الأحد 14 شباط/فبراير 2016
TEXT_SIZE

تحديات أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب

صبحي غندور*

صحيحٌ أنَّ المجتمع الأميركي هو نسيج مركَّب من أصولٍ عرقيةٍ ودينيةٍ متعدَّدة، لكنْ هذا "الموزاييك" هو مصدر خطرٍ وضعفٍ أحياناً، كما هو سبب قوة أميركا وسلامها الاجتماعي. فالدستور الأميركي والقانون الأميركي لا يميّزان على أساس خصوصياتٍ دينية أو عرقية، لكن في الإعلام الأميركي وبعض المؤسسات والهيئات الأهلية المحلية في أكثر من ولاية، من هم يمارسون الآن هذا التمييز ضدَّ العرب والمسلمين، كما مارسوه أو يمارسونه ضدَّ أقلياتٍ أخرى في مراحل زمنية وأمكنة مختلفة.
ومن المهمّ الإشارة هنا إلى وجود فوارق بين الجالية العربية وبين الجالية الإسلامية في أميركا. فصحيح أنّ الجاليتين تنتميان إلى أصول وطنية ودينية وإثنية متنوعة، لكن أيضاً فإنّ حوالي نصف تعداد الجالية العربية (والرقم التقديري هو ما يقارب الأربعة ملايين) هم من أتباع الديانة المسيحية، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية (حوالي 8 إلى 9 ملايين) ينتمون في أصول أوطانهم إلى بلدان غير عربية (من بلدان آسيا وإفريقيا غير العربية) إضافةً إلى عددٍ من الأميركيين الذين اختاروا الإسلام ديناً لهم ومعظمهم من الأميركيين الأفارقة.
أيضاً، هناك خصوصية تتّصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا، التي هي وطن وبلد واحد، لكن يقوم على أصول ثقافية متعدّدة.
ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمّة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهُم بنظر المجتمع الأميركي – وحتى المنطقة العربية- "جالية واحدة"، بينما واقع الأمر أنّهم يتوزّعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدّت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية هي: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدّد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافةً طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.
ولقد مضى أكثر من قرنٍ من الزمن على بدء الهجرة العربية لأميركا، لكن رغم ذلك، فإنّ واقع العرب في أميركا استمرّ كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكلٍ عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدّد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة "الأمّة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وعلى بناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم.
إنّ أكثر من نصف الجالية العربية هم من المسيحيين العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصولٍ غير عربية. ولا يمكن وضعهم جميعاً (العرب والمسلمين في أميركا) في "سلَّةٍ واحدة" من النواحي الدينية والإثنية والثقافية. وقد حدثت، وتحدث، إساءات عشوائية ضدَّ البعض منهم لكنَّها إساءات فردية لا تميّز أصلاً بين عربيٍّ وغير عربي، بين مسلمٍ وغير مسلم، بل قد وصلت إلى حدِّ التعرّض في فترةٍ ما إلى أبناء جالية "السيخ" القادمين من أصول هندية والذين هم من غير العرب ومن غير المسلمين!!
وصحيحٌ أنَّ المواقف والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الرسميين الأميركيين ترفض الخلط بين الإسلام والعرب من جهة، وبين "الإرهابيين" وجنسياتهم من جهةٍ أخرى، لكن بعض وسائل الإعلام الأميركية (العامَّة والمحلية) تبثّ في كثيرٍ من الأحيان ما هو مصدر خوفٍ وشكٍّ وريبة في كلِّ عربي وكلِّ مسلم في أميركا والعالم.
وهناك مخاطر قائمة الآن على العرب والمسلمين في أميركا والغرب حصيلة مزيجٍ مركَّب الأسباب. فالمجتمعات الغربية – والأميركي منها خاصَّة - تتحكَّم في ردود أفعالها السلبية الآن مشاعر الغضب من العرب والمسلمين منذ الهجوم الإرهابي الذي فاجأ العالم كلّه يوم 11 سبتمبر 2001، ثمّ ما تبع هذا الهجوم من أعمال عنف وإرهاب في أوروبا وغيرها خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى ظاهرة "داعش" التي تشغل الآن العالم كلّه.
وحينما يكون المتَّهم (جماعات إرهابية بأسماء عربية وإسلامية)، فإنَّ الغضب الغربي سيتمحور حول كلَّ العرب والمسلمين أينما وُجدوا، ثم كيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما أضيف إليه ما زرعته لسنواتٍ عديدة أجهزة إعلامية (مسيَّرة من قبل جماعاتٍ صهيونية وعنصرية حاقدة) من زعمٍ حول "الخطر الإسلامي" القادم إلى الغرب!؟ وكيف سيكون أيضاً حجم هذا الغضب إذا ما صدر عن جهلٍ عام بالإسلام وبالعرب وبقضايا العرب والمسلمين؟ وكيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما اقترن بممارساتٍ سلبيةٍ خاطئة، قام ويقوم بها عدد من العرب والمسلمين حتى في داخل المجتمعات الغربية التي تعاني من تضخّم عدد المهاجرين إليها، وما يحمله هؤلاء المهاجرون الجدد (من مختلف بلدان العالم) من طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد ومظاهر لا تندمج سريعاً مع نمط حياة المجتمعات الغربية!
أيضاً، فإنَّ مشكلة المجتمع الأميركي تحديداً، أنَّ إداراته المتعاقبة في العقود الماضية كانت منغمسةً جداً في عدَّة قضايا دولية وفي أكثر من حربٍ خارجية حتى وصلت إلى حدِّ الانفراد بقيادة العالم، بينما المواطن الأميركي العادي كان أكثر جهلاً من أيِّ مواطن دولةٍ غربيةٍ أخرى بقضايا العالم، وبالجغرافيا وبالتاريخ، وحتى بالنسبة لتاريخ أميركا وجغرافيتها! فالرفاهية الأميركية واتساع الأرض الأميركية وعزلتها الجغرافية عن باقي العالم، كلّها عوامل أدّت إلى عدم اهتمام الإنسان الأميركي العادي بما يحدث حوله في العالم، وإلى تقبّل ما تقدّمه له أحياناً الحكومات الأميركية ووسائل الإعلام من أكاذيب وتضليل، كمسلَّماتٍ حول "الآخر" .. في العالم الآخر!.
لذلك غاب التوازن لعقود طويلة بين مدى حجم التورّط الأميركي الرسمي في قضايا العالم، وبين مدى فهم المواطن الأميركي العادي لهذه القضايا ولما يحدث حوله في العالم، إلى حين صدمة 11 سبتمبر 2001 التي كانت بمثابة صحوة من غفوةٍ زمنيةٍ طويلة، لكن الصحوة حصلت بعد كابوسٍ مرعب أخلَّ بالتوازن الجسدي والعقلي والنفسي لعموم الأميركيين.
هنا تصبح المسؤولية في التعامل مع هذا الواقع الأميركي ( والغربي عموماً) مسؤولية مزدوجة على الطرفين: العرب والمسلمين من جهة، والأميركيين والغربيين من جهةٍ أخرى.
فكلُّ الساحة مفتوحة لأبناء "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من أبناء أميركا والغرب الذين يريدون المعرفة الصحيحة عن الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود.
وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة (بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع) لاستبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب.
لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية أسلوب الحوار مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية، وعلى الفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام وعلى الثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر مع المجتمع نفسه عبر الإعلام والندوات والإنترنت واللقاءات الخاصَّة.
وكلّما كان هناك طرح لفكر عربي سليم فيما يتعلق بمسألة الهوية تعزّزت معه إمكانات هذه الجالية في أن تنجح عملياً وبأن تتجاوز كثيراً من الثغرات‏.‏
--------------------------
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

 

خوف وكراهية وضريح عثماني في الحرب الباردة بين «داعش» وتركيا

سونر چاغاپتاي*
تتواجه تركيا و «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية» في حرب باردة. وعلى الرغم من احتقار بعضهما البعض، إلا أنهما ستتجنبان الاشتباك المباشر، خوفاً من الاضرار الجسيمة التي قد تنجم عن ذلك. وتشكل منطقة "ضريح سليمان شاه"، وهي أرض تابعة لتركيا غير معروفة جيداً تقع في الداخل السوري ومحاصرة حالياً من قبل «داعش»، مثالاً على ذلك.
يُذكر أن "ضريح سليمان شاه"، وهي منطقة تشمل 2.47 فدّان خاضعة للسيادة التركية تضم مزار أحد كبار زعماء الأسر العثمانية، وتحمل قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة إلى الأتراك. إذ فيها مدفن جد السلطان عثمان الأول، الذي أسس الإمبراطورية العثمانية، ويخضع لحراسة 80 جندياً من المشاة الأتراك. وحتى كمال أتاتورك، المعروف بعدم التزامه بالتراث العثماني وبتأسيسه الجمهورية التركية الحديثة، طلب إبقاء الضريح تحت الحكم التركي في نهاية الحرب العالمية الأولى.
وفيما يتعلق بالعلاقات بين تركيا و تنظيم «الدولة الإسلامية»، يعتبر "ضريح سليمان شاه" [معلمة مهمة] مشابهة لما كانت عليه مدينة برلين الغربية في علاقات حلف شمال الأطلسي -حلف وارسو خلال الحرب الباردة. وعلى الرغم من أن السوفييت حاصروا برلين الغربية وحاولوا الضغط على الحلفاء للخروج من هذا القسم من المدينة أثناء الحصار الذي لم يدم طويلاً بين عامي 1948 و 1949، إلا أنهم اختاروا عدم غزوها. فقد كان بإمكان السوفييت اجتياح المدينة عسكرياً، ولكنهم أدركوا أنه ستكون هناك تداعيات من جانب الولايات المتحدة يمكن أن تلحق الضرر بالشيوعية على نطاق أوسع في جميع أنحاء العالم.
وبشكل مماثل حاصرت «داعش» "ضريح سليمان شاه"، منذ عام 2013. وحيث تضم الجماعة عشرات الآلاف من المقاتلين وعدداً غير محدود من الموارد على ما يبدو، يشكل تنظيم «الدولة الإسلامية» تهديداً محتملاً على هذه الأرض التركية.
ومع ذلك، أحجمت «داعش» عن الاشتباك، مدركة أن أي هجوم تشنه على هذه الأرض التركية الصغيرة من شأنه أن يشكل هجوماً على البلاد نفسها، ويمكن أن يقرّب تركيا بصورة أكثر إلى الجبهة المضادة لـ تنطيم «الدولة الإسلامية»التي تتزعم قيادتها الولايات المتحدة. وفي خطاب وجهه مؤخراً إلى القوات التركية المتمركزة في "سليمان شاه"، قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية، نجدت أوزيل: "كونوا على يقين بأن قواتنا المسلحة ستكون إلى جانبكم بمجرد أن تطلبوا منها ذلك".
ويكمن هدف تركيا الرئيسي في سوريا في الإطاحة بنظام الأسد. وعلى الرغم من أن أنقرة تنظر إلى «داعش» بأنها تشكل تهديداً، إلا أنها لا ترغب في التركيز على الجماعة من الناحية العسكرية خوفاً من أن تصرفها هذه الأخيرة عن هدفها الأساسي المتمثل في إضعاف الأسد. وبالتالي، فعلى الرغم من وجود التنظيم «الدولة الإسلامية» في كل من سوريا والعراق على طول الحدود التركية، كانت تركيا غائبة بشكل واضح من العمليات العسكرية ضد «داعش».
وبقيت هذه الديناميكيات المتزعزعة بين أنقرة و تنظيم «الدولة الإسلامية» حتى عندما قامت الجماعة باحتجاز 46 رهينة من المواطنين الأتراك من القنصلية التركية - بعد احتلال «داعش» للموصل في أوائل حزيران/يونيو. وقد واظبت أنقرة على التفاوض من أجل الافراج عن رهائنها طوال فترة الصيف ونجحت في ترتيب عملية إطلاق سراحهم في 20 أيلول/سبتمبر.
إن قيام «داعش» بشن هجوم على هذه الأرض التركية في سوريا قد ينهي هذه الحرب الباردة الحساسة، ويؤدي على الأرجح إلى تدمير الضريح بشكل كامل. فـ تنظيم «الدولة الإسلامية» يحتقر الأضرحة، إذ يعتبر أنها تشكّل لعنة على الإسلام. ومن شأن تدمير الضريح وغزو أرض تركية أن يثيرا غضب الرأي العام ضد الجماعة، حيث سيجد القادة الأتراك أنه من الصعب عليهم تجنب شن حملة عسكرية واسعة النطاق ضد «داعش»، إلى جانب واشنطن.
وفيما يتعلق بتركيا، فإن آخر ما يريده الآن تنظيم «الدولة الإسلامية» هو تأييد أنقرة الكامل للحملة العسكرية التي تتزعم قيادتها الولايات المتحدة ضده. فلتركيا جيش كبير وقوي ولديها عدد من القواعد بالقرب من حدودها مع سوريا والعراق، التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لشن هجمات ضد «داعش». ومن شأن ذلك أن يشدد الخناق الاستراتيجي حول عنق تنظيم «الدولة الإسلامية». وبالتالي فمن المستبعد جداً أن تهاجم «داعش» "ضريح سليمان شاه" - إلا إذا كانت تركيا هي البادئة في استهداف الجماعة.
باستطاعة تركيا إلحاق الضرر بـ «داعش» بأكثر من طريقة. فبإمكان أنقرة على سبيل المثال الحد من تدفق مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» المتوجهين إلى سوريا من خلال تضييق الخناق على حدودها. ومنذ هجوم «داعش» على القنصلية التركية في الموصل في حزيران/ يونيو، تقوم تركيا بتضييق الخناق على مسلحي الجماعة الذين يعبرون أراضيها. لكن حماسة أنقرة لتأدية هذه المهمة كانت محدودة حتى الآن، فلدى تنظيم «الدولة الإسلامية» عدد من الخلايا داخل تركيا، والبعض من بينها قرب حدود البلاد مع سوريا. وعلاوة على ذلك، تبرز علامات تشير إلى قيام عمليات تجنيد في البلاد، بما في ذلك في اسطنبول. وعلى الرغم من أن هذه الأعداد محدودة - حيث لم يشارك الأتراك تاريخياً في الجهاد القائم على العنف - فمع ذلك كانت أنقرة حذرة من إثارة غضب «داعش» أو استفزازها.
وحتى مع التوازن السائد، لا يزال بإمكان تنظيم «الدولة الإسلامية» استهداف تركيا. وفي هذا الصدد يمكن للنتيجة الطبيعية لحرب باردة أن تكون شبيهة بـ "أزمة الصواريخ الكوبية" في عام 1962. ففي ذلك الوقت، أوشكت الكراهية الأيديولوجية السوفيتية تجاه الغرب وعملية التوهم بقدرات تتخطى صعوباتها، أن تؤدي تقريباً إلى تجاوز خوف موسكو من إلحاق أضرار جسيمة بمصالحها في حال اندلاع حرب، مما جعل الاتحاد السوفيتي على شفير صراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة.
وإلى أن تطلق «داعش» نسختها الخاصة من أزمة الصواريخ الكوبية، وبالتالي تكسر الجمود في طريقها المسدود مع أنقرة، ستبقى كل من تركيا والجماعة ملتزمة بنسختها الخاصة من الحرب الباردة، مما سيُبقي "ضريح سليمان شاه" بمثابة "برلين الغربية" في هذه الحرب.
-----------------------------------------------------------
*سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. كما أنه مؤلف كتاب "صعود تركيا: أول قوة مسلمة في القرن الحادي والعشرين" ("بوتوماك بوكس"(.

 

إدارة مخاطر صندوق الاستقرار

بقلم: د.مظهر محمد صالح*

هدف البحث وفرضيته

ينصرف هدف البحث حول الموضوع المذكور انفاً الى اكتشاف وتحليل نتائج  ادارة مخاطر صندوق الاستقرار   Stabilizing  fundالمعبر عنه بصندوق تنمية العراقDFI والمنشأ بموجب قرار مجلس الامن الدولي المرقم 1483 في مايس  2003والقاضي بايداع عوائد بيع النفط الخام العراقي او الغاز او المشتقات النفطية بعد استفطاع 5%من تلك العوائد النفطية حصريا ( تودع لمصلحة صندوق الامم المتحدة للتعويضات) والمتعلقة بالحرب على الكويت 1990.ولايمنع من ان يتسلم صندوق تنمية العراق اية اموال اُخرى كالارصدة المجمدة التي رفع التجميد عنها وتعود ملكيتها للحكومة العراقية .وكذلك بقايا ارصدة مذكرة التفاهم بشأن برنامج النفط مقايل الغذاء وغيرها من الاموال السيادية بعد العام 2003.تقوم فرضية البحث على مبدأ ان ادارة مخاطر صندوق تنمية العراق وعده صندوقاً سيادياً للاستقرار،لم يتجه بأهدافه وطريقة ادارته بأن يمثل صندوقاُ فعلياً بكونه احد نماذج صناديق الئروة السيادية،بقدر ما كان صندوقاً تحوطياً لمواجهة تقلبات الايرادات النفطية في الموازنة جمهوربة العراق السنوية ومنذُ منتصف العام 2003 وحتى الوقت الحاضر.وان هذا النمط التحوطي في ادارة مخاطر صندوق الاستقرار قد ولد دالة منفعة للثروة النفطية هي محدبة تجاه نقطة الاصلconcave  .مما تعني ان ثمة علاوة مخاطرRisk premium  ترتبها ادارة المخاطر نتيجة إرتباط تمويل المشاريع الاستثمارية بالموازنة(كتكاليف متغيرة) بدرجة تقلب الفائض المالي في صندوق تنمية العراق(كأيرادات تحوطية مُمولة) وهي تقابل تغطية العجز الافتراضي السنوي في موازنة البلاد السنوية.وبهذا فقد نشأت آلية معقدة ربطت بين القدرة على إستدامة تنفيذ المشاريع الاستثمارية وبين استدامة موارد صندوق الاستقرار وابتعاد موارده المالية عن التقلب(اي ان امثلية تنفيذ الاستثمارات هي دالة لأمثلية موارد صندوق الاستقرار المستدامة ). فالحصيلة هي مستوى منخفض في قدرات تنفيذ المشاريع الاستثمارية وبلوغ نتائج بطيئة عُدت غير مُرضية في مسيرة التنمية ، و ثمنها تلكوء التنفيذ (المبرمج) للمشاريع السنوية واعتبار كلفة التلكوء او التباطؤء هي النظير المقابل لعلاوة المخاطر المنوه عنها في اعلاه.

ادارة مخاطر الموازنة العامة

تُعَرف حالة اللايقين  Uncertainty بانها الحالة التي لايمكن معرفة نتائجها العملية .ولكن عندما يمكن معرفة (احتمالية) تحقق النتائج العملية ازاء الظواهر والمتغيرات الاقتصادية، فانها ستعرف بالخطرRisk.وان ادارة ذلك الخطر  Risk management يمثل العملية التي تساعد الادارة على فهم وتقييم الخطر واتخاذ الاستعدادات اللازمة لمواجهته.وبناءً على ماتقدم فقد جاء الفصل السادس من قانون الادارة المالية وادارة الدين رقم 95لسنة 2004 موضحاً بالنص على ماياتي:(تُعد الموازنة الاتحادية بشكل خاص على تنبؤات حكيمة ومعتدلة لأسعار النفط والمنتجات النفطية…والضرائب…والايرادات الكمركية..الى آخره).

ولما كانت عائدات المورد الطبيعي المستخرج والمصدر(النفط) تمثل نسبة لاتقل عن 95% من ايرادات الموازنة العامة في العراق فأن هذه الايرادات الصيقة بالصفة الريعية ، تعني ان عوائد النفط تتقلب بسبب الظروف والعوامل الخارجية الدولية لسوق النفط وليس للانتاج والانتاجية من دور في تحديد قيمة الانتاج . وازاء هذا الشكل من الايرادات المرهون بالطلب الخارجي وتقلباته وانعكاساته على الناتج المحلي الاجمالي للبلاد ، فلابد من استقرار ايرادات الموازنة ومصروفاتها ان يخضع لنمط محدد من انماط ادارة المخاطر . فثمة  خيارين مطروحين امام صناع السياسة المالية في ادارة الموارد النفطية ويوصفان ضمن طبيعة وعمل ادارة المخاطر ويمثلان شكلاً من اشكال المصدة الماليةfiscal buffer او مخففة الصدمة المالية لمواجهة تقلبات اسواق النفط. فالخيار الاول ، هو التعاقد مع مشترين بكميات معرفة مسبقاً وبأسعار مخصومة يلتزم بها الطرفين مستفيدين مهما كان التقلب في اسعار سوق النفط . و الخيار الثاني ، يتمثل بوضع اسعار افتراضية مخفضة تحوطياً لاغراض اعداد الموازنة  بإيرادات اقل ونفقات اعلى عن طريق احداث عجز مخطط ، حيث يترك تمويل العجز  للتقلبات الايجابية الحاصلة في اسعار النفط ، وعد ذلك بديل لصندوق استقرار الموازنةstabilizing fund . وبسبب الاحادية الشديدة للاقتصاد وانعكاس ذلك على احادية تدفق موارد الموازنة العامة وتعرض الايرادات الى شدة عالية من التحفظ والحذر في ادرة مخاطر الموازنة العامة،لذا فقد اخذ موضوع   بناء اوتركيب الموازنة اتجاهين مختلفين، شكلا قيدا على اداء الموازنة العامة نفسها، فاولهما : تحويل الفوائض المتحققة جراء تخفيض سعر برميل النفط لاغراض تقدير الموازنة (بعد توليد فجوة  سعرية تبتعد عن اسعار السوق والمبيعات الفعلية للنفط العراقي) الى موازنة السنة المالية اللاحقة وعد ذلك تمويلاً تجميعياً يصب في مصلحة نمو سقف الموازنة السنوية اللاحقة وتوسعها الانفاقي ،وهكذا إستمر الحال سنوياً بالتتابع وثانيهما : حصول اتجاه مقلق يفضل تغطية المصروفات الثابتة في الموازنة والتي تمثل بشكل عام الموازنة التشغيلية على حساب وضع جانب كبير من الموازنة الاستثمارية الى احتمالات العجز وتقلب سوق النفط وعدها مصروفات متغيرة.

  ففي حال حصول عجز فعلي جراء انخفاض ايرادات النفط ستاخذ النفقات الجارية الرواتب والاجور التفضيل الاول على حساب النفقات الاستثمارية (كخدمات الطرق والجسور وغيرها )التي ستاخذ بدورها التفضيل الثاني.

وبناءً على اشكالية هذه القيود التي فرضتها الموارد الريعية على حسن اداء المشاريع والنشاطات ذات الاولوية الاقتصادية  والاجتماعية في الموازنة لبلوغ اهداف التنمية والاستقرار الاقتصادي ، فقد بدأ جدل واسع حول طبيعة اعداد الموازنة من موازنة بنود سهلة النتفيذ ضعيفة الكفاءة الى موازنة برامج واداء مما يسهل مراقبة كفاءة الموازنة العامة مع توافر بديلين اخرين هما الموازنة الصفرية والموازنة التعاقدية ، وهي انماط مازال يعمل بها في البلدان الغربية عموماً.

فاللافت للنظر ان ادارة مخاطر الموازنة في بلدان العالم ذات الاقتصادات المتنوعة الانتاج والتي مصادر موازناتها من الايرادات المتاتية من الضرائب بالدرجة الاساس وغيرها التي يولدها نمو الناتج المحلي الاجمالي ، فأنها تعتمد مايسمى بالمثبت الديناميكيautomatic stabilizer في ادارة مخاطر موازناتها العامة. وهو تعبير عن ان النفقات او الايرادات الحكومية التي تتوسع وتتقلص هي للتعويض عن حالة انتعاش او تراجع الاقتصاد الكلي ، بعبارة اوضح هي فقرات في الموازنة الحكومية التي تجعل الانفاق الحكومي ياخذ بالارتفاع او يجعل الضرائب تنخفض جراء هبوط الناتج المحلي الاجمالي . ويأتي هذا الاسلوب في تصميم الموازنات في الاقتصادات شديدة التنوع لتفادي التصلب الدستوري  عن اعادة تعديل تشريع قانون الموازنة عند حصول تقلبات في الناتج المحلي الاجمالي او الدخل الوطني للبلاد . وهي مسألة في غاية الاهمية حيث تخفض الضرائب عن العاطلين عن العمل ويرتفع الانفاق لدعم اولئك العاطلين ومن دون مداخلة تشريعية يصعب تنفيذها خلال السنة المالية(وتفادي مايسمى بالتباطؤ الداخلي للسياسة الماليةinside lag يعمق من المشكلة الاقتصادية او يساير ما يسمى بالدورة الاقتصاديةpro cycle مما يعني ان المثبت الديناميكي هو لمواجهة الدورة الاقتصادية اوanti cycle ).

ان مشكلة المصدة المالية في ادارة مخاطر الموازنة في بلادنا مقارنةً بالمثبت الديناميكي ، تأتي من مشكلة هيكلية تتمثل في تركيب الثروة الى الناتج المحلي الاجمالي ، ففي الولايات المتحدة التي تبلغ هذه النسبة من الثروة بحوالي (10) مرات الناتج المحلي الاجمالي، نجدها في بلد مثل العراق ربما تزيد على (45 ) مرة من الناتج المحلي الاجمالي . فكلما تكبر النسبة يعني ان الدخل منخفض ومصدر ايرادات الموازنة هو ريعي شديد التقلب، مما يعظم من دور المصدة المالية والتي تعني ( حجز موارد مالية مستقبلية متدفقة ) واعتمادها كأحتياطي مالي او مصدة مالية الى حين انتهاء سنة الموازنة او السنة المالية. وهي بمثابة خزين مالي متجمع يستنفد ببطء خلال السنة خشية تقلب الايرادات وحتى اليوم الاخير من تلك السنة المالية . في حين ان مبدأ التعويض في المثبت الاسمي يلجأ الى الاقتراض من السوق المالية وتوليد عجز فعلي او حتى الاقتراض بصورة احتمالية تحوطية مسبقة بغية اعادة النشاط الاقتصادي او الاستعداد لمواجهة الدورة الاقتصادية .وحتى لو كان التمويل بالاصدار النقدي (مع ملاحظة ان هذا الامر يتعارض حاليا في العراق مع نص المادة 26من قانون البنك المركزي العراقي النافذ رقم 56لسنة2004 والتي تحظر اقراض الحكومة) من منطلق ان النشاط الاقتصادي القادم سيعظم جباية الضرائب ويسد العجز ويخفض نسبة الدين مستقبلا .  تؤازر هذا الاتجاه اليوم مايسمى بالنظرية النقودية الجديدة اوما يمكن تسميتهم بالرمزيون الجددnew chartilists.

وبغض النظر عما تقدم ، فأن ادارة المخاطر في ظل المصدة الماليةfiscal buffer هي اكثر تعقيدا واكثر ضياعا للموارد واقل كفاءةً وفق الصورة القائمة حالياً حيث تتحول موارد المصدة المالية في السنةt-1 الى السنةt مع استمرار العجز المخطط نفسه . اي ان المصدة المالية هي التعبير عن احتمال عجز مخطط بفوائض محجوزة يجري تدويرها سنوياً والتي بلغت في صندوق تنمية العراقDFIحوالي 18 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2012 وبنحو 6مليار دولار في نهاية العام 2013  .كما ان السنة المالية للعام 2012 على سبيل المثال انتهت بفائض نسبته  8%من الناتج المحلي الاجمالي ،في حين ان موازنة العام الذكور قد صممت على عجز نسبته 8% من ذلك الناتج المحلي الاجمالي للعراق.

 وفي الاحوال كافة ، اذا كانت المصدة المالية تعبر عن احادية الاقتصاد وان المثبت الديناميكي يعبر عن تنوع الاقتصاد او الناتج المحلي الاجمالي ، فأن الاخير هو ذي طبيعة متدفقةflow في حين ان المصدة المالية هي ذات طبيعة خزنية عموما  stock تتحول الى تدفقات عند الحاجة.

فالمثبت الديناميكي يعبر عن موارد للموازنة متأتية من منابع الاقتصاد الكلي كافة وبدرجة عالية من التنوع في الدخل الاجمالي في حين ان المصدة المالية هي نظام تحوطي يعتمد التقلب في الدخل الناجم عن الاقتصاد الاحادي الذي يعتمد على مورد سيادي واحد للبلاد كالنفط  . ولكي نتحول الى آلية في ادارة مخاطر الموازنة العامة قريبة من المثبت الديناميكي وتبتعد تدريجيا عن المصدة المالية  بشكلها الحالي ، فينبغي توافر شروط تنويع بعض مصادر الموازنة ، حتى في ظل الاحادية الاقتصادية الحالية ، ونقصد بذلك الذهاب الى التنويع المالي.

فأمام البلاد فرصة استثمار المصدة المالية نفسها وتحويلها الى صندوق ثروة سيادي بدلا من تفريغ موارد المصدة دورياً وتحويلها من خزين مالي الى تدفق مالي في السنة المالية اللاحقة . فالاستثمار في ذلك الصندوق السيادي سيكون مدراً للدخل ايضاً ويمارس وظيفة صندوق الاستقرار بدلا من المصدة المذكورة بآليتها الحالية والاستفادة في مواجهة مشكلات البلاد في الامد القصير على اقل تقدير . واذا ما تعاظمت عوائده فسيتحول الى صندوق سيادي للثروةsovereign wealth fund وان عوائده ستمارس وظيفة المثبت الديناميكي الذي ستكون ايراداته بمثابة تدفق مالي تعويضي مستمر في حالة تقلب المورد الاحادي الطبيعي مما يعني خلق تنوع غير مباشر في موارد الموازنة مع توافر حماية ذاتية في حال انخفاض عوائد الموارد النفطية.

وبهذا يمكن للصندوق السيادي ان يأخذ منحيين في ادارة المخاطر والتي تعني التأمين على الامكانات المحتملة للخسارة جراء تقلب اسواق النفط وتأثير ذلك على ايرادات الموازنة ، الاول : وهو ادارة موارد مالية  في ذلك الصندوق يكون فيها  تفضيل السيولة على العائد المتوقع وهو الجزء الذي سيمثله صندوق الاستقرار بدلا من المصدة المالية الراهنة ، وبأمكانه توفير موارد للموازنة كافية لتغطية الاجور والرواتب المودعة فيه لفترة بين 3-6 اشهر . في حين ينصرف الجزء الاخر من صندوق الثروة السيادية الى نمط من ادارة المخاطر يفضل العائد المتوقع على السيولة وتصب تلك العوائد عند تحققها في صندوق الاستقرار وبشكل مستمر . وبهذا لابد من اعتماد  مبدأ(الميزانية المتوازنةBalanced Budget  )اوالقبول بعجز سنوي طبيعي لايتعدى 3% من الناتج المحلي الاجمالي والتخلي عن فكرة العجز الافتراضيvirtual deficit السنوي الذي يرتب علاوات المخاطر. وبهذا فسنحصل على دالة منفعة للثروة  ذات مخاطر محايدةNeutral risk  اوخالية من المخاطر، اي ان علاوة المخاطرستكون صفراً ولاوجود لها.اما علاوة المخاطر في حال ادارة مخاطر صندوق الثروة السيادية فستكون سالبة (اي بمعنى ستنقلب علاوة المخاطر  الى عوائد ايجابية بدلاً من ان تكون تكاليف مترتبة عن ادارة مخاطر الصندوق المذكور في اعلاه). وان دالة منفعة الئروة ستكون مقعرة بأتجاه نقطة الاصلconvex.

الاستنتاجات

ا- ان توليد صندوق استقرار يواجه موازنة سنوية مصممة على اساس العجز الافتراضي تترتهن التخصيصات الاستثمارية السنوية فيها والشروع بالتنفيذ على درجة استقرار موارد الصندوق، قد ادى الى ظهور دالة منفعة متناقصة للثروة محدبة الشكل نحو نقطة الاصلconvex مما تعني ان البلاد تدفع باستمرار علاوات مخاطر(وهي كلفة الفرصة لتوفير فائض سيولة نقدية كافية تغطي الكلفة المتغيرة في الموازنة اي كلقة تخصيصات المشاريع الاستثمارية في الموازنة السنوية) .اذ غالباً ما تنجم تلك العلاوات عن السلوك المتحفظ في ادارة مخاطر صندوق الاستقرار المتجنب للمخاطرRisk avearse  في طبيعته والملازم لدالة منفعة ثروة متناقصة.

وعليه ،فان دالة منفعة الثروة المتزايدة (الخالية من علاوات المخاطر)تتطلب ادارة للمخاطر من النمط المسمى بأخذي المخاطر او الباحثين عنهاRisk seeker وهو امر لايتم تحقيقة الا بأدارة صندوق ثروة سيادية بديل عن فلسفة المصدة المالية وصندوق الاستقرار (اللذان يفضلان تعظيم السيولة على العائد) . كما ان دالة منفعة الثروة في صندوق الثروة السيادية ستكون مقعرة نحو نقطة الاصلconvex ذلك عند الشروع بأدارة مخاطر صندوق الثروة السيادية والذي سيعظم  فيه مبدأ العائد على مبدأ السيولة.

ب- يؤدي اسلوب ادارة مخاطر صندوق الاستقرار المبني على سلوك تجنب المخاطر وتحمل علاوات مخاطر الى نشوء مايسمى في علم المالية العامة ب(قيد الميزانية الصعب

Hard budget constrait).والذي يعني  تقييد الصرف على المشاريع الاستثمارية(التكاليف المتغيرة) وعدم تخطي القيد الذي فرضته ادارة صندوق الاستقرار لمصلحة تفضيلها مايسمى ب (قيد الميزانية الهش او الناعمSoft budget constraint)المتعلق بسهولة الصرف على متطلبات الموازنة التشغيلية(التكاليف الثابتة).اذ ينصرف قيد الموازنة الهش او الناعم الى امكانية تخطي قيود الصرف من جانب الادارة المالية لصندوق الاستقرار وعلى وفق معتقد مفاده:ان سهولة الصرف وتجاوز قيد المصروفات لايرتب نتائج خطيرة على الوضع المالي العام،وياتي عكس قيد الميزانية الصعب( وهو المبدأ الذي يرتب تضحيات في ادارة تمويل الموازنة الاستثمارية السنوية بطريقة خالية من الكفاءة ولمصلحة الموازنة التشغيلية.

خاتماً،فأن حصيلة الموازنات الاستثمارية الحكومية منذ العام  2009 تمثل بعدد المشاريع المتوقفة او المتلكئة .فهي اليوم ركام من المشاريع (غير المنجزة) بلغ عددها باقل من  9آلاف مشروع غير مكتمل وبقيمة تقديرية اجمالية لاتقل عن 280 تريليون دينار. وان المصروف الفعلي على تلك الاعمال غير المنجزة او المتعثرة هو بنحو 100 تريليون دينار حتى الوقت الحاضر.وان علاوة المخاطر تماثل كلفة التلكوء وعدم انجاز المشاريع.

--------------------------------------------------------------

باحث إقتصادي ونائب محافظ البنك المركزي السابق

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 4 تشرين ثاني/نوفمبر 2014

http://iraqieconomists.net/ar/

الإرهاب واستهداف منشآت الري في العراق

الكاتب: د.حسن الجنابي*
الجزء الأول
اولا:
احتل الارهابيون سدة الفلوجة على الفرات قبل شهرين وقد فاجأ ذلك الجميع، مسؤولين ومواطنين، ووضعهم امام حقائق لم تخطر ببال احد من قبل. فقد اعتاد الناس الحديث عن "حرب المياه" منذ التسعينيات، وكان يقصد بها حروبا محتملة بين دول تشترك بانهار دولية عابرة للحدود، نتيجة السيطرة غير المسبوقة على الموارد المائية في المنابع واعالي الانهار وزيادة استخداماتها المتنوعة وتلويثها، ما خلق حالة من التنافس بين الدول المتشاطئة لم تألفه من قبل. وعلى خلفية التناقضات السياسية والتوترات الاقليمية والحروب المتعاقبة التي نسبت او ارتبطت فعليا بالصراع على موارد الطاقة، انتشر استخدام مصطلح "حروب المياه" في الصحافة الى درجة كبيرة، نظرا لشحة الموارد المائية المشتركة والافراط في السيطرة على المنابع، وتداول افكار تصدير او استيراد المياه، والغياب التام للاتفاقيات الدولية الطويلة الامد لقسمة المياه المشتركة بين الدول المتشاطئة، فجعل ذلك احتمال قيام الحروب امرا متوقعا.
لكن الارهابيين ذوي العقلية الشريرة المخربة، جعلوا "حرب المياه" حربا داخلية تستخدم بها المياه كسلاح لتحقيق مآرب سياسية واهداف عسكرية، ضاربين بذلك عرض الحائط الحقوق الانسانية والقوانين الدولية واعراف الحروب التي تحرم استخدام او تدمير المنشآت المدنية المائية وتعريض السكان لخطر العطش او الموت.
ثانيا:
سدة الفلوجة هي منشأ هيدروليكي كبيرعلى نهر الفرات، تقع على مسافة (5) كم جنوب مدينة الفلوجة الفراتية، انشئت في العام 1985 للتحكم بمياه الفرات وبالاخص لتأمين ارواء مشاريع استصلاح كبرى تغطي مئات الآلاف من الدونمات تمثل سلة غذاء العاصمة بغداد ومحافظة بابل، وهي مشاريع ابو غريب والرضوانية واليوسفية واللطيفية والاسكندرية، فضلا عن التحكم بجريان نهر الفرات جنوبا، وبالتالي فان تشغيلها بعكس وظيفتها الاصلية، او بقصد الاساءة واحداث الضرر يعرض محافظات بغداد وبابل وكربلاء والنجف والديوانية والمثنى والناصرية والبصرة الى ضغط مائي وغذائي،بل يمثل تهديدا وحرمانا اذ قد يصل درجة العطش المميت في مناطق معينة واغراق مساحات اخرى، تسفر بالنتيجة عن حالة من العطش والجوع والنزوح وفقدان سبل العيش والاستقرار، ويخلق بيئة مناسبة لتفشي حالات الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، التي تغذي بدورها شروط تمزيق النسيج الاجتماعي وانتعاش الارهاب.
ثالثا:
تضم قائمة البنى التحتية والمنشآت المائية المهددة او المستهدفة من قبل الارهابيين سلسلة من المنشآت الكبرى والحرجة التي تهدد الامن المائي والغذائي في العراق ومنها:
• سدة الرمادي على نهر الفرات وتقع الى الشمال من سدة الفلوجة، وقد انشئت في الخمسينيات للتحكم بجريان الفرات جنوبا اوبتحويل تصريفه الى بحيرة الحبانية.
• سد حديثة، وهو ثاني أكبر سد في العراق بعد سد الموصل على نهر دجلة، أنجز في اواسط الثمانينيات وبامكانه ان يتحكم بجريان نهر الفرات جنوبا الى درجة كبيرة، وتبلغ سعته الخزنية نحو (8) مليارات متر مكعب، اي بحدود 50 بالمئة من معدل جريان الفرات عند الحدود السورية خلال العشرين عاما الاخيرة، ويسهم في توليد الطاقة الكهرومائية التي ترفد العاصمة بغداد بجزء من احتياجاتها للطاقة.
• منظومة بحيرة الثرثار بدءا من سدة سامراء على نهر دجلة، وانتهاءً بمنافذها الى نهري الفرات ودجلة التي تتحكم بها نواظم كبيرة تسمح لبحيرة الثرثار من لعب دور محوري في ادارة الموارد المائية في العراق، في حماية بغداد من الفيضان وفي تحويل المياه بين نهري دجلة والفرات لتعزيز تصريفهما عند الحاجة.
• سد الموصل، وهو أكبر سد في العراق يتسع لخزن (11) مليار متر مكعب من المياه، اي اكثر من (50 بالمئة) من معدل ايرادات نهر دجلة من تركيا، استكمل انشاؤه في اواسط الثمانينيات، ويعاني السد منذ ذلك الحين من مشكلات فنية في اسسه نتيجة انشائه على تكوين صخري غير مناسب، تتسبب باحداث تجاويف وفراغات تحت اسس السد وتعرضه الى
خطر الانهيار خاصة اذا توقفت اعمال التحشية الكونكريتية الجارية منذ اكتمال السد وحتى هذه اللحظة.
رابعا:
يتمثل الخطر الارهابي الهادف للسيطرة على المنشآت المتحكمة بمياه الرافدين، في القدرة على احداث اضرار كبرى تقارب في حجمها التدميري استخدام اسلحة الدمار الشامل. فعلى سبيل المثال يمكن تعريض اجزاء شاسعة من العراق بدءا من شمال بغداد حتى مصب النهرين بالخليج، الى عطش قاتل بنفس الوقت الذي يمكن فيه اغراق المساحات المزروعة والاراضي الخصبة شمال وغرب بغداد، حيث يقضى بها على المنتوج المحلي ويتسبب في افقار فئات شعبية كبيرة تعيش على فلاحة الارض.
اما السيطرة على موقع سد الموصل او عرقلة الصيانة اليومية المستمرة منذ اواسط الثمانينيات للسد، اي منع التحشية الاسمنتية لأسس السد، يقلل من سلامة السد الذي سيحدث في حال انهياره فجيعة كبرى، اذ سيغرق مدينة الموصل والمدن والقرى الاخرى على عمود النهر حتى مدينة بغداد، ويحدث دمارا شاملا بالارواح والممتلكات.
خامسا:
إن جعل السيطرة على منشآت الري هدفا من اهداف الارهاب يطرح تحديات كبرى على الدولة العراقية، اذ انه يعكس بدءا ان لاحدود للمخيلة الارهابية في انتقاء الاهداف المطلوب تدميرها، او استخدامها في النزاعات للحصول على مكتسبات يرجى منها اضعاف الدولة وضرب أسسها، وتخريب النسيج الاجتماعي، وتدمير الشروط الساندة للحياة، وكل ما يسبب الفوضى ويشيع الخوف والرعب في نفوس المواطنين.
اما التحدي الاكبر فهو هشاشة النظام المائي في العراق، الذي كان معروفا بكفاءته، لجهة التحكم بادارته من خلال سلسلة محكمة من المنشآت المدنية التي اقيمت منذ النصف الاول من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، بغرض الارواء وتوليد الطاقة والتزود بمياه الشرب والاحتياجات التقليدية الاخرى. فالمنشآت الكبيرة المرتبطة عضويا ببعضها، بحكم وظيفتها، كالسدود والخزانات، لابد ان تتوفر على نظام حماية كاف يمنع سقوطها من يد الدولة مهما كانت الظروف قاسية، لذلك فان سقوطها بيد الارهابيين يخلخل اسس الاستقرار ويضعف هيبة الدولة ويعرض المجتمع الى مخاطر جمة، ويجعل النظام المائي هشا.
من الجدير ذكره ان العديد من المختصين يرون ان افضل طريقة لادارة الموارد المائية هي في الحفاظ على وضعها الطبيعي دون اللجوء الى اقامة المنشآت الكبرى، التي قد تزيد مخاطرها في احيان كثيرة على منافعها، وان التطورات الاخيرة التي تكشف سعي الارهابيين للسيطرة على منشآت الري قد توحي بصحة هذا الرأي، وبغض النظر عن مديات قبول او رفض هذا الرأي، وعدم امكانية تطبيقه في ظروف العراق، اذ لعبت منشآت
الري العراقية ومنذ القدم
دورا بارزا في تقدم البلاد وتحقيق استقراره، لا يوجد خيار
آخر سوى تكثيف الجهد الوطني للحفاظ على ممتلكات الشعب
من سدود وخزانات وغيرها ولمنع وقوعها تحت سيطرة الارهابيين.
الجزء الثاني:
اولا:
تواصل مجموعات "داعش" محاولاتها الرامية لإدامة "دولتها" الظلامية من خلال السيطرة على المنشآت المائية والنفطية في العراق وسوريا، بغرض تأمين موارد مادية كبيرة لبسط نفوذها، وسحق اية محاولة لتحدي سلطاتها القادمة من اعماق التوحش وهمجية ماقبل التاريخ.
وبالرغم من بدائية وهمجية وسائلها في القتل، فهي تلجأ عند تنفيذ جرائمها الى استخدام احدث مبتكرات التكنولوجيا والاتصالات والفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، لنشر الرعب في نفوس السكان المدنيين، واستفزاز مشاعر وقوانين واعراف المجتمعات والدول الاجنبية، عن طريق التنكيل الشنيع بمواطنيهم المختطفين، وقطع رقابهم، وهم مدنيون وصحفيون معروفون، وحيث يلبسون ضحيتهم رداءً نظيفا خاصا تحضيرا لحز رقبته، ويلقون خطبا بلكنة لندنية،ويوثقّون جريمة القتل "اصوليا"، كأنهم يمارسون طقسا احتفاليا يرسلون به ضحاياهم الى الجحيم، فيما هم يحجزون من خلاله مقاعدا لهم في "جنة" متخيلة، ابتكرتها عقول مريضة ومتوحشة،ونفوس غارقة في الجهالة والدموية متخصصة بقتل الابرياء والضعفاء، في ظاهرة لم يسبق للبشرية ان شهدت مثيلا لها، حيث ينحاز مجرمون محليون، ويمنحون افضلية، لمجرمين غرباء قادمين من وراء البحار والحدود، ومن خارج المعايير والنظم والاخلاق البشرية المعتادة، على ابناء وطنهم من النساء والرجال والاطفال، تسبى وفقها العوائل، وتثكل النساء وتسلب الممتلكات وتهدم المساجد والمعابد والكنائس ومراكز الثقافة والتعليم والجامعات وغير ذلك من شواهد.
وفي سعيه لترسيخ نوع "جديد" من الحكم يستمر تنظيم "داعش" في البحث عن موارد له، يمسك من خلالها بعصب الحياة ويتحكم بمصائر السكان، ومن تلك الموارد الحيوية : المياه.
ثانيا:
بالرغم من هزيمتها في موقع سد الموصل، وابعاد شرورها عنه، الا ان "داعش" لم تتخل عن طموحها في السيطرة مجددا على السد الذي يتحكم الى درجة كبيرة بنهر دجلة، الذي تعتمد عليه حياة نصف المجتمع العراقي، ويمكن ان تتعرض حياة اكثر من عشرة ملايين مواطن منهم للخطر بدرجات مختلفة اذا تغلبت الارادة الشريرة لداعش، بمعاييرها القروسطية وهمجيتها، وهو امر ممكن بسبب قدرتها على ارتكاب الفظاعات دون رادع.
ومازالت قوات التحالف الدولي تقصف مواقع "داعش" على مسافات قريبة من سد الموصل، ما يعني انها لن تتخل عن رغبتها باستعادة السيطرة على السد، واظن انها لو تمكنت من ذلك فلن تنسحب او تجبر على الانسحاب دون الاضرار المتعمد بالمنشأ امعانا بايقاع اوسع الخسائر بالمدنيين والبنى التحتية الضامنة لوحدة البلاد.
بالوقت نفسه تواصل "داعش" محاولات السيطرة على سد حديثة على نهر الفرات، بعد ان سيطرت على سدة الفلوجة في نيسان الماضي، واخرجتها من وظيفتها التشغيلية،حيث اغرقت آنذاك مساحات زراعية شاسعة في شمال وغرب بغداد، وهي مناطق ستشهد في المواسم المقبلة عطشا وجفافا بسبب توقف السدة عن اداء وظيفتها التشغيلية في ارواء تلك الاراضي.
ثالثا:
شنت "داعش" ايضا اكثر من هجوم مكثف في سوريا للسيطرة على سد الطبقة على الفرات، وهو اكبر سد في سوريا بسعة خزنية تزيد على (11) مليار متر مكعب، ويتحكم الى درجة كبيرة بجريان الفرات الى العراق، لكن تلك الهجمات فشلت للآن في تحقيق اهدافها، بالرغم من ان احتمال السيطرة على السد والتحكم بنهر الفرات مازال قائما.
"فداعش" قد راهنت على عوامل عديدة منها استمرار تدفق المقاتلين والاموال، وانفتاح الحدود الدولية وبيع النفط في الاسواق الدولية، ودعم بعض الاقطاب الاقليمية، مقابل انشغال الدول المعنية باحداث داخلية ناتجة عن الفشل في انجاز مستحقات مرحلة الانتقال من الدكتاتورية الى الديمقراطية، ولا يبدو ان هذا التنظيم الارهابي عابئا بالتحالف الدولي، او بأعداد وحجم الدول المنخرطة فيه، ولا كثافة القصف الجوي على مواقعه، او التحول - المعلن على الاقل- في خطاب او مواقف اطراف كانت تعتبر داعمة له او صامتة عن افعاله، بل هو يواصل زحفه نحو مدن ومواقع ومنشآت كبيرة على الارض، كما يحصل في مدينة عين العرب (كوباني) امام الانظار، او في استعداده الدائم ومحاولاته المتكررة للسيطرة على مصفى بيجي، اضافة الى اصراره على اصدار وتطبيق نظم وتعاميم دولته المزعومة في المدن والقرى الواقعة تحت سيطرته.
رابعا:
لقد تمكنت القوات العراقية، وبمساندة السكان، من صد الهجمات المتوالية الرامية للسيطرة على مناطق اعالي الفرات في العراق وبضمنها سد حديثة، لكن "داعش" لاتزال على مسافة خمسة كيلومترات من السد، وهي تشكل - دون شك- خطرا داهما على سلامة السد، وان لم تلحق بها هزيمة عسكرية ساحقة وسريعة فان خطر تحطيم منظومة الري على الفرات يبقى قائما، وخاصة في مفاصل المنظومة الرئيسة ومنها سدة الرمادي، ونواظم التحكم بالجريان الى بحيرة الحبانية والتصريف منها، سواء الى نهر الفرات او الى بحيرة الرزازة، اي من خلال نواظم الورّار والذبان والمجرّة على التوالي.
فسد حديثة الذي يقع الى الشمال قليلا من مدينة حديثة الفراتية، بنحو270 كم شمال غرب العاصمة، هو ثاني اكبر سد في العراق بسعة خزنية تقدر بنحو 8 مليار متر مكعب، وذلك بعد سد الموصل الذي تزيد سعتها لخزنية على (11) مليار متر مكعب، وقد تزامن انشاء سد حديثة مع انشاء سد الموصل في الثمانينيات، ودخل المنشآت مرحلة التشغيل في وقت متزامن ايضا في العام 1986 واصبحا جزءا رئيسا من منظومة الري العراقي التي تضم منشآت كبرى على النهرين، والتي كانت تعتبر منظومة محكمة وانجازا هندسيا رائعا للعراق، الى ان تكشفت بعض نقاط الضعف والهشاشة فيها اثر ثلاثة عوامل رئيسة: اولها اجراءات دول الجوار في بناء سدود كبرى داخل حدودها ادت الى احداث شحة شبه دائمة في العراق، وثانيها التغيرات المناخية واحترار سطح الارض، وثالثها الهجمات الارهابية "لداعش" وابرزها سيطرة "داعش" على سدة الفلوجة وسد الموصل ومحاولاتها المستمرة الآن للسيطرة على منشآت اخرى.
خامسا:
ان لجوء "داعش" الى استخدام المياه كسلاح في حربها ضد حكومة وشعب العراق، يمثل ثاني محاولة سجلت في تاريخنا الحديث في استخدام هذا الاسلوب المحرم، ولم يسبقها بذلك سوى نظام صدام عندما لجأ الى تجفيف الاهوار العراقية في التسعينيات لتحقيق اهداف امنية -عسكرية ضد شعبه، وهذا بالتالي موضع ادانة بل جريمة ضد الانسانية وانتهاك صارخ للقانون الدولي الانساني.
ان احتلال الموصل والمدن الاخرى واستخدام اساليب القتل والبطش والتهجير والاستيلاء على الممتلكات بحد ذاته شكل تهديدا لحياة ملايين الناس، فضلا عن ان التحكم بمصادر المياه، وتحطيم نظم الري المعتادة يتسبب في افقارهم، وفعلا فان الاحصائيات الاخيرة تشير الى دفع نحو ثلاثة ملايين مواطن الى مادون خط الفقر ليبلغ 30بالمئة من سكان العراق بعد ان كان بحدود 18بالمئة قبل الهجوم "الداعشي" .
------------------------------------------------------------
• سفير ورئيس دائرة حقوق الانسان في وزارة الخارجية
 

هبوط أسعار النفط: حرب اقتصادية أم عرضٌ وطلب؟

بقلم: عامر محسن
تتداخل الآليات لقراءة ما يحصل حالياً في سوق النفط...... هبط سعر نفط غرب تكساس يوم الخميس إلى ما دون عتبة الثمانين دولاراً للبرميل، للمرّة الأولى منذ أعوام. ما بدا أنّه "انهيار" متواصل في سعر النفط العالمي ولّد كثيراً من التحليلات التي تُرجع هذه الحالة إلى قرار سياسي – اتّخذته واشنطن وتنفّذه السعودية - بضرب اقتصاديات روسيا وإيران عبر تقليص إيراداتهما النفطية. فهل من صحّة لهذه الادّعاءات؟
هذا التعليل "السياسي" لأزمة الأسعار جاء في العديد من التقارير، روسية وغربية، ذكّرت بانهيار السوق النفطية عام 1986 ودور المملكة السعودية في ضرب سعر النفط الخام عبر الرفع المفاجئ للإنتاج، وهو ما يعتبره العديد من المؤرخين اليوم استراتيجية أميركية التصميم نجحت في خنق الاتحاد السوفياتي وإسقاطه، إذ كانت العائدات النفطية مورده الأساسي للعملة الصعبة.
في آذار الفائت، كتب ابن رونالد ريغان، مايكل، مقالة على شكل رسالة موجهة إلى الرئيس الحالي باراك أوباما، يذكّره فيها بفعل والده، راوياً أن الرئيس الأسبق قد ذهب إلى السعوديين في الثمانينيات، وطلب منهم إغراق السوق. وقد أوصى ريغان الابن باعتماد استراتيجية مماثلة ضد بوتين: "إن كان رئيسنا يريد جدياً أن يبتعد بوتين عن أوكرانيا، وأن يفكّر مرتين قبل أن يباشر بإعادة بناء الإمبراطورية السوفياتية، فعليه اتباع قاعدة ريغان. عليه أن يضيّق الخناق الاقتصادي على روسيا الأم، وأن يفلسها، إلى أن تصير عاجزة عن شراء ثيابها الداخلية".
حقيقةً، فاجأت السعودية السوق حين أعلنت، في غمرة انزلاق الأسعار عن متوسطها الذي كان يفوق مئة دولار خلال السنوات الماضية، عن حسومات في عقود البيع، بمعنى أن نفطها سيعرض بأقل من السعر العالمي بدولارٍ واحد في البورصة الآسيوية، و45 سنتاً في أميركا؛ وهو ما أسهم في التراجع السريع للأسعار الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ أعوام، مع تقارير تتنبأ باستمرار الانخفاض وديمومته، وتتكلم على قعرٍ دون سبعين دولاراً قد يستقر عليه برميل النفط الخام في نهاية المطاف.
لماذا لسنا في 1985؟
من الممكن عقد مقارنات تاريخية بين الوضعية الحالية وسيناريوات سابقة، لكن ليس من بينها حالة التدخل السعودي في السوق النفطية في أواخر 1985، الذي أدى إلى الانهيار الكبير في الأسعار. ما حدث عام 1985 هو أنّ إنتاج الـ"أوبك" ارتفع بأكثر من أربعة ملايين برميل في غضون أشهر، وقد جاء جلّ هذا الإنتاج الإضافي من السعودية والكويت والإمارات.
ما زال النقاش التاريخي قائماً حول دوافع حلفاء أميركا إلى رفع الإنتاج وتجاهل حصص الـ"أوبك" المقرّرة، وما إذا كان القرار اقتصادياً بحتاً أو استراتيجية سياسية في إطار الحرب الباردة، فرضتها واشنطن ونسقتها بين حلفائها. بغض النظر عن حقيقة الأمر، إنّ ما سمح للسعودية أصلاً بأداء ذاك الدور، كان يتعلّق ببنية معيّنة للسوق النفطية فرضتها أحداث عقد السبعينيات، وهي لم تعد موجودة اليوم.
منذ ارتفاع أسعار النفط عام 1973، أدّت "أوبك" دور الناظم للسوق، وهو ما عنى فعلياً أنّها حافظت على "احتياط إنتاجي" بملايين البراميل، أي قدرة إنتاج غير مستخدمة تسمح بتنظيم التوازن بين العرض والطلب حينما تدعو الحاجة إلى ذلك. بحلول أوائل الثمانينيات، كان الاحتياط الإنتاجي العالمي هو فعلياً احتياط "أوبك"، بينما المنتجون خارج المنظمة (كأميركا وكندا وروسيا) يضخّون النفط بالقدر الأقصى الذي تسمح به احتياطاتهم، بغض النظر عن حالة الأسعار.
أكثر الاحتياط الإنتاجي كان فعلياً في يد السعودية التي خفضت تصديرها النفطي إلى حدٍّ كبير، منذ أواخر السبعينيات، بهدف الحفاظ على الأسعار. فقد كان هناك خلافٌ بين السعودية و"أوبك" حول الوسيلة المعتمدة لضبط السوق: كانت "أوبك" تحبّذ التحكّم بالإنتاج وخفضه ورفعه عبر "حصص"، بينما السعودية رفضت هذا الأسلوب وارتأت الدفاع عن سعرٍ معيّن بدلاً من التحكم بمستوى العرض، أي إنها كانت تعرض النفط في البورصات العالمية بالسعر الذي تعتبره مناسباً، ولا تنتج إلا بمقدار الطلب الذي يجيئها على أساس تسعيرها، وهو ما خفض الإنتاج السعودي من أكثر من 10 ملايين برميل في أواخر السبعينيات إلى أقل من ثلاثة ملايين برميل عام 1985.
هذا الفارق بين القدرة الإنتاجية والإنتاج الفعلي (وقد بلغ أكثر من ثمانية ملايين برميل في حالة السعودية أواسط الثمانينيات) يمثّل "القدرة الاحتياطية"، وهو ما جعل السعودية في موقعٍ يخولها ضرب سوق النفط بمجرد أن تقرر فتح مواسير الإنتاج على آخرها، كما حصل في أواخر 1985، وهو أيضاً ما سمح لها باستبدال الإنتاج الكويتي والعراقي معاً، عام 1990، رافعةً إنتاجها من جديد إلى حدود 9 ملايين برميل يومياً، وهو مستوىً حافظت عليه إلى اليوم. هذا ما سهّل على أميركا خوض حرب الخليج عام 1991 بلا ضغوط من أسواق الطاقة، وعزل صدام حسين بالكامل والتخلي عن إنتاجه النفطي، والإعداد لحربٍ على العراق لفترةٍ تقارب السنة من غير أن تتأثر السوق.
اليوم صار الوضع مختلفاً بالكامل، فالسعودية لا تملك قدرة إنتاجٍ فائضة، وهي لن تقدر على إغراق السوق بالتصدير الإضافي، بل إن العديد من الخبراء يرون أن إنتاج السعودية في الأعوام الأخيرة يماثل – أو يقارب – قدرتها القصوى على ضخّ النفط من أرضها. في الحقيقة، لعل التغيير الأهم الذي طرأ على سوق النفط منذ التسعينيات يتمحور حول هذه النقطة تحديداً: فقدان "أوبك" لهامش المناورة الإنتاجي الذي كانت تملكه (بعد سنوات من الخلاف على الحصص بين الأعضاء)، ما جعل تدخّلها في سوق العرض ينحصر ضمن حدودٍ دنيا، فهي تعرف جيداً أنّها لن تتمكن من حيازة موافقة أعضاء المنظمة على خفوضات جدية وضبط سلوكهم.
عناصر الإنتاج اليوم
إذا انطلقنا من واقع أن السعودية لا تملك التأثير نفسه على الأسواق الذي كانت تتمتع به في الماضي، فما الداعي إلى انخفاض الأسعار على النحو الذي يجري حالياً، وبوتيرة تفوق كثيراً الركود النسبي الذي تشهده البورصة النفطية عادة خلال فصل الخريف؟ إن كانت هناك وضعية تاريخية تشابه الحال اليوم، فهي فترة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حين دفع الارتفاع الكبير في الأسعار خلال العقد السابق إلى تضخّم الإنتاج الغربي، واستغلال موارد وحقول كانت تُعَدّ "صعبة تكنولوجياً" أو غير اقتصادية في ظلّ الأسعار المنخفضة. منذ أواخر السبعينيات، بدأ نفط آلاسكا وبحر الشمال بالدخول بقوّة إلى سوق النفط، ليعوّض النمو في الطلب العالمي ويسبب "طفرة" في العرض أدّت، تدريجاً، إلى كسر الارتفاع المستمر في السعر العالمي وإدخال السوق في ركودٍ استمرّ حتى نهاية الألفية.
ارتفاع الأسعار منذ عام 2003 ولّد، هو الآخر، قفزةً مشابهة في الإنتاج الغربي، وقد جاء جلّه هذه المرّة من "المصادر غير التقليدية"، تحديداً النفط الصخري والرمول النفطية وباقي أصناف النفط الثقيل الذي كان يُعَدّ، إلى أمدٍ قريب، عصياً على الاستخراج أو غير اقتصادي. إثر استغلال هذه الموارد الجديدة الذي أتاحته - إضافة إلى ارتفاع الأسعار - وسائل تكنولوجية جديدة تسهّل استخراج النفط الثقيل والعالق في الصخور الجوفية، انعكس مسار الإنتاج الأميركي، الذي كان يتناقص باطّراد منذ السبعينيات، حتى وصل إلى 5 ملايين برميل يومياً (عام 2008)، ليرتفع اليوم إلى ما يفوق 8.5 ملايين برميل، والتوقعات تنبئ بأن يصل الإنتاج إلى أكثر من 9.5 ملايين برميل يومياً عام 2016. كلّ الإنتاج الإضافي، تقريباً، جاء من النفط "غير التقليدي".
هذا الارتفاع في الإنتاج الأميركي، إضافة إلى عودة العراق إلى السوق، وظهور منتجين كبار جدد في أفريقيا (كأنغولا)، ورفع التصدير الروسي إلى مستوىً يقارب إنتاج الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة، هو ما أغرق السوق اليوم. وقد جاءت هذه العوامل مقرونة بركودٍ اقتصادي عالمي منع السوق الآسيوية (وهي السوق الوحيدة التي تتوسع بوتيرة كبيرة هذه الأيام) من النمو كما في السنوات الماضية وابتلاع الفائض.
اللعبة السعرية
ما لا ينتبه إليه العديد من الكتّاب الذين يقصرون تحليلهم للأسعار على النيات السياسية، هو أنّ تسعير النفط ينطوي على معادلات معقّدة وحدود قد يؤدي تجاوزها إلى نتائج عكسيّة. هناك دائماً عتبات سعريّة تؤدي إلى تحوّلات بنيوية في السوق إذا ما تأرجح سعر النفط بشكل كبير، صعوداً أو نزولاً.
أهمّ هذه العوامل يتعلّق بكلفة استخراج النفط الثقيل، فإن كانت كلفة استخراج برميل النفط في السعودية لا تتعدى 3 دولارات، فإنّ تحفيز النفط العالق في الصخور الجوفية، أو تسخين الرمول النفطية لتسييلها، هي مهمات مكلفة للغاية، وتعتمد على عملية صناعية تستهلك الكثير من الطاقة والموارد. لهذا السبب، إنّ انخفاضاً حادّاً – ومستمراً - في أسعار النفط قد يؤدي إلى إخراج هذا الإنتاج من السوق وانهيار عددٍ كبير من شركات الاستخراج التي تموّل مشاريعها عادة عبر الدين والقروض، والتي افترضت أسعاراً للطاقة تتجاوز مئة دولار.
بحسب شركة "ماكنزي" للاستشارات، إنّ أغلب منتجي النفط الصخري في أميركا يحتاجون لسعرٍ يفوق 75 دولاراً للبرميل لإبقاء مشاريعهم رابحة. وتقول مصادر في صناعة الطاقة إنّ تقليص الاستثمار سيبدأ، إلى جانب إيقاف الآبار القليلة الإنتاج، ما إن تهبط الأسعار دون عتبة 85 دولاراً. لكن قبل أن يصل هذا التأثير إلى أميركا، إنّ أول من سيشعر بالأزمة سيكون النفط الكندي الثقيل. مشكلة النفط الكندي "غير التقليدي" لا تقتصر على كلفة إنتاجه العالية، بل كلفة نقله أيضاً: إذا كان نقل النفط من الخليج العربي يزيد 3 دولارات على سعر البرميل، فإنّ نقل النفط من غرب كندا يستلزم ما بين 12-15 دولاراً. هذا يعود أوّلاً إلى أنّ الإنتاج يجري في مناطق داخلية بعيدة عن السواحل وموانئ التصدير، وثانياً، إلى أنّ النفط الكندي المستخرج من الرمول والاسفلت هو ثقيلٌ وكثيف، يستلزم قدرة ضخّ كبيرة حتى يسافر لآلاف الأميال في الأنابيب وصولاً إلى خليج المكسيك أو الساحل الشرقي للولايات المتحدة. أخيراً، إنّ هذا النفط يباع أصلاً بسعرٍ أدنى من غيره – بسبب نوعيته الرديئة – وهذا "الخصم" يزيد بشكلٍ كبير كلما ضعف السوق وزاد العرض (وصل إلى ما يقارب عشرين دولاراً على البرميل العام الماضي).
بهذا المعنى، هناك حدودٌ معيّنة لانخفاض الأسعار يبدأ بعدها الإنتاج بالتراجع، بدءاً من الحقول الأكثر كلفة والأبعد عن أقاليم الاستهلاك، ما يقلب الدينامية من جديد ويخفف الضغط على السوق. لهذا السبب، يعتقد بعض الخبراء أنّ هدف السعودية هو إبقاء النفط ضمن "حدودٍ مناسبة"، تحدّ من زيادة العرض من غير أن تهزّ الأسواق وتهدد شركات الطاقة في الغرب.
في الثمانينيات، كانت استراتيجية السعودية تقوم على الدفاع عن السعر، وهو ما تخلّت عنه حين رفعت مستوى التصدير بشكلٍ كبير في أواخر 1985. اليوم، انتقلت السعودية إلى الدفاع عن الحصة السوقية فهي، عبر التنزيلات على عقود التصدير، تحجز مُشترين مضمونين لإنتاجها الضخم. في الثمانينيات، كانت السعودية تقول للمنافسين إنها قادرةٌ على قهرهم عبر احتياطها الإنتاجي، إذ لم يؤثر انهيار الأسعارعلى عائداتها الإجمالية (انخفض السعر إلى النصف تقريباً، لكن الإنتاج السعودي، بدوره، قد تضاعف). رسالة السعودية اليوم، إلى الأسواق والمنتجين، هي أنّ نفطها هو الأكثر تنافسية في العالم، وأنها آخر من يتأثر بهبوط الأسعار، وهي - إذاً - ستحرص على بيع نفطها أوّلاً بغض النظر عن حالة السوق.
-----------------------------------------
*دوليات- العدد ٢٤٢٢ السبت ١٨ تشرين الأول ٢٠١٤