبر 2014.
ويثار تساؤل حول شكل الادارة اللا-مركزية في العراق. هل سيكون في الإبقاء على المحافظات (خارج كردستان) كما هي ولكن بتطبيق قانون المحافظات (رقم 21 لسنة 2008) المعدل، أو في انتظامها في مناطق/أقاليم؟ ولعل تجنب العديد من المعلقين وبعض الجهات السياسية لخيار انتظام المحافظات (خارج كردستان) بمناطق أو أقاليم نابع من عاملين. الأول، التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تحويل المناطق/الأقاليم بالنتيجة إلى دويلات طائفية/أثنية متصارعة وتدَخُّل اقليمي ودولي مستمرين. والعامل الثاني، يتمثل في الخشية من نشوء إقليم/أقاليم في البصرة/المنطقة الجنوبية بنفس الاستقلالية التي يتمتع بها إقليم كردستان وما لذلك من تبعات في إضعاف المناطق الاخرى سياسياً وتحجيم أكبر لمجال نفوذ وإدارة السلطة المركزية، كون هذه المحافظة/المنطقة هي المعول عليها، في المقام الأول، في الأمد القصير/المتوسط في تمويل باقي المناطق والمركز من خلال الميزانية الاتحادية. ولكن من الجدير الإشارة إلى أن هذه الخشية قائمة، عند تطبيق قانون المحافظات، حتى عند بقاء المحافظات كما هي وعدم انتظامها بمناطق أو أقاليم. فلقد ورد في التعديل الصادر في 8 آب/أغسطس 2013، لقانون المحافظات، مجموعة من الفقرات/المواد التي يمكن أن تزيد من استقلالية المحافظات غير المنتظمة بأقاليم، عن السلطة المركزية، فيما يخص صلاحياتها ومواردها المالية. ففي جانب الصلاحيات ورد في سادساً من المادة (2) ما يلي: "تدار الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المواد (112 و113 و114) من الدستور بالتنسيق والتعاون بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية وتكون الأولوية فيها لقوانين المحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما وفقاً لأحكام المادة 115 من الدستور". ومن المرجح أن يقود تطبيق هذا القانون إلى وضعٍ مماثلٍ للعلاقة القائمة حالياً بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وحيث ان المادة 112 من الدستور متعلقة بالموارد الطبيعية ومنها النفط، وفي ضوء ما اتبعته كردستان من سياسة نفطية مستقلة، فإن هذا التعديل يتيح للمحافظات مساراً مماثلاً.
لذلك مهما كان الشكل الذي سيتم تبنيه للإدارة اللا-مركزية فإن من المناسب تطبيقه، بما في ذلك قانون المحافظات المعدل، بآلية "توازن" بين الصلاحيات اللا-مركزية للمحافظات/المناطق واستمرار فعالية سلطة مركزية ذات مصداقية وطنية.
وعلى كل حال فإن التوصل إلى تسوية بهذا الخصوص سيعتمد على نتيجة المساومات والاتفاقات السياسية داخل وخارج المجموعات والمحافظات المختلفة، من ناحية، والإمكانيات الاقتصادية للوحدات اللا-مركزية، من ناحية أخرى. كما أن التنظيم اللا-مركزي وحده لا يقود إلى مشاركة مستدامة في السلطة بدون وجود مؤسسات اتحادية فعالة ورغبة لدى مجاميع الطبقة السياسية في الاتفاق على التسويات اللازمة، والتي تقود جميعها لتنظيم العلاقة وفي حل الإشكالات التي تثار في نظام اتحادي.
رابعاً: التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق
في دولة ريعية كالعراق تراجعت فيها الاهمية النسبية للقطاعات السلعية غير النفطية (الزراعة والصناعة) خلال العقود الماضية وخاصة العقد المنصرم فإن توفر الطاقات الإنتاجية النفطية/الغازية، من عدمه، يصبح في الأمدين القصير والمتوسط هو العامل الحاسم في التمكن أو الاعتماد الاقتصادي/المالي للوحدات أو المناطق اللا-مركزية. وفي هذه الورقة سنتعرض إلى ستة مناطق جغرافية لا ترتبط بتقسيم طائفي واضح (حيث أن جميعها، خارج كردستان، هي مناطق ممتزجة الطوائف والأثنيات، بدرجة أو بأخرى) وإنما حُددت على أساس حجم الموارد النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية الحالية فيها، والذي يُسْتَهدَف منه تشخيص مناطق التمكن ومناطق الاعتماد. والمناطق الستة هي: (1) البصرة، (2) باقي المنطقة الجنوبية، جنوب بغداد، (3) بغداد، (4) المنطقة الوسطى: نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار، (5) كركوك، (6) كردستان: أربيل، السليمانية، دهوك. لذلك سيتم في الفقرة التالية تشخيص امكاناتها النفطية/الغازية.
(4-1) الاحتياطيات النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية
تنتشر الموارد النفطية والغازية في أغلب أنحاء العراق. ويبين الشكل (1) مواقع هذه الموارد حسب الأحواض الرئيسية، وهي ثلاثة أحواض: (أ) نطاق-زاكروس-الشمالي، (ب) بين-النهرين، (ج) الوديان.

 

تحديات أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب

صبحي غندور*

صحيحٌ أنَّ المجتمع الأميركي هو نسيج مركَّب من أصولٍ عرقيةٍ ودينيةٍ متعدَّدة، لكنْ هذا "الموزاييك" هو مصدر خطرٍ وضعفٍ أحياناً، كما هو سبب قوة أميركا وسلامها الاجتماعي. فالدستور الأميركي والقانون الأميركي لا يميّزان على أساس خصوصياتٍ دينية أو عرقية، لكن في الإعلام الأميركي وبعض المؤسسات والهيئات الأهلية المحلية في أكثر من ولاية، من هم يمارسون الآن هذا التمييز ضدَّ العرب والمسلمين، كما مارسوه أو يمارسونه ضدَّ أقلياتٍ أخرى في مراحل زمنية وأمكنة مختلفة.
ومن المهمّ الإشارة هنا إلى وجود فوارق بين الجالية العربية وبين الجالية الإسلامية في أميركا. فصحيح أنّ الجاليتين تنتميان إلى أصول وطنية ودينية وإثنية متنوعة، لكن أيضاً فإنّ حوالي نصف تعداد الجالية العربية (والرقم التقديري هو ما يقارب الأربعة ملايين) هم من أتباع الديانة المسيحية، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية (حوالي 8 إلى 9 ملايين) ينتمون في أصول أوطانهم إلى بلدان غير عربية (من بلدان آسيا وإفريقيا غير العربية) إضافةً إلى عددٍ من الأميركيين الذين اختاروا الإسلام ديناً لهم ومعظمهم من الأميركيين الأفارقة.
أيضاً، هناك خصوصية تتّصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا، التي هي وطن وبلد واحد، لكن يقوم على أصول ثقافية متعدّدة.
ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمّة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهُم بنظر المجتمع الأميركي – وحتى المنطقة العربية- "جالية واحدة"، بينما واقع الأمر أنّهم يتوزّعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدّت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية هي: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدّد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافةً طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.
ولقد مضى أكثر من قرنٍ من الزمن على بدء الهجرة العربية لأميركا، لكن رغم ذلك، فإنّ واقع العرب في أميركا استمرّ كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكلٍ عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدّد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة "الأمّة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وعلى بناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم.
إنّ أكثر من نصف الجالية العربية هم من المسيحيين العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصولٍ غير عربية. ولا يمكن وضعهم جميعاً (العرب والمسلمين في أميركا) في "سلَّةٍ واحدة" من النواحي الدينية والإثنية والثقافية. وقد حدثت، وتحدث، إساءات عشوائية ضدَّ البعض منهم لكنَّها إساءات فردية لا تميّز أصلاً بين عربيٍّ وغير عربي، بين مسلمٍ وغير مسلم، بل قد وصلت إلى حدِّ التعرّض في فترةٍ ما إلى أبناء جالية "السيخ" القادمين من أصول هندية والذين هم من غير العرب ومن غير المسلمين!!
وصحيحٌ أنَّ المواقف والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الرسميين الأميركيين ترفض الخلط بين الإسلام والعرب من جهة، وبين "الإرهابيين" وجنسياتهم من جهةٍ أخرى، لكن بعض وسائل الإعلام الأميركية (العامَّة والمحلية) تبثّ في كثيرٍ من الأحيان ما هو مصدر خوفٍ وشكٍّ وريبة في كلِّ عربي وكلِّ مسلم في أميركا والعالم.
وهناك مخاطر قائمة الآن على العرب والمسلمين في أميركا والغرب حصيلة مزيجٍ مركَّب الأسباب. فالمجتمعات الغربية – والأميركي منها خاصَّة - تتحكَّم في ردود أفعالها السلبية الآن مشاعر الغضب من العرب والمسلمين منذ الهجوم الإرهابي الذي فاجأ العالم كلّه يوم 11 سبتمبر 2001، ثمّ ما تبع هذا الهجوم من أعمال عنف وإرهاب في أوروبا وغيرها خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى ظاهرة "داعش" التي تشغل الآن العالم كلّه.
وحينما يكون المتَّهم (جماعات إرهابية بأسماء عربية وإسلامية)، فإنَّ الغضب الغربي سيتمحور حول كلَّ العرب والمسلمين أينما وُجدوا، ثم كيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما أضيف إليه ما زرعته لسنواتٍ عديدة أجهزة إعلامية (مسيَّرة من قبل جماعاتٍ صهيونية وعنصرية حاقدة) من زعمٍ حول "الخطر الإسلامي" القادم إلى الغرب!؟ وكيف سيكون أيضاً حجم هذا الغضب إذا ما صدر عن جهلٍ عام بالإسلام وبالعرب وبقضايا العرب والمسلمين؟ وكيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما اقترن بممارساتٍ سلبيةٍ خاطئة، قام ويقوم بها عدد من العرب والمسلمين حتى في داخل المجتمعات الغربية التي تعاني من تضخّم عدد المهاجرين إليها، وما يحمله هؤلاء المهاجرون الجدد (من مختلف بلدان العالم) من طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد ومظاهر لا تندمج سريعاً مع نمط حياة المجتمعات الغربية!
أيضاً، فإنَّ مشكلة المجتمع الأميركي تحديداً، أنَّ إداراته المتعاقبة في العقود الماضية كانت منغمسةً جداً في عدَّة قضايا دولية وفي أكثر من حربٍ خارجية حتى وصلت إلى حدِّ الانفراد بقيادة العالم، بينما المواطن الأميركي العادي كان أكثر جهلاً من أيِّ مواطن دولةٍ غربيةٍ أخرى بقضايا العالم، وبالجغرافيا وبالتاريخ، وحتى بالنسبة لتاريخ أميركا وجغرافيتها! فالرفاهية الأميركية واتساع الأرض الأميركية وعزلتها الجغرافية عن باقي العالم، كلّها عوامل أدّت إلى عدم اهتمام الإنسان الأميركي العادي بما يحدث حوله في العالم، وإلى تقبّل ما تقدّمه له أحياناً الحكومات الأميركية ووسائل الإعلام من أكاذيب وتضليل، كمسلَّماتٍ حول "الآخر" .. في العالم الآخر!.
لذلك غاب التوازن لعقود طويلة بين مدى حجم التورّط الأميركي الرسمي في قضايا العالم، وبين مدى فهم المواطن الأميركي العادي لهذه القضايا ولما يحدث حوله في العالم، إلى حين صدمة 11 سبتمبر 2001 التي كانت بمثابة صحوة من غفوةٍ زمنيةٍ طويلة، لكن الصحوة حصلت بعد كابوسٍ مرعب أخلَّ بالتوازن الجسدي والعقلي والنفسي لعموم الأميركيين.
هنا تصبح المسؤولية في التعامل مع هذا الواقع الأميركي ( والغربي عموماً) مسؤولية مزدوجة على الطرفين: العرب والمسلمين من جهة، والأميركيين والغربيين من جهةٍ أخرى.
فكلُّ الساحة مفتوحة لأبناء "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من أبناء أميركا والغرب الذين يريدون المعرفة الصحيحة عن الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود.
وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة (بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع) لاستبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب.
لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية أسلوب الحوار مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية، وعلى الفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام وعلى الثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر مع المجتمع نفسه عبر الإعلام والندوات والإنترنت واللقاءات الخاصَّة.
وكلّما كان هناك طرح لفكر عربي سليم فيما يتعلق بمسألة الهوية تعزّزت معه إمكانات هذه الجالية في أن تنجح عملياً وبأن تتجاوز كثيراً من الثغرات‏.‏
--------------------------
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن