الجمعة 27 أيار 2016
TEXT_SIZE

الإنسان بين الماهية والهوية

الأستاذ صادق جواد سليمان*
 أنا كلما عدت إلى هذا المكان، إلى "مركز الحوار العربي"، الذي في الواقع لا مكان محدداً له سوى حيث تعقد حواراته، يساورني إحساس شبيه بإحساس عائد، بعد غياب، إلى الرافد الذي نهل منه. بذلك أجدني مدينا لكل من ساهم في إثراء هذا الرافد وتواصل مع نشاطاته. كما أجدني مغتبطا بالصداقات التي ترابطنا بها هنا وبقينا عليها رغم تباينٍ في الرؤى، سياسيةٍ أو فكرية. وراء هذه الاستمرارية، المعطاءةِ رغم شح المورد، جهدٌ مثابَر نثمنه عاليا لإنسان فذ وأخ كريم، الأستاذ صبحي غندور، مؤسس المركز ومديره، والذي لا نزال نشهد له ريادة متميزة في خدمة القضايا العربية، واهتماما متواصلا بالقضايا الإنسانية، المتزايدة جميعها، كما نلاحظ، تشعبا وتعقدا، بل وترديا، في حراك هذا العصر.
عندما عرض علي الأخ صبحي وأنا إذاك في عُمان، أن أتحدث ضمن فعاليات المركز خلال زيارتي هذه، وترك لي- بلطفه المعهود - تحديد محور الحديث، لم أحر في اختيار الموضوع، فقد كنت، تأمليا،ً كلفا به طوال أشهر الصيف، بالأخص خلال الفترة المطولة بعض الشيء التي قضيتها في الهند، والتي أتاحت لي فيما أتاحت، فرص تناظر موسع مع أكاديميين هنود يجمعون بين المعرفة العلمية المعاصرة والواردات من النظر الفلسفي في موروث سائر الديانات والمدارس الفكرية.
موضوع حديثي هو " الإنسان بين الهوية والماهية ": أعرضه مدركا أنه موضوع يكاد لا يكون له محل من الإعراب وسط ما يشغل الجميع من متابعة قلقة للأحداث الجارية في عالمنا العربي، بل عبر العالم كله. مع ذلك، ما سأعرضه بنظري هو ما من شأنه أن يمكن من التحول من ثقافة المغالبة بالعنف والاحتراب التي أضحت تعاني تحت وطأتها الإنسانية في كل مكان، إلى مسار رشيد، مسار تآلف وتعاون يفتح الأفق واسعا امام الأمم جميعها لتحقق نفسها إنسانيا بأوفى وأمثل المتاح.
"الإنسان بين الهوية والماهية" هو موضوعنا، وإذن فلنبدأ بالهوية – IDENTITY: الهوية تعرّف المرء من حيث انتماءاته الخارجية، أي تلك التي بعضها أضفى عليه مجتمعه، وبعضا آخر اتخذها لنفسه، وأبرزها: الثقافة، العرق، الوطن، الدين، المذهب، المنظور الفكري أو السياسي.
*في المقابل، الماهية -ESSENCE - تعرّف الإنسان من حيث كينونته الوجودية، اي تلك التي نشأ من رحمها أصلا، وبقي عليها فطرة مدى ما عاش، أيا كانت معرفات هويته.
*الهوية، بمعرفاتها المتعددة، تورَد جوابا انتمائيا إزاء السؤال: من أنت؟ من هو؟. أو، إذا كان التساؤل مثارا من الذات: من أنا؟ الجواب هنا يأتي بمعرفات متعددة، يصدرها كل شخص بالمعرف الذي يؤثره من بين معرفات هويته.
*في المقابل، الماهية، التي هي مشتركة بين الناس جميعا، تورَد جوابا وجوديا على التساؤل: ما أنا، ما أنت، ما هو؟ الجواب هنا يأتي بمعرف واحد فحسب: أنا إنسان.
*في عصرنا معظم الناس عبر العالم، في مجال معرفة الذات وتعريفها، يأتي تركيزهم على الهوية الانتمائية. بتعبير آخر: فهمهم لأنفسهم، وتعريف أنفسهم لغيرهم، وتعاملهم مع الآخرين، يأتي مشكلاً ومنطلقاً من المعرفات الانتمائية: مثلاً: أنا عربي لذا متمايز عن غير العربي، عُماني، لذا متمايز عمن هو من بلد آخر، مسلم، لذا متمايز عن غير المسلم، منتسب لمذهبٍ أو لمدرسة فكرية او لحزب سياسي معين، لذا متمايز عن المنتسب لمذهب آخر أو لمدرسة فكرية مغايرة أو لحزب سياسي آخر، وهكذا.
*في المقابل، قلة من الناس، في مجال معرفة الذات، وتعريفها، والتعامل مع الآخر، يأتي تركيزهم على المُعرّف الوجودي المشترك بين الناس، أي الماهية الوجودية، وخلاصة التعريف هنا: أنا إنسان قبل كل شيْء، وإنسانيتي تسبق أي انتماء مضاف وتعلو عليه.
*في التركيز على الماهية الوجودية تتضاءل الفروقات الواردة في تعريف الهوية الانتمائية. هنا، كأمر أول وأساس، يرى المرء الآخر، أيا كانت معرفات هوية الآخر... يراه كمثل ما يرى نفسه: كائناً حياً واعياً يتماثل مع جميع أفراد جنسه من حيث الجسد، وملكة التفكير intellect، ومن وراء ذلك، بل وبأهم من ذلك وأعمق، من حيث الروح المودعة فيه، أو بالعبارة القرآنية، المنفوخة فيه من الذات الإلهية.
*قديماً وحاضراً، التغافل عن وحدة الإنسانية المتمثلة في الماهية الوجودية المشتركة بين الناس تسبب، ولا يزال يتسبب، في معظم المشاكل المولدة للصراع في الحراك البشري. بالنتيجة، معظم مشاكل البشر، سياسيةٍ، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، وسواها، لا تزال تنتج عن التركيز المفرط على تعددية معرفات الهوية الانتمائية، وفي المقابل، اللاتركيز على وحدة الماهية الوجودية. ذلك أن التركيز على تعددية الهوية الانتمائية، والتجاهل، لوحدة الماهية الوجودية، من شأنه استثارة التفرقة بين الأمم، بل وضمن الأمة الواحدة، بين فئات تتباين عرقاً أو ديناً أو مذهباً أو منظوراً فكرياً أو سياسياً. التفرقة تولد الخصام، والخصومة تراكمياً تؤدي إلى الصراع، في عاجل أو آجل.

إلى ماذا أرمي تحديدا بهذه المقدمة؟
*أرمي إلى استلفات النظر إلى تراجع خطير أراه يحدث حثيثا في الحال الإنساني عالمياً، نتيجة تزايد تشخص إنسان هذا العصر بتعددية معرفات هويته الانتمائية، مقابل تزايد تجاهله لوحدة ماهيته الوجودية.
*أنا إذ ألاحظ هذا السياق، في زمن تكاثر التعداد البشري، مقترناً بتكاثف تواصل الأفراد والجماعات من مختلف الأمم، على نطاق غير مسبوق في حراكه ومداه، فإنني أستشرف تصاعد وتيرة الصراع، في مختلف أشكاله، عبر العالم بأسره.
*في استطراد هذا السياق المعيق للنماء الحضاري، أرى صراعاتٍ متفاقمةً ما بين الأمم، أو إن شئتم، ما بين الدول، وتباعا، أرى تشظى الصراع إلى ما بين فئات الأمة الواحدة، الوطن الواحد، الدين الواحد، وهكذا ... مُثاراً، في الأغلب الأعم، بعاملين: التسييس والتحريض.

كيف يكون الابتعاد عن هذا المسار المنهك؟
*الابتعادَ أراه في الارتكاز في الماهية الوجودية، بمعنى أن يكون ارتكاز الناس وعياً في ماهيتهم الوجودية، الجامعة والموحدة، أقوى وأثبت وأعمق من ارتكازهم في هوياتهم الانتمائية، المتفرقة والمفرقة.
*الابتعادَ أراه في إخضاع تعددية معرفات الهوية الانتمائية لوحدة الماهية الوجودية، المؤصلة ذاتياً، بحيث لا ينفصم عنها المرء أينما حل أو ارتحل، وفي أيما بيئة وطنية، ثقافية، دينية أو مذهبية نشأ وترعرع.
*الابتعادَ أراه في التحول من منظور يحبسنا، أفراداً وجماعات وأمماً، في قواالب تخاصم مستدام، ناتج عن التشبث المبالغ بتعددية الهوية الانتمائية، إلى منظور ينقل الجميع إلى ساحات تعايش رحب، قائم على الأصل المشترك، أصل الماهية الوجودية.
*إجمالا، ارى الابتعادَ في تعميق إلإحساس بمشتركنا الإنساني: الانطلاق منه، والانضباط به في عموم مساحات التفاعل والتعامل، أيا كانت المشاكل المعترضة، وكيفما كان حراك الأحوال والظروف.
*بذلك، على ما أرى، سوف نمكن من لجم استدامة الصراع الآخذ بالانتشار عالميا، الباعث مرارا على العنف... العنف المهلك من المدنيين الأبرياء أضعاف ما يهلك من المتحاربين، العنف الذي يتلف ويشرد ويُهدر كرامة الإنسان، وفي ساعة هيجان هادر يدمر ما يكون قد عُمر حثيثا بمجهود عمر.
*الصراع يُصرف الطاقة الخلاقة في الإنسان عن الإعمار والإنماء، يُفسد المناخ السياسي الاجتماعي، يُسمم الحال النفسي، وبذلك يقعد الإنسانية عن التقدم حضاريا نحو الأوفى والأمثل. لذا لا خير أرى في نزوعات تستثير الصراع.
*من وجه آخر، بما رصدت من تفشي العنف عبر العالم في العقود الأخيرة، وبما وعيت بالأخص من تاريخ القرن العشرين بحروبه المتكررة، ممكنة في مداها التدميري المهول بالعلم الحديث modern science، لم أعد مطمئنا إلى العلم الحديث معزولا عن الانضباط الخلقي. العلم الحديث مُمكّن وليس بمرشدٍ، بمعنى أنه قابل للتسخير لخير كان أو شر. لذا، ما لم يرتدف العلم الحديث باللازم الخلقي، ذلك الذي ينعته الفيلسوف الألماني إيمانيوئل كانط باللازم المؤكد the categorical imperative فقد يغدو العلم الحديث عامل تخريب وإفساد أكثر منه عامل تعمير وإصلاح.
*كما أنني ما عدت متفائلا اليوم، كما كنت متفائلا بالأمس، بحداثة عشتها طويلا وثمنت معطاها كثيرا، حداثةٍ أرى أن قد شابها الصراع، وشانها العنف، وشوهتها نزعة المغالبة بالإثم والعدوان، فأضحت بقدر ما تيسر العيش تزيد الطيش، وبقدر ما تريح البدن ترهق الروح، وبقدر ما تعد بالسعادة تنتج الشقاء... حداثةُ تغرر أكثر مما تبصر، فيتراجع في سياقها المتعجرف، الحال الحضاري، وتهدر جراء جرفها الغاشم، كرامة الإنسان.
ما هي بنية رؤياي لماهية الإنسان الوجودية، تلك التي أدعو إلى الارتكاز فيها والانطلاق منها لأجل بتر مسلسل الصراع، لأجل تنشيط سياقات التعايش والتعاون، لأجل ربط مسار الإبداع الحداثي بهدف الارتقاء الحضاري؟:
*بنية رؤياي هي أن الإنسان في ماهيته تشكل من جسد، وملكة تفكير، وروح. الجسد يتضاءل ويفنى، وملكة التفكير تتضاءل بتضاؤله وتفنى بفنائه. الروح، من حيث أنها طاقة محضة، لا تتضاءل ولا تفنى: هي، كالله والمادة، من أزل لأبد.
*خلال الحياة، تعالق تلازمي يسري، بين الجسد وملكة التفكير: بمعنى كلما تلازم الجسد بهدي تفكير سديد، كلما صح وسلم، والعكس بالعكس.
*بمثل ذلك، تعالق تلازمي يسري بين ملكة التفكير والروح: بمعنى كلما تلازم الفكر بصفاء الروح، كلما صح وسلم، والعكس بالعكس.
*في كنهه الوجودي، الإنسان روح قبل أن يولد، وروح بعد أن يُتوفى. روح الإنسان من روح الله، سوى أن روح الإنسان جزء من كل، وروح الله كل مطلق. لذا كلما توثقت صلة الإنسان بالله، صلة المحدود بالمطلق، صلة المتكامل حثيثا بالكامل أصلا، صلة المستزيد من الخير بالمعين غير الناضب خيره، كلما تعرض وعياً، وسما خلقاً، وصفا نفساً، وتمكن من بناء حضاري نابذ للعنف، موطد للسلم، مقيم للعدل، متعامل بالمساواة، صائن للكرامة، ومنمى التآلف والتعاون فيما يثري ويسعد الجميع.
*في المقابل، كلما ازداد الإنسان انحباساً في شراك الخصام والصراع، متعصبا لانتماءات هويته الخارجية مفصولة عن وعيه لماهيته الوجودية، كلما انحدر على المدرج الحضاري، فإن لم يتدارك أمره، أخلد إلى الأرض وارتكس.
تلك هي بنية رؤياي التي أرى من خلالها لزومية إعلاء الإنسان ماهيته الوجودية فوق هويته الانتمائية، لكي يُمكّن من نظر أعرض أفقاً، ويُحفّز على أداء أكثر نبلاً، ورشداً ورسواً في مكارم الأخلاق.
*في رؤياي أيضا أن ذلك هو الخليق بالإنسان أن يرسو فيه وينطلق منه في كل ما يفكر ويقول ويفعل، كونَه استودع روحَا أزلية أبدية لأجل أن يسعى حثيثا على مسار حضاري حميد، مستدامٍ من جيل لجيل: مسارٍ مستصلح للنفس، وراعٍ الشأنَ الإنساني ككل، إذ أن بالأمرين تلازميا، يرتهن تحقق الإنسانية بأمثل المتاح أمامها أن تتحقق.
*على أن تلك مكنة كامنة لا تزال في عصرنا، أكثر من أي عصر سبق، تنتظر الإظهار والتفعيل بوعي إنساني مستنير، وعي مبصرٍ بالإيمان، مسندٍ بالمعرفة، مرشدٍ بالحكمة، ومنضبطٍ بضوابط الخلق الكريم.
*من بصائر القرآن المجيد بصيرة يجدر وعيها صميما بهدا الصدد: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. نقطة الاستيعاب هنا: أن منشأ التغيير في الحال الإنساني، سلباً أو إيجاباً، هو الإنسان نفسه: بمعنى أن ساحة التغيير المنشود لا تكون ابتداءً في عمارة الأرض أو الترفه في المعاش بقدر ما تكون، كأمر أول وأساس، في استصلاح النفس، وهو المسعى المستدام الذي عرف في الحكمة المتعالية الموروثة من سائر الديانات والمدارس الفكرية... عرف بالجهاد الأكبر، باعتبار أن باستصلاح النفس يُستصلح المحيط، لكن العكس لا يكون ضرورة بصحيح.
*بصىيرة قرآنية أخرى: من أهم وأنجع ما تستصلح به النفس، فتصلح بذلك الحياة وتطيب، هو الاستقرار في الإيمان ... الإيمان المثبت لنا في الصدق، المؤيد لنا بالصبر، الحاض لنا على صالح العمل، المعين لنا في الشدائد... الإيمان الجانح بنا للسلم، والدافع لنا للارتقاء طرداً على السلم الحضاري .
*مثل هذا الإيمان لا ينحصر تحققه في أهل أيما ملة بعينها، وإنما هو حال وجداني يتنامى في أيما إنسان يصدق قوله، يصلح عمله، يحسن خلقه، وتصفو نفسه، أيا كانت هويته.
*ختاما، أتمنى أن ينبعث مثل هذا الوعي الحضاري مجددا لدى الأمة العربية، فتصححَ وضعها وتُقوّمَ مسارها، متأصلةً في ماهيتها الوجودية المشتركة بينها وسائر الأمم، متحصنةً بالمعرفة العلمية، متحليةً بمكارم الأخلاق، وبذا كله، مزدهرةً في عروبتها التي هي هويتها الثقافية الجامعة، موصولةِ بهويتها الوجودية، ولذا حاضنةِ لجميع الأديان والمذاهب والمواطن والأعراق.
*أتمنى أن تحقق الأمة العربية بذلك نموذج " خير أمة " الذي ندبها إليه القرآن المجيد، فترشدَ بذلك مسارها الذاتي، وتسهم في ترشيد المسار الإنساني ككل، مستعيدة بذلك أهليتها التاريخية كمصدرِ أحد أعظم الروافد الحضارية التي رشدت خبرة الإنسان.
*في قناعتي، ما لم تنطلق العروبة، وهي الهوية الانتمائية الجامعة للعرب، من منطلق الماهية الوجودية المشتركة بينها وسائر الأمم،... مالم تنطلق موفورةً في العلم المتبلور من الاجتهاد الإنساني، متميزة بمكارم الأخلاق المدركة بالفطرة، ومعنية بالشأن الإنساني المشترك كافة بين الناس، فإنها لن تزدهر حضاريا، ولن تثمر بما ينفعها ذاتيا وينفع الناس.
*هي أيضا لن تفي باستحقاقات عالمية مقاصد الإسلام، الذي أُرسل نبيه للناس كافة، وأُرسل رحمة للعالمين.
*أخيرا، أتمنى أن يكون لكل منا دوراً في تفعيل هذا التوجه القائم على تأصل ثابت إنسانياً، وتفرع متسام عروبياً، لأجل تحقق حضاري، عربياً وإنسانياً، في ترادف واتساق. هكذا إلى أن تحين الآجال، فنرحل عن دنيانا، تاركينها لمن بعدنا أحسن مما وجدناها... مرتحلين عنها برضا واطمئنان.
-----------------
* مفكر وكاتب من عُمان ودبلوماسي سابق. والموضوع ألقي في محاضرة في "مركز الحوار العربي"، في العاصمة الأمريكية واشنطن، بتاريخ 19 نوفمبر 2014
------------------------
ويمكن متابعة مقابلة مع الأستاذ صادق سليمان في برنامج "حديث الخليج" الذي يقدمه على قناة الحرة الدكتور سليمان الهتلان.
الجزء الأول:

https://www.youtube.com/watch?v=B1v4dkG7c-E&feature=youtu.be

الجزء الثاني:
https://www.youtube.com/watch?v=iYqK2pToc7s&list=PLOr6XDVLqNYf9cP7iEWWQ1Lb9v2wRFQlQ

التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق واللامركزية في العراق

د. علي مرزا

أولاً: مقدمــة[1]
منذ بدء الاحتجاجات في محافظة الأنبار ومناطق أخرى في وسط العراق في أواخر 2012 وتحولها تدريجياً إلى تصعيد عسكري، توسع مسرح عمليات الجماعات المسلحة وخاصة داعش ضد القوات المركزية. وخرجت الفلوجة ثم أجزاء أخرى من الأنبار منذ أوائل 2014 عن السيطرة الحكومية لتصل منعطفاً خطيراً في 10 حزيران 2014 باحتلال الجماعات المسلحة لمدينة الموصل، بعد أن كانت تحت نفوذهم لفترة طويلة. ثم احتلت مدن ونواحي من محافظتي صلاح الدين والأنبار وأنحاء من محافظتي ديالى وكركوك (ISW, 2014). و"فُتِحت" الحدود مع شرق سوريا، في 29 حزيران. وبالنتيجة تحددت في العراق، من الناحية العسكرية، ثلاثة مناطق، تتغير تخوم وامتدادات ومواقع سيطرة اثنان منها مع/في المنطقة الوسطى حسب مجرى العمليات العسكرية، (ISW, 2014, Lewis, 2014, Cockburn, 2014):
(1) كردستان وأجزاء من محافظتي كركوك ونينوى بعد أن دخلت قوات البيشمركة مناطق "متنازع عليها" ومناطق أخرى بما فيها حقول نفط كركوك.
(2) المنطقة الوسطى شمال بغداد (نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار). وهي المسرح الاساس للعمليات العسكرية. ولا زالت اجزاء مهمة منها تحت سيطرة القوات الحكومية والمتطوعين أو/و العشائر الموالية والبيشمركة. ولقد تصاعدت جهودها في استجماع شملها وتنسيقها منذ أواخر آب لاستعادة السيطرة على الأجزاء الأخرى. ولكن من ناحية ثانية، فإن الجماعات المسلحة لا زالت تسيطر على مواقع استراتيجية ولوجستية فيها وامتداداتها إلى سوريا. ويقع ضمن مجالها خط أنبوب تصدير النفط من كركوك إلى جيهان/تركيا. كما قامت باستخراج النفط في بعض حقول منطقة حمرين كحقل عجيل، (Iraq Oil Report, 9 July, 2014).
(3) بغداد والمنطقة الجنوبية. وهي تحت سيطرة الحكومة المركزية، مع تكرر الهجمات الارهابية حول "حزام" بغداد وفي داخلها.
ولقد أثارت ممارسات الجماعات المسلحة في التهجير والاضطهاد والقتل ضد الاقليات والخصوم في المنطقة الوسطى استنكاراً عالمياً واسعاً أعقبه إجراءات لمساعدات انسانية. ونتيجة لمهاجمة هذه الجماعات لمناطق محيطة بكردستان بما في ذلك سد الموصل وكذلك تهديد أربيل في أوائل آب، رافق الإسناد السياسي الدولي تكثيف القصف الجوي الأمريكي (ودول أخرى، فيما بعد) لمواقع هذه الجماعات في العراق. وقررت دول من الإتحاد الأوربي وحتى إيران تزويد كردستان بالسلاح. وفي خطابه في 10 أيلول أعلن الرئيس أوباما عن "استراتيجية لحلف دولي" لمكافحة الارهاب تقوم على توسيع القصف الجوي في العراق (وإمكانية امتداده إلى سوريا، الذي بدأ فعلاً في أواخر الشهر) بالإضافة لتدريب وإسناد القوات العراقية ووقف تدفق المتطوعين وتجفيف منابع تمويل داعش، وأخيراً تقديم مساعدات انسانية.
ثانياً: الخلاف والوفاق المجتمعي
مما تقدم يتبين أن وحدة العراق وسلامة أراضيه تتعرضان، في الوقت الحاضر، إلى مخاطر وتهديد جدي يتعدى بكثير ما تعرضتا له منذ تشكيل الدولة في 1921. وهناك من يرى أن هذه المخاطر والتهديد، الذي تكرر، بدرجات عنف مختلفة، اكثر من مرة منذ ذلك التاريخ، ينبع من أن الدولة تشكلت في حينه من مناطق وطوائف وأثنيات متباينة ولقد جمعها مشروع فرضته اصطناعاً بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. في المقابل، هناك من يرى أن الترابط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي/الحضاري لمناطق العراق ومكوناته تطور تدريجيا، خلال قرون سبقت القرن العشرين، ليصبح نتيجة لذلك منطقة مترابطة واحدة في بداية القرن. وبالنتيجة فإن ما فُرِض كان واقعاً وليس اصطناعاً، الخفاجي (2012).
وعلى كل حال، فلقد أعقب تشكيل الدولة تَطَوِر الترابط والتفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وتَكَوِن جامع حضاري/ثقافي/فني من خلال التعليم وفي الصحف والنشر والإعلام والشعر والأدب وفي حركات سياسية موحِدة، وكذلك من خلال الخدمة العسكرية الإلزامية، أدت جميعها إلى نشوء شعور وطني عراقي.
ولكن كل ذلك لم يؤدي إلى تكوين عقد اجتماعي مستدام. فالمناطق المختلفة ومكوناتها، بالرغم من زيادة ترابطها وتفاعلها وعلاقاتها واقترابها من تكوين هوية وطنية عراقية جامعة، انما مسكتها القوة العسكرية والأمنية للحكومة المركزية. ففي خلال الحكم الملكي ومع نشوء حركات سياسية قطرية/وطنية ويسارية وقومية عابرة للطوائف والأثنيات، خاصة في المدن، فإن الدولة واجهت انتفاضات وتمرد عشائري متكرر في الفرات الأوسط والجنوب وفي الشمال لتعكس، بجانب منها، توتر طائفي وأثني أمكن التغلب عليه بالقوة. مع ملاحظة انه حتى العقد الأخير من القرن الماضي، كان تكرر الحملات العسكرية في الشمال شاهداً على توتر أثني مزمن. وبعد 1958 استمرت قوة السلطة المركزية، مع اندلاع النزاع اليساري-القومي الذي ربما كان، بجانب منه، يخفي توتراً طائفياً. وبعد 1968، كان للقبضة الأمنية القوية، من ناحية، وتوسع الاستخدام في الدولة ومن ثم الارتفاع بالمستوى المعيشي نتيجة الإيرادات النفطية المتزايدة، من ناحية أخرى، أثر في تخفيف أو خمود هذا التوتر. ولكن باندلاع الحرب العراقية-الإيرانية وعمليات التهجير والاضطهاد، وبروز احزاب دينية معارضة، تقوى البُعد الطائفي في المجتمع. وتُمَثِل انتفاضة 1991 بعد حرب الكويت، من ناحية، والحملة الإيمانية للنظام خلال التسعينات، من ناحية أخرى، عاملاً هاماً في تركيـز هذا البُعد مجدداً (Haddad, 2011). أما بَعد 2003 فلقد تم مأسسة هذا البُعد في النظام السياسي والذي غلبت الممارسة والخطاب الطائفي/الأثني فيه على ممارسة وخطاب التوحيد. وجاء النزاع المسلح خلال 2005-2008 ثم العمليات العسكرية الجارية لتوسع الشرخ المجتمعي.
ولقد رافق التوتر الطائفي/الأثني أو تمت من خلاله انواع اخرى من النزاع، قد تكون أكثر أساسية منه، مثل النزاع على الموارد الطبيعية وبالذات النفطية وربما، يعتقد بعض الباحثين، حتى أشكال من النزاع الطبقي. وبالرغم من انتشار الموارد النفطية/الغازية في أنحاء العراق، كما سيرد أدناه، فإن هذه الموارد متركزة في الجنوب أساساً وفي الشمال بالدرجة التالية. إن السيطرة على المنابع ومن ثم العوائد النفطية/الغازية كان من أهم الوسائل لتحقيق التمكن الاقتصادي ومن ثم التمكن السياسي والمسك بزمام السلطة سواء كان على مستوى السلطة المركزية (Tripp, 2000) أو حديثاً في إقليم كردستان، وقد يمتد ذلك، فيما يبدو، إلى المحافظات. وبالنتيجة سيمثل شكل السيطرة على هذه الموارد وإدارتها وتوزيعها أحد التحديات التي تواجهها وحدة أو تنافر المناطق والمكونات المختلفة في العراق.
وهنا تكمن جذور معضلة جوهرية. فمن ناحية، أثبتت الحكومات المركزية، خلال ما يزيد على تسعة عقود، بدرجات مختلفة، على عدم قدرتها على اتباع حوكمة رشيدة جامعة لكافة المناطق والمكونات مما أدى بالنتيجة إلى استمرار توتر/نزاع، يزداد ويخفت حسب الظروف. بالإضافة لذلك فإنها أثبتت خاصة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي على تواضع إدارتها للموارد النفطية، خاصة: (أ) أثناء 1980-2003، من خلال إنفاق جزء كبير من عوائدها على حروب ومغامرات اقليمية ومن ثم ربطها بأقساط خدمة ديون وتعويضات خارجية سنوية والتزامات أخرى طويلة الأمد، (ب) بعد 2003، من خلال ضياع جزء مهم من عوائدها نتيجة للفساد والمحسوبية والنزاع الطائفي/الأثني. كل ذلك دفع/يدفع إلى بروز دعوات لتكوين إدارات ذاتية مستقلة للمحافظات/المناطق على غرار التجربة الكردستانية، والتي تقود بالنتيجة إلى إضعاف جدي للسلطة المركزية. ولكن في المقابل، هناك عوامل اقتصادية (توفر الموارد الطبيعية، سعة السوق، ترابط الموارد المائية، الخ) وأمنية (خاصة في حالة الوصول إلى توافق مجتمعي وما يؤدي أليه من سلم أهلي وتحجيم للتدخل الإقليمي)، وموضوعية/ذاتية (علاقات ووشائج اجتماعية وثقافية/حضارية وسكانية، الخ) ودولية/اقليمية، كلها تبرر أو تدفع باتجاه استمرار العراق بدولة موحدة، يكون لسلطة مركزية مقتدرة ذات مصداقية وطنية ومؤسسات اتحادية فعالة دور أساس في الحفاظ عليها.
ومع صعوبة إيجاد تسوية مستدامة لهذه المعضلة، التي استمرت طويلاً، فإن تطبيق إدارة لا-مركزية "متوازنة" للمحافظات/المناطق وتقرير آلية للمشاركة في الموارد النفطية خاصة من المناطق المتمكنة اقتصادياً (الغنية بالنفط/الغاز) نحو مناطق "العجز"، يمكن أن تكون عناصر أساسية لأي حزمة تستهدف تحقيق هذه التسوية. لذلك ستركز هذه الورقة على بعض جوانب هذين العنصرين، تباعاً في الفقرات التالية.
ثالثاً: المركزية واللا-مركزية
تعرضت سلطة الادارة المركزية للانحسار منذ صدور قرار مجلس الأمن بفرض مناطق حضر الطيران في 1991 والتي أدت إلى تحول اقليم كردستان إلى منطقة مستقلة عن المركز. ثم امتد الانحسار إلى المنطقة الوسطى بعد 2003، خاصة خلال 2005-2008، لتخرج أجزاء مهمة منها فعلياً عن سلطة المركز منذ حزيران 2014. وقد يصبح من الصعب عكس الانعزال الفعلي الحالي لمناطق العراق، بعد انتهاء العمليات العسكرية، بدون ادراك حقيقة أنه كما في كردستان فإن العودة إلى إدارة مركزية لباقي العراق كما كانت قبل 10 حزيران، اصبحت غير مقبولة سياسياً أو إدارياً. إن ما يمكن تأمله هو تحويل هذا الانعزال إلى تنظيم إداري/مالي يساهم في إعادة التوحيد الاقتصادي. وبالرغم من وجود شواهد قوية تبين أن عرب العراق يفضلون استمرار دولة موحدة فإن هذه الوحدة، إن كانت ممكنة في ظل الاستقطاب الطائفي، تتطلب إدارة لا-مركزية واضحة بوحدات جغرافية ذاتية الإدارة. ولقد وجد ذلك صدى في تأكيد رئيس الوزراء الجديد على اللا-مركزية، في المرحلة المقبلة، عند عرضه لبرنامج حكومته في جلسة نيل الثقة في مجلس النواب في 8 أيلول/سبتمبر 2014.
ويثار تساؤل حول شكل الادارة اللا-مركزية في العراق. هل سيكون في الإبقاء على المحافظات (خارج كردستان) كما هي ولكن بتطبيق قانون المحافظات (رقم 21 لسنة 2008) المعدل، أو في انتظامها في مناطق/أقاليم؟ ولعل تجنب العديد من المعلقين وبعض الجهات السياسية لخيار انتظام المحافظات (خارج كردستان) بمناطق أو أقاليم نابع من عاملين. الأول، التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تحويل المناطق/الأقاليم بالنتيجة إلى دويلات طائفية/أثنية متصارعة وتدَخُّل اقليمي ودولي مستمرين. والعامل الثاني، يتمثل في الخشية من نشوء إقليم/أقاليم في البصرة/المنطقة الجنوبية بنفس الاستقلالية التي يتمتع بها إقليم كردستان وما لذلك من تبعات في إضعاف المناطق الاخرى سياسياً وتحجيم أكبر لمجال نفوذ وإدارة السلطة المركزية، كون هذه المحافظة/المنطقة هي المعول عليها، في المقام الأول، في الأمد القصير/المتوسط في تمويل باقي المناطق والمركز من خلال الميزانية الاتحادية. ولكن من الجدير الإشارة إلى أن هذه الخشية قائمة، عند تطبيق قانون المحافظات، حتى عند بقاء المحافظات كما هي وعدم انتظامها بمناطق أو أقاليم. فلقد ورد في التعديل الصادر في 8 آب/أغسطس 2013، لقانون المحافظات، مجموعة من الفقرات/المواد التي يمكن أن تزيد من استقلالية المحافظات غير المنتظمة بأقاليم، عن السلطة المركزية، فيما يخص صلاحياتها ومواردها المالية. ففي جانب الصلاحيات ورد في سادساً من المادة (2) ما يلي: "تدار الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المواد (112 و113 و114) من الدستور بالتنسيق والتعاون بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية وتكون الأولوية فيها لقوانين المحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما وفقاً لأحكام المادة 115 من الدستور". ومن المرجح أن يقود تطبيق هذا القانون إلى وضعٍ مماثلٍ للعلاقة القائمة حالياً بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وحيث ان المادة 112 من الدستور متعلقة بالموارد الطبيعية ومنها النفط، وفي ضوء ما اتبعته كردستان من سياسة نفطية مستقلة، فإن هذا التعديل يتيح للمحافظات مساراً مماثلاً.
لذلك مهما كان الشكل الذي سيتم تبنيه للإدارة اللا-مركزية فإن من المناسب تطبيقه، بما في ذلك قانون المحافظات المعدل، بآلية "توازن" بين الصلاحيات اللا-مركزية للمحافظات/المناطق واستمرار فعالية سلطة مركزية ذات مصداقية وطنية.
وعلى كل حال فإن التوصل إلى تسوية بهذا الخصوص سيعتمد على نتيجة المساومات والاتفاقات السياسية داخل وخارج المجموعات والمحافظات المختلفة، من ناحية، والإمكانيات الاقتصادية للوحدات اللا-مركزية، من ناحية أخرى. كما أن التنظيم اللا-مركزي وحده لا يقود إلى مشاركة مستدامة في السلطة بدون وجود مؤسسات اتحادية فعالة ورغبة لدى مجاميع الطبقة السياسية في الاتفاق على التسويات اللازمة، والتي تقود جميعها لتنظيم العلاقة وفي حل الإشكالات التي تثار في نظام اتحادي.
رابعاً: التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق
في دولة ريعية كالعراق تراجعت فيها الاهمية النسبية للقطاعات السلعية غير النفطية (الزراعة والصناعة) خلال العقود الماضية وخاصة العقد المنصرم فإن توفر الطاقات الإنتاجية النفطية/الغازية، من عدمه، يصبح في الأمدين القصير والمتوسط هو العامل الحاسم في التمكن أو الاعتماد الاقتصادي/المالي للوحدات أو المناطق اللا-مركزية. وفي هذه الورقة سنتعرض إلى ستة مناطق جغرافية لا ترتبط بتقسيم طائفي واضح (حيث أن جميعها، خارج كردستان، هي مناطق ممتزجة الطوائف والأثنيات، بدرجة أو بأخرى) وإنما حُددت على أساس حجم الموارد النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية الحالية فيها، والذي يُسْتَهدَف منه تشخيص مناطق التمكن ومناطق الاعتماد. والمناطق الستة هي: (1) البصرة، (2) باقي المنطقة الجنوبية، جنوب بغداد، (3) بغداد، (4) المنطقة الوسطى: نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار، (5) كركوك، (6) كردستان: أربيل، السليمانية، دهوك. لذلك سيتم في الفقرة التالية تشخيص امكاناتها النفطية/الغازية.
(4-1) الاحتياطيات النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية
تنتشر الموارد النفطية والغازية في أغلب أنحاء العراق. ويبين الشكل (1) مواقع هذه الموارد حسب الأحواض الرئيسية، وهي ثلاثة أحواض: (أ) نطاق-زاكروس-الشمالي، (ب) بين-النهرين، (ج) الوديان.

 

تحديات أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب

صبحي غندور*

صحيحٌ أنَّ المجتمع الأميركي هو نسيج مركَّب من أصولٍ عرقيةٍ ودينيةٍ متعدَّدة، لكنْ هذا "الموزاييك" هو مصدر خطرٍ وضعفٍ أحياناً، كما هو سبب قوة أميركا وسلامها الاجتماعي. فالدستور الأميركي والقانون الأميركي لا يميّزان على أساس خصوصياتٍ دينية أو عرقية، لكن في الإعلام الأميركي وبعض المؤسسات والهيئات الأهلية المحلية في أكثر من ولاية، من هم يمارسون الآن هذا التمييز ضدَّ العرب والمسلمين، كما مارسوه أو يمارسونه ضدَّ أقلياتٍ أخرى في مراحل زمنية وأمكنة مختلفة.
ومن المهمّ الإشارة هنا إلى وجود فوارق بين الجالية العربية وبين الجالية الإسلامية في أميركا. فصحيح أنّ الجاليتين تنتميان إلى أصول وطنية ودينية وإثنية متنوعة، لكن أيضاً فإنّ حوالي نصف تعداد الجالية العربية (والرقم التقديري هو ما يقارب الأربعة ملايين) هم من أتباع الديانة المسيحية، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية (حوالي 8 إلى 9 ملايين) ينتمون في أصول أوطانهم إلى بلدان غير عربية (من بلدان آسيا وإفريقيا غير العربية) إضافةً إلى عددٍ من الأميركيين الذين اختاروا الإسلام ديناً لهم ومعظمهم من الأميركيين الأفارقة.
أيضاً، هناك خصوصية تتّصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا، التي هي وطن وبلد واحد، لكن يقوم على أصول ثقافية متعدّدة.
ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمّة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهُم بنظر المجتمع الأميركي – وحتى المنطقة العربية- "جالية واحدة"، بينما واقع الأمر أنّهم يتوزّعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدّت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية هي: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدّد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافةً طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.
ولقد مضى أكثر من قرنٍ من الزمن على بدء الهجرة العربية لأميركا، لكن رغم ذلك، فإنّ واقع العرب في أميركا استمرّ كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكلٍ عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدّد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة "الأمّة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وعلى بناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم.
إنّ أكثر من نصف الجالية العربية هم من المسيحيين العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصولٍ غير عربية. ولا يمكن وضعهم جميعاً (العرب والمسلمين في أميركا) في "سلَّةٍ واحدة" من النواحي الدينية والإثنية والثقافية. وقد حدثت، وتحدث، إساءات عشوائية ضدَّ البعض منهم لكنَّها إساءات فردية لا تميّز أصلاً بين عربيٍّ وغير عربي، بين مسلمٍ وغير مسلم، بل قد وصلت إلى حدِّ التعرّض في فترةٍ ما إلى أبناء جالية "السيخ" القادمين من أصول هندية والذين هم من غير العرب ومن غير المسلمين!!
وصحيحٌ أنَّ المواقف والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الرسميين الأميركيين ترفض الخلط بين الإسلام والعرب من جهة، وبين "الإرهابيين" وجنسياتهم من جهةٍ أخرى، لكن بعض وسائل الإعلام الأميركية (العامَّة والمحلية) تبثّ في كثيرٍ من الأحيان ما هو مصدر خوفٍ وشكٍّ وريبة في كلِّ عربي وكلِّ مسلم في أميركا والعالم.
وهناك مخاطر قائمة الآن على العرب والمسلمين في أميركا والغرب حصيلة مزيجٍ مركَّب الأسباب. فالمجتمعات الغربية – والأميركي منها خاصَّة - تتحكَّم في ردود أفعالها السلبية الآن مشاعر الغضب من العرب والمسلمين منذ الهجوم الإرهابي الذي فاجأ العالم كلّه يوم 11 سبتمبر 2001، ثمّ ما تبع هذا الهجوم من أعمال عنف وإرهاب في أوروبا وغيرها خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى ظاهرة "داعش" التي تشغل الآن العالم كلّه.
وحينما يكون المتَّهم (جماعات إرهابية بأسماء عربية وإسلامية)، فإنَّ الغضب الغربي سيتمحور حول كلَّ العرب والمسلمين أينما وُجدوا، ثم كيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما أضيف إليه ما زرعته لسنواتٍ عديدة أجهزة إعلامية (مسيَّرة من قبل جماعاتٍ صهيونية وعنصرية حاقدة) من زعمٍ حول "الخطر الإسلامي" القادم إلى الغرب!؟ وكيف سيكون أيضاً حجم هذا الغضب إذا ما صدر عن جهلٍ عام بالإسلام وبالعرب وبقضايا العرب والمسلمين؟ وكيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما اقترن بممارساتٍ سلبيةٍ خاطئة، قام ويقوم بها عدد من العرب والمسلمين حتى في داخل المجتمعات الغربية التي تعاني من تضخّم عدد المهاجرين إليها، وما يحمله هؤلاء المهاجرون الجدد (من مختلف بلدان العالم) من طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد ومظاهر لا تندمج سريعاً مع نمط حياة المجتمعات الغربية!
أيضاً، فإنَّ مشكلة المجتمع الأميركي تحديداً، أنَّ إداراته المتعاقبة في العقود الماضية كانت منغمسةً جداً في عدَّة قضايا دولية وفي أكثر من حربٍ خارجية حتى وصلت إلى حدِّ الانفراد بقيادة العالم، بينما المواطن الأميركي العادي كان أكثر جهلاً من أيِّ مواطن دولةٍ غربيةٍ أخرى بقضايا العالم، وبالجغرافيا وبالتاريخ، وحتى بالنسبة لتاريخ أميركا وجغرافيتها! فالرفاهية الأميركية واتساع الأرض الأميركية وعزلتها الجغرافية عن باقي العالم، كلّها عوامل أدّت إلى عدم اهتمام الإنسان الأميركي العادي بما يحدث حوله في العالم، وإلى تقبّل ما تقدّمه له أحياناً الحكومات الأميركية ووسائل الإعلام من أكاذيب وتضليل، كمسلَّماتٍ حول "الآخر" .. في العالم الآخر!.
لذلك غاب التوازن لعقود طويلة بين مدى حجم التورّط الأميركي الرسمي في قضايا العالم، وبين مدى فهم المواطن الأميركي العادي لهذه القضايا ولما يحدث حوله في العالم، إلى حين صدمة 11 سبتمبر 2001 التي كانت بمثابة صحوة من غفوةٍ زمنيةٍ طويلة، لكن الصحوة حصلت بعد كابوسٍ مرعب أخلَّ بالتوازن الجسدي والعقلي والنفسي لعموم الأميركيين.
هنا تصبح المسؤولية في التعامل مع هذا الواقع الأميركي ( والغربي عموماً) مسؤولية مزدوجة على الطرفين: العرب والمسلمين من جهة، والأميركيين والغربيين من جهةٍ أخرى.
فكلُّ الساحة مفتوحة لأبناء "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من أبناء أميركا والغرب الذين يريدون المعرفة الصحيحة عن الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود.
وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة (بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع) لاستبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب.
لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية أسلوب الحوار مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية، وعلى الفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام وعلى الثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر مع المجتمع نفسه عبر الإعلام والندوات والإنترنت واللقاءات الخاصَّة.
وكلّما كان هناك طرح لفكر عربي سليم فيما يتعلق بمسألة الهوية تعزّزت معه إمكانات هذه الجالية في أن تنجح عملياً وبأن تتجاوز كثيراً من الثغرات‏.‏
--------------------------
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

 

خوف وكراهية وضريح عثماني في الحرب الباردة بين «داعش» وتركيا

سونر چاغاپتاي*
تتواجه تركيا و «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية» في حرب باردة. وعلى الرغم من احتقار بعضهما البعض، إلا أنهما ستتجنبان الاشتباك المباشر، خوفاً من الاضرار الجسيمة التي قد تنجم عن ذلك. وتشكل منطقة "ضريح سليمان شاه"، وهي أرض تابعة لتركيا غير معروفة جيداً تقع في الداخل السوري ومحاصرة حالياً من قبل «داعش»، مثالاً على ذلك.
يُذكر أن "ضريح سليمان شاه"، وهي منطقة تشمل 2.47 فدّان خاضعة للسيادة التركية تضم مزار أحد كبار زعماء الأسر العثمانية، وتحمل قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة إلى الأتراك. إذ فيها مدفن جد السلطان عثمان الأول، الذي أسس الإمبراطورية العثمانية، ويخضع لحراسة 80 جندياً من المشاة الأتراك. وحتى كمال أتاتورك، المعروف بعدم التزامه بالتراث العثماني وبتأسيسه الجمهورية التركية الحديثة، طلب إبقاء الضريح تحت الحكم التركي في نهاية الحرب العالمية الأولى.
وفيما يتعلق بالعلاقات بين تركيا و تنظيم «الدولة الإسلامية»، يعتبر "ضريح سليمان شاه" [معلمة مهمة] مشابهة لما كانت عليه مدينة برلين الغربية في علاقات حلف شمال الأطلسي -حلف وارسو خلال الحرب الباردة. وعلى الرغم من أن السوفييت حاصروا برلين الغربية وحاولوا الضغط على الحلفاء للخروج من هذا القسم من المدينة أثناء الحصار الذي لم يدم طويلاً بين عامي 1948 و 1949، إلا أنهم اختاروا عدم غزوها. فقد كان بإمكان السوفييت اجتياح المدينة عسكرياً، ولكنهم أدركوا أنه ستكون هناك تداعيات من جانب الولايات المتحدة يمكن أن تلحق الضرر بالشيوعية على نطاق أوسع في جميع أنحاء العالم.
وبشكل مماثل حاصرت «داعش» "ضريح سليمان شاه"، منذ عام 2013. وحيث تضم الجماعة عشرات الآلاف من المقاتلين وعدداً غير محدود من الموارد على ما يبدو، يشكل تنظيم «الدولة الإسلامية» تهديداً محتملاً على هذه الأرض التركية.
ومع ذلك، أحجمت «داعش» عن الاشتباك، مدركة أن أي هجوم تشنه على هذه الأرض التركية الصغيرة من شأنه أن يشكل هجوماً على البلاد نفسها، ويمكن أن يقرّب تركيا بصورة أكثر إلى الجبهة المضادة لـ تنطيم «الدولة الإسلامية»التي تتزعم قيادتها الولايات المتحدة. وفي خطاب وجهه مؤخراً إلى القوات التركية المتمركزة في "سليمان شاه"، قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية، نجدت أوزيل: "كونوا على يقين بأن قواتنا المسلحة ستكون إلى جانبكم بمجرد أن تطلبوا منها ذلك".
ويكمن هدف تركيا الرئيسي في سوريا في الإطاحة بنظام الأسد. وعلى الرغم من أن أنقرة تنظر إلى «داعش» بأنها تشكل تهديداً، إلا أنها لا ترغب في التركيز على الجماعة من الناحية العسكرية خوفاً من أن تصرفها هذه الأخيرة عن هدفها الأساسي المتمثل في إضعاف الأسد. وبالتالي، فعلى الرغم من وجود التنظيم «الدولة الإسلامية» في كل من سوريا والعراق على طول الحدود التركية، كانت تركيا غائبة بشكل واضح من العمليات العسكرية ضد «داعش».
وبقيت هذه الديناميكيات المتزعزعة بين أنقرة و تنظيم «الدولة الإسلامية» حتى عندما قامت الجماعة باحتجاز 46 رهينة من المواطنين الأتراك من القنصلية التركية - بعد احتلال «داعش» للموصل في أوائل حزيران/يونيو. وقد واظبت أنقرة على التفاوض من أجل الافراج عن رهائنها طوال فترة الصيف ونجحت في ترتيب عملية إطلاق سراحهم في 20 أيلول/سبتمبر.
إن قيام «داعش» بشن هجوم على هذه الأرض التركية في سوريا قد ينهي هذه الحرب الباردة الحساسة، ويؤدي على الأرجح إلى تدمير الضريح بشكل كامل. فـ تنظيم «الدولة الإسلامية» يحتقر الأضرحة، إذ يعتبر أنها تشكّل لعنة على الإسلام. ومن شأن تدمير الضريح وغزو أرض تركية أن يثيرا غضب الرأي العام ضد الجماعة، حيث سيجد القادة الأتراك أنه من الصعب عليهم تجنب شن حملة عسكرية واسعة النطاق ضد «داعش»، إلى جانب واشنطن.
وفيما يتعلق بتركيا، فإن آخر ما يريده الآن تنظيم «الدولة الإسلامية» هو تأييد أنقرة الكامل للحملة العسكرية التي تتزعم قيادتها الولايات المتحدة ضده. فلتركيا جيش كبير وقوي ولديها عدد من القواعد بالقرب من حدودها مع سوريا والعراق، التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لشن هجمات ضد «داعش». ومن شأن ذلك أن يشدد الخناق الاستراتيجي حول عنق تنظيم «الدولة الإسلامية». وبالتالي فمن المستبعد جداً أن تهاجم «داعش» "ضريح سليمان شاه" - إلا إذا كانت تركيا هي البادئة في استهداف الجماعة.
باستطاعة تركيا إلحاق الضرر بـ «داعش» بأكثر من طريقة. فبإمكان أنقرة على سبيل المثال الحد من تدفق مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» المتوجهين إلى سوريا من خلال تضييق الخناق على حدودها. ومنذ هجوم «داعش» على القنصلية التركية في الموصل في حزيران/ يونيو، تقوم تركيا بتضييق الخناق على مسلحي الجماعة الذين يعبرون أراضيها. لكن حماسة أنقرة لتأدية هذه المهمة كانت محدودة حتى الآن، فلدى تنظيم «الدولة الإسلامية» عدد من الخلايا داخل تركيا، والبعض من بينها قرب حدود البلاد مع سوريا. وعلاوة على ذلك، تبرز علامات تشير إلى قيام عمليات تجنيد في البلاد، بما في ذلك في اسطنبول. وعلى الرغم من أن هذه الأعداد محدودة - حيث لم يشارك الأتراك تاريخياً في الجهاد القائم على العنف - فمع ذلك كانت أنقرة حذرة من إثارة غضب «داعش» أو استفزازها.
وحتى مع التوازن السائد، لا يزال بإمكان تنظيم «الدولة الإسلامية» استهداف تركيا. وفي هذا الصدد يمكن للنتيجة الطبيعية لحرب باردة أن تكون شبيهة بـ "أزمة الصواريخ الكوبية" في عام 1962. ففي ذلك الوقت، أوشكت الكراهية الأيديولوجية السوفيتية تجاه الغرب وعملية التوهم بقدرات تتخطى صعوباتها، أن تؤدي تقريباً إلى تجاوز خوف موسكو من إلحاق أضرار جسيمة بمصالحها في حال اندلاع حرب، مما جعل الاتحاد السوفيتي على شفير صراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة.
وإلى أن تطلق «داعش» نسختها الخاصة من أزمة الصواريخ الكوبية، وبالتالي تكسر الجمود في طريقها المسدود مع أنقرة، ستبقى كل من تركيا والجماعة ملتزمة بنسختها الخاصة من الحرب الباردة، مما سيُبقي "ضريح سليمان شاه" بمثابة "برلين الغربية" في هذه الحرب.
-----------------------------------------------------------
*سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. كما أنه مؤلف كتاب "صعود تركيا: أول قوة مسلمة في القرن الحادي والعشرين" ("بوتوماك بوكس"(.

 

إدارة مخاطر صندوق الاستقرار

بقلم: د.مظهر محمد صالح*

هدف البحث وفرضيته

ينصرف هدف البحث حول الموضوع المذكور انفاً الى اكتشاف وتحليل نتائج  ادارة مخاطر صندوق الاستقرار   Stabilizing  fundالمعبر عنه بصندوق تنمية العراقDFI والمنشأ بموجب قرار مجلس الامن الدولي المرقم 1483 في مايس  2003والقاضي بايداع عوائد بيع النفط الخام العراقي او الغاز او المشتقات النفطية بعد استفطاع 5%من تلك العوائد النفطية حصريا ( تودع لمصلحة صندوق الامم المتحدة للتعويضات) والمتعلقة بالحرب على الكويت 1990.ولايمنع من ان يتسلم صندوق تنمية العراق اية اموال اُخرى كالارصدة المجمدة التي رفع التجميد عنها وتعود ملكيتها للحكومة العراقية .وكذلك بقايا ارصدة مذكرة التفاهم بشأن برنامج النفط مقايل الغذاء وغيرها من الاموال السيادية بعد العام 2003.تقوم فرضية البحث على مبدأ ان ادارة مخاطر صندوق تنمية العراق وعده صندوقاً سيادياً للاستقرار،لم يتجه بأهدافه وطريقة ادارته بأن يمثل صندوقاُ فعلياً بكونه احد نماذج صناديق الئروة السيادية،بقدر ما كان صندوقاً تحوطياً لمواجهة تقلبات الايرادات النفطية في الموازنة جمهوربة العراق السنوية ومنذُ منتصف العام 2003 وحتى الوقت الحاضر.وان هذا النمط التحوطي في ادارة مخاطر صندوق الاستقرار قد ولد دالة منفعة للثروة النفطية هي محدبة تجاه نقطة الاصلconcave  .مما تعني ان ثمة علاوة مخاطرRisk premium  ترتبها ادارة المخاطر نتيجة إرتباط تمويل المشاريع الاستثمارية بالموازنة(كتكاليف متغيرة) بدرجة تقلب الفائض المالي في صندوق تنمية العراق(كأيرادات تحوطية مُمولة) وهي تقابل تغطية العجز الافتراضي السنوي في موازنة البلاد السنوية.وبهذا فقد نشأت آلية معقدة ربطت بين القدرة على إستدامة تنفيذ المشاريع الاستثمارية وبين استدامة موارد صندوق الاستقرار وابتعاد موارده المالية عن التقلب(اي ان امثلية تنفيذ الاستثمارات هي دالة لأمثلية موارد صندوق الاستقرار المستدامة ). فالحصيلة هي مستوى منخفض في قدرات تنفيذ المشاريع الاستثمارية وبلوغ نتائج بطيئة عُدت غير مُرضية في مسيرة التنمية ، و ثمنها تلكوء التنفيذ (المبرمج) للمشاريع السنوية واعتبار كلفة التلكوء او التباطؤء هي النظير المقابل لعلاوة المخاطر المنوه عنها في اعلاه.

ادارة مخاطر الموازنة العامة

تُعَرف حالة اللايقين  Uncertainty بانها الحالة التي لايمكن معرفة نتائجها العملية .ولكن عندما يمكن معرفة (احتمالية) تحقق النتائج العملية ازاء الظواهر والمتغيرات الاقتصادية، فانها ستعرف بالخطرRisk.وان ادارة ذلك الخطر  Risk management يمثل العملية التي تساعد الادارة على فهم وتقييم الخطر واتخاذ الاستعدادات اللازمة لمواجهته.وبناءً على ماتقدم فقد جاء الفصل السادس من قانون الادارة المالية وادارة الدين رقم 95لسنة 2004 موضحاً بالنص على ماياتي:(تُعد الموازنة الاتحادية بشكل خاص على تنبؤات حكيمة ومعتدلة لأسعار النفط والمنتجات النفطية…والضرائب…والايرادات الكمركية..الى آخره).

ولما كانت عائدات المورد الطبيعي المستخرج والمصدر(النفط) تمثل نسبة لاتقل عن 95% من ايرادات الموازنة العامة في العراق فأن هذه الايرادات الصيقة بالصفة الريعية ، تعني ان عوائد النفط تتقلب بسبب الظروف والعوامل الخارجية الدولية لسوق النفط وليس للانتاج والانتاجية من دور في تحديد قيمة الانتاج . وازاء هذا الشكل من الايرادات المرهون بالطلب الخارجي وتقلباته وانعكاساته على الناتج المحلي الاجمالي للبلاد ، فلابد من استقرار ايرادات الموازنة ومصروفاتها ان يخضع لنمط محدد من انماط ادارة المخاطر . فثمة  خيارين مطروحين امام صناع السياسة المالية في ادارة الموارد النفطية ويوصفان ضمن طبيعة وعمل ادارة المخاطر ويمثلان شكلاً من اشكال المصدة الماليةfiscal buffer او مخففة الصدمة المالية لمواجهة تقلبات اسواق النفط. فالخيار الاول ، هو التعاقد مع مشترين بكميات معرفة مسبقاً وبأسعار مخصومة يلتزم بها الطرفين مستفيدين مهما كان التقلب في اسعار سوق النفط . و الخيار الثاني ، يتمثل بوضع اسعار افتراضية مخفضة تحوطياً لاغراض اعداد الموازنة  بإيرادات اقل ونفقات اعلى عن طريق احداث عجز مخطط ، حيث يترك تمويل العجز  للتقلبات الايجابية الحاصلة في اسعار النفط ، وعد ذلك بديل لصندوق استقرار الموازنةstabilizing fund . وبسبب الاحادية الشديدة للاقتصاد وانعكاس ذلك على احادية تدفق موارد الموازنة العامة وتعرض الايرادات الى شدة عالية من التحفظ والحذر في ادرة مخاطر الموازنة العامة،لذا فقد اخذ موضوع   بناء اوتركيب الموازنة اتجاهين مختلفين، شكلا قيدا على اداء الموازنة العامة نفسها، فاولهما : تحويل الفوائض المتحققة جراء تخفيض سعر برميل النفط لاغراض تقدير الموازنة (بعد توليد فجوة  سعرية تبتعد عن اسعار السوق والمبيعات الفعلية للنفط العراقي) الى موازنة السنة المالية اللاحقة وعد ذلك تمويلاً تجميعياً يصب في مصلحة نمو سقف الموازنة السنوية اللاحقة وتوسعها الانفاقي ،وهكذا إستمر الحال سنوياً بالتتابع وثانيهما : حصول اتجاه مقلق يفضل تغطية المصروفات الثابتة في الموازنة والتي تمثل بشكل عام الموازنة التشغيلية على حساب وضع جانب كبير من الموازنة الاستثمارية الى احتمالات العجز وتقلب سوق النفط وعدها مصروفات متغيرة.

  ففي حال حصول عجز فعلي جراء انخفاض ايرادات النفط ستاخذ النفقات الجارية الرواتب والاجور التفضيل الاول على حساب النفقات الاستثمارية (كخدمات الطرق والجسور وغيرها )التي ستاخذ بدورها التفضيل الثاني.

وبناءً على اشكالية هذه القيود التي فرضتها الموارد الريعية على حسن اداء المشاريع والنشاطات ذات الاولوية الاقتصادية  والاجتماعية في الموازنة لبلوغ اهداف التنمية والاستقرار الاقتصادي ، فقد بدأ جدل واسع حول طبيعة اعداد الموازنة من موازنة بنود سهلة النتفيذ ضعيفة الكفاءة الى موازنة برامج واداء مما يسهل مراقبة كفاءة الموازنة العامة مع توافر بديلين اخرين هما الموازنة الصفرية والموازنة التعاقدية ، وهي انماط مازال يعمل بها في البلدان الغربية عموماً.

فاللافت للنظر ان ادارة مخاطر الموازنة في بلدان العالم ذات الاقتصادات المتنوعة الانتاج والتي مصادر موازناتها من الايرادات المتاتية من الضرائب بالدرجة الاساس وغيرها التي يولدها نمو الناتج المحلي الاجمالي ، فأنها تعتمد مايسمى بالمثبت الديناميكيautomatic stabilizer في ادارة مخاطر موازناتها العامة. وهو تعبير عن ان النفقات او الايرادات الحكومية التي تتوسع وتتقلص هي للتعويض عن حالة انتعاش او تراجع الاقتصاد الكلي ، بعبارة اوضح هي فقرات في الموازنة الحكومية التي تجعل الانفاق الحكومي ياخذ بالارتفاع او يجعل الضرائب تنخفض جراء هبوط الناتج المحلي الاجمالي . ويأتي هذا الاسلوب في تصميم الموازنات في الاقتصادات شديدة التنوع لتفادي التصلب الدستوري  عن اعادة تعديل تشريع قانون الموازنة عند حصول تقلبات في الناتج المحلي الاجمالي او الدخل الوطني للبلاد . وهي مسألة في غاية الاهمية حيث تخفض الضرائب عن العاطلين عن العمل ويرتفع الانفاق لدعم اولئك العاطلين ومن دون مداخلة تشريعية يصعب تنفيذها خلال السنة المالية(وتفادي مايسمى بالتباطؤ الداخلي للسياسة الماليةinside lag يعمق من المشكلة الاقتصادية او يساير ما يسمى بالدورة الاقتصاديةpro cycle مما يعني ان المثبت الديناميكي هو لمواجهة الدورة الاقتصادية اوanti cycle ).

ان مشكلة المصدة المالية في ادارة مخاطر الموازنة في بلادنا مقارنةً بالمثبت الديناميكي ، تأتي من مشكلة هيكلية تتمثل في تركيب الثروة الى الناتج المحلي الاجمالي ، ففي الولايات المتحدة التي تبلغ هذه النسبة من الثروة بحوالي (10) مرات الناتج المحلي الاجمالي، نجدها في بلد مثل العراق ربما تزيد على (45 ) مرة من الناتج المحلي الاجمالي . فكلما تكبر النسبة يعني ان الدخل منخفض ومصدر ايرادات الموازنة هو ريعي شديد التقلب، مما يعظم من دور المصدة المالية والتي تعني ( حجز موارد مالية مستقبلية متدفقة ) واعتمادها كأحتياطي مالي او مصدة مالية الى حين انتهاء سنة الموازنة او السنة المالية. وهي بمثابة خزين مالي متجمع يستنفد ببطء خلال السنة خشية تقلب الايرادات وحتى اليوم الاخير من تلك السنة المالية . في حين ان مبدأ التعويض في المثبت الاسمي يلجأ الى الاقتراض من السوق المالية وتوليد عجز فعلي او حتى الاقتراض بصورة احتمالية تحوطية مسبقة بغية اعادة النشاط الاقتصادي او الاستعداد لمواجهة الدورة الاقتصادية .وحتى لو كان التمويل بالاصدار النقدي (مع ملاحظة ان هذا الامر يتعارض حاليا في العراق مع نص المادة 26من قانون البنك المركزي العراقي النافذ رقم 56لسنة2004 والتي تحظر اقراض الحكومة) من منطلق ان النشاط الاقتصادي القادم سيعظم جباية الضرائب ويسد العجز ويخفض نسبة الدين مستقبلا .  تؤازر هذا الاتجاه اليوم مايسمى بالنظرية النقودية الجديدة اوما يمكن تسميتهم بالرمزيون الجددnew chartilists.

وبغض النظر عما تقدم ، فأن ادارة المخاطر في ظل المصدة الماليةfiscal buffer هي اكثر تعقيدا واكثر ضياعا للموارد واقل كفاءةً وفق الصورة القائمة حالياً حيث تتحول موارد المصدة المالية في السنةt-1 الى السنةt مع استمرار العجز المخطط نفسه . اي ان المصدة المالية هي التعبير عن احتمال عجز مخطط بفوائض محجوزة يجري تدويرها سنوياً والتي بلغت في صندوق تنمية العراقDFIحوالي 18 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2012 وبنحو 6مليار دولار في نهاية العام 2013  .كما ان السنة المالية للعام 2012 على سبيل المثال انتهت بفائض نسبته  8%من الناتج المحلي الاجمالي ،في حين ان موازنة العام الذكور قد صممت على عجز نسبته 8% من ذلك الناتج المحلي الاجمالي للعراق.

 وفي الاحوال كافة ، اذا كانت المصدة المالية تعبر عن احادية الاقتصاد وان المثبت الديناميكي يعبر عن تنوع الاقتصاد او الناتج المحلي الاجمالي ، فأن الاخير هو ذي طبيعة متدفقةflow في حين ان المصدة المالية هي ذات طبيعة خزنية عموما  stock تتحول الى تدفقات عند الحاجة.

فالمثبت الديناميكي يعبر عن موارد للموازنة متأتية من منابع الاقتصاد الكلي كافة وبدرجة عالية من التنوع في الدخل الاجمالي في حين ان المصدة المالية هي نظام تحوطي يعتمد التقلب في الدخل الناجم عن الاقتصاد الاحادي الذي يعتمد على مورد سيادي واحد للبلاد كالنفط  . ولكي نتحول الى آلية في ادارة مخاطر الموازنة العامة قريبة من المثبت الديناميكي وتبتعد تدريجيا عن المصدة المالية  بشكلها الحالي ، فينبغي توافر شروط تنويع بعض مصادر الموازنة ، حتى في ظل الاحادية الاقتصادية الحالية ، ونقصد بذلك الذهاب الى التنويع المالي.

فأمام البلاد فرصة استثمار المصدة المالية نفسها وتحويلها الى صندوق ثروة سيادي بدلا من تفريغ موارد المصدة دورياً وتحويلها من خزين مالي الى تدفق مالي في السنة المالية اللاحقة . فالاستثمار في ذلك الصندوق السيادي سيكون مدراً للدخل ايضاً ويمارس وظيفة صندوق الاستقرار بدلا من المصدة المذكورة بآليتها الحالية والاستفادة في مواجهة مشكلات البلاد في الامد القصير على اقل تقدير . واذا ما تعاظمت عوائده فسيتحول الى صندوق سيادي للثروةsovereign wealth fund وان عوائده ستمارس وظيفة المثبت الديناميكي الذي ستكون ايراداته بمثابة تدفق مالي تعويضي مستمر في حالة تقلب المورد الاحادي الطبيعي مما يعني خلق تنوع غير مباشر في موارد الموازنة مع توافر حماية ذاتية في حال انخفاض عوائد الموارد النفطية.

وبهذا يمكن للصندوق السيادي ان يأخذ منحيين في ادارة المخاطر والتي تعني التأمين على الامكانات المحتملة للخسارة جراء تقلب اسواق النفط وتأثير ذلك على ايرادات الموازنة ، الاول : وهو ادارة موارد مالية  في ذلك الصندوق يكون فيها  تفضيل السيولة على العائد المتوقع وهو الجزء الذي سيمثله صندوق الاستقرار بدلا من المصدة المالية الراهنة ، وبأمكانه توفير موارد للموازنة كافية لتغطية الاجور والرواتب المودعة فيه لفترة بين 3-6 اشهر . في حين ينصرف الجزء الاخر من صندوق الثروة السيادية الى نمط من ادارة المخاطر يفضل العائد المتوقع على السيولة وتصب تلك العوائد عند تحققها في صندوق الاستقرار وبشكل مستمر . وبهذا لابد من اعتماد  مبدأ(الميزانية المتوازنةBalanced Budget  )اوالقبول بعجز سنوي طبيعي لايتعدى 3% من الناتج المحلي الاجمالي والتخلي عن فكرة العجز الافتراضيvirtual deficit السنوي الذي يرتب علاوات المخاطر. وبهذا فسنحصل على دالة منفعة للثروة  ذات مخاطر محايدةNeutral risk  اوخالية من المخاطر، اي ان علاوة المخاطرستكون صفراً ولاوجود لها.اما علاوة المخاطر في حال ادارة مخاطر صندوق الثروة السيادية فستكون سالبة (اي بمعنى ستنقلب علاوة المخاطر  الى عوائد ايجابية بدلاً من ان تكون تكاليف مترتبة عن ادارة مخاطر الصندوق المذكور في اعلاه). وان دالة منفعة الئروة ستكون مقعرة بأتجاه نقطة الاصلconvex.

الاستنتاجات

ا- ان توليد صندوق استقرار يواجه موازنة سنوية مصممة على اساس العجز الافتراضي تترتهن التخصيصات الاستثمارية السنوية فيها والشروع بالتنفيذ على درجة استقرار موارد الصندوق، قد ادى الى ظهور دالة منفعة متناقصة للثروة محدبة الشكل نحو نقطة الاصلconvex مما تعني ان البلاد تدفع باستمرار علاوات مخاطر(وهي كلفة الفرصة لتوفير فائض سيولة نقدية كافية تغطي الكلفة المتغيرة في الموازنة اي كلقة تخصيصات المشاريع الاستثمارية في الموازنة السنوية) .اذ غالباً ما تنجم تلك العلاوات عن السلوك المتحفظ في ادارة مخاطر صندوق الاستقرار المتجنب للمخاطرRisk avearse  في طبيعته والملازم لدالة منفعة ثروة متناقصة.

وعليه ،فان دالة منفعة الثروة المتزايدة (الخالية من علاوات المخاطر)تتطلب ادارة للمخاطر من النمط المسمى بأخذي المخاطر او الباحثين عنهاRisk seeker وهو امر لايتم تحقيقة الا بأدارة صندوق ثروة سيادية بديل عن فلسفة المصدة المالية وصندوق الاستقرار (اللذان يفضلان تعظيم السيولة على العائد) . كما ان دالة منفعة الثروة في صندوق الثروة السيادية ستكون مقعرة نحو نقطة الاصلconvex ذلك عند الشروع بأدارة مخاطر صندوق الثروة السيادية والذي سيعظم  فيه مبدأ العائد على مبدأ السيولة.

ب- يؤدي اسلوب ادارة مخاطر صندوق الاستقرار المبني على سلوك تجنب المخاطر وتحمل علاوات مخاطر الى نشوء مايسمى في علم المالية العامة ب(قيد الميزانية الصعب

Hard budget constrait).والذي يعني  تقييد الصرف على المشاريع الاستثمارية(التكاليف المتغيرة) وعدم تخطي القيد الذي فرضته ادارة صندوق الاستقرار لمصلحة تفضيلها مايسمى ب (قيد الميزانية الهش او الناعمSoft budget constraint)المتعلق بسهولة الصرف على متطلبات الموازنة التشغيلية(التكاليف الثابتة).اذ ينصرف قيد الموازنة الهش او الناعم الى امكانية تخطي قيود الصرف من جانب الادارة المالية لصندوق الاستقرار وعلى وفق معتقد مفاده:ان سهولة الصرف وتجاوز قيد المصروفات لايرتب نتائج خطيرة على الوضع المالي العام،وياتي عكس قيد الميزانية الصعب( وهو المبدأ الذي يرتب تضحيات في ادارة تمويل الموازنة الاستثمارية السنوية بطريقة خالية من الكفاءة ولمصلحة الموازنة التشغيلية.

خاتماً،فأن حصيلة الموازنات الاستثمارية الحكومية منذ العام  2009 تمثل بعدد المشاريع المتوقفة او المتلكئة .فهي اليوم ركام من المشاريع (غير المنجزة) بلغ عددها باقل من  9آلاف مشروع غير مكتمل وبقيمة تقديرية اجمالية لاتقل عن 280 تريليون دينار. وان المصروف الفعلي على تلك الاعمال غير المنجزة او المتعثرة هو بنحو 100 تريليون دينار حتى الوقت الحاضر.وان علاوة المخاطر تماثل كلفة التلكوء وعدم انجاز المشاريع.

--------------------------------------------------------------

باحث إقتصادي ونائب محافظ البنك المركزي السابق

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 4 تشرين ثاني/نوفمبر 2014

http://iraqieconomists.net/ar/