الأحد 26 نيسان/أبريل 2015
TEXT_SIZE

عن الثقافة العربية وكيفية احياء دورها الحضاري

للثقافة معنيان متمايزان، لكنهما متواصلان: أحدهما عام والآخر ذو مدلول محدد. في المعنى العام نقصد بالثقافة عموم خبرة المجتمع، الحاضرة والموروثة: أي النمط الكامل لحياة المجتمع، بما في ذلك لغته، أدبه، فنونه، نمط عيشه، سلوكه الاجتماعي، ترتيبه لأولوياته، وطريقة تعامله مع قضاياه واهتماماته.
 بهذا المعنى العام نستطيع القول أن كل مجتمع وطني، كبير أو صغير، يعيش ثقافة خاصة به، بصرف النظر عن جدارة ثقافته، وأن هناك مئاتا من الثقافات عبر العالم تتمايز عن بعضها في الموروث من الخبرات والعقائد والأعراف، وتتفاوت في حاضرها بمقدار استقرارها الاجتماعي، نضجها السياسي، انضباطها الخلقي، ومحصولها من المعرفة ومهارات التنظيم والإنتاج.
بهذا المعنى أيضا تشكل الثقافة أحد أهم المكونات الخمس لهوية المرء، إلى جانب الوطن، الدين، العرق، التخصص المهني. على أن الثقافة والعرق هما الأدل على الهُوية، كونهما الأعمق جذرا في تكوينها، فقد يستبدل امرؤ، إذا ما شاء، وطنا بوطن، دينا بدين، مهنة بأخرى، لكنه لا يملك أن ينسلخ من ثقافته أو عرقه بمجرد أن يريد.
أما المعنى الآخر للثقافة فيدل تحديدا على نصيب موفور من المعرفة والتهذيب، يتحلى به شخص ما فنقول عنه أو عنها أنه أو أنها شخص مثقف. في النسق نفسه، عندما نعهد في شخص ما تميزاً معرفيا وخلقيا، نقول أنه أو أنها على ثقافة عالية. من ذلك تتضح لنا مفارقة ظريفة: مع أننا بالمعنى العام للثقافة نستطيع القول أن لكل مجتمع ثقافة، في المعنى الآخر لا نستطيع القول أن كل فرد ضمن أيما ثقافة شخص مثقف. هذه الثنائية في معنى الثقافة نجد ما يوازيها في اللغة الإنكليزية: فكلمة culture تعني خبرة المجتمع ككل، كما تعني الوفر المعرفي والصقل الخلقي على صعيد الأفراد.
*من هو المثقف؟
هو الشخص الذي يمتلك قدرا وافيا من المعرفة بقضايا العصر، وطنية وعالمية، بحيث يستطيع أن يكوّن رأيا حصيفا إزاء ما يهمه منها، وأن يعبر عن رأيه ويدعو اليه الآخرين إذا شاء. لا يكون المثقفون بالضرورة على توافق في آرائهم، كما لا يكون جميعهم على نفس درجة الاهتمام والالتزام بالقضايا العامة. لا ضير ولا غرابة في ذلك، فللناس رؤاهم، والمثقف كأي واحد منهم، مواطن حر، إذا شاء أسهم في قضايا مجتمعه، وإذا شاء عزف.
*ما علاقة الثقافة بالحضارة؟
من نظرنا في التاريخ لا نجد حضارة إلا أنها نشأت وليدة ثقافة حية استثرت ذاتيا بتقدم معرفي، بمراس على التنظيم، بوفر في الإنتاج، وبرقي في الأخلاق. بهذا المعنى، الثقافة أم الحضارة، لكننا نجد البنت َسرعان ما تتفوق على الأم عندما الحضارة، بأفق أوفى وأشمل نظرا في الشأن الإنساني، تتجاوز إطار الثقافة التي خرجت من رحمها بادئ الأمر. هكذا تحصل في الخبرة العربية الإسلامية عندما تحضرت الثقافة العربية بالإسلام، ولاحقا استقبلت معارف حضارات أخرى، معاصرة وسابقة. هكذا تعدت الثقافة العربية حدود ذاتها وأنجبت حضارة الإسلام.
*ما العلاقة بين الثقافة العربية والقومية العربية؟
العروبة قومية ثقافية بقدر ما هي ثقافة قومية، لذا نفي وجود القومية العربية، كما نسمع ادعاء ذلك أحيانا من البعض، في الحقيقة نفي لوجود الثقافة العربية التي ارتبطت بها ولا تزال هوية الإنسان العربي، داخل الوطن العربي وفي المهجر.
في واقع الحال المتشخص بالقومية العربية متشخص بالثقافة العربية، والعكس صحيح، بصرف النظر عن فارق عرق أو دين أو لون أو منشأ وطني. ذلك أن العروبة يوم أن تحضرت بالإسلام خفضت العرق وأعلت الأخوة في الدين والتماثل في الخلق، شجبت التفاضل بالمال والجاه والسلطة، وباركت التمايز بالتقوى والعلم وخدمة الناس. إثر فتح مكة، أعلن النبي العربي الفصم بين الماضي الجاهلي المؤكد عصبية العرق، والحاضر الإسلامي المؤكد كرامة الإنسان، فدعا قومه إلى ترك الاستعلاء بالنسب، وأصّل بينهم المساواة. قال مخاطبا قوما ما عرفوا قبلاً سوى العصبيةَ القبلية قاعدةً للحياة: "يا معشرَ قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب".
بذلك أخرج نبي الإسلام قومه من عروبة عرق ونسب قبلي إلى عروبة ثقافة رحبة، متوائمة مع عالمية الإسلام وإنسانية مقاصده. بذلك أهّل العروبةَ لتكون الثقافة المركزية في الإسلام، لتكوّن أمة وسطا شهيدة على نفسها وشاهدة على الناس، ولتسلك بذلك مسلكَ القدوة بين الأمم. قبل ذلك وصف القرآن الكريم نفسه مكررا بعربي، لا انتساباً لعرق، وإنما اتصافاً بثقافةٍ شرحة بليغة خيرة.
*هل نحتاج لاستراتيجية ثقافية؟
نعم نحتاج. ذلك لأن حفظ الثقافة بالنسبة لنا يعني حفظ الهوية الوطنية والقومية بسواء. من هنا ضرورة أن يكون لدينا عملا نشطا وهادفا لأجل تعزيز الارتكاز الثقافي وتوطيده. من أهم استحقاقات المرحلة الراهنة، على ما أرى، تأصيل ثقافة المعرفة في خبرتنا الوطنية، بمعنى إحداث حراك ثقافي يعرّض أفقنا الفكري، ينمّي رصيدنا المعرفي، يطور قدراتنا العملية، ويمكننا من إنجاز تقدم كمي ونوعي معا في ترادف واتساق. ذلك يعني تأصيل المعرفة كقيمة متصدرة بين القيم التي نعتد بها، نحتكم إليها، ونستبصر بمعطاها في تدبير ما يعنينا من شؤون عامة وخاصة. بذلك نولي ثقافتنا الوطنية - الموصولة طبعا بالثقافة العربية عبر الوطن العربي الكبير - وجهة معرفية تتطور بها مع الزمن إلى ثقافة معرفية بامتياز، قادرة على دعم تنمية وطنية إنسانية، جامعة ومستدامة. إجمالا، أرى أن يكون التركيز الثقافي، وطنيا وعربيا، على الأبعاد التالية:
البعد الفكري: لأجل ضمان سلامة منهجية التفكير
البعد المعرفي: لأجل إنماء ثقافة المعرفة
البعد الاقتصادي: لأجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع بترادف واتساق
البعد الخلقي: لأجل تأكيد ضرورة الاستقامة في الحياة
البعد الإصلاحي: لأجل تفعيل التوجه الإصلاحي كواجب وطني مستدام
البعد العروبي: لأجل تعزيز الثقافة العربية بمضمونها الحضاري
البعد الإنساني: لأجل تأكيد المشترك الإنساني عالميا
*ماذا يتطلب العمل لأجل تفعيل هذه الأبعاد في الثقافة العربية؟
يتطلب وعيا جماهيريا بأهمية الثقافة كحاضنة جامعة ترتبط بها الهوية الوطنية والقومية معا. يتطلب رعاية من الدولة من حيث توفير ممكنات النماء الثقافي. يتطلب إسهاما فاعلا من المثقفين من خلال أعمالهم الأدبية والمعرفية وعموم نشاطاتهم المدنية. يتطلب غرسا مبكرا من خلال المناهج التعليمية لتنشأ الأجيال مثمنة ثقافتها العربية الإسلامية التي شكلت تاريخيا ولا تزال إحدى أثرى الروافد في تنظيم الشأن الإنساني وترشيده عبر العالم.
* ثورة ثقافية؟
لا أراني مائلا إلى خيار الثورة من أي نوع للتعامل تصحيحيا مع أيما شأن وطني. الثورة قلما تكون مأمونة العواقب، بل إنها في الأعم تتلف أكثر مما تفتح مجالا للتعمير. ذلك أن الإتلاف سهل، أما الإعمار فشاق ومكلف. تجارب العالم العربي بالثورات مريرة ومخيبة على امتداد الحقب الأخيرة. الأجدى أن نثابر بإصرار على مسار الإصلاح بمنهجية مؤسسية تطويرية مستدامة. خير أن نتقدم حثيثا ضامنين سلامة ما ننجز من أن نخاطر بفورة ثورية يصعب التحكم في مسارها ودرء ما قد تحدث من تلف. من دروس التاريخ الحديث: الثورة الثقافية في الصين على امتداد عقدٍ بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي ألحقت بالبلاد أفدح الأضرار. من بعدها نهجت الصين نهجا تطوريا في الإصلاح.
* تأثير وتأثر الثقافات المختلفة في سياق التطور المرتقب
في سياق التطور الحضاري الذي أرصده عبر العالم أرى توجها متسارعا نحو مماثلة مؤسسات الحكم وأطر حقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة من جهة، ومماثلة أنماط العيش والإدارة والإنتاج والتجارة والتعليم وسواها من مرافق الحياة، من الجهة الأخرى: اجمالا، أرى عولمة بامتياز. من ذلك أستشرف تبلور حضارة عالمية ذات معايير ومواصفات إنسانية موحدة، تتناغم تحت سمائها سائر الثقافات بفاعليات متفاوتة بمقدار ما تمتلك كل ثقافة من عناصر التقدم وقدرات التأثير. من هنا أرى فرصة أمام مختلف الثقافات، من خلال إسهامات إيجابية وفاعلة، أن تجعل حضارة الغد حضارة جامعة، راسية في مبادئ وقيم أخلاقية عالمية، وملتزمة بمقاصد عليا تخدم الشأن الإنساني بأسره، كما في مجالات ضمان حقوق الإنسان، حفظ الأمن، نشر العلم، تحقيق اليسر المعيشي، حفظ البيئة الطبيعية، توفير العناية الصحية، وسواها من الأمور الحيوية التي تسعى لتحقيقها في أوطانها سائر الشعوب.
إجمالا، أطمح أن أرى حضارة الغد حضارة إنسانية بامتياز: رحبة ونبيلة، مستوعبة وراعية لتنوع خبرات الشعوب. فمع أن الحال الإنساني في جوهره حال واحد، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، حال يصلح بذات الأسباب ويفسد بذات الأسباب مهما كانت الفوارق الثقافية، إلا أن خبرات الشعوب تتنوع، وفي التنوع تكامليا إفراز لخير ما يمكن أن يحققه الإنسان على مدرج الارتقاء. إن تاريخ الحضارات، من حيث نهوض كل حضارة بدفع من حضارة سبقتها أو زامنتها، يشهد لمثل هذا التدافع الإيجابي المستدام بين الأمم.
الثقافة العربية، بمركزية موقعها في حضارة الإسلام، تأتي بمخزون حضاري وفير يؤهلها أن تشكل رافدا عظيما من روافد حضارة الغد الجامعة، لكن هذا لن يتأتى من حال الركود العربي الراهن. لكي يكون للثقافة العربية إسهام جدير في حضارة الغد لا بد لأهلها أن يحدثوا أولا تحولا ذاتيا في ثلاثة أمور حيوية:
- عليهم أن يتضامنوا فيطوروا مجتمعا عربيا متواصلا، متكاملا ومتعاونا في تفعيل شتى إمكانات الحياة الإيجابية، ومن ثم أن ينجزوا تنمية إنسانية شاملة ضمن الأوطان وعبر الوطن العربي الكبير.
- عليهم أن يرتقوا إلى نظام ديمقراطي واف وشفاف، نظامٍ قائم وضوحا على مبدأ المشاركة العامة في صنع القرار العام.
- عليهم اقتباس معارف العصر، ومن ثم إنماؤها ذاتيا، وانتهاج المنهج المعرفي في تدبير الشأن الوطني والقومي بأفضل ما يستطاع، وعمل هذا كله بتواؤم مع المشترك الإنساني الذي ينبغي أن تنتهي إليه وتصب في إنمائه الإسهامات البناءة من نتاج جميع الثقافات.
* دور المثقفين العرب في إحياء الثقافة العربية
إحياء ثقافة أيما أمة لا يكون خارج إطار إصلاح وإنماء وضع تلك الأمة ككل، وإنما يأتي شقا حيويا من برنامج الإصلاح والإنماء. لقد جاء تراجع الأمة العربية وانحسار ثقافتها ضمن تراجع الخبرة الإسلامية عامة، وجاء مُسبَبا بأربع: بتجزؤ الوطن، بهجر الشورى، بالانصراف عن الاجتهاد المعرفي، وبالاختصام الداخلي. إعادة بناء وضع الأمة وإحياء ثقافتها يتطلب نقضا لعناصر التراجع تلك: يتطلب تحديدا توجيه الأوطان والأمة ككل وجهة التضامن والحوكمة الرشيدة والتقدم المعرفي والوئام الاجتماعي. ذلك بدوره يتطلب ريادة تاريخية فائقة من المثقفين العرب، بل وتثبتا شجاعا في الصدق والصبر واللاعنف، مع الاستعداد طردا لبذل جهد جهيد ومديد.
العروبةُ ثقافةٌ ثرةٌ خيرة: في طيها سمين أكثر كثيراً من زبد، طيب أكثر كثيراً من غث، صالح أكثر كثيراً من طالح. حريٌ بهذا السمينِ والطيبِ والصالحِ أن يُستظهر، وخليق بعرب هذا العصر أن يدَعوا الزبَدَ والغث والطالح ويُعنوا تحديدا بما يصلح ويفيد. لا تتقدم ثقافة، بل لا تتعافي، دون أن تتجاوز سلبيات ماضيها، ودون أن تستحضر إيجابياتٍ انبنتْ فيها من قديمٍ، فتحي تلك من جديد. ولو أن كل جيل آثر قعودا قي ماضيه على نهوض في حاضره وطموحِ صعودٍ في مستقبله، لما خطت أمةٌ خطوةً إلى الأمام.
============================
*صادق جواد سليمان، سفير عُماني سابق في واشنطن وطهران، والمنشور أعلاه هو من نص مقابلة في العدد الأول لمجلة "شرق-غرب" العمانية: عدد يوليو/أغسطس 2014. المجلة شهرية ثقافية تصدر في مسقط عن دار "زوايا للصحافة والنشر". أجرى المقابلة مدير تحرير المجلة، عقيل بن عبد الخالق اللواتي.
  

الجهد الوطني في خدمة الخطط الإستباقية لقطاع النفط والغاز

بقلم: د.ثامر العكيلي

 مهداة الى الدكتور حيدر العبادي متمنيا له النجاح
يمر العراق بمرحلة صعبة من تأريخه الحديث لبناء بلد ديمقراطي في ظروف تتكالب عليه شراذم أجنبية متخلفة مدعومة من بقايا النظام السابق، ومثلما يجب إستخدام الخطط العسكرية الإستباقية لدحر العدو وتفويت فرص المفاجئة عليه, تحتاج إدارة الدولة الى تبني الإستباق في كل شيئ وعلى رأس ذلك إدارة عصب الدخل القومي قطاع النفط والغاز.
وكما حدث غداة حرب الخليج الاولى في حملة الإعمار بالاعتماد على الجهد الوطني, مع إختلاف الظروف, فان كوادر قطاع النفط يمكنها عمل الكثير الان اذا توفرت القيادة الكفوءة والدعم الحكومي ووضوح الخطط. فاذا كان عامل الخوف من السلطة السابقة سببا ساهم في نجاح حملة الإعمار في وقته فان الحس الوطني وعامل الخطر الحالي المهدد الاكبر لوحدة واستقرار العراق كفيل بتحقيق نتائج أفضل لإعداد وتنفيذ الخطط الإستباقية التي سنقترحها في هذا الإستعراض المطروح لتبادل وجهات النظر ثم إنضاجه عبر ندوة تعقد لهذا الغرض في أقرب فرصة ممكنة, علما بأن الدعوة مفتوحة لمن يرغب باقتراج الاضافة والتعديل في الوقت الحاضر**.
من يخطط....؟
تُشكل هيئة من الكفاءات العراقية ذات الخبرة والدراية، يتم إختيارها بعيدا عن المحاصصة وفق الاسلوب الاتي:
1- يتم اختيار خمسة خبراء من قبل رئاسة الوزراء تكون "النواة" لإستكمال تشكيل الهيئة بعد اختيار/ ترشيح عشرين خبيرإضافيا. يتم إختيار رئيسا ونائبي رئيس لها.
2- تضم "الهيئة" خبراء ممن اشتغلوا في:
قطاع النفط والغاز، (خبراء مكامن, انتاج, حفر, تصفية, توزيع منتجات و مشاريع)؛
الجهد الإستخباري؛
النقل العسكري و طيران ألجيش؛
مكافحة الارهاب؛
العمل البرلماني؛
وزارات الصناعة والكهرباء والري.
ترتبط "الهيئة" بمجلس الوزراء وتُعطى الصلاحيات إستنادا الى متطلبات الأمن الوطني في الظروف الحالية وتكون مهمتها الإعداد والإشراف على تنفيذ خطة طوارئ إستباقية لقطاع النفط والغاز. تراعى السرعة بتشكيل الهيئة والمباشرة بأعمالها ويؤمن الإتصال بخبراء النفط العراقيين ممن تركوا الخدمة ولديهم الإستعداد للعمل في الهيئة مدار ألبحث.
تنسق الهيئة مع السيد وزير النفط ووكلاء وزارة النفط وبقية الوزارات ذات العلاقة و تكون بعدئذ قراراتها، (أكثرية ثلتثي الاعضاء)، ملزمة التطبيق.
تعيد الهيئة النظر بخطة استراتيجية قطاع الطاقة الحالية بما ينسجم مع الخطوط العريضة للتوجّه الإستباقي المقترح في هذا العرض، وذلك بعد تشكيل فرق عمل في الوزارات المعنية لغرض التنسيق مع الهيئة.
تاثير الاحتقانات بين الكتل السياسية؛
يجب الإستفادة من الدروس التي تمخضت عن الخلافات السياسية بين الكتل والفئات المختلفة لتخطي الظروف الحالية.
دور الجهد الإستخباري والعسكري لتصنيف المناطق الآمنة؛
ينبغي الإستفادة من الدروس الأمنية التي تمخضت عنها الأعمال الارهابية و"العصيان المدني"، وإستشعار مستقبل الأوضاع الأمنية في عموم مناطق العراق لتقرير واقعية إعداد الخطط التي نتكلم عنها.
تحديد درجة أمان مناطق العمليات التي ستشمل بالخطط:
مناطق الدرجة الاولى: سيطرة كاملة للقوات الامنية و جهاز مكافحة الارهاب بدون خطر مستقبلي؛
مناطق الدرجة الثانية:سيطرة غير متكاملة؛
مناطق الدرجة الثالثة: مناطق قتال في طريق السيطرة عليها؛
مناطق الدرجة الرابعة:خارجة عن سيطرة الحكومة المركزية؛
أ: تحت سيطرة قوات البيشمركة؛
ب: تحت سيطرة متمردين.
المحاور الرئيسة المقترحة للخطط الاستباقية؛
أ: المنتجات النفطية
1- توفير المنتجات النفطية، "بما في ذلك الغاز ألسائل"، للإستخدام المدني والعسكري، (من المصادر ألمحلية والاستيراد)، بعد أن توقف مصفى بيجي وتعذر توفير الحماية اللازمة لخطوط نقل المنتجات في مناطق عدة في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من البلاد.
2- خزن المنتجات ونقلها الى مراكز الإستهلاك الرئيسة مع التنسيق اللازم لتأمين الحراسة لها:
بناء خزانات منتجات، (بما فيها "تحت الارض")، في مناطق أمينة و متفرقة من العراق؛
إعادة إعمار خط المنتجات بغداد- الزبير، وزيادة طاقة الضخ، إضافة الى إنشاء خط او خطوط اخرى.
ب: التصفية
1- الإسراع بتشييد مصفى كربلاء ، بمشاركة الجهد وطني، وبدء تجهيزه بالنفط الخام من حقول الكفل, غرب الكفل ومرجان (أسلوب المشروع الرائد كخطوة أولى)، أضافة الى إنجاز بناء مصفى ميسان والناصرية، مع تشييد مستودعات خزن كافية.
2- بناء بعض المصافي المتنقلة في أماكن متفرقة وقريبة من مراكز الاستهلاك الرئيسة.
3- ملء خزانات ومنشئآت مصفى بيجي بالماء والمواد الكيمياوية الحافظة؟ مصافي اخرى؟
ج: تطوير الحقول
التركيز على التطوير في المناطق الآمنة، (البصرة, ميسان, ذي قار وواسط)، وإعتماد الجهد الوطني أكثر ما يمكن:
1- اعادة النظر بمعدلات إنتاج الحقول المتعاقدعليها؛
2- دراسة توسيع منشئآت الإنتاج التجريبي في الحقول التي لازالت بيد وزارة النفط و إضافة حقول أخرى.
3- إيقاف تطوير الحقول في المناطق الساخنة : عكاز والمنصورية وبدرة؟
4- تطوير احتياطي النفط الثقيل في مكمن الفارس الاسفل في جنوب العراق وشمال الكويت وكذلك إمتدادات الحقول الى الكويت.
5- تطوير الحقول الحدودية المشتركة مع ايران بالاتفاق معها.
6- غلق آبار النفط في المناطق البعيدة أو التي تقع خارج خطط التطوير، وذلك بعد قفلها بطين الحفر وتغطية رأس البئر بقبة كونكريتية.
د: صناعة الغاز
1- إعادة إعمار شبكات الغاز.
2- إنشاء خط الغاز الوطني.
ه: مشاريع آمنة لتصدير النفط؛
1- إيجاد بديل جديد لمشروع ألخط العراقي الأردني، كأن يكون خط أنبوب في الأراضي الإيرانية المحاذية للحدود الشرقية، (تصريف نفوط حقول بزركان, أبو غرب, فكة, بدرة؟, حلفاية, حويزة و مجنون؟)
2- الاتفاق مع الكويت:
لإستخدام طاقة التصدير الفائضة عندهم.
تصدير الغاز الجاف خلال خط الغاز المستخدم في أواسط الثمانينات بعد تأهيله, بديل آخر؟
و: إعادة هيكلة قطاع النفط والغاز؛
1- إصدار القانون الإتحادي للنفط والغاز؛
2- إنشاء شركة النفط الوطنية؛
3- إنشاء شركة الغاز الوطنية؛
4- إعادة هيكلة وزارة النفط؛
5- إعادة هيكلة شركة المشاريع النفطية، "في المركز, الدورة والبصرة"، ودعمها بالخبرات العراقية والأجنبية؛
6- تطوير إمكانيات شركة الاستكشافات النفطية؛
7- تطوير إمكانيات شركة الحفر العراقية؛
8- تطوير إمكانيات شركات الإستخراج، (خاصة ادارة المشاريع وتحليل العقود والتعاقد)، مع إعادة الهيكلة.
9- تشكيل شركة لإدارة العمليات في واسط و ذي قار.
تنظيم مؤتمرمفتوح لإنضاج المحاورالمقترحة للخطط الاستباقية؛
تقوم "النواة"، بالدعوة الى والإشراف على مؤتمر موسع لإنضاج المحاور المقترحة للخطط على أن يضم الحضور خبراء ذوي كفاءة ومعرفة, من الوزارات المعنية ويشمل ذلك من تركوا الخدمة.
-------------------------------------------------------------
*مهندس أستشاري: ألأستكشاف والتطوير
حقوق النشر محفوظة – ثامر العكيلي- شبكة الإقتصاديين العراقيين – 18 آب 2014 . يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط ذكر المصدر


 

هل عادت الحرب الباردة ؟

الحرب الباردة مصطلح يصف الصراع الذى كان بين المعسكرين: الرأسمالى الذى يضم فى عضويته ديمقراطيات غرب أوروبا وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والإشتراكى الذى ضمّ دول أوروبا الشرقية الإشتراكية وقاده الإتحاد السوفيتى، تلك الحرب التي استمرت بعد الحرب العالمية الثانية حتى سقوط الإتحاد السوفيتى عام1991 وماتبع ذلك من تفكك المعسكر الإشتراكى وزوال حلفه العسكرى المعروف بحلف وارسو الذى كان قائماً لمواجهة حلف شمال الأطلسى (الناتو) والذى يضم دول المعسكر الرأسمالى المذكورة آنفاً.
كانت الحرب الباردة حرب إقتصاديات وإستخبارات ودعايات معادية متبادلة ومؤامرات، وهى "باردة" بهذا المعنى, بمعنى أنها ليست بالسلاح القاتل الفتاك غير أنها قد تشمل حروباً يموت فيها الناس بتلك الأسلحة، لكن تلك تعد حروباً بالوكالة كحروب الكونغو وأنغولا والحروب العديدة فى مناطق مختلفة فى العالم الثالث. وهى حروب ادار الكثيرمنها المعسكران المذكوران، إما بصنعها إبتداءاً أو بتأجيجها وبإستغلال ظروفها لدعم هذا الطرف أو ذاك مادياً ومعنوياً بحثاً عن النفوذ والتوسع بإقامة القواعد العسكرية قرب مواقع الطرف الآخر بغية مراقبته وإحتوائه، وبالتالى تحجيم دوره والتحسب للأخطار التى قد يلحقها بالمعسكر الآخر . هذا النمط من (التكتيك) زاد من أهمية دراسات ما يعرف ب (الجيو بولتيكا) أى الجغرافيا السياسية ( حيث يؤثر الموقع والسكان على السياسة والعلاقات الدولية ) . وللتفصيل فهى تعنى فيما تعنى تأثير الموقع الجغرافى للبلد من حيث الأهمية وعدمها على سياسات ذلك البلد وعلى سياسات الآخرين تجاهه.
وقد قامت سياسات الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى على الجيوبولتيكا هذه خلال تلك الفترة أى بعد إنتصار الحلفاء على دول المحورعام1945 فى إطار التنافس بين العملاقين على قيادة العالم بإقامة القواعد العسكرية وبتأسيس المحاور والتجمعات السياسية والعسكرية وبسباق التسلح والجاسوسية والوسائط الإعلامية الموجهة (الحروب الإعلامية).
وعندما انهار الإتحاد السوفيتى وتفككت منظومة الدول الإشتراكية الدائرة فى فلكه فى تسعينيات القرن الماضى انتشى الغرب فرحاً وبلغت به النشوة حداً أن ظن أحد علماء السياسة الأمريكيين ، فرانسيس فوكوياما، أن ذلك الحدث المجلجل بمثابة نهاية التأريخ وأن ريادة العالم قد انعقدت منذ ذاك الحين للغرب وأن نظمه الديمقراطية الليبرالية فى الحكم وإقتصاد السوق فى الإقتصاد قد غدت الوصفة الوحيدة للتطور والإستقرار والعيش الكريم .
لكن الأحداث الأخيرة فى العالم مثل أحداث أوكرانيا واحتلال روسيا لجزيرة القرم وضمها إليها عبر إستفتاء أحادى، ثم أحداث سوريا وموقف روسيا مرة أخرى منها والتنافس المحموم بين الصين واليابان على الحدود البحرية بينهما وعلى النفوذ فى قارة آسيا ، قد أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة بل وأحلام بروز قطبية جديدة منافسة لنفوذ الولايات المتحدة فى العالم . فما حقيقة ذلك؟ ومايعنينا من ذلك فى هذا الجزء من العالم ؟ وللإجابة على ذلك نستعرض فيما يلى وجهتى نظر متباينتين فى هذا الصدد عرضتا فى عدد مايو/ يونيوللعام الحالى 2014 من مجلة "شؤون دولية" FA : أولاهما جاءت بعنوان " عودة الجيوبولتيكا " تقول إن قراءة الولايات المتحدة لحقبة ما وراء الحرب الباردة بإعتبارها قد أنتجت نظاماً دولياً مستقراً أدار ظهره للإحتكاكات الدولية والإقليمية و التنافس على المواقع لبسط النفوذ بما يعرف بالجيوبولتيكا، وأن النظام الدولى الجديد يتجه بالكلية إلى جعل الديمقراطية الليبرالية وإقتصاد السوق وصفات نهائية للحكم والإقتصاد ، كانت قراءة رغبوية تقوم على التمنيات وتعجلت فى قراءة الواقع الصلد بعين فاحصة.
هذه رؤية البروفسور( وولتر راسل مييد) , أستاذ العلاقات الدولية فى كلية كلارد الأمريكية وتتلخص فى أن الإرهاصات المذكورة والتى تدل على عودة أجواء الحرب الباردة هى أدلة قطعية على بقاء التدابير القديمة للجيوبوليتيكا : أهمية الحدود, القواعد العسكرية توسيع دائرة النفوذ مادياً على الأرض ومعنوياً بوسائل أخرى. ويرى أن كثيرين فى الغرب قد وقعوا فى خطأ الخلط بين سقوط الإتحاد السوفيتى الذى حرر شهادة الوفاة للصراع الإيدولوجى المتمثل فى فشل النظرية الشيوعية التى كانت تحكم الإتحاد السوفيتى وذلك ما عناه العالم السياسى (فرانسيس فوكاياما) ب "نهاية التأريخ" , وبين أن ذلك السقوط يعنى بالإضافة إلى ذلك سقوط الجيوبولتيكا أيضاً وإلى الأبد . أى أن الذى عناه فوكاياما بنهاية التأريخ هو نهاية الأيدولوجية وإن كان ثمة فكرة باقية للحكم والإقتصاد فهى الليبرالية بشقيها : الديمقراطية كنظام للحكم والراسمالية كوصفة وحيدة للإقتصاد المنتج الناجح. وهو عين ما ذهب إليه بروفسور جون مولر من جامعة أوهايو فى فصلية العلوم السياسيةPSQ لربيع 2014 متفقاً مع فوكاياما تحت عنوان : هل إنتهى التأريخ ؟ بأن فوكاياما عنى ب " نهاية التأريخ " محقاً , نهاية الإيدولوجية. وعبر عن هذه الفكرة بلغة الحاسوب بأن الليبرالية غدت حصرياً هى الإيدولوجية الباقيةDefault Ideology . لكن يقول مييد للذين طنوا أن نهاية التأريخ تعنى أيضاً نهاية الجيوبولوتيكا , ها هى الجيبولتيكا قد أطلت برأسها مجدداً متمثلة فى حرص روسيا الإتحادية على توسيع نفوذها فى محيطها الإقليمى والتصدى لتوسع حلف الناتو والإتحاد الأوروبى ومن ذلك موقفها فى أوكرانيا وجزيرة القرم وموقفها والصين فى مجلس الأمن الدولى من نظام بشار الأسد. والتنافس اليابانى الصينى فى آسيا دليل آخر على بقاء الجيوبولتيكا. وقال إن فكرة "نهاية التأريخ" لدى فاكوياما حملها كثير من الباحثين والسياسيين أكثر مما تحتمل وهى شبيهة بما قاله الفيلسوف الألمانى هيغل فى وصف إنتصار نابليون فى معركة (جنا) عام1806 على جيش بروسيا الذى كان أقوى جيوش أوروبا التى لا تقهر بأن ذلك الحدث يمثل "نهاية التأريخ". وقد قصد هيغل القول إنه لا رجعة للتأريخ إلى الوراء حيث أن المضامين الثورية التى جاءت بها الثورة الفرنسية فى الإخاء والعدل والمساواة هى سبب ذلك الإنتصار أو أن التدابير العسكرية التى أحدثتها هى الوصفة الوحيدة المحققة للنصر منذ ذلك الوقت فصاعداً. وأنه يتعين على كافة الجيوش أن تحذو حذو فرنسا بحمل تلك المضامين إن رغبت فى النصر. يقول إن المجتمعات المغلقة كالتى كانت فى الإتحاد السوفيتى قد أصبحت عقيمة وغير منتجة بالقدر الذى يجعلها تنافس المجتمعات والدول الليبرالية فى الغرب. واستناداً إلى هذا الفهم وقناعة به رأت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى أنه أما م روسيا والدول الشبيهة أن تنتهج الديمقراطية الليبرالية فى الحكم وإقتصاد السوق فى الإقتصاد لكى تنهض أو تعكف على نظمها البالية فيسبقها العالم . إذن فإنْ أرادت روسيا وتلك الدول أن تحارب الغرب عليها أن تصبح مثله والمؤكد أنها عندما تصبح مثله سوف تتمرغ فى الرفاهية ورغد العيش وستصبح دولاً وديعة, مسالمة حريصة على الحياة وستدير ظهرها للمواجهة و الحروب فيسود السلام فى العالم لا يعكر صفوه إلا بعض الدول المارقة مثل كوريا الشمالية وتلك دولة لا تقوى على مواجهة العالم. وهكذا تنتفى الحاجة إلى تدابير الجيوبولتيكا القديمة ويتحول الإهتمام إلى تطوير الإقتصاديات ومنع إنتشار أسلحة الدمار ويتحول بذلك جل إهتمام السياسة الخارجية إلى تغير المناخ والتجارة.
ويسترسل البروفسور ( وولتر راسل مييد) فى بسط فكرته عن عودة الجيوبولتيكا تفصيلاً ليقول تحت عنوان جانبى : إحساس زائف بالأمن: : لقد وجدت القوى الغربية :الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد والأوربى وضعاً مريحاً استقرت عليه الأمور بعد إنتهاء الحرب الباردة تمثل فى توحيد ألمانيا فى أوروبا ودمج دول حلف وارسو المنهار ودول البلطيق فى حلف شمال الأطلسى وفى الإتحاد الأوروبى. أما فى الشرق الأوسط فقد غدت الغلبة فيه لقوى الإسلام السنى (السعودية وحلفاؤها فى الخليج ومصر وتركيا) وهذه قوى حليفة للولايات المتحدة الأمريكية, وحدث كذلك احتواء مزدوج لكل من إيران والعراق. وفى آسيا لم يعد هناك من ينازع غلبة النفوذ الأمريكى عبر سلسلة من العلاقات بموجب إتفاقات أمنية ابرمت مع استراليا واليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا . قرأ الغرب الوضع المؤقت الذى نتج عن نهاية الحرب الباردة قراءة خاطئة على أنه وضع دائم متمثل فى قيام نظام عالمى جديد . وكان التطبيق العملى لهذه القناعات أن قلصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ميزانية وزارة الدفاع ومخصصات وزارة الخارجية وبصعوبة أقنعت الكونغرس بدفع حصتها فى ميزانية الأمم المتحدة وأصبحت الأولوية فى السياسة الخارجية هى ترقية ليبرالية العالم والتخلى عن تدابير الجيوبولتيكا الكلاسيكية. ولكى تحقق ذلك وضعت الخطط لمنع إيران من صنع قنبلة نووية وعزمت على حل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى, والتفاوض لإبرام معاهدة بشأن تغير المناخ, عقد صفقات مع الدول الآسيوية عبر الباسفيك وإتفاقيات مع روسيا للحد من التسلح, تحسين العلاقات مع العالم الإسلامى وترميم الثقة مع الإتحاد الأوروبى, ترقية حقوق المثليين وإنهاء الحرب فى أفغانستان.
ويرى بروفسور مييد أن جميع هذه القناعات السعيدة بأن العالم قد دخل حقبة جديدة من النظام الدولى قد تعرضت لإمتحان قاس بعد ربع قرن من سقوط حائط برلين بما اشرنا إليه سلفاً من تطورات: الأزمة فى أكرانيا وصراع الصين واليابان ,مؤشرات عودة تدابير الجيوبولتيكا. ويقول إن ثلاث دول هى روسيا والصين وإيران مصممة على التصدى للنظام الذى استقر بعد نهاية الحرب الباردة والذى تحرص الولايات المتحدة على تقويته وبقائه خدمة لمصالحها كبديل لنظام الحرب الباردة. يقول هذه الدول ولأسباب ودوافع مختلفة مصممة على مقاومة المخطط الأمريكى. وقد أطلق عليها اسماً يحاكى من حيث الجرس الصوتى فى الإنجليزية تسمية جورج بوش لدول محور الشر: محور( سوس وآفات الزروع والفاكهةAn Axis Of Weevils ) فى مقابل (An Axis Of Evil)
وقال إنها مصممة على التصدى لذلك المخطط معدداً بعض النجاحات التى حققتها وبعض مؤشرات أخرى على عودة تدابير الجيوبولتيكا . يقول إن الصين المتطلعة لتصبح قوة عظمى تقاوم المخطط الأمريكى بشراسة لكن مقاومتها وسعيها لتأكيد وجودها الفاعل فى محيطها الآسيوى قد أيقظ المشاعر الوطنية القديمة فى اليابان ويدفع عدداً من دول تلك المنطقة المتخوفة من تنام الوجود الصينى لمزيد من تقارب تلك الدول مع الولايات المتحدة: وهذا فى حد ذاته مظهرمن مظاهر الجيوبولتيكا والبحث عن الأحلاف السياسية والعسكرية إحدى وصفات حقبة الحرب الباردة. بالنسبة لإيران يقول إنها أضعف الثلاث دول لكنها أوفر حصاداً من روسيا والصين من الجيوبولتيكا إذ أنها استفادت من الغزو الأمريكى للعراق والإنسحاب المتعجل منه فأقامت قاعدة صلبة مع القوى المؤثرة فى العراق وامتد نفوذها إلى سوريا بمساعدة حليفها الإستراتيجى (حزب الله) اللبنانى. هذا الإنتصار عززمن مكانة إيران وقوتها وفى المقابل فقد أضعف الربيع العربى القوى السنية الحليفة للغرب والولايات المتحدة. روسيا عززت مواقعها من قبل فى جورجيا والآن فى أكرانيا وأعادت دولاً مثل أرمنيا إلى محورها.
خلاصة ما توصل إليه البروفسور (مييد) أنه رغم أن الدول الثلاث المذكورة ذات أجندات وقدرات مختلفة وأنه ليس فى وسعها خلق معارضة دولية منظمة وفاعلة كالتى كانت للإتحاد السوفيتى للترتيبات الغربية الأمريكية (شبه ضررها بضرر السوس ), إلا أن الأمريكيين قد أبطاوا فى التيقن من أن تلك الدول قد ألحقت بالفعل الضرر بالترتيبات الجيوبولتيكية فى (أوراسيا - أى آسيا وأوربا معاً ) بما عقّد جهود الولايات المتحدة والأوربيين فى بناء نظام ما بعد التأريخ الذى يربح الجميع فى كنفه.
وحذر بروفسور مييد الغرب من مصير "الرجل الأخير" الذى ورد فى عنوان كتاب فوكاياما الأشهر "نهاية التأريخ والرجل الأخير" وقال إن جزئية " الرجل الأخير " من عنوان الكتاب لم تجد الحفاوة التى وجدها حديثه عن نهاية التأريخ لأنها تحذيرية وأقل إطراء للغرب. فهى مقتبسة من فكرة الفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشة فى كتابه المعروف "كما تحدث زرادشت". ووصف فوكاياما "للرجل الأخير" هو تحذير للغرب من الإستكانة والإسترخاء والنوم فى العسل على إعتبار أن التأريخ قد إنتهى بإنتصار نظمهم فى السياسة والإقتصاد وأنه لم يبق لهم سوى التنعم برغد العيش فى كنف سلام دائم لا يعكر صفوه معكر. ورجل فوكاياما الأخير :إنسان مستهلك نرجسى عاشق لذاته ليست له طموحات فوق الرحلة التالية إلى (المول mall( للتسوق. ويحذرفوكاياما من أن ذلك الإنغماس فى الماديات سيؤدى إلى ما أسماه " الملل " حيث يتوقف العقل البشرى من الإبداع فى الفنون و الفلسفة ليسود حنين جارف إلى العودة إلى التأريخ.
على الغرب كما يرى البروفسور مييد, أن يتحسب للمخاطر المحيطة به ويقرأ الواقع كما هو لا كما يتمناه.
وجهة نظرمغايرة
و نستعرض الآن فيما يلى وجهة نظرمغايرة تماماً وناقدة لهذه الرؤية ترى أن الإستراتيجية الغربية الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية راسخة الغراس بل وتكسب أراض جديدة لأنها هى ذاتها التى أنهت الحرب الباردة.
ووجهة النظر المغايرة هذه للبروفسور جى. جون إكنبرى فى ذات العدد من "شؤون دولية" بعنوان :
وهم الجيوبولتيكا: قوة وإستمرارية النظام الليبرالى" . والبروفسور إكنبرى أستاذ للعلوم السياسية والشؤون الدولية فى جامعة برنستون الأمريكية.
يبدا تفنيده لرؤية البروفسور (مييد) بالقول إنها قراءة خاطئة بقدر هائل لحقائق العصر. ويقول إن النظام الدولى القائم على الليبرالية وإقتصاد السوق الذى تقوده الولايات المتحدة والذى حل محل نظام الحرب الباردة راسخ القدم بل ويتمدد فى العالم وأن بروفسور مييد قد أخطأ قراءته وضخم من قدرة الصين وروسيا على النيل منه. صحيح أنهما قد باتتا مؤخراً تتحينان الفرص لمقاومة قيادة الولايات المتحدة للعالم كما كانتا تفعلان دوماً فى الماضى . ولقد أبدتا مقاومة خاصة عندما تمدد نفوذ النظام الدولى الجديد إلى جوارهما المباشر. لكن حتى تلك المقاومة نتجت عن ضعف –فى نظمهم وفى قياداتهم- ولم تنطلق من مواقع قوة إذ ليس لكلتيهما ما يقدمانه للعالم بل إن على رأس مصالحهما الإندماج - روسيا و بالأخص الصين - فى الإقتصاد العالمى والمؤسسات التى تحكمه.
يقول إن بروفسور مييد قد أخطأ فى قراءة لب سياسة الولايات المتحدة الخارجية حين قال إنها أهملت قضايا الجيوبولتيكا الخاصة بالجغرافيا ومناطق النفوذ واتجهت بالكلية إلى بناء النظام الدولى الجديد. ويرى أن الولايات المتحدة لم تهتم بالحد من التسلح والتركيز على التجارة إعتقاداً منها بأن الجيوبولتيكا قد ذهبت إلى غير رجعة بل لأنها أرادت أن تدير وتنظم ميدان التنافس بين القوى العظمى. وإن بناء النظام الدولى من منظور الولايات المتحدة لا يقوم على إفتراض نهاية الجيوبولتيكا، انه معنى بكيفية الإجابة على الأسئلة الكبرى للجيوبولتيكا بمعنى رعاية الفوائد التى تعود على الجميع فى ميادين الإقتصاد والتجارة بديلاً للصراع على المواقع الجغرافية وبسط النفوذ هنا وهناك مثلما كان قائماً إبان الحرب الباردة : أى العلاقات القائمة على التوجس والخوف من الآخر والتى تدفع للإستحواذ على الجغرافيا والمواقع وفرض النفوذ وقد تنزلق بالفرقاء إلى أتون الحروب.
ويقرر أن بناء النظام الدولى الحالى بقيادة الولايات المتحدة لم يبدأ بناؤه بعد إنتهاء الحرب الباردة بل هو النظام الذى أنهى الحرب الباردة . لقد ظلت الولايات المتحدة وعلى مدى سبعين عاماً منخرطة فى بناء مؤسسات متعددة الأطراف الدولية ( كالبنك الدولى, صندوق النقد الدولى ,منظمة التجارة العالمية...) ,تحالفات, إتفاقيات تجارية دولية وشراكات سياسية. يقول إن هذه التدابير الأمريكية قد ساعدت على إنعطاف العديد من الدول إلى محور الولايات المتحدة وأسهمت فى تقوية النظم الدولية بما أفضى إلى إضعاف شرعية السلوكيات الشبيهة بأساليب القرن التاسع عشر القائمة على توسيع دوائر النفوذ عبر الإستحواذ على المواقع والأراضى والسعى إلى الهيمنة الإقليمية. تلكم التدابير منحت الولايات المتحدة قدرات وشراكات ومبادئ لمواجهة الدول الراغبة فى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء, إلى أجواء القرن الماضى.
إن التحالفات, والشراكات وإقامة المنظمات الدولية متعددة الأطراف والديمقراطية هى أدوات قيادة الولايات المتحدة وهى أدوات تحقق النجاحات الآن لا الخسارات فى مضمار نضال القرن الحادى والعشرين فى معترك الجيوبولتيكا والنظام الدولى.
ويبدأ بشئ من التفصيل تفنيد حجج البروفسورمييد من مقولة الجغرافى الإنجليزى هالفورد ماكيندر الذى تنبأ عام 1904 بأن القوة التى تتحكم فى قلب أوراسيا (البقعة الجغرافية والسكانية التى تشمل قارتى أوروبا وآسيا معاً) يسيطر بالضرورة على العالم أجمع مشيراً هنا إلى ما قاله (مييد) من أن ثالوث روسيا , إيران والصين يحاول إعاقة نظام أمريكا الدولى بالسيطرة على هذا الفضاء الواسع الذى يضم القارتين أوروبا وآسيا وبالتالى التحكم فى العالم قائلا إن (مييد) لم يحسن قراءة الأوضاع الدولية حتى فى هذه الجزئية لأن الحقيقة الأنصع أنه حتى فى ميدان الجيوبولتيكا فى أوراسيا فإن الولايات المتحدة تتمتع بمزايا تفتقر إليها الدول المذكورة وأنه بالرقم من أن أمريكا قد تدنى موقعها قليلاً من قمة الهيمنة التى كانت تحتلها كقطب وحيد بعد زوال الإتحاد السوفيتى , إلا أنها لم تزل القوة التى لا منافس لها فى العالم وأنها تملك من الإمتيازات فى أوراسيا ما تعجز تلك الدول عن منافسته. إن ثراء أمريكا وصدارتها فى ميدان التكنولوجيا أبعد منالاً من أن تدانيه الصين وروسيا ودع الحديث عن إيران.كما أن تعافى إقتصادها من الكساد والذى يتقوى الآن بموارد هائلة من الغاز الطبيعى , ستمكّن الولايات المتحدة من المحافظة على وجودها العسكرى عبر العالم ورعاية إلتزاماتها الأمنية فيه. ويستطرد راداً على (مييد) فيما ذهب إليه من نشاط روسيا فى جوارها الإقليمى فى أوكرانيا وأرمنيا قائلاً إن روسيا تمكنت من إعادة ثمان دول من حلفائها القدامى إلى محورها بينما تمكنت الولايات المتحدة – وفقاً لدراسة علمية أجريت مؤخراً- من عقد شراكات أمنية مع ستين دولة فى العالم بينما لا تملك الصين سوى حليف عسكرى واحد هو كوريا الشمالية.
ويقول إن امتلاك روسيا والصين للقنبلة النووية مفيد للولايات المتحدة من جهتين : من جهة قناعتهما بأن لا أحد يملك هذا السلاح المدمرسيبادر بإستخدامه لضرب بلاد تملك ذات السلاح (الردع المتبادل) ومن جهة طمأنتهما أن الولايات المتحدة لن تغزوهما وهذه الطمأنينة تعد ترياقاً من حماقة قد يرتكبانها بدوافع الخوف بإستخدام ذاك السلاح الفتاك لتعطيل النظام الدولى الليبرالى الذى تقود خطامه الولايات المتحدة الأمريكية. تحدث أيضاً أن الموقع الجغرافى البعيد للولايات المتحدة قد جعلها القوة العظمى الوحيدة التى لا تجاورها قوى عظمى أخرى. وفى الحقيقة فإن هذا البعد الجغرافى جعل العديد من الدول قلقة لا من هيمنة الولايات المتحدة عليها بل من الإنشغال عنها وهجرها وإهمالها . بينما تتخوف العديد من الدول من جوار الصين وروسيا لها. لقد أدركت الصين تلك الحقيقة ولاحظت أن الدول المجاورة لها بدأت ترد على صعود الصين بتحديث وتطوير قدراتها العسكرية وتمتين تحالفاتها الخارجية بعيداً عن الصين. روسيا أدركت ذلك مؤخراً ولاحظت أن أوكرانيا شرعت فى تطويرقدراتها العسكرية وتقوية علاقاتها بالإتحاد الأوروبى ( وربما كان ضم جزيرة القرم والتحرش بأكرانيا فى شرقها المشابه عرقياً ودينياً لروسيا , بسبب ذلك.)
يستطرد البروفسور إكنبيرى فى تفنيد طروحات بروفسور مييد فى عودة أجواء الحرب الباردة وتضعضع النظام الليبرالى الذى تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها فى بقائه بالقول كما أسلفنا إن ذلك النظام الليبرالى العالمى لم يقم بعد زوال الحرب الباردة ولكنه كان قائماً قبلها وهو الذى أزال تلك الحرب وانتصر للقيم التى يدعو لها بديلاً لتلك التى سادت آنذاك. ويقول إن ثلاثة من رجال الدولة الأفذاذ فى الولايات المتحدة هم : (دين أتشسون) وزير خارجية أمريكا عام 1949 وصاحب فكرة تأسيس حلف شمال الأطلسى وجورج مارشال الذى سبقه وزيراً للخارجية فى حكومة هارى ترومان ووزيراً للدفاع بعد ذلك وصاحب مشروع مارشال لإعادة بناء إقتصاديات أوروبا الغربية بغية التصدى للتوسع الشيوعى فى أوروبا, وجورج كنعان سفير أمريكا لدى روسيا فى ذلك الوقت ومهندس سياسة الحرب الباردة لإحتواء الإتحاد السوفيتى, هم الذين وضعوا لبنات الإطار العالمى الليبرالى لإحتواء المد الشيوعى والتوسع السوفيتى. ذلك النظام هوالذى أدى إلى ثراء الولايات المتحدة وحلفائها وإلى إستقرار الإقتصاد العالمى وأقام آليات لمعالجة المشكلات الدولية وإن نهاية الحرب الباردة لم تغير منطق هذا النظام الصامد فى وجه الأعاصير الشمولية اللا ليبرالية.
إن هذا النظام الذى تقوده الولايات المتحدة, يقول قد وجد قبولاً عالمياً لحسن الطالع لأنه متناقم مع القوى العصرية التى تدفع النمو الإقتصادى قدماً وكذلك قوى التحديث الإجتماعى وأن أياً من روسيا أو الصين لا تملك بديلاً له يغرى بإستبداله. ويستطرد فى تعداد خيرات هذا النظام الليبرالى المستمر منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية . من ذلك النمو المطرد للنظم الديمقراطية فى العالم. يقول إن الديمقراطية الليبرالية كانت محصورة فى بدايات القرن العشرين فى الغرب وبعض مناطق فى أمريكا اللاتينية. وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت تتخطى تلك الأقاليم بحصول عدد من البلدان على إستقلالها فى الخمسينيات والستينيات. ثم شهد عقد السبعينات عددا من الإنقلابات العسكرية التى أبطأت بإنتشار الديمقراطية لكن أواخر ذلك العقد شهد عودة قوية للديمقراطية الليبرالية أطلق عليها صمويل هانتنغتون " الموجة الثالثة" لإنتشار الديمقراطية تلك التى اجتاحت جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأقصى. وما أن إنتهت الحرب الباردة حتى انضمت دول أوروبا الشرقية الشيوعية إلى ساحات النظم الديمقراطية ومع نهاية عقد التسعينيات أصبحت 60 فى المائة من دول العالم تحكم بنظم ديمقراطية. ومع حدوث بعض النكسات إلا أن ظهور دول متوسطة من الناحية الإقتصادية والعسكرية مثل استراليا والبرازيل واندونيسيا والهند وكوريا الجنوبية والمكسيك وتركيا يؤكد إستمرار تنام الديمقراطية فى العالم وهذه الديمقراطيات الصاعدة تعتبر صاحبة مصلحة ومسؤولية فى نظام عالمى قائم على التعاون العالمى المتعدد الأطراف يسعى لمزيد من الحقوق والمسؤوليات وتوسيع دوائر النفوذ بالوسائل السلمية.
إن هذا النمو المطرد للديمقراطية الليبرالية بدخول إقتصاديات متوسطة الحجم تنمو باستمرار, سيشكل من أعضائه نادياً قوياً للديمقراطية يترك الصين وروسيا فى العراء.
ويقول إن هذه التطورات بالإضافة إلى ما وقع فى شرق أوروبا بإنضمام العديد من دولها لحلف الناتو وللإتحاد الأوروبى , تحاصر روسيا وتحشرها فى نطاق يضيق عليها كل يوم وهو ما دفع (بيوتن) للسطو على جزيرة القرم بدوافع الخوف لا بدافع القوة. ورغم ما يبدو من أن (بيوتن) قد كسب فى جورجيا والقرم وأرمنيا إلا أنه قد خسر المعركة. وبالمثل فجوار الصين يتمقرط بإضطراد. ففى ثمانينات القرن الماضى كانت اليابان والهند فقط هما الديمقراطيات فى آسيا. أما اليوم فإنها اندونيسيا والفلبين وكوريا الجنوبية وتايلاند التى تسير فى الطريق بحذر وتايوان وحتى ماينامار (بورما) على خطى أولئك. وعليه فإن الصين تعيش اليوم فى جوار ديمقراطى يحيط بها من عدة جهات. ويخلص إلى القول إن الديمقراطية تحاصر روسيا والصين معاً وتضعهما فى وضع جيوبولتيكى معقد وهما وإن عدتا فى ندية مع الولايات المتحدة إلا أنها ندية غير متكافئة فالإنفاق العسكرى للولايات المتحدة وأصدقائها يشكل 75% من الإنفاق العسكرى العالمى. وعن إيران يقول إن نظامها مهدد داخلياً بحركة ديمقراطية متنامية وبمنظومة من العقوبات الدولية القاسية.
ويخلص إلى القول بأن روسيا والصين يعدان فى افضل حالتيهما فى مقاومة النظام العالمى الذى تقوده أمريكا , مجرد دولتين تسعيان لتخريب ذلك النظام ( على طريقة السوس والآفات) لا تبديله لأن كلتيهما لا تملك القدرة والموارد والرؤى لتبديله. ويرجح أنهما تصرخان أحياناً طلباً لنصيب أوفر فيه لا العكس لأن فرص الإنفتاح التجارى تتيح لهما حصاد فوائد عديدة منه كما أن مبدأ السيادة (سيادة الدول على أراضيها ) المعتمد منذ إتفاقية (ويستفاليا) عام 1648 والذى لايزال العمود الفقرى فى السياسة الدولية , يعد ضماناً وحماية لهما من تغول الآخرين على سيادتهما. ويختم بالقول إنه فى ظل ما طرح من رؤية يتحتم على الولايات المتحدة المحافظة على النظام الذى رعته وصنعته وهو الصبر على المزيد من التعاطى مع الشأن الدولى عبر التجارة والمؤسسات متعددة الأطراف لحل المشكلات و إنتهاج الدبلوماسية لذات الغرض. تلك الإستراتيجية قد خلقت فيما يرى, عالماً صديقاً للمصالح الأمريكية وهو عالم صديق كما وصفه الرئيس جون كنيدى لأن " الضعيف فيه يشعر بأنه آمن والقوى بأنه عادل."
تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد من المجلة قد خُصص للحديث عن الكميات الضخمة من الطاقة (غازطبيعى ونفط - موضوع الغلاف) التى تتدفق الآن فى أكثر من مكان فى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تقانة جديدة لإستخراج تلك الكميات الضخمة التى كانت تحتبس فى الصخور.هذه الكميات ستؤدى منذ العام القادم لإكتفاء أمريكا من الطاقة وستجعلها قبل نهاية العقد الحالى أكبرمصدر للطاقة فى العالم. وسيحدث ذلك آثاراً على مجمل العالم سياسياً وإقتصادياً.
وبعد فهذه قراءات مختلفة ومتباينة لتطورات حدثت وتحدث بالفعل على النطاق الدولى , تتحسب لمآلات ذلك كله على أمن ورفاهية الولايات المتحدة وحلفائها .
ترى كم من معاهد ومراكز الدراسات فى المنطقة العربية عاكفة على مثل ذلك التداول والمنطقة تجتاحها الحرائق والأعاصير الطائفية والجهوية الضيقة ومصيرها ربما ألح من أى وقت مضى ؟ ونحن فى محيط قطرنا الضيق هل ندير الحديث ونتداول بصدق , مع اختلاف رؤانا وتباين معتقداتنا وأفكارنا , حول ما يحدث عندنا وداخل حدودنا ونحن نقرأ الأحداث الضخمة الجارية فى العالم بغية تحقيق مكاسب ولو محدودة من الإستقرار والأمن لبلدنا وشعبنا أم نبقى مثل رجل زرادشت وفوكاياما "الأخير" نمنى النفس برحلة إلى ( مول) أغلب الظن أننا لن نجده؟!
----------------------------------
*الدكتور الخضر هارون، كاتب ودبلوماسي سوداني سابق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

الارهاب في العراق

بقلم القاضي زهير كاظم عبود

المدخل

تفاقمت العمليات الأرهابية في الفترة الأخيرة من العصر الحديث ، وكبرت المعاناة الأنسانية جراء نتائج تلك الأعمال التي أتسمت بنتائجها الأجرامية وأنعكاسها الوخيم على حياة الناس ، وتوسعت رقعة المساحة التي تمارس فيها التنظيمات المتطرفة والمجموعات الارهابية أفعالها في أرتكاب عمليات القتل غير المحدد والطائش ، وفي عمليات الخطف والتفجيرات والذبح والتي طالت الأبرياء والمدنيين من البشر ، ومما زاد من فاعلية هذه الاعمال الأرهابية وجود دول وتنظيمات ومؤسسات وشخصيات تساند بشكل علني أو خفي او بشكل غير مباشر الأعمال التي تصدر عن هذه التنظيمات ، بالنظر لتقاطع المصالح الدولية وأستغلال مثل هذه التنظيمات لغرض أرباك الخصم ، وأعتبارها أوراق يتم التعامل بها ضمن اللعبة الدولية وحرب المصالح السياسية والأقتصادية والتصفيات الشخصية ، بالأضافة الى دور رد الفعل الذي يعبر عن الموقف الصادر من دول تحارب الأرهاب بشكل علني ومباشر ، ودول أخرى تحاول أن تتقي شره وتأثيره على حياة الناس وأمنهم في منطقتها فتسلك طرقاً غير مقبولة من إجل ذلك ، فالموقف الدولي من الأرهاب وأن كان بشكله العلني يتجه نحو التكاتف والأتفاق على محاربته ونبذه وملاحقة عناصره ، الا أن الحقيقة المرة تكمن في أن العديد من الدول تنقسم بين المتملق والمحايد والمتردد في مواجهته للتنظيمات الأرهابية في هذه الحرب ، وبين من يقف معه بشكل خفي وغير مباشر ولكنه واضح .

و استغلت هذه التنظيمات الأرهابية القضايا القومية والدينية لتأجيجها وأتخاذها ستاراً وبرقعاً لتغطية أعمالها وأهدافها ، وبذلك أتسعت المساحة الفاعلة للعمليات الأرهابية ، وانفلتت تنظيمات متطرفة كانت تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية عوناً في محاربتها الأتحاد السوفياتي لأضعافه ، بقصد الطرق على قواته التي كانت تحتل أفغانستان في حينه لأرباكها وأشغالها ، بالأضافة الى كونها معركة خفية بين المعسكرين الدوليين ، وبعد ان رحلت القوات السوفياتية عن افغانستان ، وبعد أن انحلت الرابطة العقدية لدول الأتحاد السوفياتي ، انقلبت تلك التجمعات والمنظمات على الراعي والمساند والصانع لتنقل شرورها الى أراضيه والأراضي التي انتشرت خيوطها التنظيمية فيها ، لتروع الأنسان ضمن عمليات أرهابية سجلها العالم بمرارة وبشاعة يتم ممارسة العنف من خلالها بشكله العشوائي والأعمى والبشع ضد كل البشر دون تحديد أو قيود ، وتطورت ظاهرتي العنف والأرهاب في الفترة الأخيرة لتنتقل بشكل سريع من منطقة الى أخرى بحكم ظروف المنطقة او تواجد عناصر أرهابية فيها ، ومايلفت النظر توفر الأموال والسلاح والقدرات الفنية في تجهيز جوازات السفر وسمات الدخول والأتصالات والبطاقات المزورة والأمكانيات الفنية والتقنية ، بالأضافة الى توفر الأمكانيات البشرية المتمثلة في وجود أعداد من المتطوعين للقتال ضمن أعداد المنتمين الى هذه التنظيمات ، وكما توفر للتنظيمات أعداد أخرى من البشر ممن تم غسيل دماغهم ، فعاد بعض لايفهم غير مايتم شحنه من صور ومفاهيم ومخططات يتم أدخالها ضمن أساليب بعـــيدة عن أعتماد المنطق والحقيقة ، و يكون فيها الدين الواعز والوسيلة والدافع والناتج الذي يتم غسيل دماغ الأنسان بمفاهيم يتم تشويهها للتأثير على بعض من العناصر المتسمة بضعفها وسهولة أنقيادها ، وخصوصاً العناصر المراهقة والمبتلية بأمراض الأدمان على المخدرات أو المبتلية بأمراض نفسيةأو اليأس أو المصابة بعقد لاتجد لها خلاصاً الا بالموت ، بشرط أن يكون لهذا الموت مايجعل له معنى – على حد فهم القائم بأعمال الغسيل – ليستعد الأنسان لتفجير جسده وقتل نفسه بواسطة الانتحار بربط الأحزمة الناسفة حول الصدر تحت الملابس ، أو شحن المركبات بحمولة من المتفجرات يقودها المنتحر ليتحول جسده الى شظايا تقتل الناس وقنبلة مدمرة ذات قوة تدميرية كبيرة لتخريب الممتلكات في كل الاحوال بعد ان تقتله .

كانت اعمال العنف والأرهاب الدولي قائمة وموجودة خلال الحرب الباردة بين القطبين الدوليين ، الولايات المتحدة الامريكية والأتحاد السوفياتي ، ولكنها بشكل خفي ويحرص المتصارعان على أخفاءها والأدعاء بتجاوزها ومحاولة تحجيمها ، ولكن الأمر بدا أكثر توسعاً ووضوحاً في بداية الخمسينات والستينات من القرن العشرين حين أنتشرت عمليات خطف الطائرات وأحتجاز الرهائن من المدنيين والتهديد بالقتل لأطفال المدارس كوسيلة من وسائل تعتمدها منظمات وتجمعات سياسية متطرفة بأعتبارها وسيلة من وسائل العمل السياسي او الديني ، بالأضافة الى تفجير القنابل وسط حافلات النقل والقطارات والمطارات ومحطات النقل والمترو ، بأعتبارها اماكن يتجمع فيها اكثر عدد ممكن من البشر المدنيين ، كوسائل أرهابية لتحقيق غايات سياسية أعتقاداً منهم بأنها تحقق اغراضها في نشر الرعب والخوف ليس في مفاصل الدول العدوة للتنظيمات الأرهابية والمستهدفة منها ، بل من اعداء هذه التنظيمات ومن الناس الآخرين .

والمتمعن ملياً في مفاصل حركة التاريخ الأنساني ، يجد أن الأرهاب في المنطقة العربية يطرح أهدافاً وبرامج لاتتفق ولاتتطابق مع واقع الحياة وتطور الأنسان في المنطقة ، ويتعارض كلياً مع حقوق الأنسان ، بالأضافة الى مساهماته غير المباشرة في توطيد وتثبيت مصالح الشركــات الدولية والدول الكبرى في المنطقة ، لابل يكون سبباً غير مباشر في مجيء القوات الأجنبية الى المنطقة .

لقد اتخذت التنظيمات المتطرفة طريقا خاصاً تمارس خلاله دورها وتطبق سياستها المتمثلة في السرية الشديدة وسيادة الفكر الواحد غير القابل للنقاش وعدم قبول التحاور ، وما على الخصم الا الرضوخ للرأي المطروح بالقوة ، وأن هذه المنظمات والمجموعات ترى أنه لايمكن لها أن تحقق أهدافها وسياستها مالم تجنح الى القوة والعنف والأرهاب كطريق يوصل الى الغايات المنشودة .
العديد من الدراسات أشارت الى أن الأوضاع الشاذة تولد تنظيمات شاذة ، وأن العنف الذي تمارسه السلطات يولد رد الفعل الموجود لدى التنظيمات الأرهابية ، والسلوك المنافي والمتناقض مع حقوق الأنسان ، بالأضافة الى كبت الرأي والحرمان من التعبير بشكل صادق وبحرية والتعارض مع الديمقراطية وحرية الرأي ، بالأضافة الى عدم ضمان الحريات التي نصت عليها الدساتير واللوائح الدولية ، ونادت بها الأحزاب والتجمعات ، كل هذا يولد الأرهاب والعنف الذي تمارسه هذه المجموعات والتي هي نتاج ورد فعل لهذه السياسات المتعارضة مع حقوق الأنسان .

ومما لاشك فيه ان التناحـر المذهبي في العراق بشكل خاص وأن كان ناراً تحت الرماد ، الا انه تم تأجيجه من قبــل الأعلام العربي المريض والمبتلي بالأبتعاد عن الموضوعية والحيادية ، كما تم تأجيجه أيضاً من قبل بعض السياسيين ممن يشعرون بعدم وجود أرضية وقاعدة تساندهم ، و كذلك من بعض العراقيين ممن لاأوراق لديهم أو لحسابات غاية في الشخصية والمصلحية ليكون ورقة رابحة ضمن عمليات التجاذبات والتحالفات السياسية وحسابات الربح والخسارة ، وأستجابة لرغبات حكام ومالكي القنوات والصحف في أحيان أخرى ، فقد كانت ورقة الطائفية والمذهبية الورقة التي لعبت سلطة صدام دورها غير النظيف عليها ، ووظف جهاز المخابرات العراقي الصدامي أقساماً تفردت في معالجة القضايا الطائفية وترويجها والأستناد على فرق دينية على حساب مذاهب وفرق أخرى ، وتوظيف رجالات دين وقيادات دينية في سبيل ذلك ، ولم يزل اهل العراق يحاولون تلافي نتائجها السلبية في ظل الوضع الحالي المؤقت للعراق حيث يتناقض معها السعي لبناء دولة ديمقراطية تؤمن بتحقيق القرارات التي تضمن حقوق الأنسان وتحقق الفيدرالية الخيار المستقبلي للعراق .

وبنتيجة الأضطهاد والسيطرة على التجارة والصناعة في بلدان العالم الثالث من قبل بلدان العالم المتمدن ، يدفع أيضاً بهذه التنظيمات من قبل الأقطاب ذات المصالح للتطرف في السلوك الأنساني لمواجهة مصالح البعض والحد من انتشار قواتها وشركاتها ونفوذها العسكري في المنطقة كورقة من أوراق الصراع الدولي .
وأعتماد وسائل الأرهاب التي صارت سمة تتميز بها تلك التنظيمات لتعبر عن حقيقة أعتقادها في التعبير عن هذه الوسائل ، حيث لاتلبث تلك التنظيمات أن تتفاخر وتتباهى قيامها بعمليات أرهابية ينتج عنها موت أبرياء ومدنيين ،أضافة الى مايدخله من روع وأرهاب في قلوب الاخرين , ولم يقتصر الأمر على العمليات الأرهابية بل تعداه الى تمكين هذه التنظيمات أيصال صوتها وبياناتها وخطاباتها وأشرطة الفيديو تيب الخاصة بأفلامها عبر الأنترنيت بواسطة صفحات مخصصة لها ، بالأضافة الى تمكنها من أستمالة جهات تشرف على بث فضائيات وصحف عربية على الأغلب تتمكن من أيصال صوتها وتهديداتها بسهولــة ويسر تحت غطاء الحرية ومتابعة الحدث مع ملاحظة ميل نفسي غريب للمشرفين على هذه القنوات لتقبل بث الأخبار عن انتصارات تحققها التنظيمات الأرهابية على مواطنين أبرياء وعمليات تخريبية تطال اماكن عامة وبنى تحتية ، كما طورت أعمالها بأتجاه توسيع دائرة الأرهاب الدولي حين تقدم هذه التنظيمات المتبرقعة تحت مزاعم وستائر الدين الأسلامي بتصوير عمليات القتل والذبح بطريقة النحر بالسكين للرهائن من المدنيين ، وتوسيع دائرة خطف الأجانب وطلب تنفيذ رغباتهم وتمنياتهم مقابل هؤلاء المدنيين الاسرى ، وبالتالي تصوير عمليات الذبح وجز الرؤوس وتسجيل التصوير على أشرطة ممغنطة ( سي دي ) وتوزيعها بكثافة بقصد بث الرعب والخوف والرهبة بين الناس .

يوما بعد آخر يتاكد بما لايقبل الشك أن الأنسان في العراق وتجربته الجديدة في الحياة الديمقراطية والفيدرالية من تستهدفه العمليات الأرهابية التي لابد لها من غطاء ، والأنسان العراقي مدنيا كان أم عسكرياً ، شرطيا كان أو سياسيا ، ومستقلاً أو منتسبا لأحزاب سياسية ، عاملاً فقيراً أو مسؤولا في الدولة ، له شأن في العمل السياسي أو ممن لاحول له ولاقوة ، الجميع مشروع للذبح والقتل والأختطاف من قبل التنظيمات الأرهابية ، والجميع لايعرف متى ستترصده مجموعات الاجرام والأرهاب وتجعله موضوعاً لتخطط له وتنتقم منــه وتغتاله لتسلب منه حياته و لتحرم عائلته وأطفاله منه ومن مصدر عيشها ، وأصبح كل مواطن في وضع غير آمن ويمكن ان يتم سلب حياته دون سبب أو بثمن بخس يتقاضاه القتلة .
ومن يتذكر الخطابات الأخيرة التي كان يطلقها الرئيس البائد صدام من جحره في أطراف منطقة الدور( قرب بلدة تكريت – شمال بغداد ) ، والتي كانت تحرص القناة القطرية المحروسة بالقوة الامريكية أن تبثها حفاظاً على العروبة والوطن على حد زعمها الأعوج في محاربة الأمبريالية والصهيونية العالمية والأحتلال ، والتي كان يطلـب فيها القائد الضرورة من ( الشرفاء !! ) أن يقتصوا من الشرطة ، والتي كان يرى فيها الجهاز الذي لم يقاوم للدفاع عن تاجه وملكه العضوض الذي كان هو وأولاده اول من فرط به ، وهرب كل منهم ومعه كمية كبيرة من مال العراقيين .
العديد من اعتبر تلك الخطابات مجرد تخاريف لرجل يهذي وهو يلوذ بالحفر والمجاري ليسلم رأسه بديلاً عن الوقوف بشجاعة يفتقدها في مواجهة أي قوة ومهما كانت درجة مواجهة الرجال ، العديد من لم ينتبه الى الأوامر التي أطلقها الرئيس البائد من جحر قيادته يدعو للقتل وتخريب العراق .

و أستلمت الاطراف المتعاونة في تخريب العراق ومحاولة إيقاف مسيرته والتي تستهدف التجربة والأنسان معاً ، تلك الإشارة بعد أن توفرت لها كل مستلزمات سطوتها وسيطرتها في الشارع العراقي بشكل ملموس عسكريا وأعلامياً ، بالأضافة الى أرباك الشارع العراقي مستغلة ضعف القوات الأمنية والعسكرية ، فتجمعت متكاتفة ومتحالفة لتنفيذها في وقت تتفرق فيه القوى السياسية الوطنية العراقية وتتصارع على أن تحتل أكبر مساحة من برلمان مؤقت تزاحم به الاخرين بطرق غير معهودة ومألوفة ، وتساند دول عديدة هذه الأطراف المتعاونة في قتل العراقيين توفر لها ساحات التدريب وتسهيل عمليات عبور الحدود وتوفر لهم الوثائق المزورة والأموال والعناصر التي يمكن أن يتم استغلالها من بهائم أشتهرت بها هذه الأمة دون سواها ، فيتم أعدادها كبهائم مفخخة تقتل كل من يقف بطريقها من كل الاحياء بشراً كان أو شجراً او حيوان ، فكل شيء مستهدف بعد ان يتم تلغيم جسد المنتحر بكميات ناسفة كبيرة بقصد قتل اكبر عدد ممكن من العراقيين بغض النظر عن اديانهم وقومياتهم وجنسهم وأفكارهم السياسية .
تكاتفت الأطراف المتعاونة على الشر من اجل استهداف الأنسان في العراق بعد ان وجدت التراخي من المسؤولين العراقيين في القبض على المسؤولين السابقين في السلطة البائدة الذين ارتكبوا الجرائم الخسيسة بحق ابناء العراق ، وبقي عناصر جهاز الأمن وقياداته وعناصر وقيادات جهاز المخابرات وقياداتها والأمن الخاص وقياداتها والأستخبارات وقياداتها وحزب البعث وقياداتــه مترقبين الملاحقة والمحاسبة والمحاكمة بعد التحقيق ، وبعد ان تبين لهم أن الناس منشغلة بتوزيع الكراسي والوظائف ، وان المنصب مايشغل هذه الجموع التي تراكضت تريد حجز مقعد لها أو مغنم لها قبل أن تستقر الأمور ، تنفست هذه العناصر ودخل السرور قلبها فالناس في واد والأرهابيين والمجرمين وعناصر الأمن والمخابرات والبعثيين في واد آخر .

وليس أعتباطاً ان يتم افراغ مخازن السلاح العائدة للقوات المسلحة العراقية المنهزمة من قبل الناس أمام انظار القوات المحتلة ، فلم يحدث في أي احتلال أن تقوم القوات المحتلة تمكين الناس أن تسيطر على مخازن الأسلحة العسكرية ، وليس اعتباطاً ان يتم ابقاء الحدود سائبة ومفتوحة ، كما ليس اعتباطاً ان يتم حل وحدات الجيش العراقي بكافة اصنافها ، و كما تحل قوات الشرطة وقوات الحدود وعناصر شرطة الكمارك وشرطة المرور دون ان يكون هناك بديل ، وليس اعتباطاً ان يتم انشاء جهاز للشرطة عليل وفقير لايتم توفير ابسط مستلزمات المواجهة أذ ليس هناك عدالة في التوازن مع مايملكه الأرهاب من قوة وأمكانيات ، ليطلب منه المواجهة ، وأذ يفتقر جهاز الشرطة والحرس الوطني الى التقنيات الفنية الحديثة في المواجهة ، كما يففتقر للأمكانيات التي تتوفر للأرهابيين يصبح الأمر غير معقول في مواجهة بين قوات الشرطة العراقية الوطنية وبين عناصر الأرهاب المدعومة والمدججة بالسلاح والأمكانيات والرعاية الداخلية والخارجية ، وليس اعتباطاً ان يتم القبض على عناصر ترتكب اعمال الشروع بالقتل والتفجير ليتم اطلاق سراحها لمعاودة عملها مرة اخرى ، وليس اعتباطاً أن يتم تشكيل لواء عسكري بقيادة قائد من قادة الزمن الصدامي البائد وارساله الى الفلوجة ، وليس اعتباطاً ان تبقى المرارة قاسماً مشتركاً في أرواح العراقيين حين يتم أغتيال المسؤولين يوما بعد يوم وتسجيل القضايا ضد مجهول ، وليس اعتباطاً ان يتم التحاور وأحترام القتلة والسفلة والسوقيين على أعتبار أن هناك مقاومة شريفة وأخرى غير شريفة .
ولم يلتفت مجلس الحكم ولاالحاكم المدني السفير بول بريمر الذي منع وزير الداخلية أن يصدر قراره بمنع دخول المواطنين العرب الى العراق خلال فترة معينة بقصد حماية الناس وتحديد حركة الأرهاب ، خجلاً من زعل الحكام العرب وعدم خدش التعاون العربي مع ان مايحدث من فجيعة أمنية تغزو الشارع العراقي حين يتمكن القتلة منازلة الحكومة وسط شوارع العاصمة ، وبدلاً من أن يستقيل المسؤولين يستمر الوضع بهذا الشكل المسرحي ، لينتقل الى الحكومة المؤقتة التي لم يكن حالها بأحسن من غيرها ، فيشتد ساعد الأرهاب ويصير المجرم قوياً وذا تأثير ومحترماً أحياناً يجد العديد من الستائر والواجهات التي يتخفى بها ، كما يجد من التعاطف ليس فقط العربي وأنما يتغلغل الى الداخل حيث تتكاتف معه المجموعات المبتلية بالجرائم لصالح سلطة صدام البائد بأعتبار أنه يرفع شعاراً وطنياً وشرعياً ، حتى صارت مؤسسات عربية مثل الجامعة العربية ورؤساء دول يستقبلون القتلة وقادة التنظيمات الأرهابية ومجموعات الخطف أستقبال الملوك بزعم معارضتهم للأحتلال ، وصارت دول أجنبية تضفي على عناصر تفتك بالعراق والعراقيين مسحة المعارضين وتساندهم وتمنحهم الدعم السياسي ليس ايمانا منها بهم وليس موقفا متعارضا مع النظام الجديد ، وانما موقفا يمثل التعارض مع الولايات المتحدة الأمريكية مالم يتم التنسيق في المصالح معها .

التعارض الدولي والتزاحم في ايجاد مواطيء القدم في العراق خصوصاً وفي المنطقة عموماً ، وحرب المصالح بين الدول الكبيرة كله صار فوق رأس العراقيين في كل مكان ، العراقيين الذين خرجوا من زمن صدام البائد ممتلئين بالنكبات والجروح والخيبات والأحباط واليأس ، بعد فترة زمنية قاحلة تخللها حصار بالغ القسوة فرضه مجلس الأمن بالأمم المتحدة على الشعب العراقي دون ان يؤثر على سلطة صدام بأي شكل من الأشكال حيث اشتهر النظام الصدامي بعدالته بتوزيع الظلم على كل العراقيين دون تفرقة ، بالأضافة الى القمع والموت والقسوة المفرطة التي كان يتعامل بها صدام وأجهزته القمعية مع العراقيين .

تنظيمات الأرهاب الدولي وتجمعات التطرف الديني والتحجر المذهبي كلها تقاطرت على العراق وتجمعت في الساحة العراقية تريد ان تثبت أنها تقاتل الأمبريالية العالمية في هذه الساحة ، العناصر التي أستكلبت على العراقيين من جهاز الأمن والمخابرات والأستخبارات والأمن الخاص ومن كان يعتقد ان لافرصة له من البعثيين ومن الذين تلطخت اياديهم بدماء اهل العراق تزاحموا وتجمعوا ليشكلوا فريقاً غير متجانساً من مجموعات القتل والأغتيالات تبطش بالعراقيين ، حتى من كان يعتقد واهماً انه يستطيع ان يخدم الاسلام بحرق الكنسية او الجوامع وتهديم وتفجير الأماكن المقدسة والأساءة الى الأديان والمذاهب ، ومن كان يعتقد بغباء ملموس انه بقتل المسيحي المسالم والمندائي والأيزيدي من البسطاء والفقراء من هذه الشرائح الممتلئة طيبــة وتسامحاً ونبلاً سيدخل الجنة ، وتقاطرت هذه النماذج لتشعل وتؤجج الذهنية المتطرفة والمذهبية الطائفية وتشيع الجريمة كوسيلة وسط ساحــة العراق ويكون البسطاء والفقراء من اهل العراق الوقود والضحايا .
والتوجه المتطرف لقتل الأنسان على الهوية مرض لم يكن قد انتشر في العراق ، وهو نتيجة لما كان النظام الصدامي يحقن به المجموعات التي علمها ووظفها وزرع فيها هذه الأفكار ، حيث حقنها بأفكار العداء للأنسان والأستخفاف بالحياة الأنسانية ، ولهذا قصد القتلة معتنقي الاديان من الأخوة العراقيين المسيحيين والأيزيديين والمندائيين بهدف قتلهم دون سبب سوى أيمانهم بدياناتهم وبالله الواحد الأحد الذي تؤمن به جميع الديانات في العراق .
وتزاحم شيوخ الجوامع العربية الذين قرروا اطالة لحاهم وتقصير ملابسهم ليصدروا أوامرهم للشباب العربي المغرر به والذي غاب عنه العقل والحكمة ومعرفة الحقائق ليقبلوا أن يصيروا بهائم مفخخة ليس لحياتهم معنى ، ليقتلوا أكبر عدد ممكن من العراقيين اعتقاداً منهم انهم سيعبرون الى الجنة عبر أشلاء ودماء العراقيين ، وبدعم واضح من بعض الأثرياء العرب الذين يجدون أن ثوابهم يأتيهم عبر دماء وأشلاء الفقراء من العراقيين .
وأظهرت لنا التحقيقات والمحاكمات خواء وعدم جدية المساهمة بأيقاف الأرهاب والأقتصاص من المجرمين ليكون العقاب القاسي رادعاً لغيرهم وليكونوا عبرة لمن أعتبر ، ولتكون العقوبات بما يتناسب مع حجم الجريمة المرتكبة ووضع العراق الأستثنائي والشائك ، فقد كانت التحقيقات لاتتناسب مع الخطورة الاجرامية لهذه التجمعات والعناصر ، مثلما كانت العقوبات لاتمثل أدنى مستويات الردع .
ويوميا يعطي العراق ضريبة مستمرة من ابناءه البررة في الوقت الذي بقيت فيه الأحزاب تتنافس على أن تكون لها مراكز في الوزارات ، وان تختلف على الوزارات السيادية والوزارات غير المهمة ، وبقي الملف الأمني للأرهاب يتفاقم يوما بعد يوم مع ان منابعه معروفة وقياداته مشخصة دون ان يستطيع احد ان يتعرض لها بسوء ، وسيبقى الملف الأمني هو الأكثر أهمية يسجل خسارة العراق لأولاده الأبرياء دون ان يجد من يوقف نزيف هذا الشريان الذي لايد لأهل العراق فيه .
الأمن ثم الأمن ومن ثم الامن ، فمتى يتم الالتفات الى الأمن ويلتفت المسؤولين الى ان المواطن العراقي بلاحماية ولا سلاح ولا مصدات وخطط أمنية ، وأن المواطن العراقي أعزل لاسقف يحميه سوى رحمة الله .
ويبقى الملف الأمني والأرهاب الهاجــس الأساسي والأول الذي يشغل البال في العراق ، ودون مواجهة حقيقية وفاعلة وبعيدة عن الوعود والتخيلات لن تستطيع السلطة الجديدة أن توقف زحف الأرهاب ، ودون مواجهة عسكرية بحجم القوة التي يندفع بها الأرهاب ويعمل وفقها في العراق .
كما يبقى الأرهاب من الافعال الاجرامية ضد الانسانية والتي ترقى لمستوى جرائم الأبادة الجماعية ، سواء بالفعل او بالتحريض أو بالأشتراك أو بالشروع .

زهير كاظم عبود
السويد – مالمو 2006

الأرهاب

ورد في ( المنجد في اللغة ) الطبعة 36 بالصفحة 282 : أرهبه أي خوفه ، يقال ارهب عنه الناس بأسه ونجدته ، أي ان بأسه ونجدته حملا الناس على الخوف منه .
والرهبة من الخوف المقترن بالعنف والقسوة ، وتطلق عليه في اللغة الانكليزية كلمة ( Terrorism ) .
وورد في القــرآن الكريم في ســـورة الاعراف السورة السابعة الآية 116 ( وأسترهبوهم ) ، بمعنى فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُن النَّاس وَاسْتَرْهَبُوهُمْ " أَيْ خَيَّلُوا إِلَى الْأَبْصَار أَنَّ مَا فَعَلُوهُ لَهُ حَقِيقَة فِي الْخَارِج وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا مُجَرَّد صَنْعَة وَخَيَال ، كما أورد كلمة يرهبون في نفس السورة الآية 154 ، بمعنى هُدًى وَرَحْمَة لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " ضَمَّنَ الرَّهْبَة مَعْنَى الْخُضُوع ، كما وردت عبارة ( ترهبون به عدو الله ) في سورة الانفال الثامنة الاية 60 بمعنى تُرْهِبُونَ " أَيْ تُخَوِّفُونَ " بِهِ عَدُوّ اللَّه وَعَدُوَّكُمْ " أَيْ مِنْ الْكُفَّار.
كما وردت في سورة الانبياء 21 في الآية 90 وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ، كما أوردت الاية 59 من سورة الحشر الاية 13 ( أشد رهبة في صدورهم ) ، بمعنى يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَر مِنْ خَوْفهمْ مِنْ اللَّه .
وبالنظر لعدم الاتفاق على تعريف للأرهاب ، فقد اجمع الشراح والفقهاء على ان الأرهاب عملاً من الأعمال التي تتسم بالعنف والرعب والافعال المحرمة قانونا وبقصد نشر الخوف في نفوس الناس الامنين وأشاعة الأضطراب والرهبة في الحياة الأنسانية ، وللتعرف على بعض هذه التعاريف نستعرض قسم منها للوصول الى تعريف جامع .
يعرف الإرهاب الدولي على انه عمل ارهابي يشمل مواطنين اومناطق تنتمي لاكثر من دولة واحدة ‏.‏
وينسحب الإرهاب الى كل عمل يحاول فرض أفكار أو مذاهب أذا أقترن ذلك العمل بالقوة والأساليب القسرية والوسائل التي تعدم حرية الاختيار عند الإنسان .
أما الجماعة الإرهابية فتعرف على انها اي جماعة ارهابية تشارك مباشرة‏ ‏او من خلال جماعات فرعية تتبعها‏ في الارهاب الدولي وتمارس أفعال تدخل ضمن معاني الأرهاب أو تحرض عليه أو تشرع فيه فلا تستطيع أكماله لسبب لادخل لأرادتها فيه ، او تشترك في المساهمة الفعلية ‏.‏
وبالنسبة للارهاب ففي الوقت الذي يشير السكرتير العام للأمم المتحدة الي ضرورة الانتهاء من إتفاقية مكافحة الأرهاب وتوقيعها وتنفيذها استنادا الى تعريف واضح ومتفق عليه للارهاب باعتباره اي عمل يستهدف القتل او التسبب في ضرر جسماني بالغ موجه للمدنيين او غير المحاربين بهدف ترويع السكان او اجبار الحكومة او منظمة دولية علي القيام بعمل او الامتناع عنه ، فأن هناك عدة تعاريف ، وعدة وجهات نظر بهذا الخصوص .
في تعريف للدكتور عمرو أسماعيل منشور على الأنترنيت : (( أن استهداف المدنيين في اي عمل هو ارهاب .. سواء كان المبرر هو المقاومة أو غيرها ..مقاومة محتل أو حكومة ظالمة .. وحتي استهداف المدنيين بحجة الحرب علي الارهاب هو في حد ذاته أرهاب .. ))

من يقتل مدنيا ويستهدف مواقع مدنية هو ارهابي .. سواء رفع شعار الدين أو رفع شعار الديمقراطية .. سواء كان شخصا أو جماعة أو دولة ومهما كانت قضيته عادلة ومهما كانت شعاراته براقة .. ومهما ادعي أنه مظلوم أو أنه يدفع الظلم ..

ولن يمكن القضاء علي العنف السياسي ألا أن كان الحد الأدني للحياة الكريمة مكفولا للجميع مع تطبيق القانون علي كل من يرفع السلاح ..
لن يمكن القضاء علي العنف السياسي ألا أن كانت هناك وسائل أخرى للتعبير السلمي عن المطالب السياسية ..
لن يمكن القضاء علي العنف السياسي ألا أن كان هناك أمل في التغيير السلمي والدوري للسلطة الحاكمة ..
لن يمكن القضاء علي العنف السياسي والديني ألا أذا حصل أي شعب محتل علي حقه في تقرير المصير وحقه الطبيعي في الاستقلال .
أما الدكتور منذر الفضل فيقول :
(( الارهاب من الرهبة اي الخوف او هو التخويف واشاعة عدم الاطمئنان وبث الرعب والفزع ( ( Terrorوغايته ايجاد عدم الاستقرار بين الناس في المجتمع لتحقيق اهداف معينة , فالارهاب هو العنف المخيف ويقال في اللغة الراهبة اي الحالة التي تفزع , كما ان العنف الذي يمارس ضد الانسان وحقوقه الاساسية هو الارهاب ايا كان مصدره او القائم به. ويقال عن الرهيب والمرهوب هو ما يخاف منه من عمل او فعل يثير الخوف اي الرعب Fright ) ) و عن تعريف الارهاب فيمكن وصفه على انه العنف السياسي اي الرعب والخوف الذي تقوم به جماعة او افراد او شخص او دولة او منظمة لتحقيق اغراض او اهداف معينة من وراء ذلك. وهو ظاهرة من ظواهر الاضطراب السياسي في العصر الحديث .
وحين تقوم بالاعمال الارهابية جماعات او حركة او حزب يتخذ من الاسلام ثوبا يصبح القائمين والمتورطين بالعمل مرتكبين لجريمة دولية عمدية , اي ترتكب قصدا , وهو عنف سياسي لا يمكن تبريره يزعزع الامن والسلم ويهدد الاستقرار ويضر بحقوق ومصالح الابرياء الذين لا علاقة لهم بالصراعات السياسية . ))

وعلى سبيل المثال نرى وفقا لما ورد في المعجم القانوني ان الرهبة تعرف على انها ذعر أو رعب أو فزع أو حالة ذهنية تسببها الخشية من ضرر جراء حادث أوأي مظهر من مظاهر الرهبة أو هي خوف يسببه ظهور خطر.
وعنف الترهيب يمكن ان يرتكب اما لاسباب عادية أو لاسباب سياسية. ويمكن ان ترتكب افعال عنف الترهيب من قبل فرد أو مجموعة افراد تشكل عصابة أو جمعية أو منظمة وكذلك يمكن ان تقترف من قبل دولة من الدول ايضا ويطلق على هذا الشكل "ارهاب الدولة" أو ارهاب تسانده الدولة أو ارهاب ترعاه الدولة.

كما يمكن أن يتم تعريف (( الارهاب )) وفقاً لما أوردة بعض القانونيين على انه ظاهرة من الظواهر التي تعكس الأفعال الناتجة عن أفعال العنف والقسوة والرعب تجاه البشر ، كما اعتبر الارهاب على انه اسلوب من اساليب الصراع الذي تقع فيه الضحايا الجزافية أو الرمزية كهدف عنف فعال . .
و يقدم لنا الدكتور محمود شريف "بسيوني" رئيس المعهد الجنائي الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية ( ISISC ) في مدينة سيراكوزا بأيطاليا والتابع للأمم المتحدة ، تعريفا حديثا حيث يقول: أن "الارهاب هو استراتيجية عنف محرم دوليا تحفزها بواعث عقائدية (ايديولوجية) أو تتوخى احداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة أو للقيام برعاية لمطلب أو لمظلمة بغض النظر عما اذا كان مقترفو العنف يعملون من اجل انفسهم ونيابة عنها ام نيابة عن دولة من الدول.
ويمكن القول ان غياب الاتفاق الدولي على الحد الادنى من الاتفاق على تعريف شامل ومتفق عليه للأرهاب ، وقف حائلا حتى الآن دون تبني تعريف مقبول لمصطلح الارهاب من قبل المنظمات الدولية المعنية بهذا الامر ، وكان هذا هو الحال فيما يتعلق بتعريف ظاهرة العدوان .
وتكمن المشكلة الرئيسية في تعريف الارهاب بدرجة معينة من الوضوح والدقة في انه ، كما يشير إلى ذلك الفقيه القانوني ليليش" كان حتى الان "جملة من الافعال التي حرمتها القوانين الوطنية لمعظم الدول، اضافة إلى افعال معينة جرمتها.. اتفاقيات دولية على وجه التخصيص.
وهكذا، وخلافا لما هو عليه الحال بالنسبة لعدد متزايد من القوانين الوطنية حيث يعتبر الارهاب جريمة بحد ذاته، فان الحال ليس كذلك في القانون الدولي حيث يبدو الارهاب مجرد تسمية أو خطة ينضوي تحتها عدد من الجرائم المعرفة تماما.
فكما هو معروف فان اتفاقية منع ومعاقبة الارهاب لعام 1937م. الموقعة تحت رعاية عصبة الامم المتحدة كانت اول محاولة لتقنين الارهاب على الساحة الدولية. لكن لم يكتب لها النجاح ولم تصبح نافذة المفعول نتيجة لعدم تصديقها الا من قبل دولة واحدة فقط.
كما ان تلك الاتفاقية بما فيها من مزايا ومثالب، لم يتم احياؤها أو المناداة بها من قبل اية دولة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الامم المتحدة عام 1945م.
لكن بعد تأسيس هيئة الامم المتحدة اتخذت الجمعية العامة كثيرا من القرارات المتعلقة في موضوع الارهاب الدولي ، وكذلك تم التوقيع على اتفاقيات دولية قائمة متعلقة بمختلف جوانب مشكلة الارهاب الدولي ، ومن بينها الاتفاقيـــة المتعلقة بالجرائم وبعض الاعمال الاخرى المرتكبـة على متن الطائرات الموقعـــــة في طوكيو في 14/ ايلول 1963م... الخ. وجميع هذه الاتفاقيات والقرارات تشجب جميع الاعمال الارهابية بما فيها الاعمال التي تتورط الدول في ارتكابها بشكل مباشر أو غير مباشر، والتي تشيع العنف والارهاب، وقد تؤدي بالارواح البشرية الى الهلاك وتسبب اضرارا مادية تهدد سير العمل الطبيعي للعلاقات الدولية.
اذاً فالارهاب هو استخدام طرق عنيفة كوسيلة، الهدف منها نشر الرعب على اتخاذ موقف معين أو الامتناع عن موقف معين.
ومن هذا التعريف يتضح لنا ان ملامــح جريمة الارهاب قد تختلف عن غيرها من الجرائم .
ومع أن أركان الجريمة متوفرة فيها ، فالركن المادي المتمثل في السلوك ألأجرامي سواء بالترويج للفكر المتطرف او الممارسة الإرهابية في حيازة الوسائل والأدوات المستعملة في ارتكاب الجرائم او ممارسة الوسائل القسرية في إجبار وقسر الأشخاص للانضمام إلى تلك التنظيمات الإرهابية ، او من خلال ركنها المعنوي المتمثل في توجيه إرادة الفاعلين إرادتهم إلى ارتكاب تلك الأفعال الإجرامية سواء منها المحددة أو الاحتمالية ، أي بقصد ارتكاب جريمة معينة او مايترتب عليه من جرائم أخرى .
وتوفر القصد الجنائي مهم في هذه الجرائم فيتحقق القصد ألجرمي للفاعلين وتعد الجريمة الإرهابية عمديه أذا توقع الفاعلين النتائج الإجرامية الحاصلة بنتيجة أفعالهم التي أقدموا عليها غير عابئين بالنتائج ، او متقبلين لما يحصل ، وهو ما يحصل في جميع الأفعال الإجرامية التي ترتكبها المجموعات الأرهابية المتطرفة .
ونستطيع أن نتلمس أرادة الجناة أو الجاني في الجرائم الإرهابية من خلال توجيه تلك الإرادة لارتكاب ذلك النشاط الإجرامي الذي يحقق النتائج الإجرامية .
لكن الجريمة الإرهابية تتحقق في التنظيمات الإرهابية التي تعتمد الابتزاز والقسوة والاستغلال في توجيه النشاط الإجرامي ، أي أن النشاط الإرهابي يتحقق بمجرد التوجه لتحقيق الأغراض الإرهابية التي تدعو اليها وتريد تحقيقها بالوسائل غير القانونية ، بالإضافة إلى انسحاب تلك الصفة على المشتركين في التنظيمات الإرهابية ومن يمد لها يد العون والمساعدة بالمال أو السلاح أو بأية كيفية كانت .
ومع أن اثبات القصد الجنائي يقع على سلطة التحقيق والى قاضي التحقيق المختص ، فأن خصوصية هذه الجرائم من خلال ما أفردته القوانين العقابية لها من نصوص ، بالإضافة إلى ما عززته الاتفاقيات الجنائية الدولية ، وما يلزم الدول في مكافحة الإرهاب دوليا لخطورته على حياة المجتمعات .
وفي قانون العقوبات العراقي المرقم 111 لسنة 1969 المعدل فأن أحكام القانون تسري على جميع الجرائم التي ترتكب في العراق أذا وقع فيه فعل من الافعال المكونة لها ، او اذا تحققت فيه نتيجتها ، أو كان يراد ان تتحقق فيه ، وفي جميع الأحوال يسري هذا القانون على كل من ساهم في جريمة وقعت كلها او بعضها في العراق ، ولو كانت مساهمته في الخارج سواء كان فاعلا او شريكا .
ويشمل هذا الأختصاص جميع اراضي الجمهورية العراقية وكل مكان يخضع لسيادتها بما في ذلك المياه الاقليمية والفضاء الجوي الذي يعلوها ، كما تخضع السفن والطائرات العراقية لأختصاص جمهورية العراق الاقليمي أينما وجدت .
وأورد الباب الثالث من القانـون في باب الجريمة ، ضمن أحكام الفصل الأول ( الجرائم من حيث طبيعتها ) تقسيم الجرائم الى عادية وسياسية ، وعرفت الفقرة الأولى من المادة 21 الجريمة السياسية بأنها الجريمة التي ترتكب بباعث سياسي ، أو تقع على الحقوق السياسية العامة أو الفردية ، وفيما عدا ذلك تعتبر الجريمة عادية .
وحسماً للأمر وحتى تكون الأمور أكثر وضوحاً ً فقد نصت الفقرة الثانية من نفس المادة على عدم أعتبار الجرائم المدرجة أدناه من الجرائم السياسية ولو كانت قد ارتكبت بزعم أو بباعث سياسي :-
1- الجرائم التي ترتكب بباعث أناني دنيء .
2- الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي .
3- جرائم القتل العمد والشروع فيه .
4- جريمة الأعتداء على حياة رئيس الدولة .
5- الجرائم الأرهابية .
6- الجرائم المخلة بالشرف كالسرقة والأختلاس والتزوير وخيانة الأمانة والأحتيال والرشوة وهتك العرض .
وهكذا أعتبر قانون العقوبات جرائم الأرهاب من الجرائم العادية التي لاتنطبق عليها مواصفات الجريمة السياسية .
ويمكن تعريف الجريمة السياسية بشكل عام على أنها : (( الفعل الذي يريد تحقيقه الجاني بشكل مباشر أو غير مباشر هادفا إلى تغيير الوضع السياسي للدولة أي إلى إقامة وضع على صورة تختلف عن صورته القائمة بالفعل والتي يفترض في الظاهر أن الكثرة الغالبة من المواطنين تقرها ، بحيث يشكل اعتداءا على النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي للدولة )).
فالجريمة السياسية تتميز بأن الباعث على ارتكابها والغرض من اقترافها كلاهما سياسي ، وتتميز كذلك بأن الحق المعتدى عليه فيها أيضا سياسي .
وقد اتسع مفهوم الجرائم السياسية ، وانقسم الرأي فيها إلى مذهبين :
المذهب الشخصي ويكتفي بشكل الباعث الذي دفع المجرم إلى ارتكاب جريمته مما يوجب أن يتم البحث عن الباعث فكلما كان الباعث سياسيا اعتبرت الجريمة سياسية ، وذلك بغض النظر عن موضوعها .
أما المذهب الموضوعي فلا يكتفي لاعتبار الجريمة سياسية بأن يكون الباعث على ارتكابها سياسيا ، وإنما يعتد فوق ذلك بطبيعة موضوع الجريمة أو الحق المعتدى عليه. فالجريمة برأي هذا المذهب ، تكون سياسية إذا كان موضوع الاعتداء هو أحد الحقوق السياسية أو أحد أوضاع الدولة السياسية بوصفها سلطة عامة ونظام سياسي .ويرى أنصار المذهب الموضوعي بأن الجريمة تبقى عادية حتى لو الباعث عليها سياسيا إذا كان الحق المعتدى عليه ليس له صفة سياسية ، كأن يعتدى على حقوق الأفراد العادية ( الملكية مثلا ) أو الاعتداء على أملاك الدولة الخاصة أو العامة بدون أن يكون لتلك الأملاك أي صفة سياسية أو ارتباط بأي وضع سياسي.
ومن الجرائم السياسية : الاعتداء على أمن الدولة ، كالتآمر لتغيير نظام الحكم ، أو العمل على تغيير الدستور ، وجرائم المطبوعات ( جرائم الرأي ) والصحافة التي تتعرض للحقوق السياسية وكجرائم الغش في الانتخابات مثلا .
والجدير ذكره أن الرأي الغالب في الفقه الجزائي المعاصر يميل إلى إخراج الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي من طائفة الجرائم السياسية كجرائم الخيانة والتجسس والتآمر مع العدو.
إلا أن الاتجاه العالمي يعتبر أن الاعتداء على رئيس الدولة بالاغتيال أو غيره لا يمكن أن يعتبر جريمة سياسية ، لأن حياة رئيس الدولة مصونة كأي إنسان أو فرد في المجتمع ، ولا يمكن القول بأن القتل أو الاغتيال يمكن يكون جرما سياسيا وإنما يندرج ضمن الجرائم العادية.
وعليه نقول ، إن تصنيف الجرائم إلى سياسية وأخرى عادية ، هو تصنيف يهدف إلى معاملة ( المجرم السياسي ) معاملة خاصة ، باعتبار أنه لم يرتكب جرمه بدافع الكسب أو السرقة أو لدافع إجرامي بحت ، وإنما لهدف سياسي ومن باعث سياسي أيضا .
ولذلك ، فإن الاتجاه العالمي مستقر على استثناء عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية أي عدم تطبيقها على المجرمين السياسيين ، وكذلك عدم تعريضهم للعقوبات التي تترافق مع الأشغال الشاقة أو الحبس مع الشغل في السجون ، فهم يحبسون فقط دون أن يشغلوا ، كما أن المجرمين السياسيين يشملهم العفو أكثر من غيرهم ( في الدول الديمقراطية طبعا ) وكذلك فإن أكثر التشريعات تمنع تسليم المجرمين السياسيين .
وحدد القانون في المادة ( 47 ) منه تعريفاً محدداً للفاعل الأصلي للجريمة فعد من ارتكبها وحده او مع غيره ، او من ساهم في ارتكابها اذا كانت تتكون من جملة افعال فقام عمدا اثناء ارتكابها بعمل من الاعمال المكونة لها .
ومن دفع باية وسيلة شخصا على تنفيذ الفعل المكون للجريمة ، اذا كان هذا الشخص غير مسؤول جزائيا عنها لأي سبب .
وعاد القانون ليحدد ضمن نص المادة 48 الشريك في الجريمة فعد كل من :
1- من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض .
2- من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت بناء على هذا الاتفاق .
3- من اعطى الفاعل سلاحا او الات او اي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها او ساعده عمدا باي طريقة في الاعمال المجهزة او المسهلة او المتممة لارتكابها .
كما عد القانون كل شريك كان حاضرا اثناء ارتكاب الجريمة او ارتكاب اي فعل من الافعال المكونة لها بحكم الفاعل الاصلي للجريمة .
كما عد القانون الأتفاق الجنائي بين شخصين أو أكثر على ارتكاب جناية او جنحة من جنح السرقة والأحتيال والتزوير سواء كانت معينة او غير معينة او على الافعال المجهزة او المسهلة لارتكابها متى كان الاتفاق منظما ولو في مبدا تكوينه مستمرا ولو لمدة قصيرة .
ويعد الأتفاق جنائيا سواء كان الغرض منه أرتكاب الجرائم أو أتخاذها وسيلة للوصول الى غرض مشروع .
واورد القانون الظروف المشددة في العقوبات حيث عد ارتكاب الجريمة يياعث دنيء وارتكاب الجريمة بانتهاز فرصة ضعف ادراك المجني عليه او عجزه عن المقاومة او في ظروف لاتمكن الغير من الدفاع عنه ، وكذلك استعمال طرق وحشية لارتكاب الجريمة او التمثيل بالمجني عليه ن واكذلك استغلال الجاني في ارتكاب الجريمة صفته كموظف او اساءته استعمال سلطته او نفوذه المستمدين من وظيفته .
ويلاحظ ان السمة الغالبة على الجرائم الإرهابية المرتكبة تتسم بالتعدد فالفعل الواحد يكون جرائم متعددة ، مما يوجب أن تكون العقوبة رادعة وتتناسب مع حجم الجرائم الأرهابية المرتكبة .
كما يأخذ الإرهاب صورا عديدة منها العنف المصحوب بالقسوة ، والترويع والتخويف ماديا أو معنويا ، والتهديد بأشكاله المتعددة ، إذ أن الإرهاب بدأ يستعمل أسلحة خطيرة وتهدد المجتمع الإنساني ، بالإضافة إلى استغلاله التكنولوجيا وما وفرته من معلومات استغلالا سيئا وإجراميا بقصد أحداث أكبر الأذى والضرر في أكثر عدد من أعضاء المنظومة البشرية .

التعاون الدولي للقضاء على الإرهاب 

أذا كان الأرهاب يعني الأستخدام المتعمد لوسائل أرتكاب الأفعال الضارة التي تعرض حياة الأفراد أيا كانت جنسياتهم للخطر ، بالأضافة الى الأضرار بممتلكاتهم المادية من خلال الحرق والتفجير والأغراق وأشعال المواد الضارة وأستخدام المواد الخانقة ، وأثارة الفوضى في وسائل المواصلات وأعاقة خدمات المرافق العامة ، وتلويث المياه وأتلاف المحاصيل الزراعية والمنتجات الزراعية ، فأن التعريف يشير بشكل واضح الى أستعمال القوة والعنف والتهديد لأثارة الخوف والذعر أو الترويع الذي يلجأ اليه الجناة لتنفيذ اتفاقهم الجنائي الفردي او الجماعي بما يخل بالنظام العام ويعرض المجتمع للخطر الجسيم .
وتعد الافعال المجهزة او المسهلة لارتكاب الاتفاق الجنائي سواء كانت معينة او غير معينة ، كما يقع تحت طائلة العقوبة كل عضو في الاتفاق الجنائي ولو لم يشرع في ارتكاب الجريمة المتفق عليها وكل من سهل للاعضاء اجتماعاتهم او آواهم او ساعدهم باية صورة مع علمه بالغرض من الاتفاق الجنائي .
وللأرهاب أسبابه ووسائله وظروف أنتشاره والبيئة التي يجدها صالحة ليتغلغل فيها باعتباره جريمة مخطط لتنفيذها مع سبق الأصرار ، ومن ضمن الأسباب التي تساهم بفعالية في أيجاد بيئة مناسبة لأنتشار هذه الظاهرة الأرهابية التي تتعارض بصدق مع التوجهات الأنسانية للأديان السماوية والنظم الأجتماعية ، وتكشف بما لايقبل الشك أن التنظيمات الأرهابية والمتطرفة تتخذ من الأديان والكتب السماوية ستاراً وبرقعاً لتبرير أعمالها الاجرامية ، مثلما تسلك السلوك المتطرف من خلال السيطرة على النفوس الطائشة أو القابلة للتطرف وخصوصاً من الشباب ضعاف الشخصية و من القابلين للأنقياد بسهولة من المتبرقعين بلبوس الدين الأسلامي ، وتوظيفهم لغايات أرهابية بعد ايهامهم أنها من أسس الدين الأسلامي وموجبات الشريعة السمحاء ، كما أن الفقر المدقع الذي تعج به المجتمعات التي تنتشر في أوساطها الظاهرة الأرهابية ودور المال في أيجـــاد الأنصار والمريدين من المحتاجين والفقراء والمعوزين ، بالإضافة الى تردي الأداء و تسلط النظام السياسي العربي والهيكل الاجتماعي غير العادل وأنتشار الفساد السياسي والأجتماعــي اوالاستغلال المنحرف للدين ، وظهور التطرف الديني وبروز ظاهرة التكفير والانتهاك المنتظم لحقوق الانسان والتمييز الطائفي والقومي والتهميش الاقتصادي والاستلاب الثقافي والتراجع المريع لدى المجتمعات وبقائها أسيرة القيم البالية والمتردية ، يمكن أن تكون ضمن الاسباب الجذرية للارهاب ، كما أن الصراعات الاقليمية يمكن أيضا أن تكون ذريعة للاعمال الارهابية وعمليات المنظمات الارهابية.
وعلى هذا الأساس كانت المنطقة العربية البؤرة الصالحة والحاضنة المريحة والمناسبة لأنتشار الفكر الأرهابي والمتطرف ، خصوصاً تمكن المتطرفين من أيجاد غطاء ديني للعمل بين الأوساط الأجتماعية بالنظر لتمسك المجتمع بالقيم الدينية والشرعية في هذه المنطقة ، وأضافة الى تنمية وتقوية التنظيمات الأرهابية بقصد تحقيق الأحلام المتطرفة التي تجيش في عقل القيادات التي تتخذ من العمليات الأرهابية وسائل للوصول الى غايات وأحلام تراود عقول القيادات بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة .
على الرغم من وجود قبول واسع بأن هناك عوامل معينة توفر بيئة مناسبة لنمو الإرهاب فانه من المهم أيضا أن نأخذ في الحسبان تحديد الاسباب الجذرية هي مهمة غاية في الصعوبة وعلى ذلك فانه بينما نقوم بتحديد العوامل الاساسية التي تؤدي إلى ظهور الإرهاب مع الأخذ في الاعتبار أن عملية التحديد هذه لا نهاية لها. ، علينا أن نشخص بدقة الأسس التي نتمكن معها القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة ونضع الطرق التي توظف الجهد الأنساني من أجل حماية الناس وتحجيم دور الأرهاب وتجفيف منابعه بالتالي .
وأزاء تنامي قدرة التنظيمات الأرهابية في المنطقة تحت شتى الأسماء والأهداف ، بالأضافة الى تمكنها من أنشاء قواعد وتنظيمات خارج المنطقة العربية أو في العديد من الدول المجاورة لها ، وحتى ضمن مساحة الدول الأوربية بحكم تمكن بعض العقول المتطرفة والمتحجرة من الهجرة الى هذه الدول والحصول على جنسياتها أو الأقامة بها بشكل مشروع أو غير مشروع ، مما يستدعي ويتوجب على هذه الدول عدم منح الحماية القانونية تحت أية ذريعة لهذه النماذج لخطورتها الاجرامية على مجتمعها وبالتالي على المجتمعات الإنسانية .
ومن خلال قراءة موضوعية لمايدور ويحصل في عدة مناطق ساخنة تتحكم بها ظروفها في العالم ، وخصوصاً العراق الذي اتفقت القوات المحتلة والتنظيمات الأرهابية أن تتخذه ساحة لحربها ومعاركها فقد أصبح الإرهاب والتطرف تهديداً مستمراً للسلم والامن ولاستقرار جميع البلدان والشعوب ، ويجب ليس فقط ادانتهما والتصدي لهما بصورة شاملة من خلال اعتماد استراتيجية شاملة فاعلة موحدة وجهد دولي منظم يركز على الحاجة إلى الدور الريادي للامم المتحدة. ، وأنما ينبغي تفعيل القدرات والأجراءات والنصوص العقابية التي يتم تطبيقها على من تتم ادانته من مرتكبي فعل الإرهاب ، وأسناد المؤسسات التي تتولى التصدي لهذه الظاهرة لتقوم بعملها في أعادة تقويم سلوك الأفراد ممن يتم تنفيذ الأحكام بحقهم بما يكفل عودتهم بشكل طبيعي الى المجتمع .
وبعد ان شعرت بعض قيادات الأقطار العربية بمدى فداحة الخطر الذي يجتاح منظومتها الأنسانية والسياسية والشعبية نتيجة تنامي قوة الأرهاب وتغلغله في بلدانها حتى بين القيادات الدينية نفسها ، شعرت هذه الدول بحاجتها لمخطط ومؤسسات تتصدى للهجمة الشرسة والظالمة التي تشنها القوى الارهابية من اجل خراب المجتمعات ، ونشر الفوضى والرعب بين الناس ، وأصبح الأمر يلزم أن تتم اللقاءات والأجتماعات والمؤتمرات الفاعلة لبحث هذه الظاهرة ورصدها ومعالجتها أنسانيا وعلمياً ، قانونيا وسياسيا ووفق مايفهمه علماء الأجتماع وعلماء الدين أيضاً .
وبصرف النظر عن أية ذريعة يسوقها الارهابيون تبريراً لاعمالهم فان الإرهاب لا يجد له مبرراً ولا أي مسوغ منطقي في الوجود السياسي او الديني .
كما ان الإرهاب تحت كل الظروف وبغض النظر عن كل الدوافع المزعومة يجب أن يدان وأن يساهم الجميع في التصدي له وأجتثاثه وقلع مصادره و تجفيف منابعه دون تحفظ. لان طبيعة العنف التي يتميز بها الإرهاب تجبر المجتمع الدولي على التركيز على اتخاذ الإجراءات الكفيلة للقضاء على المنظمات الارهابية ومنع الاعمال الارهابية أن تنتشر ضمن المجتمعات الامنة .
وبنتيجة التطورات التي نتجت بفعل تنامي قدرة التنظيمات الأرهابية في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال ، ينبغي بذل محاولات جادة لتسوية المنازعات الاقليمية والدولية سلميا ، من أجل تفويت الفرصة أمام المنظمات الارهابية لاستغلال معاناة الشعوب التي ترزح تحت وطأة ظروف غير عادلة ونشر أيديولوجيتها المضللة ، وإيجاد أرضية خصبة لتجنيد الافراد وممارسة أنشطتها غير الشرعية بما يضر بالحياة الأنسانية واستقرارها ، فقد سعى المؤتمر العربي لمكافحة الأرهاب المنعقد في الرياض قبل فترة الى أصدار عدد من التوصيات التي لو أتيح لها المجال الحقيقي النابع من حرص الدول التي تعهدت بالألتزام بمكافحة الأرهاب بتطبيقها لتتحول الى مساهمة جدية وفاعلة في أجتثاث الأرهاب في المنطقة والتضييق على مصادره ومنابعه .
فالارهاب ليس له دين معين ، وهو غالبا ما يتستر بالدين أو المذهب ، كما انه ليس له هوية او جنسية أو منطقة جغرافية محددة ، وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن أية محاولة لربط الإرهاب بأي دين سيساعد في حقيقة الامر المجموعات الإجرامية المتخذة من الإرهاب وسيلة لعملها وغطاءا وتبريرا ربما ينخدع العديد من الناس بهذه المزاعم ، مادمنا نعرف أن الإرهابيين يتخذون الدين وسيلة وستار وغطاء لتبرير جرائمهم ، أذ ينبغي على القيادات الدينية الحريصة حقاً على المجتمعات وبقاء الدين الإسلامي ناصعاً دون أساءة أو تحريف لمعانيه ، ودون تسويق للمعاني الجليلة للدين بغرض توظيفها لتمرير أرتكاب الجرائم التي تقصد أحداث الخلل في الحياة الأجتماعية ، وبث الرعب والترويع في النفس الأنسانية ، وممارسة سلوكاً أجرامياً مشيناً بذبح الناس وبتر أعضائهم وقتلهم على التهمة دون تحقيق أو محكمة قانونية أو شرعية أو ذنب أو جريمة ، او بناء على وشاية دون التأكد من صحتها ، وبالتالي تحويل الدين الى وسيلة من وسائل تبرير الجرائم ضد الناس الأبرياء ، والتبرقع تحت غطاء الدولة الأسلامية ، وأن الحكم لله وحده ، وتعيين انفسهم وكلاء لله بالقوة البالغة الخطورة ، واستخدام الوسائل الإرهابية في نشر أفكارهم وعقائدهم ، مما يستوجب أن نتصدى بشكل جاد الى هذه الوسائل التي تتعارض مع الدين الأسلامي ومع كل الديانات والشرائع السماوية ، وينبغي رفضه بشدة ومن ثم ينبغي اتخاذ التدابير للحيلولة دون تمكين هذه التنظيمات من الأستمرار بأستعمال الغطاء الديني ، مما يوجب على القيادات الدينية الحقيقية أن تفضح الأعمال الأجرامية التي ترتكبها هذه التنظيمات والبعيدة عن المنهج والتطبيق الديني الإسلامي الحقيقي ، والإساءة البليغة التي تلحقها بالأسلام الحنيف ، وأصدار الفتاوى التي تحرم الموت أنتحاراً أو التي تساهم في خداع الشباب ودفعهم الى الموت المجاني بشكل عام ، أذ يشكل السكوت عن مصادرة الدين وأتخاذه برقعاً تلتف به عناصر الأرهاب ، وأن يصار الى توعية الناس والأشارة الى التعاليم الحقيقية للديانة الأسلامية .
وإذ يقول الله تعالى في محكم كتابه المبين :
((قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون )) .
وقال تعالى : (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ))
ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار )
يعتمد بعض من المسلمين على فتاوى فقهاء الدين التي تيسر لهم حياتهم والتزاماتهم وتساهم في حل إشكالاتهم الفقهية منها والعملية ، ويلتزم منهم وفق ما ترسمه تلك الفتاوى فعلا وقولا ، ولرجال الدين الفقهاء الدور الأساس والمهم في تبسيط تلك الفتاوى والمسائل ، من خلال الدراسات التي تبسط أمور الدين ،وتبصر الناس في معاملاتهم وقضاياهم الشرعية بما ينسجم مع الإطار الإنساني العام للدين ، من خلال الفتاوى والإرشادات التي ينشرها علماء الدين وشيوخه ، بالنظر لما يكنه المجتمع الإسلامي من تقدير لتلك الفتاوى التي يصدرها رجال الدين ، بالإضافة الى مكانتهم المهمة في بث روح الوحدة ولم الصف والدعوة للمحبة والتآخي والسلام ،والإشارة الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجاء في لسان العرب عن الفتوى : أَفْتاه في الأَمر: أَبانَه له. وأَفْتَى الرجلُ في المسأَلة واسْتفتيته فيها فأَفتاني إفتاء.
وفُتىً وفَتْوى: اسمان يوضعان موضع الإِفْتاء. ويقال: أَفْتَيْت فلاناً رؤيا رآها إذا عبرتها له، وأَفْتَيته في مسأَلته إذا أَجبته عنها. وفي الحديث: أَن قوماً تَفاتَوا إِليه؛ معناه تحاكموا إِليه وارتفعوا إِليه في الفتا. يقال: أَفْتاه في المسأَلة يُفْتِيه إذا أَجابه، والاسم لفَتْوى ، والفُتيا تبيين المشكل من الأَحكام.
ومن يتابع مطالعة أقوال ابن الوزير وابن تيمية والهيثمي، يجد أنها تنكر أشد الإنكار، وتحذر أبلغ التحذير من تكفير الناس بذنب أو خطأ ، ويرون أن تلك الفتاوى التكفيرية لاتجد لها سندا من الإسلام .
وأتفق جميع علماء الإسلام دون خلاف على إن الإسلام إنما يثبت بالاعتقاد بالله وبالنبي صلى الله عليه واله وسلم وعدم إنكار ضرورة من ضرورات الدين،ومن قال اشهد أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله فقد حرم دمه وماله ، ومن قال الشهادتين وصلى للقبلة فهو مسلم .
إن المسلمين اتفقوا بأنه من جاء بأركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان فأنه مسلم موحد ولذلك طبقوا قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم، المسلم اخو المسلم، المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه فالأصل في هذه القضية إن المسلمين اتفقوا على اطر عامة منذ فجر التاريخ الإسلامي .
وعلى هذا الأساس فأن كل من يصدر فتواه بتكفير الآخر مهما كانت فرقته اوطائفته فإنما يزيد النار حطبا ويساهم في إشعال نار الفتنة والفرقة والأحقاد بين المسلمين ، وبهذه الفتوى التي لاتقرها الشريعة ولا تدعمها الوحدة ومتطلبات الحوار والتقارب بين المذاهب الإسلامية ، ولاتقرها السنة والشريعة وتسهم بشكل أكيد في نشر وتثبيت معالم ثقافة الإرهاب واعتماد الوحشية والأساليب المتخلفة في حل إشكاليات الاختلاف في العقائد والأفكار .
ومن يصف المسلم بالشرك فإنما عليه الإثم ويتحمل وزر جريمته في الدنيا والآخرة وأن عذابه عند الله شديد ، فإذا كان دم المسلم على المسلم حرام وماله وعرضه ، فكيف يمكن تفسير تلك الفتاوى التي تبيح الذبح والقتل وتمهد الطريق للجريمة المنظمة المتطرفة لأسباب مذهبية ؟
كيف يمكن إن يستباح دم الإنسان بجريرة المذهب أوالدين وتحت تحريض واضح وصريح من رجل الدين مهما كان مذهبه ، مما يجعل ذلك التحريض جريمة شرعية وجنائية يعاقب عليها القانون .
وإذا كنا منصفين يستوجب الأمر إن تكون تلك الكلمات عمومية لاتخص طرفا معينا ، مع أن الأمر يستوجب التوقف عند من يحاول أن يمتهن الإفتاء ،ويتخذه وسيلة لتمرير رغباته وعقائده ونزعاته الشخصية ، محاولا إن يورط الناس في أشكال من الأفعال التي تهدم الدين الإسلامي وتهدر دم المسلم وتعرض عرضه وماله للحرام وبأيادي مسلمين آخرين .
ويقينا أن الفتاوى المذكورة بصرف النظر عن كونها تشكل تحريضا واضحا وصريحا على القتل ، فأن تلك الفتاوى تشكل دعما للإرهاب الإنساني ودعما للتهديدات التي تهدد السلام الاجتماعي العالمي ،وتساهم في نشر الكراهية والحقد بين الناس .
أن الدعوات الإجرامية المتبرقعة بغطاء الفتاوى الدينية هي ما ينتشر هذه الأيام وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط ، حيث نمت بذور الطائفية والكراهية ، مع نمو الإرهاب والفرقة بين المسلمين .
وإذا كانت تلك التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي تتخذ من بعض رجال الدين معابر ومساند لتمرير أفعالهم باسم الدين الإسلام وتعاليمه السمحاء من خلال فتاوى براقع ً وستائر لتمرير أفعالها ،وتحاول استغلال السذاجة والطيبة والأيمان العميق لدى الشباب وتحويلهم الى أدوات إجرامية وأسلحة فتاكة خلافا لما أمر به الله ، فأن أفعال تلك الفتاوى لاتؤثر في جدران السلطات ولا أنظمة الحكام التي تزعم انها تحاربها التي لاتتعرض لها بأي فتوى اوكلمة ، مما يؤكد وجود وعاظ السلاطين بين تلك الدول التي يحاول رجال الدين فيها تطويع الدين الإسلامي والإنساني وتحويله إلى منظمة إرهابية معادية للسلام وإنسانية الإنسان ، وهذه الحرب موجهة ضد المدنيين والأبرياء الآمنين دون غيرهم ، وبالتالي هي حرب موجهة من هذه التنظيمات المتطرفة التي توفرت لها كل مستلزمات القوة والإسناد الى الدفع والتغذية المعنويين ، ويشترك بها رجل الدين الذي يحرض على القتل بالفتاوى ، هذه الحرب موجهة ضد الإنسانية بشتى صورها ، وأن الجرائم المرتكبة رغم بشاعتها وكارثتيها بحق الإنسانية بتحريض واضح وتطبيق لما يرد بتلك الفتاوى التحريضية والإرهابية .
أن وراء تلك الشبكات الإرهابية حكام دول وتنظيمات سياسية ومؤسسات أعلامية وشخصيات لاتشعر بأدنى خجل حين تشير بشكل غير مباشر مساندتها الى هذه التنظيمات الإرهابية بحجة الانتصار الى الإسلام تارة والعروبة في أحيان أخرى من خلال أيهام الناس بفتاوى تحرض وتدعو للقتل وتنادي للموت ، مع انها تمارس الشيزوفرينيا السياسية في الموقف المتناقض ، حين تزعم التزامها بحقوق الإنسان ومحاربتها للإرهاب من جهة ، وتغذيتها لهذه التيارات الإجرامية التي أخذت تنتشر في المنطقة العربية وتتفرع منها منتشرة مثل الوباء من جهة أخرى .
وتعاقب القوانين الجنائية كل من حرض على ارتكاب الجريمة ووقعت بناءا على تحريضه ، وتلك الفتاوى التي تبيح القتل إنما هي تحريض أعمى للجريمة ، كما أن دفع أي شخص بأية وسيلة ومنها الإيهام بمشروعية العمل وتطابقه مع الشرائع والأديان، يعتبر من قبيل الاشتراك الفعلي في ارتكاب تلك الجرائم ،وهو في كل الأحوال يبتعد عن المقاصد الحقيقية للفتاوى ،ويتعارض بشكل عام مع الإسلام والتعاليم السمحاء .
وتلك الفتاوى البعيدة عن المسؤولية الشرعية والإنسانية تكون مجرد أفعال إجرامية تصل إلى مستوى الاتفاق الجنائي على ارتكاب الجنايات باسم الدين وتحت ستار الشريعة ،وتحت وهم ضمان وصول الجاني ( المجرم والفاعل الأصلي ) إلى الجنة ، حتى أصبحت جنان الخلد يمكن أن تصلها البهائم المفخخة والانتحاريين بالجملة مادامت الفتاوى تسهل لهم الطريق ،وتمنحهم بطاقات الدخول بأقصر الطرق ، غير أن العقوبة الجنائية التي شرعتها القوانين تعاقب مطلقي تلك الفتاوى أي كان موقعهم ومنصبهم،وبأي شكل من الأشكال وسواء كان يرتدي رجال الدين او لم يكن منهم ،وفي أي مذهب من المذاهب ، فأن بإمكان المجتمع الدولي والشعوب التي يلحقها الضرر الأكيد من جراء تلك الفتاوى التحريضية ، وأن بالأمكان إصدار القرارات القضائية لملاحقتهم والقبض عليهم ، وتضعهم تحت طائلة القوانين التشريعية وقانون الإرهاب الدولي ، بالإضافة إلى العقوبة التي سيضعها الله سبحانه وتعالى في رقابهم عند الحساب .
ومن الجدير بالذكر أن عددا من الدول اتخذت من دعمها المستتر للتنظيمات الأرهابية بقصد أحداث الضرر بخصومها مع الدول الأخرى ، ومع أنها استطاعت إن تلحق نوعا من الضرر في شعوب تلك الحكومات ، إلا أنها اشتركت بشكل غير مباشر في دعم تلك الشبكات الأرهابية وساندتها ، مما يجعلها في حكم الشريك وتحت طائلة المسؤولية القانونية الدولية ، حيث أن التعاون مع الإرهاب بأي شكل كان يشكل جريمة دولية لايمكن تبريرها .
ينبغي لهيئات الامم المتحدة المناسبة وضع الاطر وقواعد السلوك لإيجاد مشتركات بين الدول ووكالاتها لانفاذ القانون والقرارات الدولية في مجال مكافحة الإرهاب من خلال الالتزام بالقانون الدولي بما في ذلك حقوق الانسان.
وأذا كنا نعتبر الامم المتحدة المرجع القانوني الدولي ، وهي بمثابة المنتدى الرئيسي والساحة المناسبة لتوحيد التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب من قبل الدول ، فأن جميع الأعضاء مدعوين للانضمام إلى الاتفاقيات الدولية الرئيسية الـ 12 بشان الإرهاب فضلا عن المصادقة عليها دون تحفظات ، وتستطيع الدول ان تستفيد حيثما يكون ذلك مناسبا من المساعدات التقنية للجنة مكافحة الإرهاب المنبثقة عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة ومن فرع مكافة الإرهاب .
كما يتعين على سائر البلدان ايضا ان تدعم اللجنة 1267 المنبثقة عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة فضلا عن دعم فريق الرصد التابع لها ايضا.
تشكل قرارات مجلس الامن المرقمة (1267 و1373 و1526 و1540 و1566) اساسا متينا وشاملا لمكافحة الإرهاب على نطاق عالمي وتقدم هذه القرارات ايضا خطة طريق واضحة للخطوات اللازم اتخاذها ويتعين على جميع البلدان اتخاذ كافة الاجراءات الضرورية بغية الاستجابة الكاملة لاحكام قرارات مجلس الامن الموضحة اعلاه.
يفرض القرار 1373 على جميع الدول واجبات ملزمة، بهدف مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره. ويقتضي من الدول الأعضاء أمورا شتى من بينها:
منع جميع أشكال الدعم المالي المقدم للجماعات الإرهابية .
عدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين أو دعمهم والعمل على عدم مؤازرتهم.
تبادل المعلومات مع الحكومات الأخرى حول أي جماعات تمارس العمليات الإرهابية أو تخطط لها .
التعاون مع الحكومات الأخرى في التحقيق مع الذين يشاركون في هذه الأعمال والكشف عنهم والقبض عليهم ومحاكمتهم .
تجريم المساعدة الصريحة والضمنية المقدمة للإرهاب في القوانين المحلية وتقديم منتهكي هذه القوانين إلى العدالة .
الانضمام في أقرب وقت ممكن إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة والبروتوكولات المتصلة بالإرهاب .
تطلب لجنة مكافحة الإرهاب من كل دولة أن تتخذ إجراءات محددة للقيام بما يطلبه منها القرار استنادا إلى الظروف المحددة لكل بلد.
وتسعى اللجنة إلى إرساء الأسس لإجراء حوار مستمر بين مجلس الأمن وجميع الدول الأعضاء حول أفضل الطرق التي يمكن بها زيادة القدرة الوطنية على مكافحة الإرهاب .
أن مجال القرار 1373 مجال واسع كما تقول الأمم المتحدة - لجنة مكافحة الإرهاب ، ويشمل تلك المجالات التشريعات المحلية، والآليات التنفيذية الداخلية، والتعاون الدولي. ولتمكين الدول من التركيز على اتخاذ إجراءات فعالة في المجالات ذات الأولوية بالنسبة لها، حيث حددت اللجنة ثلاث مراحل لتحليل عملها ، أولا فيما إذا كان للدولة تشريع فعال لمكافحة الإرهاب في جميع مجالات النشاط المتصل بالقرار 1373، مع التركيز تحديدا على مكافحة تمويل الإرهاب . وتركز اللجنة على التشريعات بوصفها عنصرا رئيسيا لأنه بدون إطار تشريعي فعال لا تستطيع الدول تطوير الآلية التنفيذية لمنع الإرهاب والقضاء عليه، أو تقديم الإرهابيين ومن يدعمهم إلى العدالة. وتم وضع تمويل الإرهاب على رأس أولويات المرحلة ألف بحكم تأكيد الفقرة 1 من منطوق القرار 1373 على هذا الجانب من دعم الإرهاب.
وللحرص على اتباع نهج متسق ومتطور، ينبغي أن يستمر التركيز على المرحلة ألف في الاستعراض الثالث والاستعراضات الأخرى لتقارير الدول إلى حيث تفرغ اللجنة من أي تعليقات لديها على هذه المرحلة.
كما يكون للدول تشريعات تغطي جميع جوانب القرار 1373، حتى يتاح تعريف المرحلة التالية لتنفيذ القرار بصورة واسعة على أن ثمة دولة تقوم، وفقا لمسؤولياتها، وضمن ولايتها السيادية، بتنفيذ القرار 1373 تنفيذا كاملا، كما تعزز آلياتها التنفيذية لتنفيذ التشريعات المتصلة بالقرار المذكور. وربما تضم المرحلة باء، في ضوء الخبرة المكتسبة حتى الآن، نشاطا يتمشى مع الآلية التنفيذية الفعالة والمنسقة ويغطي جميع جوانب القرار 1373، وبصفة خاصة يمنع تجنيد الجماعات الإرهابية، وحركة الإرهابيين، وإيجاد ملاذ آمن للإرهابيين وأي شكل من الأشكال الأخرى للدعم الصريح أو الضمني للإرهابيين أو للجماعات الإرهابية. وتشمل الآلية التنفيذية الفعالة في جملة أمور ما يلي:
‘1’ هياكل الشرطة والمخابرات للكشف عن الضالعين في الأعمال الإرهابية والذين يدعمون النشاطات الإرهابية مع مراقبتهم والقبض عليهم؛
‘2’ مراقبة الجمارك والهجرة والحدود لمنع تحرك الإرهابيين أو إيجاد ملاذ آمن لهم؛
‘3’ وضع ضوابط لمنع حصول الإرهابيين على الأسلحة.
أن الاختلافات في ظروف كل دولة في التقدم الذي يتم إحرازه لهذه الأولويات لن يكون موحدا. وتسلم اللجنة بأن لكل دولة ظروفا خاصة؛ ومع ذلك، فهي تطلب من جميع الدول أن تمضي قدما في تنفيذ القرار 1373 بأسرع ما تسمح به قدرتها.
وبالنسبة للمستقبل، ستحتاج اللجنة في مرحلة من المراحل إلى تدارس حوارها مع الدول التي وضعت بالفعل تشريعات ملائمة تغطي جميع جوانب القرار 1373، بالإضافة إلى آلية تنفيذية ملائمة لتنفيذ هذه التشريعات، حيث يتضج أن هذه الدول لم تعد بحاجة إلى أولوية الاهتمام. وفي هذه الحالات، قد تتحول اللجنة إلى مراقبة المرحلة جيم من تنفيذ القرار 1373 على أساس المرحلتين ألف وباء، مع النظر في المجالات المتبقية من القرار 1373.
ويجوز للجنة مكافحة الإرهاب أن تعيد النظر في الأهداف التي حددتها، بعد اكتساب مزيد من الخبرة من هذه العملية.
و تشكل المدونات والمعايير والممارسات الفضلى التي وضعت في مجال مكافحة الإرهاب أدوات حيوية لبناء القدرات وهي بالتالي ضرورية لتنفيذ الدول القرار 1373.
وقد أقامت لجنة مكافحة الإرهاب صلات مع عدد كبير من المنظمات الدولية التي تتمتع بالكفاءة في الميادين المتعلقة بالقرار 1373. وفي اجتماع استثنائي عقدته لجنة مكافحة الإرهاب في 6 آذار/مارس 2003، تم الاتفاق على أن تتقاسم هذه المنظمات مع الدول ما لديها من معلومات حول المدونات والمعايير وأفضل الممارسات التي وضعت لمحاربة الإرهاب وأن تساعد الدول على الامتثال لها حيثما أمكن.
وتتيح المنظمات والوكالات الدولية المعلومات المتعلقة بهذه الصفحة كي تمكن الدول من الحصول من مكان واحد على أمثلة عن المدونات والمعايير وأفضل الممارسات ذات الصلة بتنفيذ القرار 1373.
كما تشكل الصكوك الدولية الاثنى عشر المودعة لدى الأمم المتحدة جزءا لا يتجزأ من المكافحة العالمية للإرهاب. ويناشد القرار 1373 الدول أن تصدق على هذه الاتفاقيات بأسرع ما يمكن. ولجنة مكافحة الإرهاب ملتزمة بتقديم المساعدة إلى الدول في ما تبذله من جهد في هذا المجال وهي ترجو الدول التي لا تملك حاليا خطة للتصديق أن تتصل بفريق المساعدة التقنية. (الربط بالمعاهدات إذا أمكن) .
http://www.un.org/arabic/sc/committees/( 1373/codes.html )
تم أثناء هذا العام إحراز تقدم في محاربة المجتمع الدولي للإرهاب وفقا للإحاطات المقدمة من رئيس لجنة مكافحة الإرهاب (اللجنة المنشأة عملا بالقرار 1373 (2001)). وقد أنشئت هذه اللجنة لرصد تنفيذ القرار المذكور، من خلال جملة أمور، من بينها التقارير الواردة من الدول بشأن الإجراءات التي تتخذها لهذا الغرض.
وبعد أسبوعين من الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، اعتمد المجلس القرار 1373 الذي دعا الدول الأعضاء إلى منع ووقف تمويل الأعمال الإرهابية، والامتناع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم إلى الكيانات أو الأشخاص الضالعين في الأعمال الإرهابية وعدم توفير الملاذ الآمن لمن يمولون الأعمال الإرهابية أو يدعمونها أو يرتكبونها. وركزت أعمال اللجنة على ثلاثة مجالات رئيسية: العمل مع الدول الأعضاء لرفع قدرتها على هزيمة الإرهاب في بلدانها؛ تعزيز برامج المساعدة المقدمة لتسريع عملية بناء القدرة؛ وإنشاء شبكة عالمية للمنظمات الدولية والإقليمية.
وفي 20 كانون الثاني/يناير، اعتمد اجتماع للمجلس على المستوى الوزاري، من خلال القرار 1456، إعلانا يؤكد من جديد حدة خطر الإرهاب العالمي، ويدعو جميع الدول إلى اتخاذ إجراء عاجل لمنع وقمع جميع أشكال الدعم الإيجابي والدعم السلبي للإرهاب. وتكلم الأمين العام السيد كوفي عنان في هذا الاجتماع فأكد على تعاظم ”الدور القانوني والمؤسسي الذي لا غنى عنه“ الذي يجب أن تقوم به الأمم المتحدة في الحملة الرامية إلى مكافحة الإرهاب. وحث أيضا على اتخاذ إجراء لحل النزاعات السياسية والصراعات القائمة منذ زمن طويل والتي أسفرت عن دعم الإرهاب.
وفي 6 آذار/مارس، اجتمع المجلس بحضور نحو 60 منظمة دولية وإقليمية ودون إقليمية من أجل تشجيع إيجاد نهج منسق داخل المجتمع الدولي بشأن قضايا مكافحة الإرهاب.
وقدم رئيس لجنة مكافحة الإرهاب (المملكة المتحدة حتى 4 نيسان/أبريل ثم إسبانيا بعد ذلك) إحاطات إعلامية إلى المجلس في 20 كانون الثاني/يناير و 20 شباط/فبراير و 4 نيسان/أبريل و 6 أيار/مايو و 23 تموز/يوليه و 16 تشرين الأول/أكتوبر .
وفي 4 نيسان/أبريل ، قال رئيس اللجنة السابق جيريمي غرينستوك (المملكة المتحدة ( إن مكافحة الإرهاب أصبحت أمرا عالميا. وأضاف أن الجهود الجماعية ستؤتي ثمارها لأنه ما من دولة تستطيع أن تمنع الإرهاب بمفردها. وقال: ”لقد هز عمل إرهابي فظيع وقع على مسافة أقل من خمسة أميال من قاعة المجلس المجتمع الدولي مما دفعه إلى اعتماد معايير عالمية ملزمة قانونا في القرار 1373“، ولكن يمكن للذكريات أن تتلاشى وكذلك الدعوة لتحمل المسؤولية. وأضاف أن قوة أية هيئة حفازة مركزية تكمن في أنها تستطيع أن تحدث فرقا هائلا فيما يتعلق بصيانة القانون والنظام على الصعيد العالمي، وقد أصبحت اللجنة هي تلك الهيئة.
وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر، قال رئيس اللجنة السيد إينوثنثيو ف. أرياس (إسبانيا) إن عمل اللجنة ينتقل حاليا من المرحلة ”ألف“ التي تتعلق بصورة أساسية بالتأكد من تواؤم التشريع مع الكفاح، إلى المرحلة ”باء“ التي تتناول ”التنفيذ الفعلي“ للتدابير. وتتعاون اللجنة بصورة متزايدة مع الدول التي تواجه صعوبات في تنفيذ أحكام القرار. وتم تقوية الروابط مع المنظمات الإقليمية ودون الإقليمية. كما اتخذت خطوات لضمان التعاون بين اللجنة ولجنة القرار 1267 التي تقوم برصد الجزاءات ضد الطالبان والقاعدة.
وشدد المتكلمون في المناقشات عقب الإحاطات على الحاجة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام للأسباب الجذرية للإرهاب، بما في ذلك الفقر، والتعصب، والصراعات الإقليمية، وإنكار حقوق الإنسان. وفي الحرب ضد الإرهاب، يجب احترام القانون الوطني والدولي وحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة. واسترعي الانتباه أيضا إلى الصلات بين الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والمخدرات غير المشروعة، وغسل الأموال، والاتجار بالأسلحة غير القانونية.
وتم حث الدول التي لم تفعل ذلك بعد، على التوقيع على الاتفاقيات الاثنتي عشرة المتعلقة بالإرهاب والتصديق عليها. وتم الإعراب عن الأسف لأن الخلافات السياسية تؤخر وضع اتفاقية عالمية لمكافحة الإرهاب وأعمال الإرهاب النووية، كما أن وضع تعريف متفق عليه للإرهاب يشكل واحدة من العقبات. وأكد بعض المتكلمين على حق الشعوب في تقرير المصير وقال إنه لا ينبغي أن تستبعد من الاعتبار ظاهرة إرهاب الدولة.
وفي بيان رئاسي عقب المناقشة التي جرت في 16 تشرين الأول/أكتوبر، أكد المجلس من جديد أن الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره يشكل واحدا من التهديدات البالغة الخطورة على السلام والأمن وأن أي عمل من أعمال الإرهاب ينبغي اعتباره عملا إجراميا غير قابل للتبرير بصرف النظر عن دوافعه وحيثما ارتكب وأيا كان مرتكبوه.
اللجنة المنشأة عملا بالقرار 1267 (1999(
في 17 كانون الثاني/يناير اعتمد المجلس القرار 1455 لتحسين تنفيذ التدابير المتخذة ضد الطالبان وأعضاء منظمة القاعدة، من خلال تجميد أموال الطالبان وأسامة بن لادن ومساعديه، وفرض حظر على الأسلحة وإجراءات أخرى لحظر السفر. وشدد المجلس أيضا على الحاجة إلى تحسين التنسيق بين ”لجنة القرار 1267“ ولجنة مكافحة الإرهاب.
وقدم رئيس اللجنة المنشأة للإشراف على تنفيذ الجزاءات المفروضة على أسامة بن لادن والقاعدة والطالبان (اللجنة المنشأة عملا بالقرار 1267 (1999) إحاطة إلى المجلس في 29 تموز/يوليه. وقال هيرالدو مونيوز (شيلي) إنه على الرغم من أن المجتمع الدولي حقق بعض النجاحات ضد القاعدة، من بينها القبض على زعماء كبار، ”فإن تفجيرات القنابل الأخيرة“ في بلدان مختلفة قد أبرزت التحديات المقبلة في الحرب ضد الإرهاب الدولي. وأضاف أن اللجنة قد حسنت شكل ومضمون ”القائمة الموحدة للأفراد والكيانات المنتمية إلى الطالبان والقاعدة أو المرتبطة بهما“.
في 13 شباط/فبراير، أدان المجلس في القرار 1465 ”بأقوى العبارات“ الهجوم بالقنابل الذي وقع في الأسبوع السابق في بوغوتا، كولومبيا. وفي بيان رئاسي بتاريخ 200? آب/أغسطس، أدان المجلس إدانة قاطعة الهجوم الذي وقع في 19 آب/أغسطس على مقر الأمم المتحدة في بغداد بوصفه هجوما ضد المجتمع الدولي ككل، وذكر أن بعثة المنظمة في العراق ”لن يروعها شيء“. وفي 20 تشرين الثاني/نوفمبر، أدان المجلس في القرار 1516 الهجوم بالقنابل الذي وقع في 15 و 20 تشرين الثاني/نوفمبر في اسطنبول، تركيا.
http://www.un.org/arabic/sc/roundup/2003/terrorism.htm
S/RES 2004 /1526 الأمم المتحدة
مجلس الأمن
30 January 2004
04-22667 (A)
*0422667*
(ا لقرار ١٥٢٦/ ٢٠٠٤ )
الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته ٤٩٠٨ المعقودة في ٣٠ كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٤
إن مجلس الأمن ، ) المؤرخ ١٥ تشرين الأول/أكتوبر ١٩٩٩ ) إذ يشير إلى ‘قراراته ١٢٦٧ / ٢٠٠١ ) المؤرخ ١٩ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٠ ، و ١٣٦٣ ) و ١٣٣٣
٢٠٠١ ) المؤرخ ٢٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٠١ ، و ١٣٩٠ ) ٣٠ تموز/يوليه ٢٠٠١ ، و ١٣٧٣/ ٢٠٠٢ ) المؤرخ ٢٠ كانون ) ٢٠٠٢ ) المؤرخ ١٦ كانون الثاني/يناير ٢٠٠٢ ، و ١٤٥٢ / ، ٢٠٠٣ ) المؤرخ ١٧ كانون الثاني/يناير ٢٠٠٣ ) الأول/ديسمبر ٢٠٠٢ ، و ١٤٥٥
وإذ يؤكد الالتزام الملقى على عاتق جميع الدول الأعضاء بتنفيذ القرار ١٣٧٣ / ٢٠٠١ ) تنفيذا كاملا، بما في ذلك فيما يتعلق بأي عضو في حركة الطالبان وتنظيم القاعدة،) وأي أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو كيانات لها صلة بحركة الطالبان وتنظيم القاعدة يكونون قد شاركوا في تمويل أعمال إرهابية أو التخطيط لها وتسهيلها والإعداد لها أو ارتكاﺑﻬا أو في دعم أعمال إرهابية، وكذلك التزامها بتيسير تنفيذ الالتزامات المتعلقة بمكافحة الإرهاب وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة،
وإذ يؤكد من جديد ضرورة مكافحة الأخطار المحدقة بالسلم والأمن الدوليين والناجمة عن الأعمال الإرهابية، وذلك باستخدام جميع الوسائل، وفقا لميثاق الأمم المتحدة
والقانون الدولي، (٢٠٠٢) وإذ يلاحظ ضرورة أن تراعى أحكام الفقرتين ١ و ٢ من القرار ١٤٥٢ (١٩٩٩) مراعاة كاملة، عند تنفيذ التدابير الواردة في الفقرة ٤ (ب) من القرار ١٢٦٧ ،(٢٠٠٢) ٢٠٠٠ ) ( والفقرتين ١ و ٢ من القرار ١٣٩٠ ) والفقرة ٨ ) ج) ( من القرار ١٣٣٣ )
وإذ يكرر إدانته لشبكة القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى المتصلة ﺑﻬا لما ترتكبه
من أعمال إرهابية إجرامية متواصلة ومتعددة ﺗﻬدف إلى قتل المدنيين الأبرياء وغيرهم من الضحايا وتدمير الممتلكات وتقويض الاستقرار بصورة بالغة، وإذ يكرر إدانته القاطعة لجميع أشكال الإرهاب والأعمال الإرهابية، وإذ يؤكد أهمية أن تضمن جميع الدول، والهيئات الدولية والمنظمات الإقليمية الالتزام بتخصيص الموارد، بما في ذلك من خلال الشراكة الدولية من أجل مواجهة التهديد المتواصل للسلام والأمن الدوليين الذي يمثله تنظيم القاعدة وأعضاء حركة الطالبان وما يرتبط بهما من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات، وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم u1575 المتحدة،
١ - يقرر أن يحسن، على النحو المبين في الفقرات التالية من هـــذا القرار ، تنفيذ ) الفقرة ٨ (ج) من ) التدابير المفروضة بموجب الفقرة ٤ (ب) من القرار ١٢٦٧ ٢٠٠٢ )، فيما يتعلق ) ٢٠٠٠ ) والفقرتين ١ و ٢ من القرار ١٣٩٠ ) القرار ١٣٣٣ بأسامة بن لادن، وأعضاء تنظيم القاعدة، وحركة الطالبان، وما يرتبط ﺑﻬما من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات، على النحو المشار إليه في القائمة المعدة عملا بالقرار ( 2000 ) (قائمة اللجنة( وهي تحديدا: ) ١٩٩٩ ) والقرار ١٣٣٣ ) ١٢٦٧ )
أ- القيام دون إبطاء بتجميد الأموال، وغيرها من الأصول المالية أو الموارد الاقتصادية لهذه الجماعات أو الأفراد أو المؤسسات أو الكيانات بما في ذلك الأموال المستمدة من الممتلكات التي يحوزوﻧﻬا أو يتحكمون فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو عن طريق أشخاص يعملون لحساﺑﻬم أو بتوجيه منهم، وضمان عدم إتاحة أي من هذه الأموال، أو أي أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية أخرى لفائدة هؤلاء الأشخاص، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق رعاياها أو أي أشخاص داخل أراضيها .
ب) - منع دخول هؤلاء الأفراد إلى أراضيها أو مرورهم العابر بها، على ألا يُلزم أي شيء في هذه الفقرة أي دولة برفض دخول رعاياها إلى أراضيها أو مطالبتهم بمغادرﺗﻬا؛ وعلى ألا تنطبق هذه الفقرة حيث يكون الدخول أو المرور العابر ضروريا للقيام بإجراءات قضائية أو عندما تحدد اللجنة، حالة بحالة فقط، أن الدخول أو المرور العابر له ما يبرره (
ج)- منع التوريد والبيع والنقل المباشر أو غير المباشر لهذه الجماعات والأفراد والمؤسسات والكيانات، من أراضيها، أو من جانب رعاياها الموجودين خارج أراضيها، أو باستخدام السفن أو الطائرات التي ترفع أعلامها، للسلاح وما يتصل به من العتاد بجميع أنواعه بما فيه الأسلحة والذخائر والمركبات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار اللازمة لما سبق ذكره، والمشورة الفنية أو المساعدة أو توفير التدريب المتصل بالأنشطة العسكرية؛ ويذكِّر بوجوب أن تنفذ كافة الدول هذه التدابير فيما يتعلق بالأفراد والكيانات المدرجين في القائمة.
2 - يقرر تعزيز الولاية المنوطة باللجنة المنشأة عملا بالقرار ١٢٦٧ (اللجنة ) بحيث تشمل إضافة إلى مراقبة تنفيذ الدول للتدابير المشار إليها في الفقرة ١ أعلاه، دورا مركزيا فيما يتعلق بجمع وتقييم المعلومات لأغراض استعراض اﻟﻤﺠلس لفعالية
تنفيذ u1575 التدابير، فضلا عن التوصية بإدخال تحسينات على هذه التدابير؛
٣ - يقرر مواصلة تحسين التدابير المشار إليها في الفقرة ١ أعلاه خلال ١٨ شهرا، أو قبل ذلك إذا لزم الأمر.
٤ - يطلب إلى جميع الدول أن تتحرك بقوة وحزم من أجل وقف تدفقات الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية الأخرى إلى الأفراد أو الكيانات المرتبطة بتنظيم
القاعدة، وأسامة بن لادن و/أو حركة الطالبان عن طريق القيام، حسب الاقتضاء، بتنفيذ
قواعد ومعايير متفق عليها دوليا لمكافحة تمويل الإرهاب، بما فيها القواعد والمعايير الموضوعة لمنع إساءة استخدام المنظمات التي لا تستهدف الربح والنظم البديلة/غير الرسمية الأخرى لتحويل الأموال .
٥ - يحث جميع الدول ويشجع المنظمات الإقليمية، حسب الاقتضاء، على وضع
شروط وإجراءات إبلاغ داخلية عن حركة العملات عبر الحدود استنادا إلى الحدود الدنيا المطبقة .
٦ - يقرر من أجل مساعدة اللجنة في الاضطلاع بولايتها، إنشاء فريق للدعم التحليلي ورصد الجزاءات لفترة ١٨ شهرا، يكون مقره نيويورك (يشار إليه أدناه باسم ”فريق الرصد ( يعمل تحت توجيهات اللجنة ويناط بمسؤوليات ترد في مرفق هذا القرار ) .
٧ - يطلب إلى الأمين العام أن يعين، وفقا لقواعد وإجراءات الأمم المتحدة،
وبمجرد اتخاذ هذا القرار وبعد التشاور مع اللجنة، ما لا يزيد عن ثمانية أشخاص، بمن فيهم منسق فريق الرصد، يستوفون مؤهلا أو أكثر من المؤهلات في مجالات الخبرة التالية المتصلة بأنشطة تنظيم القاعدة و/أو حركة الطالبان بما فيها: تشريعات مكافحة الإرهاب والتشريعات الأخرى ذات الصلة؛ تمويل الإرهاب والمعاملات المالية الدولية بما فيها الخبرات الفنية المصرفية، الأنظمة البديلة لتحويل الأموال، والتبرعات الخيرية واستخدام ناقلي الطرود؛ وتعزيز الحدود بما فيها أمن الموانئ، وحظر الأسلحة وضوابط التصدير؛ والاتجار بالمخدرات؛ ٨ - يطلب كذلك إلى الفريق أن يقدم إلى اللجنة ثلاثة تقارير خطية شاملة بشكل مستقل، على أن يقدم التقرير الأول في ٣١ تموز/يوليه ٢٠٠٤ ، والثاني في ١٥ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٤ ، والثالث في ٣٠ حزيران/يونيه ٢٠٠٥ ، بشأن تنفيذ الدول للتدابير المشار إليها في الفقرة ١ أعلاه، وأن تتضمن توصيات محددة بشأن تحسين تنفيذ التدابير واستحداث تدابير ممكنة جديدة؛
٩ - يطلب إلى الأمين العام أن يوفر ما تحتاجه اللجنة من دعم فعَّال من حيث
التكلفة، وذلك على ضوء تزايد عبء العمل المترتب على هذا القرار.
١٠ - يطلب إلى اللجنة أن تنظر في أن يقوم رئيس اللجنة و/أو أعضاء اللجنة، حيثما ومتى اقتضى الأمر، بزيارة بلدان مختارة ﺑﻬدف تعزيز تنفيذ التدابير المشار إليها في
الفقرة ١ أعلاه تنفيذا تاما وفعالا، وذلك لتشجيع الدول على الامتثال التام لهذا القرار
و ١٤٥٥ والقرارات ٢٠٠٠ ) و ١٣٩٠ ) ١٩٩٩ )، و ١٣٣٣ ) ١٢٦٧
١١ - يطلب كذلك إلى اللجنة أن تتابع، عن طريق الرسائل الشفوية و/أو الخطية
مع الدول، التنفيذ الفعال لتدابير الجزاءات، وأن تتيح للدول، بطلب من اللجنة، فرصة
إرسال ممثليها للالتقاء ﺑﻬا من أجل إجراء مناقشات أعمق بشأن المسائل ذات الصلة .
١٢ - يطلب إلى اللجنة أن تقدم إلى اﻟﻤﺠلس، عن طريق رئيسها، تقريرا شفويا
مفصلا كل ١٢٠ يوما على الأقل، بشأن مجمل أعمال اللجنة والفريق، بما فيه موجز للتقدم الذي تحرزه الدول في تقديم التقارير المشار إليها في الفقرة ٦ من القرار ١٤٥٥
وأي رسائل متابعة تتم مع الدول بشأن الطلبات الإضافية للحصول على المعلومات
والمساعدة .
١٣ - يطلب كذلك إلى اللجنة أن تعد، استنادا إلى مراقبتها المتواصلة لحالة تنفيذ
الدول للتدابير، وأن تعمم لاحقا على اﻟﻤﺠلس، في غضون ١٧ شهرا من اعتماد هذا القرار، تقييما تحليليا خطيا عن جوانب النجاح الذي تحققه الدول والتحديات التي تواجهها في تنفيذ التدابير المشار إليها في الفقرة ١ أعلاه، ﺑﻬدف تقديم توصيات بتدابير إضافية لكي ينظر فيها اﻟﻤﺠلس .
١٤ - يطلب إلى جميع الدول ويشجع المنظمات الإقليمية وهيئات الأمم المتحدة
ذات الصلة، وحسب الاقتضاء، المنظمات والأطراف المهتمة الأخرى، التعاون التام مع
اللجنة وفريق الرصد بما في ذلك عن طريق تقديم المعلومات التي قد تلتمسها اللجنة عملا ،(٢٠٠٢) ٢٠٠٠ ) و ١٣٩٠ ) ١٩٩٩ )، و ١٣٣٣ ) ﺑﻬذا القرار وبالقرارات ١٢٦٧ / ٢٠٠٣ )، قدر الإمكان؛ ) ٢٠٠٢ )، و ١٤٥٥ ) و ١٤٥٢
١٥ - يكرر تأكيد أهمية التنسيق الوثيق والتبادل الملموس للمعلومات بين اللجنة
واللجنة المنشأة عملا بالقرار ١٣٧٣ (”لجنة مكافحة الإرهاب.
١٦ - يكرر تأكيد أهمية أن تقدم جميع الدول الأعضاء إلى اللجنة أسماء أعضاء
تنظيم القاعدة وحركة الطالبان أو المرتبطين بأسامة بن لادن والأفراد والجماعات
والمؤسسات والكيانات التي ترتبط ﺑﻬم وذلك من أجل إدراجها في قائمة اللجنة، ما لم يمس ذلك بالتحقيقات أو بإجراءات الإنفاذ؛ ١٧ - يدعو جميع الدول عند u1578 تقديم أسماء جديدة لإدراجها في قائمة اللجنة، أن تضمنها أكبر قدر ممكن من المعلومات التعريفية والأساسية التي تُظهِر ارتباط الفرد (الأفراد) و/أو الكيان (الكيانات) ببن لادن أو بأعضاء تنظيم القاعدة و/أو بحركة الطالبان، وذلك وفقا للمبادئ التوجيهية للجنة؛
١٨ - يشجع بقوة جميع الدول على أن تطلع، قدر الإمكان، الأفراد والكيانات المدرجين في قائمة اللجنة والموجودين داخل أراضيها بالتدابير المفروضة عليهم وبالمبادئ
٢٠٠٢) التوجيهية للجنة والقرار ١٤٥٢/ 2000
١٩ - يطلب إلى الأمانة العامة أن ترسل إلى الدول الأعضاء قائمة اللجنة على
الأقل مرة كل ثلاثة أشهر، وأن تيسر تنفيذ الدول للتدابير المتعلقة بالدخول والسفر المفروضة )، ويطلب كذلك أن تقوم الأمانة العامة ) بموجب الفقرة ٢ (ب) من القرار ١٣٩٠ تلقائيا بإرسال قائمة اللجنة كلما عدلت، إلى جميع الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية من أجل تضمينها قدر الإمكان، الأسماء المدرجة في قواعد بياناﺗﻬا الإلكترونية وأنظمتها الأخرى ذات الصلة بنظم الإنفاذ الحدودي وتتبع حركة الدخول/الخروج على الحدود .
٢٠ - يكرر تأكيد أهمية امتثال جميع الدول التزاماﺗﻬا الحالية بخصوص تنفيذ التدابير
المشار إليها في الفقرة ١ أعلاه، وضمان أن تكون تشريعاﺗﻬا المحلية أو تدابيرها الإدارية، حسب الاقتضاء، على نحو يتيح التنفيذ الفوري لهذه التدابير، فيما يتعلق برعاياها أو بالأفراد والكيانات الموجودين أو العاملين في أراضيها، وفيما يتعلق بالأموال أو الأصول المالية أو الموارد الاقتصادية الأخرى التي تكون خاضعة لولايتها القانونية، وأن تخطر اللجنة باعتماد مثل هذه التدابير، ويدعو الدول إلى إبلاغ اللجنة بنتائج جميع التحقيقات وإجراءات الإنفاذ ذات الصلة، ما لم يكن من شأن ذلك أن يعرض للخطر التحقيقات أو إجراءات الإنفاذ .
٢١ - يطلب إلى اللجنة أن تلتمس من الدول، حسب مقتضى الحال، تقارير حالة
عن تنفيذ التدابير المشار إليها في الفقرة ١ أعلاه بشأن الأفراد والكيانات، وخاصة فيما يتعلق بالمبالغ الإجمالية للأصول اﻟﻤﺠمدة التي تخص ما تتضمنه القائمة من أفراد وكيانات؛ ٢٢ - يطلب إلى جميع الدول التي لم تقدم بعد تقاريرها المستوفاة إلى اللجنة عملا ٢٠٠٣ )، أن تفعل ذلك بحلول ٣١ آذار/مارس ٢٠٠٤ ، وأن ) بالفقرة ٦ من القرار ١٤٥٥ تحرص على أن تتبع بأكبر قدر من الدقة وثيقة التوجيهات التي قدمتها اللجنة من قبل؛ ويطلب كذلك إلى جميع الدول التي لم تقدم هذه التقارير بعد أن تقدم إلى اللجنة خطيا بحلول ٣١ آذار/مارس ٢٠٠٤ تفسيرا لعدم تقديمها لهذه التقارير؛
٢٣ - يطلب إلى اللجنة أن تعمم على اﻟﻤﺠلس قائمة بالدول التي لم تقدم تقاريرها
٢٠٠٣ )، بما في ذلك ) بحلول ٣١ آذار/مارس ٢٠٠٤ عملا بالفقرة ٦ من القرار ١٤٥٥ تقديم موجز تحليلي للأسباب التي قدمتها الدول لتعليل عدم تقديم التقارير؛
٢٤ - يحث جميع الدول ويشجع المنظمات الدولية والإقليمية ودون الإقليمية ذات
الصلة على المشاركة مباشرة بقدر أكبر في جهود بناء القدرات وتقديم المساعدة التقنية في اﻟﻤﺠالات التي تحددها اللجنة، بالتشاور في ذلك مع لجنة مكافحة الإرهاب؛
٢٥ - يقرر أن يبقي المسألة قيد نظره الفعلي.
) مرفق القرار ٦ -١٥٢ / 2004 )
وفقا للفقرة ٦ من هذا القرار، يعمل فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات في ظل
١٩٩٩ )، وتناط به المسؤوليات التالية: ) توجيهات اللجنة المنشأة عملا بالقرار ١٢٦٧
- القيام قدر الإمكان بتجميع وتقييم ورصد ورفع تقارير وتقديم توصيات بشأن تنفيذ
التدابير؛ وإجراء دراسات إفرادية، حسب الاقتضاء؛ وإجراء بحث متعمق لأي مسائل
أخرى ذات صلة حسبما توجهه إلى ذلك اللجنة؛ - تقديم برنامج عمل شامل إلى اللجنة من أجل الموافقة عليه واستعراضه، حسب الاقتضاء، يقوم في سياقه فريق الرصد بتفصيل الأنشطة المتوخاة بغية تنفيذ مسؤولياته، بما فيها السفر المقترح؛ ٢٠٠٣ ) وأي ردود خطية ) - تحليل التقارير المقدمة عملا بالفقرة ٦ من القرار ١٤٥٥ أخرى تقدمها الدول الأعضاء لاحقا إلى اللجنة؛ - العمل عن كثب مع خبراء لجنة مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات معهم من أجل تحديد مجالات التقارب بين اللجنتين وتسهيل قيام التنسيق الملموس بينهما.
- التشاور المسبق مع الدول قبل السفر إلى الدول المختارة استنادا إلى برنامج عمل تقره
اللجنة؛ - التشاور مع الدول بطرق منها إجراء حوار منتظم مع ممثليها الموجودين في نيويورك، وذلك مع مراعاة التعليقات التي ترد من الدول، ولا سيما المتعلقة بالقضايا التي قد تحتويها تقارير فريق الرصد المشار إليها في الفقرة ٨ من هذا القرار.
- إطلاع اللجنة بصفة منتظمة أو عندما تطلب اللجنة ذلك، على عمل فريق الرصد
بما في ذلك زياراته للدول وأنشطته، وذلك من خلال إحاطات شفوية و/أو خطية؛
- مساعدة اللجنة في إعداد التقييمات الشفوية والخطية التي ترفعها إلى اﻟﻤﺠلس،
ولا سيما الموجزات التحليلية المشار إليها في الفقرتين u1633 1٢ و ١٣ من هذا القرار؛ - الاضطلاع بأي مسؤوليات أخرى تحددها اللجنة.
http://daccessdds.un.org/doc/UNDOC/GEN/N04/226/67/PDF/N0422667.pdf?OpenElement
والفرق بين مقاومة الأحتلال وبين العمليات الأرهابية واضح ، فلكل منهما فلسفته الخاصة وأسسه التي يستند عليها وقوانينه وأحكامه التي استقر عليها القانون الدولي وفقهاء القانون .
يقول الدكتور أحمد محمد رفعت في الصفحة 510-511 من كتابه الفوارق القانونية بين الكفاح المسلح وبين الأرهاب الدولي ، حيث يقول :
مقاومة الاحتلال حق مشروع يتعلق بالدفاع عن النفس والحفاظ على السيادة للدولة عندما تنتهك، والحقوق للشعب عندما تتعرض للاغتصاب، ومع ذلك في المرحلة الاستعمارية وجد من يبرر ويتغاضى عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي سلبها هذا الحق، وقهر ارادتها بحجج عديدة.
لكن الصراع بين هؤلاء وبين الشعوب لم يتوقف يوما، بل استمر يكتسب في كل مرحلة شرعية واقعية، وقد بدأ هذا الحق يشق طريقه الى نصوص الشرعية الدولية الصادرة عن الامم المتحدة. ويرى بعض فقهاء القانون بان الدول لا توصف بالارهاب، فالارهاب هو صفة للافراد والمنظمات، لكنها ـ أي الدول ـ توصف بالعدوان، والعدوان هو جريمة تقع من قبل دولة ضد اراضي دولة اخرى، أي ان اطراف العدوان هي دول، ويجمع الفقهاء على ان العدوان هو اشد خطرا من الارهاب. وقد توصلت الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1974 الى تعريف العدوان بانه "استخدام القوة المسلحة من جانب دولة ضد سلامة ووحدة الاراضي الاقليمية او الاستقلال السياسي لدولة اخرى، او بأي طريقة لا تتمشى مع ميثاق الامم المتحدة كما هو محدد في هذا التعريف"(9).
وكانت الولايات المتحدة مركزا لمحاولات عديدة استهدفت وضع تحديدات لظاهرات العنف السياسي، والتمييز بين الارهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال، وكان اول قرار صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة بشان معالجة الارهاب (القرار رقم 3034- تاريخ 18/12/1972) واضحا لجهة تأكيد قانونية النضال من اجل التحرر الوطني والتمييز بين هذا النضال ومشكلة الارهاب الدولي. وقد نص هذا القرار الذي ايدته 76 دولة وعارضته 35 دولة اخرى وامتنعت 17 دولة عن التصويت على: "ان الجمعية العامة اذ تشعر بقلق عميق من اعمال الارهاب الدولي المتكرر بصورة متزايدة، والتي تذهب ضحيتها ارواح بشرية بريئة، واذ تدرك اهمية التعاون الدولي في استنباط اجراءات فعالة لمنع وقوعها، وفي دراسة اسبابها الاساسية من اجل ايجاد حلول عادلة وسليمة بأسرع ما يمكن، واذ ذكر باعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الامم المتحدة:
1- تعرب عن قلقها العميق من تزايد اعمال العنف التي تهدد وتقضي على ارواح بشرية بريئة، او تعرض للخطر الحريات الاساسية.
2- تحث الدول على تكريس عنايتها الفورية لايجاد حلول عادلة سلمية للاسباب الاساسية التي تؤدي الى اعمال العنف.
3- تعيد تأكيد الحق الثابت في تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب الواقعة تحت الاستعمار وانظمة التمييز العنصري وانواع السيطرة الاجنبية الاخرى ، وتدعم شرعية نضالها، خصوصا نضال الحركات التحررية، وذلك وفقا لاغراض ومبادئ ميثاق الامم المتحدة وسواه من قرارات اجهزتها ذات الصلة بالموضوع.
4- تدين استمرار اعمال القمع والارهاب التي تقدم عليها الانظمة الارهابية والعنصرية في انكار حق الشعوب الشرعي في تقرير المصير والاستقلال وغيرهما من حقوق الانسان وحرياته الاساسية.
5- تدعو الدول الى الانضمام الى الاتفاقيات الدوليـة القائمة المتعلقة بمختلف اوجه مشكلة الارهاب الدولي.
6- تدعو الدول الى اتخاذ كل الاجراءات الملائمة على المستوى الوطني من اجل ازالة المشكلة بصورة سريعة ونهائية واضعة نصب عينيها نصوص الفقرة 3 الواردة اعلاه". وحين يتم الالتفات الى مايحدث من افعال أرهابية في العراق نجد انها بعيدة عن المزاعم التي تدعيها في مقاومتها الأحتلال وتوجهها ضد القوات الأجنبية ، لأن مجمل عملياتها الأرهابية موجهة ضد العراقيين من المدنيين الأبرياء ، كما طورت أهدافها في رصدها بقتل المتطوعين للشرطة وهو من الأجهزة التي لاتخلو منها دولة من الدول ، كما انها تستهدف أفراد الشرطة في العراق .
ويشكل النداء الذي أصدره عدد من اللبراليين العرب في دعوة الأمم المتحدة لتفعيل القرار الدولي لمكافحة الأرهاب نداءاً مهماً وأشارة الى قضية حساسة تهم الأمن وحياة الانسان ، من خلال معاناة الناس من سطوة التطرف والأرهاب في بلدانها ، ففي تشرين الأول عام 2004 أصدر مجلس الأمن بالإجماع قراره رقم 1566 بشأن التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن الدوليين نتيجة للارهاب، مؤكداً حتمية التصدي للإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، وبكل الوسائل وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي. وأبدى القرار في ديباجته قلقه إزاء تزايد عدد ضحايا الأعمال الارهابية، بمن فيهم الأطفال ، بدافع التعصب أو التطرف في شتى أنحاء العالم.
إن المادة التاسعة من القرار المشار اليه نصّت على تشكيل فريق عمل من جميع أعضاء مجلس الأمن لوضع توصيات وتقديمها للمجلس فيما يتعلق بالتدابير العملية التي ستُفرض على الأفراد والجماعات والكيانات الضالعة في الأنشطة الارهابية أو المرتبطين بها، بما في ذلك اجراءات فعّالة لتقديمهم للعدالة عن طريق المقاضاة أو التسليم، وتجميد أرصدتهم المالية ، ومنع تحركاتهم عبر أقطار الدول الأعضاء ، ومنع تزويدهم بجميع أنواع الأسلحة والعتاد.
جاء القرار 1566 مكملاً لسلسلة من قرارات سبق أن أصدرها مجلس الأمن منذ عام 1999 وبشكل خاص القرارات: رقم 1267 في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1999، والقرار 1373 في 28 أيلول 2001، والقرار 1540 في 28 نيسان 2004.
وشكل النداء صرخة أنسانية نابعة من مطالبة أوسع الجماهير التي تعاني من سطوة الأرهاب في بلدانها تحت شتى الظروف التي سبق أن تم سردهـــا ، أطلقتها مجموعة من المثقفين العرب تطالب الأمم المتحدة بأجتثاث الأرهاب وتجفيف المنابع المعروفة والمشخصة في المنطقة بالأضافة الى ضرورة تشكيل محكمة دولية لمكافحة الأرهاب .
علماً أن جميع الأجراءات المتخذة بصدد تجفيف منابع الأرهاب لم ترق الى المستوى الذي يتناسب مع الخطورة الأجرامية والتهديد الخطير التي تشكله التنظيمات الأرهابية والمتطرفة والتي تنتشر بين ثيابنا وتتسلل وسط مجتمعاتنا تحت شتى الذرائع والحجج والأسباب .
المهمة التي تتمثل في انشاء اداة قانونية عالمية لم تستكمل بعد وبالنسبة للمناقشات التي جرت في الامم المتحدة بشأن اتفاقية شاملة حول الإرهاب فهي لم تحرز تقدما بسبب الخلافات حول تعريف الارهاب. مما سيتعين يتعين على سائر الدول ان تبذل المزيد من الجهود من اجل ابرام هذه الاتفاقية.
يتعين أيضاً ايلاء عناية خاصة للتدابير الرامية إلى منع الارهابيين من امتلاك اسلحة الدمار الشامل وحيازة وسائل نقلها ان القيام في اقرب وقت ممكن باعتماد مشروع الاتفاقية الدولية المبرمة برعاية الامم المتحدة والمتعلقة بمنع اعمال الإرهاب النووي سيشكل خطوة حاسمة لتحقيق هذه الغاية.
ان الفكرة التي تقدمت بها المملكة العربية السعودية من اجل انشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب يتعين دراستها ودعمها على نحو ايجابي ، بقصد أيجاد منطق يقضي بالتصدي والقضاء على الأرهاب وأجتثاثه من منابعه الحقيقية ، ومحاسبة المحرضين ومن يستمد منهم الأرهابيين الدعم اللوجستي والأدبي ، بالأضافة الى كشف الحقائق عن دور بعض الممولين لفضائيات توفر الدعم الاعلامي الكامل للشبكات الأرهابية الدولية وتوظف قابليتها الأعلامية وقدراتها المالية لخدمة التنظيمات الأرهابية بقصد أيجاد خيوط تواصل حسب الزعم بين التنظيمات الأرهابية وبين الولايات المتحدة الأمريكية خدمة للأمن الستراتيجي الأمريكي .
ولهذا ينبغي النص على ان تكون النصوص العقابية التي اوردتها القرارات الدولية ، وحددتها القوانين الدولية ضمن النصوص العقابية الوطنية في اي بلد عضو في الامم المتحدة ، هذا من جانب ومن جانب اخر ان تضمها نصوص القانون الجنائي ضمن الاختصاص الشامل للقوانين الوطنية ، وأعتبارها اعمال أجرامية وتخل في حياة المجتمعات وأمنهم وتطلعهم نحو المستقبل .

وعلى هذا الأساس تنهج التنظيمات المتطرفة والأرهابية نفس الاسلوب ونفس المخطط ونفس الخسة الهادفة الى سلب الانسان حياته ، وبث الرعب والخوف في نفوس الباقين من الناس ، وهو الأسلوب والوسيلة البدائية الاجرامية التي تنهجها منظمات الارهاب بسبق أصرار ، بل الوسيلة الوحيدة التي تجيدها في التعامل ضد الفكر الأنساني المتنور والتطلع نحو المستقبل الانساني والنزوع نحو الديمقراطية .
وتجد تلك التنظيمات في عمليات قتل المسؤولين وسيلة بشعة لنشر أرهابها وبشاعتها بين الناس ، وعلى سبيل المثال تم قتل رئيس وزراء لبنان السابق السيد وفيق الحريري بطريقة بشعة وتدل على همجية القتلة ووحشية الجريمة بطريقة تفجير شاحنة مفخخة أنفجرت حال مروره بالقرب منها ، تم اسكات صوت وطني ومدني يتجه نحو البناء والحرية .
هذا النهج المتخلف في عمليات اسكات الصوت الاخر تدل بما لايقبل الشك على عدم قدرة الارهابي بالأقتناع على التعايش الانساني والاندماج مع المجتمعات التي تبني حاضرها ومستقبلها بغض النظر عن أديانها وقومياتها وأجناسها وعنصريتها ، كما تدل على عدم انسجام عقلية المتطرف مع النضوج الأنساني والتهايش السلمي والمجتمع المدني وحقوق الأنسان ، فالحياة في عرف وفهم الأرهابي والمتطرف وفق مايفهمه ومايريده من صورة لهذه الحياة وأن كانت بائسة أو بشعة ، لكن المهم هو مايريدها بالشكل الأسود القاتم الذي يرسمه في مخيلته ويوهم نفسه أن الأمر دينيا وشرعياً دون جدل او مناقشة ، والمتابع لعمليات القتل والتفجيرات والتفخيخ وسوق البهائم المفخخة من المتمنطقين بالأحزمة الناسفة في العراق ، ممن يفجرون انفسهم وسط حشود البشر دون أي اعتبار أنساني ، والمتابع للنتائج الاجرامية التي تنتهي معها ارواح الابريـــاء من ابناء العراق أو في الأماكن الأخرى من العالم التي تتخذها التنظيمات الأرهابية مكاناً لعملياتها وتعبـيراً عن فهمها القاصر ، ومع جريان الدماء التي تسيل على ارض العراق يوميا بفعل الأعمال الارهابية المتمثلة بالتفخيخ وتفجير السيارات والقتل العشوائي ، يدرك جيداً أن الهدف الاعمى للأرهاب لم يزل مستمراً لم يتوقف لايتعدى التلبس بالتطرف والتلذذ بالقتل والموت ونشر الرعب بين الناس والتغني بعذابات الاخرين واستعمال المتفجرات التي يتم شرائها بملايين الدولارات من جهات خارج المنطقة لترويع العزل من الناس وقتل الابرياء والأنتصار على المسحوقين من شعب العراق ، والأساءة الى الدين الأسلامي العظيم الذي اتخذته التنظيمات الارهابية ستاراً وغطاءاً لعملياتها بقصد الأستحواذ على عواطف السذج والبهائم من الشباب لتوظيف اجسادهم في عمليات الأنتحار حيث تتحول عظامهم الى شظايا تقتل الاخرين .
نفس الأسلوب الذي يتم اعتماده في العراق ولبنان تم اعتماده في المملكة العربية السعودية والكويت ومصر ، وسيتم اعتماده في دول عربية منها من ترعى الارهاب بشكل غير مباشر أذ انها تزعم محاربته ومعاداة رموزه خشية من الأجماع الدولي في أدانتها ، وأذا كانت بعض الدول الراعية للأرهاب اعلاميا فأنها تشارك في تقوية شوكة الأرهاب على حساب دماء البشر ، وتشارك هذه التنظيمات في الجرائم المرتكبة أو التي يتم ايقاف فعلها قبل حصولها ، وتساهم في نشر أرهابه وتقوية شكيمته وأيصال رسالته الممتلئة بدماء العراقيين .
الأرهاب مثل الجراثيم ينتشر في الهواء وفي الماء ، وهذا الانتشار لن تعيقه الحدود ولاالحواجز ، والأرهاب أيضاً يهادن السلطات الظالمة والدكتاتورية التي ترعاه ، فلم نسمع أن منظمات الأرهاب قتلت مجرماً من مجرمي سلطة صدام أوتعرضت للسلطات الدكتاتوريات التي تنتشر في المنطقة العربية أو غيرها ، ولم نقرأ أن تنظيمات الأرهاب قامت بعمل ضد سلطة من السلطات القامعة للجماهيرأو المعادية لحقوق الأنسان ، انما تنسجم معها أتفاقاً على أن حقوق الأنسان بدعة أوربية وأن الديمقراطية نهجاً كافراً ودخيلاً ، وبذلك تجد أن جميع الأفعال الأجرامية متوجهة نحو الشعوب وخصوصاً الفقراء منها ، فيتم استهداف العمال والأطفال والنساء وعابري السبيل من المسافرين في حافلات النقل العام والقطارات والمطارات وفي المتسوقين في الأماكن العامة ، والتعرض لهذه النماذج وأن كان يجعل العالم يشعر بالألم والحزن ، الا انه يزيد\ من مشاعر الأحتقار والخزي والأستنكار للمجموعة البشرية أزاء مواقف التطرف والأرهاب ، ومما يجدر الأشارة اليه أن يتم استغلال الحرية والرعاية الأنسانية التي تؤسس الدول الأوربية حياتها عليها في التزامها أحترام حرية الأنسان وكرامته ويتم أستغلال طيبة الناس وسماحتهم ومحبتهم للانسان لتتمكن التنظيمات الأرهابية والمتطرفة أن تنشر سمومها وقنابلها وسط تلك المجتمعات ، وذلك الأمر يعبر ليس فقط عن خسة الفاعلين والمجرمين وأنما يوضح مبلغ التردي الأخلاقي والسلوكي الذي تمارسه تلك التنظيمات التي تزعم انها تريد حياة افضل للأنسان ، وكما تعتمد على استغلال التعاطف مع الأغيارليتم نشر الموت والرعب بينهم بتلذذ غريب لايكمن في الضمير الانساني الصحيح ولايعقل في الحالة الصحية للأنسان تحت أي تأثير سوى الأنحراف عن السلوك البشري السوي .
الارهاب واحد في كل مكان ولن يتم القضاء عليه بمؤتمرات او لقاءات صحفية أو استنكار أو وعود أو خطابات أو تبادل الأسى والحزن وتبادل المشاعر ، وانما يتم بأجتثاث اصوله ، والتوصل الى منظريه والداعين له والمحرضين له سواء كدول او كفضائيات او صحف او اشخاص تافهون يتم توظيفهم للدعوة الى القتل والتحريض على القتل تحت شتى الظروف والأسباب .
وفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق ضحية من ضحايا الارهاب مثله مثل اي مواطن عراقي راح ضحية من ضحايا العمليات الاجرامية التي يتم ارتكابها باسم الدين في العراق .
والأرهاب ليس فقط مقتصراً على تنظيمات متطرفة ، وانما صار يخرج من بين أصابع أجهزة المخابرات العربية التي أخذت تتبارى في ترويع الناس ، وصارت الشعوب لها مسرحاً في الأنتقام من بعضها البعض ، وأجهزة المخابرات العربية سلطات منفصلة عن السلطات التي تحميها ، ولها قوانينها وقيمها وتقاليدها وأساليبها ، وهي دولة قائمة داخل الدولة الكبيرة غير أنها تشترك في مسألة واحدة ، وهي انها ضعيفة الأداء تجاه الأعداء ، لكنها قوية الشكيمة والفعل تجاه أبناء الشعوب التي تحكمها .
أساليب تفنن العرب في تصديرها الى العالم تكمن في تفجير البهيمة البشرية نفسه ليقتل اكبر عدد ممكن من البشر أعتقاداً منه أن هذا الطريق الوحيد المضمون الى الجنة ، وهكذا قيل له وحلفوا له أغلظ الأيمان فصدق البليد ان هذا هو الطريق فقتل نفسه ليقتل الغير .
كذلك في دس المتفجرات خلسة وغيلة وغدراً بأكبر عدد من الناس في اماكن يتجمع فيها الناس بشكل كثيف عادة ، وجلهم من الناس الذين لاتربطهم بالسياسة أو بالحكومة أي رابط .
أساليب جبانة وخسيسة تكمن في تفخيخ السيارات وزرع العبوات الناسفة في طرق الناس الآمنة ، وفي دروب الأطفال والمساكين الساعين الى لقمة الخبز ، وصارت علامة مسجلة يسجلها العرب أسفاً بأمتياز ، من انهم الوحيدين على أنتاج هذه البهائم التي يفخخها الغير ويدفعها للموت .
و أذا كان رفيق الحريري يجسد الأستقرار اللبناني والتوحد اللبناني والبناء اللبناني ، فهم كانوا يستهدفون الحياة اللبنانية ، والأستقرار اللبناني في أغتياله ، مثلما يستهدفون اعاقة البناء اللبناني ووحدة الناس وتناسيهم للحرب والموت والقتل .
ورفيق الحريري أحد بناة لبنان الجديد ومن الداعين الى تخلص لبنان من التبعية ورحيل القوات السورية عنه ، ورفيق الحريري يحلم بأن يتمكن اهل العراق الأنتصار على الأرهاب ، وان يبدأوا ببناء العراق الديمقراطي الجديد ، ورفيق الحريري يجد أن لبنان يبدأ من جديد دون أرهاب ، وأن طالته يد الأرهاب وتمكنت منه العقول المتوحشة ، فانها بالتأكيد لن تستطيع أن توقف مسيرة البناء اللبناني أو العراقي أو السعودي أو الجزائري والكويتي أو المصري .
الأرهاب ينسق مع الطغاة ويحتمي بسلطتهم ويتعاون مع أجهزة مخابراتهم وأمنهم ويبرر لهم قمع شعوبهم ، والإرهاب لايتعرض لتلك السلطات ولاينتصر لحقوق شعوبها ، ولكنه يقف أمام التطور والتقدم والخير ويعلن كما أعلن الأرهابي الزرقاوي وأبن لادن أنهم ضد الديمقراطية ، وضد تطور الأنسان نحو الحرية .
ولهذا يعلن المقبور الزرقاوي في آخر خطاباته قبل أن يلقي حتفه انه يحارب الحكام العرب الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أنصارا للباطل ، لكنه في الحقيقة لايتعرض لحاكم ولالسلطة ، إنما كان يستهدف الفقراء والمدنيين الأبرياء بأموال وسلاح الأثرياء الذين سخروه لقتلهم ، وبذلك أثبت عن دجله وكذب خطاباته ، ورحل معه كل آثامه وجرائمه التي ارتكبها مع حجم تلك الدماء التي ذهبت تشكوه وسيده إلى الله .
الإرهاب من قتل الحريري ، والأرهاب من قتل العراقيين والكويتيين والسعوديين والمصريين والجزائريين والأجانب ، والأرهاب من سيتمكن أن يقتل اخرين في المنطقة ، وسينقلب على السلطات التي ترعاه أو تحميه أو تساعده بشتى الوسائل ، وسينقلب على الحكام الذين يقفون خلف جرائمه ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
أنعقد في المملكة العربية السعودية مؤتمرا لمكافحة الأرهاب ورد في بعض من توصيات ونتائج التداولات القانونية بين المؤتمرين وعند اختتام أعمال مؤتمر الرياض بتبني إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب وافق مسؤولون بالامن والمخابرات من نحو 50 بلداً شاركوا في مؤتمر دولي حول الارهاب عقد في الرياض على خطة سعودية لانشاء مركز دولي لمكافحة الارهاب.

وقال مسؤول اوروبي في هذا الخصوص أن الشئ الرئيسي هو ان السعودية التي اعتبرت منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر موطناً لنوع محدد من الارهاب لا تقتصر على اتخاذ اجراءات لمحاربة الارهاب داخل البلاد بل تضطلع بدور مهم على المستوى الدولي في محاربته.

والمملكة العربية السعودية التي هي مسقط رأس اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة منشغلة ومنذ مشاركة 15 سعودياً في تنفيذ هجمات الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر في مسائل امن البلاد.

وقد اكد مسؤولون امريكيون واوربيون وروس ان السعودية جادة باجراءاتها على صعيد وقف اساءة استغلال المؤسسات الخيرية في تمويل الارهاب الدولي.

هذا وجاء في البيان الختامي للمؤتمر انه تم تشكيل قوة عمل لبلورة الفكرة الخاصة بالمركز الدولي لمكافحة الارهاب مقترحين ان يكون هذا المركز معهداً للابحاث والتدريب وتبادل الخبرات.
وأضاف البيان أن الإرهاب ليس له دين او اصل عرقي او قومي او نطاق جغرافي محدد.
وشدد البيان على ان أي محاولة لربط الارهاب بأي دين من الاديان انما تخدم مصالح الارهابيين في واقع الأمر.
تعددت مظاهر وأشكال الإرهاب في الفترة الأخيرة ، مما يستوجب مراعاة تلك التطورات السلبية في أشكال المواجهة الدولية للإرهاب ، ويبدو أن الخلاف الدولي في عدم الحسم والاستقرار على تعريف محدد للإرهاب يمنح التنظيمات الإرهابية الفرصة والفترة التي يمكن أن يتم استغلالها في ارتكاب جرائم عديدة في أكثر من مكان .
ومن المفيد أن يتم الالتفات إلى التفريق بين النشاط المسلح بقصد مقاومة الاحتلال لأي بلد يقع دون أرادته تحت الاحتلال الغاشم باعتبارها حقا مشروعا وسبق أن تم إقراره والاتفاق عليه من قبل المجتمع الدولي ، وبين النشاط الإرهابي ، ووضع القواعد والمعايير التي تفرق بينهما ، حتى يمكن أن تؤسس العقوبات والأساليب المتخذة بحق الأفعال الإجرامية الإرهابية بما ينسجم مع الإرادة الدولية وباتفاق الدول .

العراق في مواجهة الأرهاب 

يخطيء من يظن أن الأعمال الأرهابية والعمليات الجبانة ضد أمن وأستقرار شعـب العراق ستنتهي برحيل القوات المتعددة الجنسية ، أو بأقرار الدستور وأنتخاب مجلس النواب وقيام الحكومة الشرعية المنتخبة .
أن مايحدث في العراق هو نتاج الحقن الأجتماعي المدمر لشرذمة الحياة والذي خططت له السلطة البائدة طيلة الزمن التي تسلطت به على العراق ، إذ كانت الدولة تمارس الإرهاب ضد الإنسان في العراق ، وسلطت عليه العديد من الأجهزة الأمنية والمخابراتية بقصد بث الرعب في كل تفاصيل ودقائق حياته ، وأستطاعت أن تخرب جزء كبير من المنظومة العرفية والأجتماعية وعمدت على أحلال محلها قيم بذيئة وخسيسة بقصد تخريب المجتمع وبذر قيم الشخصية المتناقضة والمريضة بين أوساط المجتمع ، الذي رزح تحت نير الطغيان والطائفية والجور بصمت قاتل ، كذلك الأمر يبين حجم التنسيق بين القوى المتطرفة والأرهابية وبين عناصر الأمن والمخابرات االتابعة للنظام البائد .
كما استطاعت السلطة أن تنشر الإرهاب والرعب في المفاصل السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وتدخلت في أدق تفاصيل حياة الناس وحرياتهم ولقمة عيشهم ، ودمرت منظومة القيم الأخلاقية ، وهرست بإقدامها ليس ما قررته لوائح حقوق الإنسان ,إنما حتى النصوص الدستورية التي وضعتها في دستورها المؤقت .
أن ماحدث هو النتيجة الطبيعية للتصادم الحضاري بين قوى الخير والشر ، وبين تطلع الناس الى مستقبلهم وبين الحثالة الفكرية والرواسب والشوائب التي ترسبت نتيجة الزمن غير القصير الذي حكمت به سلطة مثل سلطة صدام للعراق ، و التي تمثلها عقلية سلطة بعقلية إجرامية ومنحرفة والتي بثها وحقنها في عقول البعض من الناس ، وزرعها في قلوبهم ووظفها على هذا الأساس ، وزرعها نفسياً وفق مخططات مخابراتية أعتمدت دراسات وخبرة لعلماء نفسانيين وعلم أجتماع وخبرات مخابراتية أجنبية بقصد وضع لمسات التخريب الجمعي للمجتمع العراقي .
خمسة وثلاثون عاماً وصدام يوظف أجهزة الأمن العام والمخابرات والأستخبارات والأمن الخاص والأجهزة الخاصة وأجهزة الحزب لصالح قضية أرهاب المواطن العراقي وأذلاله وتطويعه وأدمانه على هذا الأذلال وأقراره كونه صار جزءاً منه ، بحيث يوصله الى مرحلة لايمكنه الحيــاة دون أن يجد من يذله أو يقسو عليه أو يرهبه على الأقل ، فيجد فيه جــزء من شخصيته وحياته التي أعتادها ، ويمعن أولا وقبل كل شيء في سبيل أذلال منتسبي هذه الأجهزة مهما كانت منزلتهم ودرجة اهميتهم ، فكل عنصر من عناصر هذه الأجهزة مهان وذليل أمام سلطة صدام وعائلة صدام ، وهذا العنصر المهان يعكس أذلاله وأهانته على الناس بموافقة السلطة وبمعرفتها وربما بأوامرها .
يستطيع أي عنصر من هذه العناصر أن يستدعي من يشاء من الناس دون قضية ، ويستطيع أيضاً أن يقتاد من يشاء دون أمر ، لابل يستطيع أن يوقف ويحجز من يشاء دون تهمة ودون قرار من قاضي ، ويستطيع أن يقوم بتعذيب أي مواطن حتى دون تهمة أو حتى شبهة ، كما يستطيع مصادرة الأموال والأرواح دون أن يتدخل أي مرجع قضائي أو حكومي مهما بلغت أهميته .
فالمواطن العراقي مرعوب من أسم الجهاز الأمني ويمتلأ عقله بأرهاب من عمل تلك الأجهزة وثقته بضياع الحقيقة في دهاليزها ، مثلما يبقى المواطن العراقي مرعوب من كل شخص يعمل ضمن هذه الأجهزة ، أو حتى كونه مخبراً أو صديقاً لهذه الأجهزة ، مجرد حالة الرعب تثير الأطمئنان والرضا في عقل صدام وسلطته ، العنصر الذي يعمل في الأجهزة الأمنية فوق القانون ، ولايخضع لمسائلة القانون وهو مصان غير مسؤول ، مع أن صدام لايمكن أن يطمئن قطعاً لعناصر هذه الأجهزة مطلقا ، وهو يريد نشر الرعب داخل الأجهزة الأمنية وداخل المجتمع العراقي سوية ، وهذا الأنتشار يحقق له غاية نفسية من الأطمئنان في عملية الترويع المتبادل ، بالأضافة الى أحساسه في أكمال رغبة عارمة ودفينة داخل نفسه الشريرة والمتناقضة ، وتشفياً وأرتواء روحي طالما كان يحلم به لمرض خطير يسيطر على عقله وكوامنه الداخلية ، ولم تستطع كل الأحداث التي جرت في العراق أن تشبع جزء ولو يسيراً منه .
ثمة حقن كثيرة يتم أدخالها في عقول القائمين على هذه الأجهزة وعلى العناصر العاملة فيها ، منها أن المواطن العراقي مرعوب لحد الخرافة من هذه الأجهزة وهو بالتالي يكتفي شرها ويحاول الأبتعاد عن كل مايثيرها أو يستفزها أو يضعه تحت مسؤوليتها ، ويحسب لها ألف حساب حين يتعلق الأمر بقضية أو معلومة أو أشارة منها تجاه هذا المواطن أو عائلته ، وبالرغم من كون هذه الأجهزة يفترض ان تجسد اسمها في حماية أمن المواطن الا انها تمكنت من بث الرعب والأرهاب في روحه الممتلئة رعباً وخوفاً منها ومن السلطة .
كنا نشاهد ونلمس الغطرسة والغرور والعنجهية التي تطغي على عقول منتسبي هذه الأجهزة في التعامل اليومي مع المواطــن العراقي أو مع الأجهزة الحكومية نفسها ، ولكن ثمة حقيقة يتم التستر عليها وهي أن منتسبي هذه الأجهزة كانوا منخورين من الداخل ومجوفين وتم وضعهم في قالب ضمن آلية معدة سلفاً ضمن مفاهيم أجتماعية وأمنية وسياسية وعلى ضوء دراسات وأبحاث أعتمدها الطاغية في سبيل ذلك الأمر ، وكانوا بنفس الوقت تتلبسهم أفكار الخوف والرعب من السلطة ذاتها فأنهم أيضاً مرعوبين من تفرغ الجماهير العراقية والألتفات نحوهم والأقتصاص منـهم مثلما كان احدهم يخاف من الآخر ويخشاه ويراقبه .
داخل هذه الأجهزة ثمة تقاليد وضوابط تنخر جسدها الهش ويعيش افرادها القلق الدائم وهاجس الحصول على رضا السلطة وقبولها طريقة التعامل التي يقوم بها العنصر ، يتم التعمد بالاساءة للناس والتنكيل بهم والبطش بمن تتم السيطرة عليه لشتى الأسباب ، كما يتم استعمال القسوة في الأساليب المعتمدة في التحقيق سواء منها النفسي أو الجسدي ولهذا فأن العديد من الحالات التحقيقية ينتهي بها المواطن المتهم موتاً قبل أن تنتهي قضيته وقبل التوصل الى الحقيقة .
داخل المجتمع العراقي يتم زرع معلومات تفيد أن لكل عنصر من هذه العناصر سطوة وقوة وصلاحية وأمكانية تمكنه من خرق القانون ودون مسائلة من آية جهة كانت ، ولهذا فأن معلومة الخوف والترويع كانت فاعلة ضمن المجتمع ، سيما وأن المجتمع العراقي من المجتمعات الفاعلة والمتفاعلة سياسياً وأجتماعياً ومن المجتمعات التي رزخت تحت نير الظلم فترات طويلة ، بالأضافة الى تمكين الأجهزة الأمنية من أيجاد مساحات واسعة لنشر الأشاعات والأخبار التي تريد نشرها خلال وقت زمني قصيربوسائل غير تقليدية وتعتمد على الدراسات والخبرات العلمية في هذا المجال ، وأن الاكثرية من الناس وعوائلهم ممن لهم رؤى وأفكار سياسية أن لم تكن مناهضة لفكر البعث وأفكار سلطة صدام ، فانها في كل الأحوال لاتتلائم مع توجهات السلطة وسياستها ، ولهذا فأن كل مواطن عراقي وكل عائلة عراقية هما مشروع أتهام مفتوح أمام هذه الأجهزة التي تعتمد الأخبارية والهمس والتقرير السري والتلصص والتنصت ومعلومات الوكلاء والوشايات والمراقبة والملاحقة لكل مواطن .
ولهذا فقد اعتمدت هذه الأجهزة فتح ملف لكل مواطن عراقي ، كما قامت بأعتماد عملية تقسيم المدن الى قطاعات ومن ثم تقسيم القطاعات الى محلات وبعدها الى بلوكات وشوارع ، ولكل واحدة من هذه مسؤول عن حركة الناس وولادتهم وموتهم ومواقفهم السياسية وشهاداتهم العلمية وعملهم من خلال تقارير تؤدي بمقدمها في حالة الأخبار الخاطيء أو الكاذب الى الموت .
ومن خلال ذلك جندت السلطة جيش من الرجال والنساء ممن أرتبطوا ذهنياً وشخصياً بآلية العمل الأمني وأصبحوا تحت السيطرة النفسية لهذه الآلية الأمنية ، فهي التي تتحكم بسلوكهم وشخصياتهم ، وهم بغير هذه الألية والأجهزة لايمكن أن يجدوا أنفسهم ، اذ ليس لهم آية قيمة في المجتمع دونها ، فهم لايؤثرون ولايتاثرون وهم اشبه بالمنقطع عن مجتمعه أو بالقطيع التائه الذي ليس هناك من يقوده ، وليس لهم من المواهب السياسية أو الثقافية أو الأجتماعية مايؤهلهم للأندماج داخل مجتمعهم مرة أخرى بعد حالة الفصام الأجتماعي الذي صاروا اليه .
ودون معالجة حالتهم كحالة خاصــة جديرة بالأنتباه وألأهتمام سيكون رد الفعل مستمرا في العمل التخريبي وأرباك الحياة العراقية مستقبلاً .
أن الظروف المتوفرة لهذه العناصر من المال والسلاح والخطوط السرية الممدودة والشبكات العالمية للأرهاب والحقن المستمر والاندفاع الكامن في نفوسهم ، كل هذا يؤهلهم للأستمرار في العمل على أحداث التخريب وزرع الموت في أوساط العراقيين حتى بعد رحيل القوات الأجنبية وقيام الدستور والبرلمان والحكومة .
أن مخططات العمل المعدة لهذه المجاميع العراقية التي يتم توظيفها بالتعاون والأنسجام مع التنظيمات الارهابية والمتطرفة والأجرامية التي تم اطلاق سراحها من أحكامها الثقيلة داخل الساحة العراقية سيربك الحياة العراقية حتماً مستقبلاً ، كما أن الحياة السياسية ستفقد بعض العناصر والرموز الوطنية نتيجة أفعال الغدر والخسة التي لاتتورع هذه العناصر عن الأقدام عليها في عمليات الأغتيالات والتفجيرات وأستغلال الوضع العراقي الفتي والقوة العراقية الجديدة التي تحترم الأنسان كقيمة عليا وتحترم حقوقه لما توفرت لها من فرصة الانتقام العشوائي ونشر الرعب والإرهاب بين الناس .
ويمكن العودة الى جذور الظاهرة الأمنية في العراق المجسدة للفعل الأرهابي ( أرهاب السلطة ) ، فهذه العناصر لاينكر عراقيتها ولكن حصرها داخل مناطق معينة من العراق ، جعلها تشعر بالتكتل المناطقي والطائفي والعشائري ، كما جعلها تشعر بالخوف من أكتساح الجماهير لها ، وجعلها كذلك تشعر بالقلق الدائم على حياتها وحياة اهلها من جراء تردي سمعتها الوطنية على مدى زمــن ليس بالقصير كانت تشكل الأدوات القمعية للسلطات القمعية بشكل واضح ومكشوف للناس ، ولذا فقد عادت لتلتقي من جديد مستغلة تجمعها وقربها وأرتباطها مع توفر مستلزمات العمل المضاد لحركة المجتمع العراقي كما قلنا آنفاً .
كما ساهم بذلك عدم ألتفات القوات المحتلة أو الحاكم المدني أو السلطات العراقية المؤقتة الى ضرورة عزل العناصر المبتلية بالجرائم والمطلوبة قانوناً عن غيرها ضمن الفترة التي تحدد حركتها ونشاطها ، وأمكان تحييد هذه العناصر واستغلالها أن لم تكن قد ارتكبت الجرائم ، مما جعلها تتكاتف لصالح آية جهة تؤمن لها ديمومة الحياة وتؤمن تدفق المال ومنح القوة والسلاح مهما كانت النتائج ولو على حساب شعب العراق .
لم يكن للأجهزة المذكورة أدنى شعور بالمسؤولية الوطنية والحرص على مستقبل العراق ، وليس لها مايشير الى حرصها الى وحدة الوطن والشعب ، وأحساسها بأنتمائها الى هذا الشعب ، ولاتقديرها للأنسان في أدنى حالاته ، انما كانت تنسلخ عن كل هذا في عملية الأنصهار والأخلاص للسلطة والجهاز الأمني ضمن المسح الفكري والعقلي والوطني الذي تمت ممارسته عليها ، وكمثال على ذلك أن هذه الأجهزة لم تلد أعداد من العراقيين يساهمون مساهمة سياسية مضادة للسلطة أو يقفون موقفاً معارضاً لأي شكل من أشكال المعارضة فقد تخلى كوادر تلك المؤسسات من القيم والأخلاق العراقية وحدث بينهم وبين الناس شروخاً كبيرة في المفاهيم والسلوك وباتوا يعرفون تلك الفوارق والعزلة .
كما لم تشر الأحزاب السياسية العراقية الى وجود عناصر من هذه الأجهزة ضمن مسيرتها السياسية خلال الفترة الكالحة التي عاشتها هذه الأحزاب في العراق ، مما يدلل على أن عناصر هذه الأجهزة كانت تنسلخ عن ذاتها وتتلبس لباس السلطة بالرغم من الرعب والخوف الذي يتلبسها من السلطة ذاتها وتحاول أن تعكسه على الناس .
ثمة تصور أن هذه العناصر التي تستغلها جهات لاتريد الخير لشعب العراق ولا لمستقبله ستبقى وحتى بعد انتهاء الحجة التي تبرقع بها اعمالها وهي الوجود الأجنبي والأحتلال للعراق ، حيث سيتغير لباسها الى حجة وجود أحزاب وشخصيات تعاملت مع الأجنبي في أسقاط صدام وحجة المعارضة المشروعة وهي كلمة حق يراد بها باطل ، كما ستضع العديد من الحجج والتبريرات التي تريد بها إن تغطي افعالها الأرهابية .
بقيت هذه العناصر سائبة دون ملاحقة أو متابعة ، وأستغلت الفسحة التي توفرت لها في عدم ملاحقتها وأنضوت تحت عباءة الأرهاب وساهمت مرة أخرى في أحداث أكبر الضرر في الشعب العراقي ، لم تزل يرعبها أستقرار الحال والوضع لكونها مطلوبة وسينالها التحقيق وخصوصاً من يشك في نفسه من خلال مساهمته بأرتكاب الجرائم بحق العراقيين ، كما أن هيئة أجتثاث البعث لم تنل منهم ولم تلاحقهم أو تحدد حركتهم وخاصة العناصر الخطيرة منهم والمبتلية بجرائم وجنايات عديدة ، بل أن الهيئة نفسها تم تسييسها بحيث قامت بدور معرقل لعملية التشخيص الدقيق فلاحقت البسطاء والضعفاء والمتعاونين مع الوضع الجديد ، في حين تركت العديد من تلك الرؤوس دون اية ملاحقة أو موقف أو أشارة ، ولعل السلطة والبرلمان أدرك هذا المنحى ما دفعه لتعديل القانون والإجراءات والخطوات التي اتخذتها الهيئة .
أن احتواء قسم من هذه العناصر والأستفادة منها في التشخيص والتخطيط لأجهاض وتحديد العمليات الأرهابية بالقدر الممكن بشرط أن تكون هذه العناصر من غير الملوثة بدماء العراقيين أو المتهمين بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة ، ومن التي يمكن أن يتم أصلاحها وأن يرجو أندماجها في المجتمع ، ومن الممكن إن يتم استنهاضها لعودة الروح العراقية والحرص على حياة الشعب وكرامة الوطن ، والتمعن في المستقبل العراقي ومصلحة أهلهم وأطفالهم لأيقاف بث الرعب بين الناس ، والعمل على شطب الأمتداد الأمني لتلك الحقبة السوداء من تاريخ العراق ، والسعي لإيقاف دائرة الاتهام التي بقيت تدور خلال فترة السنوات الأربع بعد سقوط صدام ، والعمل على مسح تلك الجرائم من الذاكرة العراقية ولو بالوقت الحاضر للتفرغ لأعادة الأعمار والبناء الجديد وترميم الخراب العراقي ، ومحاولة الالتفاف وتطويق بقية العناصر بأيقافها والتحقيق معها وأحالة من تجد المحاكم أن الأدلة كافية علية للأحالة الى المحاكم المختصة ، ومن ثم محاكمته محاكمة عادلة وفق القوانين ، وبهذا نستطيع أن نلم مانستطيع ممن نقدر على أعادتهم الى شعبـــهم ووطنهم بالأندماج ، وتقييد حركة الآخرين وأكتفاء شرهم و تحديد فعلهم الشرير ضد الأمنيين ، والبدء بصفحة عراقية جديدة تليق بالعراق .

ثمة ظواهر جديدة في الساحة العراقية قد نغالي اذا قلنا أنها دخيلة على العراق والعراقيين ، وهي ظاهرة الأنتحار بتفجير الجسد لقتل الناس بزعم محاربة الأحتلال وأيذاء الأجانب ، والحقيقة أن هذه الظاهرة التي لاتمثل مطلقا الآلتزام الأنساني بالدين الحنيف ، ولاتقترب من سماحته وتكريمه للأنسان ، وهذه الظاهرة المتطرفة والتي تدفع بالأنسان الى الموت منتحراً تجد لها من يقتنع بها لأسباب عدة لامجال لتحليلها والتطرق لها في هذا المجال ، غير أن الأشارة موجبة لمثل هذا الاتجاه .
قال الله تعالى في محكم كتابه المبين (( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ( )
ولقوله صلى الله عليه وسلم :
( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا و من شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا و من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) .

المشكلة لاتكمن في أختلاط المواقف في تقييم عمليات الأنتحار التي يقدم عليها بعض ( البهائم المفخخة ) في العراق ، فالأمر لايعدو الا أرباك في الفهم أو الأعتقاد الخاطيء وعدم التبصر في عقل المنتحر القاصر ، الذي اقتنع أن انتحاره ورحيله عن الدنيا ( الفانية ) سيكون معبراً للوصول الى جنان الخلد ، وكلا الحالتين جدير بالأنتباه الأنتحار أو السبب .
وأذا أسلمنا بأن الأنتحار محرم شرعاً وممنوع قانوناً ، فلم يحث الدين ليس فقط الأسلام وأنما جميع الأديان على أن يدفع أحداً الى الأنتحار ، كما أن السبب الذي يتذرع به المنتحر أو التنظيمات التي تدفعه غريباً وواهياً لايجد له من وسائل الأقناع والمنطق الأنساني سنداً .
ربما بسبب شخصي مثلما أفاد به الشارع بالأنتحار السعودي الذي القي القبض عليه في مدينة السماوة ( جنوب بغداد ) حين افاد انه أدمن على المخدرات ولم يجد منفذاً لأنقاذه وعلاجه ، ونصحه شيوخه بأنه ميت لامحال ، فلماذا لايمت بعملية أنتحارية في العراق ويطرق باب الجنة ، ولهذا لم يجد خياراً اسهل من هذا الطريق ، وحين تقلب الزعم الذي أورده المذكور تجد أن بعض من رجال الدين يحاول أن يستغل الأحباط النفسي والأنكسار الذي يحيط بحياة العنصر لقيادته الى قدره ، أو لربما أقتنع عن طريق تسلل مفاهيم شريرة تحت أغطية وأحاديث دينية لغايات تكمن في نفس يعقوب ، أستطاع بعض شيوخ الدين أن يغرسوها داخل روحه المستجيبة بسذاجة لهذا الغرس المتنامي يومياً والمنتشر بين أوساط الشباب العربي .
وحين ندخل في محاولة أيجاد الوسائل والهدف والطرق التي تكون سبباً في أقدام المنتحر على الموت في العراق ، تاركاً اهله تحت رغبات المحرض الذي صور له العمل الانتحاري طقسا دينيا ومهمة انسانية نبيلة وخلاص دنيوي الى حياة خالدة ، وهذا المحرض اذا كان ناقص الادراك او الارادة يعد الامر ظرفا مشددا في العقوبة الجنائية ، ويعد مرتكبها مثل مرتكب جريمة القتل العمد حسب الاحوال .
فكرة الإنتحار .. هي فكرت الهروب من المواجهة ..
عندما ينتحر الأنسان فأنه لا ينتحر بجسده فقط .. فالجسد مصيره الزوال ، والحقيقة أن الأنسان حين يقدم على الأنتحار بطريقة تفجير الجسد ، فأنه يقدم على أفناء جسده بقصد أيذاء الآخرين ، أو على الأقل أن يقرر أنهاء حياته بأرادة منفردة ، بالأضافة الى كونه يقوم بنحر كافة أفكاره ومعتقداته وأباده عقله ومعتقداته بأخضاعها لموت يقرره بوازع شرير يمتليء به عقله لأيذاء الأخر بأرادة منفردة تتعدى على الأرادة الالهية التي منحت الحياة للأنسان والهمت نفسه الشرور والتقوى وأوعزت للنفس أن تلتزم جانب المحبة والخير والسلام وأن تنتظر قدرها وأجلها يوم تقرر الأرادة الالهية ذلك .. لكن النماذج المنتحرة ليس بقصد انهاء حياتها ووضع حد للشرور والآثام والأفعال التي تمارسها ، انما بقصد افناء الجسد الأنساني وأيذاء الأخرين من خلال مايولده تطاير الشظايا لهذا الجسد في حياة الاخرين فينحر أكرم نعمه منّ به الله عز وجل على بني البشر ، ولهذا عد علماء علم النفس أن الأنتحار وسيلة من وسائل أنهاء الحياة يقدم عليها الشخص المتردد واليائس والجبان والمرتبك نفسياً ، هذا مانعرفه عن المنتحرين اليائسين او من الذين يريدون ان يضعوا حداً لحياتهم الشخصية ، لكن الأمر يختلف فيمن يعتقد انه بموته يجعل الضرر اكبر حجما على الاخرين ، وغالباً ممن لايعرفهم وليس له معهم أية علاقة سببية مباشرة أو غير مباشرة .
ويبدو ان تطويع النصوص المقدسة والأحاديث النبوية الشريفة من قبل بعض رجال الدين وجعلها وسائل أعلامية مضللة للعقيدة الأسلامية وتشكيل مفاهيم نازعة لتأسيس دين جديد لايمت للدين الأسلامي بصلة ، ويتعارض معه جوهريا وشرعياً ، وأفكار نازعة لنشر الأرهاب والرعب بين الناس ، بات اليوم واضحاً وضوحاً كبيراً بعد تبلور الفكر المتطرف في اماكن عديدة في العالم .

وأذ تعج المناطق المتخلفة في العالم بالأفكار التكفيرية ، مثلما تعج المنطقة العربية بوجود اعداد جاهزة ويائسة وقابلة للانسجام مع هذا المفهوم الديني الجديد لأسباب أجتماعية وسياسية عديدة ، فقد تبلورت ظاهرة التطرف والنزوع نحو خلاص النفس من محيطها وواقعها العربي المزري بجنوح المنتحر الى توظيف جسده كوسيلة من وسائل الموت دون أن يتعرف على هويات أو اسماء الضحايا ، سواء بواسطة ايهام المنتحر بحياة في الجنة أو بوعود يطرحها رعاة للأعمال الأرهابية أو بخلاص لحياة بشرية انغلقت امامها سبل الحياة التافهة سوى طريق الموت الذي يرسمه له المنظرين كوسيلة من وسائل رضا الله زيفاً وبهتاناً ايهاماً للمنتحر .
ولهذا انتشرت الظاهرة الأرهابية في المملكة العربية السعودية والكويت ومصر والجزائر ومناطق الخليج قبل أن تستفحل في المملكة الأردنية وفلسطين والمغرب العربي والعراق .
ولم يعان العراق من الظاهرة الأرهابية والتطرف الديني حتى قامت سلطة صدام بأستخدام التطرف ومجموعات التنظيمات الأرهابية لصالح سبل توطيد اركان السلطة الصدامية ، بقصد اخضاع الذهنية المتطرفة لصالح المؤسسة الأمنية ، وبقصد خلق مواجهة دينية بين التطرف والعقل الجمعي العراقي .
فقد وظفت سلطة صدام هذه الظاهرة في حربها مع الشعب الكوردي في العراق حين منحت تنظيمات متطرفة تزعم انها أسلامية مدداً وعوناً ومساندة للوصول الى مناطق في كوردستان العراق لنشر الجرائم والقتل والموت بين الناس ، وكذلك في تخطيطها أعتماد خطباء للجوامع ورجال للدين من بين عناصر المخابرات التابعة لها .
بالأضافة الى محاولتها نشر طوائف ومذاهب موالية لها ضمن مناطق سكانية لاتعتقد بها ولاتتعاون معها في مناطق عديدة من العراق .
ومن أهم المفاهيم الفكرية التي اعتمد عليها قادة الفكر التكفيري في المملكة العربية السعودية للترويــج لأفكارهم وأرائهم وتوجهاتهم ومنهم الشيخ علي الخضير والشيخ ناصر الفهد والشيخ أحمد الخالدي بدأ بنشيد ردده أفراد الفئة الضالة هذا نصه :
( فجروهم فجروهم حيث كانوا وانحروهم.. ابشروا يا عباد الله وأثبتوا إن تحرير فلسطين هو من هنا وتحرير أرض الجزيرة هو من هنا وإعادة بلاد الإسلام إلى مظلة الإسلام وإلى حكم الشريعة هو من هنا نحن إرهابيون والإرهاب طريقنا القتال ليعلم أننا إرهابيون وإننا مرعبون ).
أن ظهور الفكر المنحرف بهذا الشكل يدلل بما لايقبل الشك محاولة الصاق تهمة الانحراف والتشوية في كوامن هذا الفكر في محاولة لتحريف الشريعة والدين الأسلامي بكل قيمه الأنسانية وبكل تعاليمه السماوية النازعة للخير والمحبة والتسامح والسلام .
لتحل محلها قيم الغدر والأرهاب والنحر والقتال والتفجيرات وقتل الأبرياء وغدر النساء والأستقواء على الأسير وقتله وأرعاب الأطفال وخطفهم ، كميزة من مميزات الفعل الأرهابي .
غير أن بعض من رجال الدين الذين تصدوا لهذه الظاهرة الأرهابية المتفشية بين رجال الدين حيث وظفوا قدراتهم ونفوذهم النفسي والروحي بين نموذج من نماذج الشباب العربي المسلم وتحريضه ودفعه للموت ، سموا الأشياء بمسمياتها وشخصوا الخلل .
يقول الشيخ عايض القرني / أنا لاحظت في قراءة هذا الفكر وفي مراجعه وفي كتبه والاتصال بأربابه أنهم سموا مسميات بغير أسمائها الشرعية فهم يسمون قتيلهم المنتحر في هذه العمليات شهيدا وهم مجاهدون ومن قتلوه إلى النار كافر ومن تترس فهو تبع من قتلوه أيضا والأموال غير معصومة وإنما مستباحة / .
وعلق الشيخ أحمد محمد بافضل على الفتاوى التي أصدرها قادة الفكر التكفيري قائلا (( سبق أن صدر عن البعض فتاوى من عند أنفسهم مع الأسف لا يسندهم فيها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس حرموا فيها ما أحل الإسلام وأحلوا ما حرمه ونتج عن هذه الفتاوى تضليل لبعض الشباب فقاموا بأعمال مخالفة للدين من قتل وترويع للآمنين )) .
ودعا الشيخ بافضل في هذا الخصوص علماء الأمة الناصحين المرشدين إلى إيضاح الحق وتبيانه للشباب وقال إنهم أمانة في أعناقكم وستسألون عن هذه الأمانة شباب لا يزالون في حيرة من أمرهم حول هذا الفكر الذي نتج عنه تشويه للإسلام وطمس لحقائقه الناصعة الهادئة. وعد الشيخ بافضل تراجع قادة الفكر التكفيري في المملكة وهم الشيخ علي الخضير والشيخ ناصر الفهد والشيخ أحمد الخالدي بأنه ليس حالة شاذة أو غريبة بل جاء بعد سنوات قليلة من تراجعات قادة الجماعة الإسلامية في مصر عن نفس الفكر الذي يتبناه هؤلاء بعدهم وقال لقد اعترفوا وتراجعوا ونشر هذا في مطبوعات متعددة ومن سعادة المرء وتوفيق الله له أن يعرف خطأه فيرجع إلى الصواب الذي يحبه الله قال جل شأنه (( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون)) .
وأضاف قائلا / مما تقدم يتضح أن تراجعات هؤلاء الثلاثة ليست إلا عودة وتوبة ومعرفة للحق ورجوع إليه بعد أن سقطوا في انحراف فكري تجنى على الإسلام والمسلمين وبعيد عن صحيح العقيدة الصافية فهنيئا لهم هذا التوفيق وندعوا من بقي إلى التوبة إلى الله وإلى الرجوع إلى الحق قال الله تعالى (( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون )) .
وقال الدكتور عبدالله نصيف الأمين العام الأسبق لرابطة العالم الإسلامي في معرض تعليقه على الفتاوى المنحرفة / فكانت هذه الفتاوى الفردية التي صورت لهم وأيضا كتب ألفت من أجل تسويق الحرب بين المسلمين واستخدام البغي والعدوان والظلم في سبيل ما يدعون أنه تنقية بلاد الإسلام من أثر الاستعمار أو ما إلى ذلك من أقوال وهي بلوى من الفتوى الفردية والزعامات الموهومة والزعامات التي ليس لها قاعدة شرعية ولا علم ولا حكمة ولا بعد نظر.
وأعرب الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس في تعليقه على الفتاوى المضللة عن قناعته بأن كل من أصدر فتاوى فردية سيتراجع عنها لما ترتب عليها من سلبيات كثيرة جدا وقال ممكن أن الذي كان يعطي فتاوى تكفيرية ما كان يتوقع خطورة هذه الفتاوى إلا بعد أن حصلت المآسي.
وأوضح الشيخ عكرمة صبري أن هناك ثمة خلط كبير ما بين الإنسان المسلم حين يقاوم محتلا كافرا وبين أن تدمر وتقتل أبرياء في ديار الإسلام فرق كبير جدا وقال نحن نقول لإخواننا العلماء الذين انحرفوا عن الطريق ينبغي عليهم أن يعودوا إلى جادة الصواب وأن يتراجعوا كما حصل مع بعضهم.
وانتبه بعض رجال الدين ممن كانــوا يحرضون الشباب على الأنتحار والموت المجاني ، وانتبهت بعض العقول التي كانت تسخر قدراتها وطاقتها في دفع البهائم المفخخة للموت بحجج مختلفة ، راجعت نفسها وأعلنت توبتها .
فيقول احد المراجع التي افتت بلزوم ترك القتل والأرهاب / أعلم أن هناك آخرة وأن هناك موتا وأن هناك يوما سوف تسأل فيه عن الدماء التي تزهق بغير حق وعن الأموال التي تزهق وعن الترويع للآمنين الذي يحصل من ذلك ولم يستفد من ذلك شيئا فأنا أقول بإخلاص وصدق وأتمنى ذلك من قلبي أن يتقي الله سبحانه وتعالى وأن يخشى الله في نفسه وفي مجتمعه وفي أهله ويترك هذه الأعمال ويلقي السلاح كفى من هذه الأعمال التي حصلت التي ينفطر منها القلب وتنفطر منها النفوس المؤمنة.
وهذه الصحوة وان بدت متأخرة الا أنها اعتراف صريح بالجريمة التي سيقترفها المنتحر حين يقدم على قتل نفسه وغيره من الأبرياء .
ووجه الشيخ ناصر الفهد رسالتين للفئة الضالة قال فيهما (الرسالة الأولى أقول لهم أن يتقوا الله في المسلمين وقد رأينا الحقيقة النتائج يعني قتلت نفوسا مسلمة معصومة هدمت بيوتا على ساكنيها روع الناس وحصلت أمور ما كنا نعتقد أن نصل إلى ما وصلت إليه فالرسالة الأولى أقول لهم أن يتقوا الله في الناس ويتركوا سفك الدماء والرسالة الثانيــــة أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يتوبوا مما عملوا والله سبحانه وتعالى يقول) ومن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم .
أن تسطيح سمة وميزة من المميزات التي يمنحها الأسلام الى من يقدم نفسه دفاعاً عن عرضه أو ماله او دينه على انه جود من اقصى انواع الأيثار والجود ، وعده في منزلة الشهادة التي لايمكن ان تطلق على المنتحر والبهيمة المفخخة .
وقد نعجب ان اعرابا تقيم مآتما لبهيمة مفخخة أقدمت على قتل نفسها وسط حشد من أبرياء العراق وفقراء المدينة ، وقد نعجب أن أعراباً هزجوا لمسيل دم عراقي وأقاموا مآتما لبهيمة مفخخة قتلت عراقيين كانوا يقيمون عزاء لميت او تجمعاً لتشييع متوفى في مدينة الموصل .
قد نعجب لأن اعراباً تلقوا التهاني من اعراب آخرين يبادلونهم المشاعر المتطرفة نفسها ، فلاوجود لكلمات الله بينهم ، وقد غابت كل قيم الأسلام بينهم فأسقطوا ضمائرهم ووجدانهم ، وصيروا القاتل بطلاً ، وصيروا البهيمة شهيداً ، وصار الذي يمارس اللواطة في بيت الله مرجعاً دينياً يتم تقليده والأقتداء به ، وقد نعجب أن اعراباً يقطعون كل تلك المسافات ويعبرون الحدود ويتركون بيوتهم ليقدموا على قتل العراقيين الذين سيموتون بأرادة الله حتما فليس بينهم من يؤبد الحياة ، وقد نعجب لأعراب يتركون بيوتهم وأعراضهم ومالهم وأهلهم ومسؤولياتهم الشرعية وأوطانهم المحتلة والمتخلفة ويتوجهون الى العراق ليقتلوا حلاقيه وخبازيه ومعدميه من الفقراء والباحثين عن العمل والخبز ويذبحون افراد شرطته تحت ضغط الفتاوى والتوصيات التي يطلقها الشيخ الذي احل لهم الذبح والنحر بالسكاكين واللواط في بيوت الله ، فأن الله غفور رحيم مثلما أن الأسلام يجب ماقبله .
ولكن الضحايا من المسلمين والمسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين من اهل العراق الذين سكنوه منذ سالف العصر وكلهم يقولون لاألله الا الله !!!!
ولكن الضحايا عراقيين عاشوا تحت نير الظلم الدكتاتوري والطغيان الصدامي وأعدموا اولادهم لتمسكهم بالصلاة والصوم وخربوا بيوتهم بسبب تمسكهم بتعاليم الأسلام التي تتعارض مع تعاليم القائد الضرورة !!
انهم عراقيون بأنتظار فتوى من رجال الدين تحدد لهم هل أن انتحار البهيمة المفخخة واجب شرعي ويحث عليه الدين الأسلامي ؟
انهم عراقيون بأنتظار الفتوى التي تحدد لهم كون المنتحر من الأرهابيين يستطيع أن ينفذ الصك الذي سلمه اياه شيخه بدخول الجنة ؟؟
انهم عراقيون بأنتظار فتوى من علماء الديـــن أزاء مايحصل من الحق والباطل ، والساكت عن الحق شيطان أخرس ، ومن رأى منكـم منكراً فليغيره بيده ، فأن لم يستطع فبلسانه ، فأن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الأيمان ، فهل نحن نعيش حالة أضعف الأيمان في العالم الأسلامي .
الحرب التي تشنها التنظيمات الأرهابية المتطرفة التي تتخذ من الدين الأسلام وتعاليمه السمحاء برقعاً وستاراً لتمرير أفعالها ، لاتؤثر في جدران السلطات ولاالأنظمة الغربية التي تزعم انها تحاربها ، وهذه الحرب موجهة ضد المدنيين والأبرياء الآمنين دون غيرهم ، وبالتالي هي حرب موجهة من هذه التنظيمات المتطرفـــة التي توفرت لها كل مستلزمات القوة والأسناد الى الدفع والتغذية المعنويين ، هذه الحرب موجهة ضد الأنسانية بشتى صورها ، وأن الجرائم المرتكبة رغم بشاعتها وكارثيتها بحق الأنسانية لم تغير المسارات السياسية للدول ولم تستطع أن تجعلها تعيد النظر في أقتصادها أو في مسارات أنظمتها السياسية ، كما لم تستطع أن تقنع أحداً بأنها موجهة ضد السلطات والحكام دون الجماهير المدنية .
غير أن مايلفت النظر أن وراء تلك الشبكات الأرهابية حكام دول وتنظيمات سياسية وشخصيات لاتشعر بأدنى خجل حين تشير بشكل غير مباشر مساندتها الى هذه التنظيمات الأرهابية بحجة الأنتصار الى الأسلام والعروبة ، مع انها تمارس الشيزوفرينيا السياسية في الموقف المتناقض ، حين تزعم التزامها بحقوق الأنسان ومحاربتها للأرهاب من جهة ، وتغذيتها لهذه التيارات الأجرامية التي أخذت تنتشر في المنطقة العربية وتتفرع منها منتشرة مثل الوباء من جهة أخرى .
هذه التنظيمات تجد لها من يساندها من الصحافيين والفضائيات العربية التي تتكأ على مساند أجنبية ، وتستقوي بالديمقراطية الأوربية ، وتحتمي بالقوانين الأوربية ، وتدعو الى تمجيد قتل الأبرياء ، وتشيد بالقتلة وبالمجرمين تحت زعم تمجيدها للأسلام والمسلمين ، وهذا السلوك المنحرف يعبـر عن مدى الأنحراف في الممارسة السياسية ، بالأضافة الى كونها تعبر عن أزمة نفسية وأخلاقية في أعتمادها اساليب غاية في الجبن والخسة حين تلجأ الى الخديعة والمخاتلة وأستغلال أنسانية الاخر في المواجهة ، كما انها لم تزل تتخذ من عدة شعارات براقة غير أن ليس لها حقيقة حين تتخذ من غطاء مطالبتها برحيل الأحتلال ما يدفعها لتقديم الضحايا من الأبرياء سواء من المدنيين من اهل تلك البلدان ومن شتى الأديان ، او من البهائم العربية المخدوعة التي يتم ارسالها الى الموت كأي بهيمة تموت وتقتل غيرها ، مع أنها تعرف علم اليقين انها تستطيع ان تصطف مع القوى التي تطالب برحيل القوات الأجنبية وفق القوانين الدولية ومايمليه المجتمع الدولي في هذا الخصوص .
صحيفة عربية صفراء منبوذة من العرب قبل الأجانب تشيد بالقتلة وتمجد بالأرهاب وتتباكى على المجرمين الذين تدعو لهم بالثواب والمزيد من القتل والخراب والموت والتفجيرات ، صحف عربية تصدر بلغة عربية وبتمويل من دول عربية وأجنبية وتطبع في مكائن طباعة أجنبية وصنعت بأيد اجنبية ولها مقرات في هذه الدول التي تدعو لقتل ابنائها ، هذه الصحف تمجد الدكتاتوريات وتجمع كل الأقلام التي تعودت على منح الطغاة القاب رفيعة ، وتجمع كل حثالات الناس بقصد تنظيف وجه الطاغية وتمجيد الزمن الدكتاتوري ، فأي خلق وقيم تجسدها هذه الصحف وعقلية القائمين عليها ، وتقوم فضائيات عربية تستمد ديمومتها من الغرب وتحتمي بأعلام غربية تحتل جزء من أراضيها وتستظل بفيها وتؤدي لها التحية كل يوم ، وتزعم انها تدعو لحرية الفكر والديمقراطية وتجعل من مساحتها التي وفرتها الدول الغربية بساطاً للتنظيمات الأرهابية ووجها قبيحاً لتجميل صورتها في المنطقة المتخلفة من عالمنا العربي ، لتساهم في أعماء العقل العربي وتحرض على تمجيد المنحرفين من عقليات أرهابية ، وتمجد المجرمين الذين يمارسون القتل والتخريب وقتل الأبرياء وتبيح لنفسها نشر غسيلهم وبياناتهم وأفلامهم التي تخصصت بالقتل ذبحاً أو بالرصاص لتعبر بذلك عن لغة يتم اعتمادها أبداً في هذه البلدان التي أنتشرت فيها دعوات الموت بأرخص الأثمان كمكسب تحققه هذه التنظيمات التي تنشر السلاح والمتفجرات بين الناس مثلما تنتشر الأشجار والأنهار في أوربا .
وأكيد أن ممارسة الأفعال الأرهابية المتمثلة في تفجير عربات السكك الحديدية وعربات المترو الأنفاق أو تفجير البنايات ، سيولد عدداً من القتلى لايحصى وسيولد الحزن والمرارة في العديد من العوائل التي ستفقد اولادها وأحبتها ، وبالتأكيد أن من بين هؤلاء العديد من الضحايا ممن كان يساند قضايا أنسانية ، هذه العمليات الأجرامية ستولد الكراهية والمقت لدى الناس ، وستنتشر كراهية الناس لهذه التنظيمات وتنسحب على الدين الأسلام مادامت هذه التنظيمات الأرهابية تتخذ منه شعاراً وستاراً وغطاء لتمويه جرائمها .
وأذ تلجأ هذه التنظيمات الى أساليب يأبى الأنسان السوي ان يلجأ اليها ، كما يخجل الأنسان أن ينحرف اليها في أعتماد الغدر واستغلال الحماية وماتوفره القوانين في البلاد الأوربية لتطبع في ذاكرة الناس أن بلداننا تلجأ الى الأساليب الخسيسة في المنازلة ، وأن الأرهابي مجرد شخص مخادع وجبان بالرغم من عدم تحديــد قوميته أو دينه أو أنتسابة لمجتمع مثل باقي البشر ، يعاني من نقص في التربية وسوء في التعليم ، وجنوح نحو الجريمة تجذر فر روحه الضائعة ، فيلجأ الة هذا الأسلوب للخلاص من دنياه ، وهذا اللجوء المخادع وأستغلال الآخر لأيقاع اكبر الأذى به غيلة وغدراً صار منهجاً من مناهج العمل بين هذه التنظيمات ، كما صارت مسلمة تؤكدها وتكررها اكثر من مرة في عملياتها وجرائمها التي تتفاخر بها .
وأكيد أن النتائج المروعة لتلك الأفعال ستولد رد فعل وكراهية شديدة ضد المجتمعات التي جاء منها الأرهابيين والقتلة ، وسيولد رد الفعل الذي سيتضرر منه بالتأكيد أبرياء آخرين وعوائل عربية أو مسلمة تتخذ لها من الدول الأوربية ملاذاً ووطناً ، بعد ان عز عليها الوطن وتقطعت بها السبل ، وستلقى هذه العوائل من التطرف ورد الفعل ما يحيل حياتها الهانئة والوادعة الى جحيم لايطاق وحياة قلقة وترقب مستمر ، وهي على العموم من المجتمعات العربية التي ابتلاها الله ليس بالتخلف والجهل والفقر ، وانما بأنظمة شمولية وحكام مستبدون وكبت للرأي والرأي الاخر بالأضافة الى تنظيمات متطرفة تعبر عن نمط من الرغبات الحيوانية لدى بعض من تعرف على قشور الأسلام ليوظفها لترجمة رغباته هذه الى أفعال من خلال أستغلال السذاجة والغباء وتردي الثقافة والفهم وقصور الأدارك لدى بعض الشباب الذين يتم أستغلالهم أبشع استغلال .
وكدليل على السادية والأنحراف الذي تجذر في عقول قيادات هذه التنظيمات تلذذها بألم الناس ، وفرحها بما يحصل من موت للأبرياء ، وأحسب أن من تجتاحهم تلك الفرحة وهم يحتمون في دول الغرب من غضب الناس ، انما يمارسون قمة الأنحراف العقلي والنفسي والسياسي ، وبالتالي فهم أكثر خطراً على أنفسهم من غيرهم ، وتلك العقول بحاجة الى تقييد ومعالجة ، ودون تلك الأجراءات ستبقى سائبة تعاود التحريض وممارسة القتل بيسر وبتلذذ وسهولة .
وكتب الأستاذ الجامعي والباحث السيكولوجي الدكتور أسعد الأمارة عن الإرهاب الإسلامي وقيم العنف :
يقول علماء النفس أن العدوان هو سلوك يبرز اتجاهات ومشاعر العداء نحو الاخرين ويهدف الى الهجوم عليهم وإيذائهم وإظهار القوة نحوهم.هذا السلوك هو السلوك العدواني ،يمارسه من يحمل قيّمْ خاصة به كفرد او مجموعة او طائفة او أقلية او شعب ما.كما هو الحال عند بعض الشعوب الإفريقية التي اعتادت أكل لحوم البشر او ممارسة طقوس العنف كسلوك ديني ينبع من تعاليم وثنيتهم ، وهو بحد ذاته يعد سلوك مقبول بين هذه او تلك الجماعة في إفريقيا،ولكن لا يعد مقبولا في دين سماوي واضح التعاليم يدعو أتباعه الى المحبة والتآلف والآخاء والاعتراف بحقوق الاخرين بحق العيش في هذه الحياة ، وقد سن الخالق منهج متكامل لكل أمور الحياة وواكب هذا الدين في رؤيته تطور الحضارة الإنسانية والتكنولوجيا وطالب أتباعه بملاحقة التطورات الجديدة في ميادين العلم واكتسابها مع مقارنتها بقيم السماء التي لا تتناقض مع التطور العلمي.
أما القيم فيراها علماء النفس تؤثر في سلوك الفرد وتؤدي به الى اختيار بديل دون آخر،فهي تعد كدوافع ،ويتم التعامل معها على انها مرادفة او مكافئة للدوافع لذا فأن القيم كما تعرف علمياً بأنها بناء مرابط يتضمن الوجدان،والموقف الحالي الذي يوجد فيه الفرد،وإنها تتكون مما يراه الفرد حسناً او سيئاً،إيجابا ًاو سلباً.
ترى الاتجاهات المعرفية Cognitive ان الدوافع لدى الإفراد تدعم الأنشطة التي يمارسونها في مواقف معينة وتكون مختارة حسب رغبتهم لما هو مفضل او غير مفضل ايجابياً كان او سلبياً من وجهة نظرهم. وحديثنا عن الإرهاب بكل أشكاله، أنما هو يعني بوصفه مشكلة من مشاكل النفس الإنسانية وتؤدي الى تدهور الصحة العقلية في عالمنا المعاصر، تؤرق البشرية وتقض مضاجع الحضارة الجديدة،وبعبارة أخرى هو ممارسة العنف تجاه الآخر، الآخر المغاير في الفكر والمعتقد والرأي والتوجهات ، اذ وصل الامر الى ان هذه الجماعات الأحادية بالتفكير والرأي لاتقبل الآخر المغاير لها،وهي تحاول اليوم ان تقوض الحضارة الجديدة وتحاول تقويض وحدة المجتمعات الإنسانية،وهذا يؤدي بدوره الى اضطراب القيم الدينية بين الاديان والقيم الاجتماعية بين الشعوب وتزيح المعايير القائمة بين الناس مهما اختلفت أجناسهم وأعراقهم ، أنهم يفسدون تماسك المجتمع الواحد بأفكارهم المتطرفة ، وتماسك الشعوب بقيمها ويهددون الكيان الإنساني بأسره، وسؤالنا :
هل قيم الدين الإسلامي تدعو الى التطرف؟
هل قيم الدين الإسلامي تدعو الى الإرهاب وممارسة العنف؟
لا اعتقد ان صحيح الدين الإسلامي ينهج منهج العنف او يدعو الى قطع رؤوس الأبرياء او قطع اللسان او التمثيل في جثث الموتى،ربما كان هناك من يرى في الدين الإسلامي اتجاهاً يدعو الى التطرف والتعصب والغلو رغم ان النبي محمد(ص)نهى عن ذلك بقوله:إياكم والغلو في الدين. !! وهذا يتناقض كلية مع سلوك الجماعات الإسلامية الإرهابية التي تحفز المصلين الى الانتحار وتفجير انفسهم وإيقاع الأذى بالأطفال الذين يلعبون في ساحات المدارس او المرضى المراجعين للمراكز الصحية او المستشفيات،او الموظفات المتوجهات الى عملهن في مطار بغداد او اماكن أخرى او قطع رأس الدبلوماسي المصري الذي يمثل إحدى وسائل التطور الحضاري في التواصل الإنساني بين الشعوب والأمم والأقوام وتوطيد أواصر المحبة بين الشعوب، ، ولنا وقائع عديدة يقوم بها التطرف الإسلامي المناهض لجميع التوجهات الإنسانية والحضارية والتقارب بين الشعوب والذي تعارضه الاديان السماوية جميعها. هذا السلوك العدواني الصادر من الدين المتعصب الذي يدعو الى مزج الدين بالسياسة ،والسياسة كما هو معروف تفرغ الدين من محتواه ويتحول رجل الدين الى منافق ، كذاب ، يبرر لأجل انتماؤه السياسي بغطاء الدين وإزاء ذلك هنا تتداخل القيم بالمعتقدات وتدعم احدهما الأخرى على أساس ان القيم تشير الى الحسن-مقابل القبح،والمعتقدات تشير الى الحقيقة مقابل الزيف،فإذا كان الدين الإسلامي حقيقة،فأن ممارسة العنف وقتل الأطفال وتشريد الأسر وذبح الأبرياء ما هو الا زيف الدين الإسلامي كمعتقد يؤمن بالقيم اللاانسانية التي لم يؤمن بها إي دين من الاديان السماوية او غير السماوية ،وهذا ما يدعو له الإخوة ذوي الاتجاهات التعصبية المتطرفة ويمارسون الإرهاب كسلوك.
ان الإرهاب الإسلامي يفرض قيمه الجديدة تحت غطاء او مسمى الدين الإسلامي ويدعو الى نشر تعاليم الاسلام الجديد الذي لا يمت بصلة للإسلام الحقيقي الذي عرفته الحضارات والأديان السماوية الأخرى.ان دعوة الإرهاب الإسلامي الى مواكبة التطور بأسلوب العنف وقيم التطرف والتعصب وقتل الابرياء في محطات القطارات والمدارس والمستشفيات ومحاولات اغتيال الدبلوماسيين وقطع الروابط والصلات الإنسانية بين الشعوب والمجتمعات هي محاولات ذات بواعث نفسية بحتة ربما تغيب عن الناس في تفسيراتهم ولكن يرصدها علماء النفس بشكل دقيق ومجرد وبموضوعية عالية.
إن الإرهاب الإسلامي المتطرف المتمثل في المقاومة في بلاد الرافدين وفي بلدان الغرب وفي بلاد الشام ،ضرب الآمنيين من الابرياء في العراق والمملكة العربية السعودية وقطر ومدريد ولندن وبلاد الشام والأردن،هو ذو منهج واحد وفكر واحد وقيم واحدة ، تستقي افعالها العدوانية من الاسلام المتطرف –المتعصب وقد اثبتت الدراسات النفسية ان الضغوط الاجتماعية والعوامل النفسية الداخلية والشعور بعقدة الذنب بعدم الوفاء بتعهداته تجاه الخالق ، هنا تكونت عوامل ذاتية مشجعة أدت الى العدوان وزيادة الاعمال العدوانية في الحياة الواقعية ،فبين غريزة القتل والعنف لدى هؤلاء الإسلاميين المتطرفين وبين محترفي الإجرام من النظام السابق في العراق وبين افراد العصابات القدامى الذين انتسبوا الى المقاومة الاسلامية والعراقية لآجل الكسب المادي وتحقيق أهداف دنيئة بممارسة القسوة ،تكسب هذه الجماعات الاسلامية الإرهابية هيبة واحتراماً وتقديراً ذاتياً لأفرادها حتى راح البعض يتبجح بأنه شارك في الذبح والقتل او الاغتصاب ، هذه الجماعات الاسلامية الارهابية قامت بتوريط الشباب في المشاركة في افعالها وممارسات العنف والسلوك العدواني على كل ما له صلة بالحضارة او التحضر او الرقي الاجتماعي او السلوك الإنساني الذي يتسم بالمسالمة ، أنهم يمارسون ذلك ضد الاخرين بدوافع دينية بحتة متطرفة، يواجهون الاخرين العزل الذين لم يحملوا السلاح بالقسوة والقتل والعنف المنظم، بينما الابرياء يؤدون اعمالهم اليومية ويلقون التحية على المارة وتتسم وجوههم بالبشاشة والتعبيرات الإنسانية ،أما رجال الاسلام الارهابي المتطرف المتمثل في رجال المقاومة العراقية في بلاد الرافدين او في بلاد الغرب او من رجال العصابات المتخصصة بالسرقة او أعضاء رجال النظام الدكتاتوري السابق ،فأنهم يتسمون بالوجوه التي تعلوها سمات المسحة الاكتئابية وعقدة الشعور بالذنب الدائم والخوف من سلطان الدين المتطرف (الامير -الذباح)او قائد المجموعة الانتحارية ،لا تبدو البشاشة والتعبيرات الإنسانية على ملامحهم،ولا تبدو سمة تقبل الأخر في سلوكهم ، أنهم رجال تخفي وجوها لحى كثة واسملة قصيرة لا تبدو عليها سمات الاحترام في الملبس والعطور التي آلف رسول الله(ص) ان تعبق من بدنه الطاهر وهو يلقى صحبه او عامة الناس ويبادرهم بالقاء التحية قبل الزائر القادم، انه سلوك المسالمة في الاسلام وقبول الآخر.لا نجد هذه السمات في الاسلام المتعصب الارهابي فهو لا يعترف بوجود الشئ وضده حيث يجتمعان في مسلك واحد في الحياة ، ونسى هؤلاء الرجال من ذوي الاتجاهات الاسلامية التعصبية والذين يمارسون الإرهاب كسلوك ضد الاخرين،ان الحياة وحدودها قائم على التناقض وأوله الليل يعقبه النهار والموت مقابل الميلاد والأسود مقابل الأبيض والولادة مقابل الرحيل وقول(د.محمد شعلان)ان الانعدام التام للصراع والتوقف يساوي حالة من السكينة التامة التي لا يتولد عنها صراع او حركة وهي تتنافى مع وجود الإنسان على قيد الحياة يسعى دائماً الى التفاعل والتعبير والحركة ولهذا فأن هناك جانباً لهذه الخبرة وهو القدرة على الإحساس بالانسجام مع الواقع ومع الآخر المختلف،فتقبل الآخر هو خفض التوتر ،والاعتراف به،يعطي النفس الطمأنينة،فلم تكن الحياة يوماً ما ليلاً بلا نهار او نهاراً فقط بل تكتمل الحياة في تناقضاتها،ولكن يبدو ان الامر مختلف عند تلك الجماعات التي آمنت بالإرهاب،انها ترى بالسيطرة وإخضاع الآخر وقمعه هي الوسيلة الصحيحة لسيادة المعتقد مهما كان معوجاً وبالتالي فهي تتصارع مع الكل،وترى في الكل خطأً وتمارس في خبرتها بالعنف والقتل والتفجير وابراز القسوة رغبة في التغيير في عالمنا الأرضي،وهم يعتقدون(الاسلام المتطرف)ان الواقع ملئ بالتناقضات،وواجبهم الشرعي هو إلغاء الأخر،إلا من آمن بخط العنف والارهاب تحت راية الاسلام المتطرف-المتعصب،لا ندري ان هؤلاء الإرهابيين لديهم خبرة كبيرة اكبر من الأنبياء والصالحين الذين رأوا الجنة بصورة او أخرى ولكنهم عادوا منها مختارين لكي يعيدوا ممارسة الحياة على الارض بكل ما فيها من صراع،ودعوا الناس جميعاً الى المحبة والتآلف والايمان الصادق بالمعتقد،وهذا ينطبق على كل الاديان التي تتفق في نبذ الكره والبغضاء والقتال والتعذيب وقطع الرؤوس ومعاقبة النساء بالاغتصاب وتفجير الناس الآمنين بالسيارات المفخخة،إلا عند هذه الشريحة التي أمنت بالاسلام المتعصب والإرهاب كسلوك ،فالجديد إذن في مفهوم الإرهاب الاسلامي لم يعد مجرد السعي وراء ترسيخ قيم الدين الاسلامي الصحيحة او إي دين آخر،بل التغلب على تطور الحضارة والتقدم الإنساني في مناحي الحياة والحصول على الطريق الأقصر الى الجنة،وهي استحالة في تحقيق هذا الهدف عند الناس الأسوياء.
http://www.annabaa.org/nbanews
أن ديمومة الأسباب التي تتوفر للتنظيمات الأرهابية سبباً من أسباب تكرار الكوارث الأنسانية والهجمات الأرهابية التي تشنها التنظيمات الأرهابية ، بالأضافة الى وجود عوامل المساندة من العقول المريضة والمنحرفة ، التي تمجد القتلة وتدعو لمزيد من القتل ، وتمارس الإعماء في الذهن العربي لتزيدة تخلفاً وأفقاراً وأنحطاطاً ، حين يتم توظيف الجسد البشري وتحويله الى كتلة من الموت الذي يقتل الآخرين دون تمييز ، الأنسان الذي كرمه الله تعالى بالحياة وحباه وجعله متميزاً بقوله (( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقنهم من الطيبت وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )) .
وتكاد ظاهرة الأغتيال السياسي والتصفية الجسدية أن تتميز بها المنطقة العربية فقط ، و ليس أيضاً ما تشتهر به من قدرتها على تفريخ الحكومات الدكتاتورية والتي لاتتقبل التعارض أو الأختلاف ، وانما قدرتها على تنويع الطرق التي يتم بها الاغتيال لأسكات صوت الخصم السياسي ، ووجود وسائل متوفرة لهذا الأغتيال والتصفية .
وشهدت المنطقة العربية حالات عديدة مورس فيها الأغتيال السياسي ليس فقط من السلطات الحاكمة ، ولامن الرموز السلطوية بشكل مباشر أو غير مباشر ، وانما مورس من قبل أحزاب وشخصيات عربية ضد الخصوم ، كما مورس الأغتيال السياسي من قبل اجهزة مخابرات غالباً ماتتميز به أجهزة الأمن والمخابرات .
أن تصرف اجهزة المخابرات والجهات التي تقف وراء عمليات الأغتيال السياسي تهدف الى أسكات الصوت المعارض لما له تشعره من تأثـــير في نقدها او اظهار سلبياتها والتأليب عليها ، والمنطق يقضي ان يكون التعارض والاختلاف بين الناس والأنظمة بالحوار الأنساني وصولا الى القناعة المشتركة وبطرق تتسجم مع كرامة الأنسان ، والمنطق يقضي ان يتم السماح للصوت المعارض ان يطرح أفكاره ومايعتقده من سلبيات ونقائص لدى المقابل ، وأن ينتقد ويطرح البدائل ، وأن المنطق يقول أن يتم الحوار من اجل التوصل الى هدف اقناع الشارع او تنظيمات الحزب .
أن سلوك طريق الأغتيال السياسي خروجاً عن نمط العلاقات الانسانية ، وكما يعد سلوكاً هجينا في الأختلاف الفكري ، وجريمة من الجرائم الجنائية العمدية التي لاترتقي لمستوى الجريمة السياسية .
والمتابع لأحصاءات البشر الذين طالهم الإغتيال السياسي رجالاً ونساءاً ، يخرج بنتيجة مروعة وغاية في القلق من استشراء مثل هذه الظاهرة في البلدان العربية الغافية تحت سلطات القهر والطغيان والدكتاتوريات وأجهزة الأمن والمخابرات والجمهوريات الوراثية ، حيث صارت هذه الظاهرة نتيجة متوقعة أو ثابتة في العمل السياسي العربي ، وتتعدى عمليات الإغتيال السياسي المرتكبة من قبل السلطات بحق السياسيين لتصل الى أصحاب الأقلام ومحرري المقالات وكتاب الصحف والعاملين في مجالات الصحافة واجهزة الاعلام والثقافة ، واعتقاداً من الجهة التي تقف وراء عملية الأغتيال وأسكات الصوت وأنهاء حياة الشخص بأنها ازاحت من طريقها خصماً كان يمكن ان يؤثر في مسيرتها ، او كانت له القدرة في أن يفضح ماتحاول ترقيعه او تتستر به .
الحقيقة أن لكل خصم وسيلة في الأختلاف والتعارض تتناسب مع ذهنيته وفهمه للحياة وللمعارضة ، وان لكل شخص فهم في اساليب الحياة قد يختلف عن غيره في تلك المفاهيم وسبل السلوك ، وتبقى مسألة النوازع الأجرامية الراكدة والمترسبة في قاع الشخص ، والتي تبرز أحياناً تلعب دورها في التأثير في سلوكه ، لتزين له حلاً منحرفاً لمشكلة أو ثأراً لموقف سياسي أو فكري بالتفكير بأنهاء الخصم كلياً لتنتهي بالاقدام بشكل مباشر او غير مباشر على ارتكاب فعل جريمة الاغتيال السياسي او التحريض عليها .
وعليه فأن الأغتيال السياسي يمثل عجزاً فاضحاً في السلوك البشري الذي تقوم عليه شخصية الجهة التي انتهت الى الالتزام بسلوك القتل كوسيلة من وسائل انهاء الخصم ، كما يمثل ترديا في العقلية السياسية من خلال الممارسة المتناقضة مع حقوق الانسان .
وثمة شيء مهم يكمن في أن القاتل في هذه العمليات يعود لممارسة العمل السياسي في الساحة بعد ارتكابه الفعل ، وبذا الاستسهال انما يعبر عن استخفافه بالمجتمع وبالقيم ، غير انه لن يتوانى من سلوك طريق الجريمة السهل لآزاحة الخصوم عند الأختلاف ، كما لن نستبعد ان يقوم بتكرار ممارسة هذا الفعل سواء بالواسطة أو مباشرة كونها تشكل له حلا متناسبا مع ذهنيته وانحرافه الأجرامي .
ويبدو ان هذه الأغتيالات السياسية التي مورســت في الوطن العربي سواء منها ماتم امام العيان ، او بشكل خفي غير مباشر ، صار يشكل أرثاً وأعرافاً تلتزم بها الجهات والسلطات والأجهزة والاحزاب والأفراد الذين يمارسون عمليات الأغتيال السياسي .
وعمليات الأغتيال السياسي التي ظهرت في تاريخ العرب بعد الأسلام ، تمثل بروز هذه الظاهرة في الذهنية العربية غير القادرة على استيعاب الفكر الديمقراطي أو الأفكار التي جاء بها الأسلام ، باعتبارها أفكاراً متعارضة مع الولاء للعشيرة وللمنطقة وللقومية ، وافكاراً تنصف العبيد والفقراء ، ولهذا بدأت بواكير الأغتيالات السياسية مع بدء الرسول محمد ( ص ) في نشر الدعوة الأسلامية ، ثم ماتلاها من الصراع بين المسلمين والكافرين ، ثم في أنتصار الأسلام والمحاولات التي جرت في أغتيال الخلفاء الراشدين كل من عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب ومن بعدهما في اغتيال الخليفة عثمان بن عفان ( رضي الله عنهم أجمعين ) ، وكما في حادثة مقتل الحسن بن علي بن ابي طالب بالسم بأمر من الخليفة الاموي معاوية بن ابي سفيان ، ثم تطور الأمر لتتخذ الدولة الأموية التي فرضت نفسها بالقوة على الأمة هذا المنهج سلوكاً معروفا في انهاء المعارضين ، وأستمر الأمر مع الدولة العباسية وماتلاها من دول السلاجقة والبويهيين والصفويين والعثمانيين ، فقد قضى العديد من المعارضين غيلة بسبب معارضتهم السياسية للسلطات الحاكمة وتحت شتى الذرائع والحجج .
ولجأت السلطات الحاكمة الى أستعمال طريقة دس السم للقضاء على معارضيها ، وبقيت حالات القضاء على المعارضين بالسموم غير معتمدة وفاعلة حتى برزت في الفترة الأخيرة ، وفي القرن العشرين حيث تم اعتماد استخدام السم في الاغتيال السياسي أو في تصفية المعارضين كوسيلة من وسائل الأغتيال السياسي ، كما أشتهرت السلطة الصدامية بأستعمال أنـــواع السموم في قتل المعارضين وتصفيتهم ، ولعل أبرز تلك الظواهر العدد الكبير من العراقيين الذين تم اعتقالهم في زنازين وأقبية الأمن العام والمخابرات بسبب تخوف السلطة من معارضتهم أو مواقفهم السياسية ، ومن ثم اطلاق سراحهم بعد ان يتم دس السموم لهم في الشراب والطعام ، تجسيداً لمقولة الخليفة الأموي معاوية بن ابي سفيان (( أن لله جنوداً من عسل )) .

كما شهد الحكم الوطني وماتلاه في العراق عمليات اغتيالات سياسية عديدة ، لعل من أشهرها عملية أغتيال الملك غازي ووزير المالية رستم حيدر وبكر صدقي ، ثم في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ، وعمليات الاغتيالات التي مورست في مدينة الموصل وكركوك وبعض المدن العراقية ، كاسلوب لتصفية الخصوم السياسيين .
ولجأت سلطة البعث الأولى في 8 شباط 1963 الى تعميق طرق ووسائل الأغتيال السياسي ولم تتوان في المجاهرة في ارتكابها عمليات الاغتيال السياسي والتنصل منه واستهجانه بعد اتمام الفعل والقضاء على الضحية ، كما أصبح فعل الأغتيال والتصفية السياسية سمة من السمات التي يتميز بها فكر حزب البعث في كلا الفترتين الدمويتين التي حكم بها العراق ، وحقق بذلك التدهور المريع في الأنتقاص من القيمة الأنسانية للمواطن ولمفهوم التعارض السياسي .
وحتى لانتهم بالمغالاة ونخصص ألتصاق الأغتيالات السياسية بمنطقتنا العربية فقط دون غيرها ، فقد انتشرت الظاهرة عالمياً ، وظهرت لنا عمليات عديدة في الأغتيال السياسي ، غير ان ما يميز المنطقة العربية هو استمرارها بالألتزام في ممارسة فعل الأغتيال السياسي ، والتفنن ايضاً في شكل ونوع عملية الأغتيال السياسي ، أذ لن يتكرر بالضرورة فعل القتل بالسلاح الناري أو الجارح أو بوسائل تفجير السيارات واماكن السكن ، ولكن بأساليب وطرق قد تبدو خافية على المواطن البسيط ، وقد تتمكن جهات من طمر الحقيقة ولو بشكل مؤقت في عملية الأغتيال السياسي ، كما حدث مع حالات الموت السريع بعد اخلاء السبيل من معتقل قصر النهاية ذلك المكان الرهيب الذي كان يدار من قبل سيء الصيت مدير الأمن العام ناظم كزار بأشراف مباشر من الدكتاتور صدام حسين الذي بقي يعمل رئيسا لمنظمة متخصصة في الأغتيالات والتصفيات السياسية تحت أسم منظمة (( حنين )) ، ثم تطورت في عملها والمساحة التي تتحرك بها لتتحول الى مكتب العلاقات العامة والتي بقيت تحت رئاسته وأشرافه ، والتي تحولت ايضاً الى رئاسة جهاز المخابرات العراقي ، وهو جهاز فاعل عملياً ضد اهل العراق دون غيرهم ولم تزل حتى اللحظة عناصره تعمل خارج العراق وتبث افكارها اعلاميا من خلال صفحات في الأنترنيت أو الكتابة في الصحف العربية منها أو في عقدها المؤتمرات المدعومة مالياً أو في التعامل مع الفضائيات العربية مع وجود الدعم المالي الموجود سلفاً ، وهي تفصح عن نهجها وممسيرتها وشخوصها تتصدى للتغيير في العراق وتقف ضد تطلعات الشعب العراقي في تأسيس دولة القانون والديمقراطية والفيدرالية ، وتدعو الى ذبح وقتل العراقيين الحالمين بهذه الدولة المدنية ، ولاتكتف هذه النماذج عن الدعوة والتحريض على القتل بل ويهلل افرادها ويظهرون فرحتهم حين يكثر القتل في اهل العراق من قبل تنظيمات الأرهاب والتطرف الديني المنبوذ في العراق .
نعم ان جريمة الأغتيال السياسي من جرائم الأرهاب أذ لايبدو معقولا أو مقبولا أن نتقبل قتل الخصوم على أنه حالة من حالة الصراع أو التعارض السياسي ، كما أن النصوص العقابية التي وضعت في القوانين الجزائية لم تعتبر فعل الأغتيال السياسي من الأعمال ذات الصلة بالعمل السياسي وبالتالي لايمكن تطبيق الظروف القضائية المخففة بحق القاتل .
فأذا كانت عمليات الأغتيال السياسي بقصد أنهاء حياة الخصم مادياً ، فهل انها نجحت في أنهاء فكرة الخصم ؟ وهل انها أستطاعت تخويف وترويع المجتمع بممارسة مثل تلك الجرائم ؟ هل انها أستطاعت أن تسكت القلم وتمنع الأفكار من أن تندفع منطلقة في الفضاء ، الواقع يتحدث عن تواصل انساني في أحياء الفكر وبقاء الأنسان متمسكاً بعقيدته وأيمانه بأفكاره مهما كان الثمن ، يعني هذا ان الوسيلة لم تحقق هدفها ، فقد مرت قوافل من الذين تعرضوا الى الأغتيالات السياسية لم يستطع القاتل أن يجعل فكرهم غائباً أو صوت من يتبعهم يخفت ، ولذا فأن جميع عمليات الأغتيال السياسي تطال المنادين بالحرية والتغيير والعلمانية واللبرالية والفكر اليساري بشكل عام . كما تطال ايضاً قيادات سياسية يمينية او معتدلة بتحريض من سياسيين يقفون معهم في نفس الخندق تنافساً على مراكز سياسية أو حزبية ، او تصفية لحسابات شخصية .
والمتمعن في نتائج الأستفتاء الذي اجرته الصحيفة الالكترونية (( أيلاف )) عن الجهات التي ساهمت في أغتيال الصحفي اللبناني سمير قصير ، وسواء كانت النسبة الأكبر سورية أم لبنانية أو أسرائيلية ، فهي في كل الاحتمالات تعني ممارسة فعل في أسكات صوت الخصم بطريقة عربية مميزة ن وتلك أكثر أساليب الإرهاب السياسي في اللجوء إلى إنهاء حياة الخصم بواسطة المأجورين والقتلة .
خلال الفترة المنصرمة اطلق بعض المسؤولين تصريحات لم يكن لها محلا من الأعراب وليس لها أي مبرر ، وتهافتوا على الظهور من على شاشات التلفاز وخصوصاً القنوات المتهمة بالألتزام بخط معاداة الشعب العراقي ومستقبله الديمقراطي ، والتعاطي مع مثل هذه الفضائيات لايعني سوى الأنسياق في مخططاتها الهادفة الى الأيغال بالأساءة الى الشعب العراقي مهما كانت التبريرات ، حيث كانت تجرهم على الدوام لما يسيء لقضية مستقبل العراق ووحدته الوطنية ، كما كانت تستغلهم كورقة ابتزاز في برامجها وخطها الإعلامي البعيد عن الحياد .
وليس فقط التناقض الواضح بين مسئول وآخر في التصريح ، وليس فقط التفنيد والتنصل من مسؤولية التصريح الذي يطلقه بعض ، حتى أصبح المواطن العراقي حائراً أمام كثرة التصريحات وتناقضها والتنصل منها .
وفي ظاهرة لافتة للانتباه وخصوصاً مايتعلق بالقضية الأمنية ، فأن المسؤولين وبالنظر لعدم وجود خبرة أمنية في عملهم ، وعدم توفر تخصص ومعرفة في حفظ أسرار العمل العسكري والأستخباري والأمني ، كانوا يتبارون لمنح أعداء العراق الفرصة لإعادة مخططاتهم واتخاذ الحيطة والحذر مما سيقع لهم ، ويتباهى الأخوة بكشفهم حتى ابسط المخططات والتدابير التي يتم اتخاذها ضد شبكات الإرهاب والأجرام . وعلى سبيل المثال في تصريح سابق لمسئول عراقي أعلن في مؤتمر صحفي ان الدول الغربية لن تسقط ديون العراق إذا أقدمنا على إعدام إرهابي او مجرم تمت إدانته قضائيا ً ، فهل يعني هذا قبول الحكومة المؤقتة ان يصير العراقيين مشاريع للموت اليومي حتى ننتظر ان تسقط ديون صدام غير القانونية التي برقعها فوق رأس العراق دون وجه حق ودون أية مشروعية ؟ والتي كانت اغلبها لحساب عائلته المنبوذة !! وفي تصريح نسب للسيد مستشار الأمن القومي أشار الى اعتقال مساعد للزرقاوي ومعه بعض الإرهابيين المتمرسين في العمليات الإجرامية وذكر أن مخلف عرسان الدليمي احد المعتقلين الثلاثة وابرز مساعدي الزرقاوي، كان مسئولا عن توفير الملاذات الآمنة لعناصر التنظيم وتيسير تنقلاتهم.
وأضاف ان المعتقلين الثلاثة ليسوا مدرجين على قائمة المطلوبين الـ 29 من جانب الحكومة الانتقالية والقيادة العسكرية الأمنية ، وأوضح ان الأمـــن العراقي نجح في ( غرس ) عناصر من الشرطة داخل شبكة الزرقاوي ، وتجنــيد عناصر ( مدنية سنية !! ) موالية له ومرتبطة بعملياته في ( المثلث السني !! ) ، فهل يوجد مبرر – إذا صح التصريح – للأعلان عن غرس عناصر داخل الشبكات الأرهابية ؟ وهل يوجد مبرر للتصريح بتجنيد عناصر وطنية عراقية ضمن المنطقة الغربية ؟ وهل أن مهمة المستشار الأمني تقتضي كشف بعض الحقائق التي يستفاد منها تنظيم الإرهاب ؟
لقد بتنا نسمع العديــد من الوعود والتصريحات التي لم نجد لها أثراً من الواقع ، ولم نتلمس فعلاً القضاء على الإرهاب مع مايرافق العملية من الغاز وأسرار ترافق عملية استعادة القوات المسلحة لتشكيلاتها وإعادة قوات الحرس الوطني لقوته وتفاعل عمل الأجهزة الأمنية والمخابراتية ، بالإضافة الى البطء المتعمد في استعادة قوة هذه التشكيلات مع هجمة شرسة وقذرة تقوم بها التنظيمات الأرهابية والإجرامية ، بالإضافة الى ضرورة الكشف عن السبب الذي جعل القوى الإجرامية والإرهابية تتمكن من نقل جميع العتاد والأسلحة المتوفرة في مذاخر ومخازن الجيش العراقي بسهولة ويسر أمام أنظار القوات المحتلة ؟ وأن يماط اللثام عن أسرار إبقاء الحدود مفتوحـــة ومشرعة وسائبة لكل الإرهابيين العرب للتجمع في العراق ؟ مع ان بإمكان القوات المحتلة ان لاتجعل النملة تتسلل من الحدود وفقاً لإمكانياتها الفنية والتقنية المتطورة ، بالإضافة الى المماطلة واستبعاد العناصر الوطنية الكفوءة والقادرة على التصدي للإرهاب والمجرمين في المدن التي حدثت بها السيطرة الأرهابية واحتلتها بسهولة لتتحكم في مصير اهلها وتسبب خراب بيوتها وتتمكن من التسلل الى مدن أخرى .
ومع إننا لم نتعرف لحد اللحظة على هذه الشبكات ، ولم تعلن الحكومة المؤقتة التدابير القانونية والإجراءات المتخذة بحق القتلة ومجموعات الإرهاب التي تم القبض عليها ، والتي تم أجراء التحقيق معها وتمت أحالتها على المحكمة الجنائية المختصة وبقية محاكم الجنايات في العراق ، وصدرت الأحكام القضائية بحقهم ، وأرسلت أوراق قضاياهم الى محكمة التمييز التي قامت بتدقيق الأدلة التي استندت عليها المحاكم في الأحكام وصدقت العديد من هذه الأحكام والتي كانت تقضي بإعدام الإرهابيين والقتلة ، كما تم حصول موافقة السيد رئيس الجمهورية المؤقت على تنفيذ أحكام الإعدام .
ولم يتم التنفيذ لحد ألان بالرغم من مضي مدة طويلة على صدور الأمر بتنفيذ حكم الإعدام ، وأن تم ففي نطاق ضيق وتعثر خجول في تنفيذ الأحكام القضائية الباتة بحق المجرمين ، وينتشر خبر أن القوات الأمريكية المحتلة ترفض تسليم المجرمين لتنفيذ أحكام الإعدام بهم .
أن على الجهات العراقية المختصة أن تعلن هذا الأمر وأن تصارح العراقيين بما يدور خلف الكواليس ، حيث أن عدم تسليم المجرمين الى الجانب العراقي يعتبر تدخلاً فجاً في عمل القضاء والأحكام الصادرة عنه ، وتأخيراً حقيقياً في حسم قضاياهم وفقاً للقانون ، كما انه يمنح الفرصة والذرائع والسبب الذي يدعو الإرهابيين والمجرمين من التمادي والاستخفاف بالأحكام القضائية التي لم تنفذ .
أن على السلطة الجديدة أن تميط اللثام عن الأسرار والغموض الذي يلف الملف الأمني في العراق منذ أكثر من سنتين ، كما أن دماء الأبرياء والضحايا والشرطة الوطنية من أبناء العراق ليس ماءاً حتى يمكن التغاضي والسكوت عنه ، أو ليجد التبرير المقنع في أن يتم التحاور والتشاور مع مجموعات القتلة ومن يمثلهم في العراق لنضفي عليهم صفات الوطنية والمقاومة العراقية وهم المبتلين بدماء العراقيين من المدنيين الأبرياء .
وحتى لاتضيع حقوق وأرواح الناس الذين ينتظرون من الأحزاب العراقية أن تعيد لهم الأمل وتدحر قوى الشر والإرهاب ، وتقف لهم الموقف الذي يليق بمستقبل العراق الديمقراطي والفيدرالي ، حيث أثبت العراقيون تحديهم للموت والأرهاب ، حين منحوا هذه الأحزاب الأصوات في الأنتخابات التي رفعت أسم العراق عالياً .
وعلى الحكومة المؤقتة ان لاتدع الناس تتساءل وتبقى في حيرة من أمرها ، فالعراق للعراقيين ، ومن يموت تحت عمليات الأجرام والأرهاب أهلنا وإخوتنا وأطفالنا ، والمتضرر هو شعب العراق لاغيره ، وأن القضاء العراقي وبما يحمله من سمعة عراقية وطنية وتاريخ يجعلنا نثق بقراراته ومتابعته لقضايا المتهمين ، ولايمكن أن نجعل لأية جهة مهما كانت تبريراً لعرقلة ومنع تحقيق العدالة ، فقد ناضل العراقي طويلاً وضحى ضد اعتى نظام دكتاتوري وشمولي من اجل ان يحقق العدالة التي غيبها صدام البائد ، ومن اجل أن يستعيد العراقي حياته الآمنة والمستقرة ويضمن كرامته بعد سقوط الطاغية ، مما يستوجب أن نتحمل جهاداً اكبر في سبيل تحقيق العدالة في العراق في الوقت الحاضر .
كشف الحقيقة في تشخيص من يقف وراء عرقلة التطبيق العادل لقرارات القضاء ، وكشف الحقيقة عمن يريد ان يبقي الحال كما هو عليه لأطول فترة ممكنة ، وكشف الحقيقة عن القضايا التي صدرت بها الأحكام القضائية الباتة والنهائية وعرض المدانين على شاشات التلفاز لمعرفة هوياتهم وجنسياتهم وجرائمهم والجهات التي دفعتهم والطريقة التي تمكنوا بها من غدر العراقيين واغتصاب نسائهم وقتلهم ، وأسماء من يقف خلف عملياتهم من المحرضين والمشاركين والمطبلين لهم حتى يمكن ان يقتص منهم القضاء والقانون والشعب .

نتائج الأعمال الأرهابية

لابد لكل حدث من دورة ينتهي بها وظروف تنهي أستمراره ، ونتيجة يتحقق معها كليا أو جزئيا ، مثل دورة الزمن وهذا الحال ينطبق على الأعمال التي أقدمت عليها المجموعات الأرهابية أو المتطرفة أو التي تعتمد الغلو في تفكيرها الديني أو السياسي أو التكفيري ، فثمة نتائج لابد لها أن تتكون نتيجة تراكم الاعمال الاجرامية التي اقدمت عليها وارتكبتها هذه المجموعات .
فلايعقل أن تعمل هذه المجموعات دون هدف ونتيجة !! ولايعقل أنها لم تكن تتوقع النتائج ، وقد عملت جاهدة بالتعاون مع أجهزة أستخبارية دولية على تنمية حالها وتقوية عودها والدخول ضمن اللعبة الدولية كعامل مساعد .
فقد تنامت القدرات العسكرية والفنية لدى هذه التنظيمات برعاية أمريكية لأستخدامها كمخرز في عين العدو البلشفي الذي كان يتمدد بين أراضي الأتحاد السوفياتي بأتجاه الصين والهند وأفغانستان ، وتصل ذراعه الى دول الشرق الأوسط بيسر ، مما حدا بالمارد الأمريكي أن يستعمل مخارز وسكاكين لأعاقة هذا المارد من التمدد ، ولم يجد غير غطاء الدين وأشاعة الروح الأندفاعية للمحافظة على شريعة الله من الكفرة والملحدين .
وعملت هذه التنظيمات بأشراف مباشر ودقيق من وكالة المخابرات المركزية ، وجندت الأعضاء وكسبت الأنصار لصالح هذه الغاية المشتركة .
فقد وجد الغلاة في النظرة والفهم العقائدي الديني مايشركهم مع من يعادي الأتحاد السوفيني قائد الشيوعية العالمية ، مع مايسندهم ويدعمهم ويسهل لهم الأمر سياسياً وأعلامياً وعسكرياً وماديا ، وصيرها مطايا لأهدافه الستراتيجية .
وبقيت هذه التنظيمات تعمل وفق آلية العامل المساعد حتى انتهت مهمتها المناطة بها .
وأستمرأت قيادة التنظيم لعبة القيادة والزعامة والشهرة الأعلامية ، ولم تكن نفس هذه القيادات أن تكتسب الشهرة والظهور في الفضائيات والصحف لو وظفت قدراتها المالية والدينية لصالح الفقراء المسلمين مثلاً ، او الى أشباع جياع أفريقيا ، أو الى أصلاح بلدان فقيرة ومساعدة التعليم ومكافحة المرض للناس فيها ، أو على الأقل دعم المؤسسات الدينية الأسلامية في بلدان عديدة .
لكنها أختارت طريق الشهرة الأكثر سعة والأوسع ألماً ، وهو طريق أرتكاب الأفعال الجرمية والتخريب وتشكيل مجموعات متسلحة بالمال والتكنلوجيا تشكل خيوط من عصابات مافيا دولية تتخذ من الأسلام برقعاً وأسماً تلوذ تحته وتتبرقع به وصولاً لتحقيق اهدافها وغاياتها ، وتتخذ من شعارات الأسلام وآيات كتاب الله ذرائع وتبريرات لأفعالها التي ترتكبها في العالم بزعم انها تطبق ماتنص عليه الايات القرآنية بشكل لايمت للحقيقة بصلة .
وحقاً نالت رؤوس هذه القيادات الشهرة وأستطاعت أن تستقطب الأعلام العربي والغربي ، وأن يصير قادتها مشهورين أكثر من رؤوساء بعض الدول وأكثر متابعة من ممثلي هوليود أو السينما المصرية .
نالوا من الشهرة ما ارادوا وأظهرتهم قنوات الأعلام العوراء شيوخاً ومتعبدين زاهدين وصبغت وجوه القتلة بطلاء يجعلها شفافة ومحاولة ان تظهر قباحتهم ووجوههم المشوهة بغير حقيقتها ، وصيروا أقذر القتلة شهداء وملائكة .
حققوا ما ارادوا في جعل العالم يربط كل قضية أرهابية بالأسلام .
حققوا ما أرادوا حين بدأت موجة رفض الحجاب تتحقق في كل دول الغرب .
حققوا ما أرادوا حين جعلوا المسلم متهماً في كل مطارات وحدود العالم .
حققوا ما أرادوا حين اهانوا قيمة المسلم في اوربا ، وأظهروا الوجه البشع وغير الحقيقي حين صوروا للدنيا أننا أمة ودين يعشقان الشر والتعذيب والقتل والذبح دون تحقيق ودون محاكمة بل ودون سبب .
حققوا ما أرادوا في أن يكثر أستياء المسلمين من بعضهم ويزداد انقسامهم وتكثر شروخهم .
حققوا ما أرادوا في خلق أجواء معادية للأسلام في كل أوربا وأنحسار موجة التبشير برسالة الأسلام .
حققوا ما أرادوا حين أظهروا المسلم وهو يقاد كأي بهيمة الى الموت فيفجر نفسه ويقتلها ليقتل غيره من الناس .
حققوا ما أرادوا حين ظنوا انهم بقتل انفسهم وبقتل الأبرياء يغيظون الدول الكبرى والساسة الكبار .
حققوا ما أرادوا حين اظهروا آيات الله والشعارات الأسلامية خلف الخاطفين ومجموعات الأبتزاز المادي الرخيص .
حققوا ما أرادوا حين تمكنوا من عرض عمليات جز الرؤوس البشرية بسهولة ويسر وفرح وتعليقها كعلامة تفرد بها العرب والمسلمين في التاريخ الحديث .
حققوا ما أرادوا حين أظهروا ظلاميتهم وأنغلاقهم الفكري والعقائدي وتطرفهم وحقدهم كل كل ماهو خير وجميل وطيب في الدنيا .
حققوا ما أرادوا وأثبتوا نزعاتهم الحيوانية حين جعلوا الرؤوس المقطوعة في ثلاجات البيوت ، يتعايشون معها بشكل لايخلو من شذوذ وأنحراف في السلوك .
حققوا ما أرادوا حين حولوا الدين الى مسالخ وتعذيب وخطف ورعب وهو غير ذاك .
انهم حققوا ما أرادوا غير ظهروا على فضائياتهم ملثمين مقنعين لاتعرفهم ان كانوا مشوهين او مجذومين منخورين او مطلوبين ، لاتعرف ان كانت لهم ملامح البشر او البهائم المفخخة او التي في طور التفخيخ ، وجوه ممسوحة الملامح شوهها الله في الدنيا قبل الاخرة فلجأت الى اللثام ، يرفعون المصاحف زوراً وبهتاناً كما رفعها جيش معاوية في معارك صفين ، يقولون كلمة الحق ويريدون بها الباطل الذي يعبدون ويعتقدون .
حققوا ما أرادوا حين طوعوا فضائيات تبث لهم رسائلهم وأصواتهم وبياناتهم وتستقبل روائح فمهم الكريهة وأشكالهم المرعبة ترعب أجيالنا وأطفالنا وتسيء الى أيامنا وأعمارنا وتخدش انظارنا وأسماعنا وتمنع عنا أصواتنا وأفكارنا وآرائنا وتحجب عنا تعارضنا وسخطنا ورفضنا لكل مايسيء لشعبنا وللأسلام وللحياة في العراق .
حققوا ما أرادوا حين قتلوا أطفالنا وسمموا مياهنا وقتلوا شبابنا المنخرطين في الشرطة الوطنية ، وقتلوا الأكراد والعرب والتركمان والشبك والآشوريين والكلدان ، وقتلوا الصابئة المندائية والأيزيدية والمسيحية والمسلمين .
أنهم يستهدفون الأنسان في العراق فهل سيحققوا خرافتهم واحابيلهم في القضاء على الأنسان والحياة في العراق ؟

وأخيراً أما آن لنا أن نحصي عدد الشهداء من الأطفال والنساء الذين تطشرت اجسادها في تقاطع شوارع المدن العراقية ؟
أما آن لنا أن نحصي شهدائنا من الشباب الذين تطوعوا ليحرسوا حياة وممتلكات أهلهم واخوتهم في سلك الشرطة الوطنية ؟
أما آن لنا أن نتعرف على عمليات التخريب التي قصدت تخريب مجمعات الماء الصالح للشرب ، وتخريب شبكات الكهرباء ؟
أما آن لنا أن نحصي عمليات تخريب أنابيب النفط الخام والغاز السائل بين المدن ؟
أما آن لنا أن نحصي عدد الذين أغتالهم الرصاص دون أن نتعرف على وجه القتلة ، ودون أن نعرف اسباب قتلهم ؟
أما آن لنا أن نتعرف على عدد السيارات التي أنفجرت في أسواقنا الشعبية وفي تجمعات الناس والشوارع التي تكتظ بالمارة ؟
أما آن لنا أن نتعرف على عدد العبوات الناسفة المزروعة في طريق الناس والتي تقتل أرواح الأبرياء ؟
أما آن لنا أن نتعرف على عدد البهائم التي أنفجرت في أخوتنا واهلنا ؟ وماذا يريد البهيمة أن يحقق من موت العراقيين ؟
أما آن لنا أن نحصي عدد الذين قتلهم أخوتهم على الظن والشبهة ؟ عدد الذين تم قتلهم غدراً وعدواناً بأمر القرضاوي والزرقاوي وابو انس الشامي ؟
أما آن لنا أن نحصي المغدورين والذين احرقت جثثهم والذين قطعت اوصالهم بسكاكين الغدر وحراب الحقد ورصاص التدليس ؟
أما آ ن لنا ان نتعرف على كمية الدماء الطاهرة التي صبغت ارض العراق من اجساد الأبرياء الذين سقوا ارض وطنهم بدمائهم الزكية ؟
أما آن لنا ان نحصي عمليات الخطف وترويع الناس والتي لم تك موجودة في اعرافنا العراقية ولامارسها اخس المجرمين ولاالتزم بها الانذال ؟
أما آن لنا ان نحصي الخراب الذي صار في المدن العراقية وفي البنية التحتية وفي بيوت الناس وممتلكاتهم ومصادر رزقهم ، وفي صور التخريب والتهديم الذي عم الشوارع ؟
أما آن لنا ان نعرف اسباب الرعب المزروع في قلوب الناس وخشيتهم على حياتهم وخوفهم على اطفالهم ؟
أما آن لنا ان نعرف اسباب الأعتداء على بيوت الله من المساجد والكنائس والتي يكن لها العراقي كل الاحترام والتبجيل ؟
أما آن لنا ان نعرف اسباب الظاهرة الطائفية التي استفحلت في العراق ؟
أما آن لنا ان نعرف ابعاد المثلثات والمربعات والمحاور التي يريدونها للعراق ؟
أما آن لنا ان نعرف مصدر المتفجرات والأفخاخ والصواريخ والالغام والعبوات الناسفة التي لم تتوقف الى العراق ؟
أما آن لنا ان نتعرف على المبالغ الخيالية بالدولار التي تدفعها شبكات الارهاب من اجل ايقاع اكبر الخسائر بين ابناء العراق ؟
أما آن لنا ان نتعرف عن اسباب توظيف الفضائيات العربية والصحف العربية والمؤتمرات العربية والشعارات العربية لخدمة الأرهاب ألمشروط بقتل اهل العراق ؟
أما آن لنا أن نعرف لماذا يتلثمون ويخفون وجوههم ؟
أما آن لنا أن نعرف لماذا لايريدون الأنتخابات ؟
أما آن لنا أن نعرف لماذا يتهمون كلمن لايقف في صف الأرهاب بالعمالة والخيانة والموت ؟
أما آن لنا أن نعرف مصادر تمويلهم وخزائنهم التي لاتنضب ؟
أمنا آن لنا أن نعرف الدول الأوربية والعربية التي تدعمهم وتسخر قياداتها لخدمتهم وأغراضهم وتسهل لهم عقد مؤتمراتهم وتدفع لهم ويحضون برعايتها وحمايتها ؟
أما آن لنا أن نعرف عن أسباب التباكي عليهم والحزن على من يفطس منهم وأطلاق شارة القائد الضرورة عليه بالشهادة والجنة التي تنتظره ؟
أما آن لنا أن نتعرف على حقيقتهم ومعدنهم وغرضهم وهدفهم الذي يسعون اليه ؟
أما آن لنا أن نعرف أنهم يستهدفون العراق ؟
وأما آن لنا أن نعرف لماذا يصطف معهم من يريد السوء بأهل العراق ، ومن يتحرق شوقاً لمنظر الدماء العراقية ؟
وأما آن لنا أن نعرف أسباب فرحة المذيع في القناة العربية ومراسلها ومقدم البرنامج فيها ومديرها وهو يصرخ ولعوا الدنيا بأهل العراق ؟
أما آن لنا أن نعرف أسباب صرخاتهم المبحوحة في الدعوة لقتل العراقيين وتخريب حياتهم وتسميم ايامهم ؟
أما آن لنا أن نعرف عن أسباب أستهداف الأطفال والفرح والضحكة العراقية والحلم العراقي والخبزة العراقية الممزوجة بالعرق ؟
أما آن لنا أن نحصي أسماء شهداء المقابر الجماعية التي صموا أذانهم عنها وأغلقوا ضمائرهم عنها وتناسوا الحديث عنها ؟
أما آن لنا أن نعرف أسباب وحدتهم وتوحدهم ووقفتهم الواحدة حين يتفق يسارهم ويمينهم وشمالهم وجنوبهم لقتل العراق ؟
أما آن لنا أن نتعرف على هدفهم ونيتهم ومخططهم ؟
أما آن لنا أنهم لايفرزون بين الأديان والمذاهب والقوميات فالكل مشروع للقتل والذبح والأختطاف ؟
أما آن لنا أن نتعرف على ملامحهم المخفية وأشكالهم المستترة وأن ننزع عنهم الاقنعة والستائر وأن نفضحهم ونعرضهم على الدنيا ليتعرفوا عليهم كأسوأ نماذج منحطة عرفتها البشرية ؟
أما آن لنا أن نعرف انهم يأكلون طعامنا ويشربون زحيراً من مياهنا وينامون تحت أسقف بيوتنا وينشرون سمومهم ونياتهم المريضة في قتلنا والرغبة في ذبحنا ؟
بلى أنهم يستهدفون أهل العراق ، كلهم دون أستثناء ، قومياً ودينياً ومذهبياً !!

وفي مناطق تشهد التآخي والأنسجام الديني الاسلامي والمسيحي والأيزيدي والمندائي لايمكن أن يعكر صفوها مجرمين يريدون أشاعة الجريمة ، أو مغرضين ينفذون مخططاً مشبوهاً وقميئاً يريدون به السوء في العراق . 

الدفاع عن النفس ليس بالقتل المقابل أو القوة الغاشمة ورد الفعل ، انما بالتوحد والتألف ، انما بأتقاء الافعال الجرمية وأيقاف أثرها ، انما بأيقاف القتل اليومي والأقتصاص من القتلة وفق القوانين والشرائع ، انما بترجمة التحالفات والمكارفات مع الأخوة في القرى القريبة ، أنما بأن تبقى العيون متفتحة وأن يحرس الجميع قرآهم ومدنهم من دنس المجرمين الظلاميين منغلقي العقول والضمائر .
ولم يكن الأرهاب ليعمل ضمن الساحة العراقية فقط ، بل يحاول أن يتمدد كلما سنحت له الفرصة ، ويجد في مساندة بعض من أتخذ الدين الأسلامي برقعاً من الشيوخ الذين ابتلاهم الله بالتطرف والغلو الذي وصل الى حد تحريضهم على أرتكاب الكبائر وسلوك طريق الأجرام ليزينوه للغافلين من البشر على انه طريق الدين الحنيف ، فقد ظهر في عدة أماكن في المنطقة .

حاولت قوى الأرهاب المتطرف أن تتخذ من المملكة العربية السعودية ساحة لممارسة أفعالها وتطرفها وهوايتها في تقديم نماذج يشار لها بالبهائم المفخخة ، بالنظر لتلبس بعض العقول بين رجال الدين من الذين فهموا الرسالة السماوية سيوفاً وقطع رقاب ودماء وقتل وبتر أعضاء ، للدلالة على أن هذه الأمة لم تزل تفرخ وتتوالد نماذج تواقة للموت أكثر من الحياة ، وكذلك في سذاجتها المتمثلة بقدرتها على الغاء حياة الانسان ودوره الذي يختلف بالتأكيد عن دور الحيوانات ، فتصدت لها قوات الأمن السعودي التي حاولت ان تعيدها عن غيها وأستطاعت تحجيم دورها والأنقضاض عليها قبل أن تستفحل وتشيع الخراب والموت بين الناس .
ولم تجد هذه التنظيمات المتطرفة غير لبوس الدين تتبرقع بها وتضعها قناعاً لحماية نفسها ووسيلة تسيطر بواسطتها باساليبها الخبيثة لتسيطر على السذج من الشباب او من وجد منهم ان الحياة انغلقت نوافذها عليه لأسباب شتى ، فتطوع ليكون آلة طيعة بيد الجماعات الأرهابية ، والتي لولا لبوس الدين لما تمكنت من أقناع بهيمة واحدة بأفكارها المتشنجة والمتطرفة والبعيدة عن الفهم الانساني .

وبالرغم من التنافر الواضح بين الديانات السماوية ورسالاتها السمحاء وبين افكار هذه التنظيمات ، وبالرغم من التعارض الخلقي والفكري والنظري بين الأسلام وبين الأفعال الأجرامية التي يعاقب عليها قانون السماء قبل الأرض ، فأن هذه المجموعات المريضة استطاعت استغلال الزمن الذي تشعر به الأمة انها منهزمة وخاوية ، وأن سلطاتها القمعية لاتجعل للأنسان كرامة ولاقيمة ، وأن سلطاتها وزعاماتها التي تتفرد بالسلطة وتحجرت في كراسي الحكم ساهمت بشكل أساسي وواضح في حالة اليأس والقنوط التي تدفع بالشباب العربي الى الأنتحار وبيع الروح بأي ثمن للخلاص من الحياة والفشل المستمر في تأمين مستقبل لها ضمن واقعها يليق بالانسان .
الشباب العربي التواق للتغيير وتحقيق الأمنيات ضمن هذا التغيير ، وأشعار النفس بأنها ذات شأن في الحياة العامة ، وليس غريباً تلك الأعداد من الشباب العربي التي انخرطت في صفوف المقاومة الفلسطينية بشتى تنظيماتها ، فقد كان الأندفاع عفوياً ليس له علاقة بالفكر الثوري ولابالتنظيرات السياسية بقدر ماشكل الأنخراط في التنظيمات المسلحة الفلسطينية في الأردن أو سورية أو لبنان خلاصاً من الواقع المرير الذي يعيشه الشباب العربي داخل بلدانهم وتعبيراً عن رفضهم لتلك الأنظمة ، بالأضافة الى محاولة للتعبير عن مشاعرهم ومكنوناتهم في الأنتصار الى جانب الضعيف المظلوم ولكن دون تطرف وغلو مع اهاليهم ، فقد كانت هذه المشاعر تعبر عن المساندة العفوية لحركة المقاومة الفلسطينية بالرغم من السلبيات والمآخذ الذي تم تسجيلها على المقاومة بكل أطيافها ، على ان لانلغي القلة من المناضلين الذين ساهموا بجهدهم الفكري والعملي داخل صفوف المقاومة الفلسطينية .
وحين اتخذت هذه التظيمات المتطرفة والمتبرقعة باسم الدين عملها بالتنسيق مع وكالة المخابرات المركزية والقوى الدولية ( المؤمنة ) ، كان هدفها تحرير الأراضي التي احتلها الأتحاد السوفيتي ( الشيوعي الكافر ) في أفغانستان ، وقد نشطت هذه القيادات وبالتعاون المثمر مع المخابرات الأمريكية والأسرائيلية في تجنيد الشباب العربي تحت تلك اليافطة لغرض المساهمة في القتال داخل أفغانستان .
وأمتدت اصابع المخابرات الأمريكية داخل جسد التنظيمات المتطرفة والتي أختارت الدين الأسلامي ( شعاراً وغطاءاً ) في عملها ، واشتبكت خيوط عديدة لم تبان مفاصلها وابعادها الواضحة حتى الان ، غير أن انعطافاً غريباً حصل حين تمت مهمة تبادل الأدوار بعد أنسحاب السوفيات من أفغانستان وسقوط النظام الماركسي فيها ، فقد بقيت هذه التنظيمات تريد تشكيل نظام وفق ماتريده تحت واجهة النظام الأسلامي .
وبعد الخراب والحرب المدمرة التي طحنت افغانستان ، وكانت تدور بين فصائل أفغانية غير أن مموليها من الأجانب ، استقر الحال الى تمزيق البلاد الى كتل وأجزاء وأقسام ومدن ، وبقاء جزء كبير من افغانستان تحت سلطة بن لادن وفي الواجهة الملا عمر الافغاني .
ولكم أن تفكروا في شكل الحيـاة التي رسمها بن لادن للشعب الأفغاني المنكوب ، ولكم أن تستذكروا مرارة الحياة وأنعدامها وتخلفها مع الصورة التي ارادها بن لادن لهذا الشعب المنكوب والمبتلي بالتخلف والفقر ، والتي تعمدت صحيفة عربية صفراء تصدر بمساعدة ودعم صهيوني أن تسميه ( بالشيخ ) وتمجد افعاله ، في عملية مقصودة للحط من قيمة الأسلام وشيوخه ودرجاتهم الفقهية والدينية .
وبعيداً عن الغور في أبعاد اللعبة الدولية والدور الجديد لأبن لادن في الأساءة بشكل كبير لم تستطع عليه الصهيونية العالمية ولاالموساد الدولي الأساءة للأسلام والمسلمين بقدر ما أساء بن لادن والتنظيمات المتطرفة ، فقد أرتكب بن لادن من الجرائم والأفعال مايندى له الجبين الأنساني ، ومايجعل المرء يربط بين الأسلام والتطرف أو الأسلام والأرهاب في كل العالم .
والمتابع الفطن يشعر أن العراق لم يكن ضمن اهتمام تنظيمات الأرهاب والتطرف طيلة حكم صدام ، ولم تلتفت هذه التنظيمات الى محنة العراقيين والحصار الذي فرض عليهم من قبل الامم المتحدة ، ولم تساهم هذه التنظيمات في كسر شوكة الحصار ومد يد العون للعراقيين في حصارهم القاتل ، ولم تستنكر هذه التنظيمات والتجمعات الأرهابية ماحل بالعراقيين من مآسي وطغيان وتسلط ودكتاتورية طيلة الزمن الصدامي البغيض بالرغم من امكانياتها المادية وبالرغم من كون اغلبية العراقيين من المسلمين .
لم تهتز شعره من المشاعر ولاأهتز ضمير بن لادن والتنظيمات المتطرفة طيلة الحكم الصدامي وطيلة الحروب التي اكلت الأخضر واليابس في العراق ، فلم تكترث لعمليات الأنفال في أبادة الشعب الكردي ، ولافي جريمة حلبجة وضرب البشر بالسلاح الكيمياوي ، ولافي المجازر الجماعية ومقابرها التي جرت على العراقيين في الجنوب والفرات الأوسط ، ولافي ضحايا الأمن والمخابرات وحملات تنظيف السجون ، كل هذا لم يهز ضمير بن لادن ولاالظواهري المتحجر .
ومع الأخذ بعين الأعتبار التهديدات التي أطلقها الطاغية حينما شعر أن سلطته ستنهار من أنه سيجعل العراق ارضاً دون بشر ، بمعنى أنه سيحرك قوى شريرة لتخريب الحياة العراقية من بعده وهو مايحصل حقا على أرض الواقع العراقية .
وفجأة توفرت كل السبل التي تدعو هذه التنظيمات للتواجد ضمن العراق الساحة المفتوحة على مصراعيها ، فقد جعلت قوات الأحتلال العراق دون حماية ودون قوات مسلحة تحميه خارجياً ، ودون شرطة تحميه داخلياً ، ودون قوات حدود تمنع التسلل والدخول ، ودون غطاء يمنع تواجد الأجانب والمخربين والأرهابيين ، ودون أن تكون هناك آالية تمنع فيها حيازة الأسلحة الثقيلة والهاونات والقاذفات وقوال التي ان تي ومستلزمات التفجير .
وجدت هذه التنظيمات الساحـتة ملائمة لنقل العمليات الى العراق بسهولة ويسر ، ونقلت السيارات وقوالب المتفجرات والأسلحة وأستطاعت أن تجد سوقاً رائجاً للبهائم بقصد ايجاد طرق جديدة للقتل والتخريب .
أشيع أن هذه التنظيمات المتطرفة التي تتخذ من أسماء اسلامية وممتلئة بالخشوع تريد محاربة الأحتلال ، وتريد العراق متحرراً كي يعيش العراقي بسعادة وحرية دون أن تكون وصية عليه لخلق نظام شبيه بنظام طالبان الأفغاني .
أشيع أن هذه التنظيمات تتعاون مع قوات الأمن والمخابرات وبقايا سلطة صدام وفي حال محاربة المحتل تتوحد الجهود مالم يستعيد العراق سيادته وحريته .
وخلال تلك العمليات التي كانت موجهة بالأساس لأثارة الحرب الطائفية ونشر الموت والخراب ، وبقصد قتل العراقيين الأبرياء وأستهداف رموزهم السياسية والرسمية ، ,استطاعت هذه التنظيمات أن تسفك من الدم العراقي البريء الكثير ، وأستطاعت هذه التنظيمات بما توفر لها من الفرص والمكان المناسب أن تغتال العديد من العراقيين وأن تغدر بالعديد من الأبرياء ، وتوجهت عمليات البهائم المفخخة بقصد النيل من الأبرياء الفقراء بالتحديد ، سواء منهم من كان قاصداً عمله لكسب رزقه ومصدر قوت عياله أو ممن كان يبحث عن هذه اللقمة في الزمن الصعب .
وبعد أن أستعاد العراقيين سيادتهم وأنحسر دور القوات الأجنبية متعددة الجنسية في مساعدة العراقيين لأستكمال قدرتهم على التأسيس الديمقراطي وأنبثاق البرلمان والحكومة العراقية ووجود قوات مسلحة متمكنة من حماية العراق وقوات أمن داخلي تحمي المواطن وتطبق القانون .
وبغية القاء شيء من الضوء على بعض الحقائق التي تحاول التنظيمات الأرهابية أن لاتجعلها ضمن الدوائر الضوئية التي تكشف عن عوراتها وأساليبها الخبيثة لابد أن نتسائل عن سر أختفاء السيد آغا حسن عابدي هذا الأسم الذي سيبقى في الذاكرة لما له علاقة بأسرار التسليح وتداول المخدرات لصالح التنظيمات الأرهابية الدولية .
ثمة أسرار لابد من متابعتها والتمعن في تفاصيلها ونتائجها ، ومن بين القضايا المثيرة التي لم تزل لها تأثيرها في المنطقة قضية الأرهاب و المخدرات والافيون .
ولعل أفغانستان من بين عدد من الدول المشهورة بغزارة أنتاجها من الأفيون وتداوله وتعاطيه من قبل اهلها وتصديره الى الدول المجاورة ، بالأضافة الى تمركز مجموعات أرهابية دولية عديدة فيها .
أن افغانستان تقع بين شبه القارة الهندية والصين وايران وعلى حدود منطقة القوقاز والجمهوريات الطاجيكية والأوزبكستانية ، وتنتشر زراعة الأفيون التي يقوم بها زعماء العشائر بشكل كبير في أفغانستان حيث تنتشر مساحات الزراعة في المنطقة المحاددة لهذه الجمهوريات لأسباب سياسية وأمنية حتمتها ظروف الحرب الباردة ومحاولة نخر الجسد السوفيتي من قبل المخابرات الأمريكية قبل ان ينتهي الى قطع وأجزاء ضعيفة وخاوية ، كما يكثر تعاطي المخدرات وتناول ألأفيون بكثرة بين أبناء المجتمعات الفقيرة والمتخلفة ومن بينها المجتمع الأفغاني الذي يتشكل من أعراق وقبائل مختلفة تشكل المجتمع الأفغاني لعل الهزارا والبشتون من أهم هذه القبائل ضمن هذا المجتمع بالأضافة الى ألاعراق الوافدة من الأراضي الروسية والجمهوريات المحاددة لأفغانستان .
ولأعتبارات أمنية ستراتيجية وضرورات عسكرية وعقائدية تم أختيار أفغانستان لتكون الأرض التي يتم تطبيق ابعاد اللعبة الدولية عليها ، وخاصة بعد أن سيطرت مجموعة من الضباط الثوريين على السلطة في أفغانستان وأعلان الحكم الشيوعي فيها .
بادرت المخابرات المركزية الى تبني عمليات المعارضة والتخطيط لأسقاط السلطة والأعتماد على مجموعة الجهاد الأسلامي المتطرفة وعدد من التنظيمات التي تتخذ من التطرف في الأسلام سلوكاً ووسيلة والزعم بضرورة تطهير البلاد من الفكر الشيوعي الملحد والوافد والمعادي للأسلام !!
ولما كانت العلاقة المباشرة بين المخابرات المركزية وبين التنظيمات الدينية المتطرفة غير ممكنة أو مستحبة في الأعلان على الملأ فقـــد أوكل الأمر الى السيد ( آغا حسن عابدي ) وهو باكستاني الجنسية والرجل خبير في أعمال البنوك وله خبرة في القضايا الأقتصادية والمالية ، وبعد أن درس مشروعه والساحة المناسبة للعمل حصل على ترخيص تأسيس بنك بأسم ( بنك الأعتماد والتجارة الدولي ) وقام بتأسيس البنك في دولة الأمارات العربية المتحدة ويكون له مقراً رئيسياً في لندن .
البنك كان المشروع الذي التصق بأسم ( آغا حسن عابدي ) الذي بدأ أسمه ينتشر بين الأوساط السياسية قبل المالية والأقتصادية وأصبح أسم السيد عابدي معروفاً ومحترماً في الأوساط المالية والشركات والأعمال وفي قضايا ألائتمان والودائع المالية والأستثمارات وتعدى ذلك ليكون أحد الشخصيات المعروفة عالمياً ولهذا حاول السيد عابدي أن يستغل تلك السمعة وأن يطرح نفسه خارج سياق الأعمال التجارية كأسم لشخصية يمكن الأعتماد عليها والأطمئنان لها في عملية الصراع في المنطقة ، السيد عابدي لم يكن فقط مؤسس البنك وأنما رئيس مجلس أدارته ، والمسيطر القدير على كل مفاصل هذه المؤسسة المالية الكبيرة ، والذي كان يتصف بالمرونة والتعامل المالي وفق طرق تتناسب مع التطورات السياسية وحاجة البلدان الذي حل فيها البنك وفروعه .
ولعل أسماء الشركاء والمساهمين في تأسيس البنك زاد من الأهمية السياسية والمالية ومكانة البنك ، حيث يكون أسم السيد مسؤول في المخابرات السعودية من بين أبرز الأسماء الداعمة للمسيرة المالية والسياسية للبنك .
وفي ساحة أبو ظبي بالأضافة الى كونها عاصمة الأمارات العربية المتحدة فأنها تتمتع بمكانة تجارية عالمية معروفة ، ومن خلال تلك الساحة التي تعج بالبنوك والشركات والمكاتب التجارية ، تمكن البنك المذكور من تبوء ساحة واسعة فيها ومن ثم يمتد نشاطه الى ساحة الشرق الأوسط ليصبح واحداً من أبرز وأكثر البنوك في المنطقة قدرة ونشاطاً وحيوية وحركة بل ومن بين أقدر البنوك في الأسواق المالية ، غير أن هذا الأمر لم يمنع البنك المذكور من ألقيام بصفقات مالية مشبوهة والقيام بعمليات غسيل أموال وترتيب صفقات بيع وشراء الافيون المنتج في أفغانستان .
كان البنك المذكور القاعدة المالية والرصيد القوي لمنظمة الجهاد الأسلامية المنغمس في العمليات العسكرية ضد الأحتلال السوفيتي لأفغانستان وضد السيطرة الشيوعية بزعم أنها ضد الأديان وتمثل الألحاد العالمي وأن قتالها واجب شرعي تنفيذاً لفتاوى شرعية .
أعتمدت الجهاد وبمعرفة بنك الأعتماد و التجارة الدولي على عمليات مالية نتيجة بيع وتصدير الأفيون ، أذ شكلت تجارة الأفيون المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بسبب كون منظمة الجهاد الأسلامي تعمل لصالحها أولاً ، كما أن زعماء القبائل والعشائر الأفغانية يعتاشون من هذه التجارة ويعتمدون على مردواداتها المالية ثالثاً ، وقد جرى تشجيع تمويل الجانب السوفيتي والآيراني من مادة الأفيون بالنظر لما تسببه من مشاكل الأدمان والأعتياد والتعامل بالبيع والمضاربة وأنشغال المجتمع بقضية الأفيون التي تصب في صالحها .
عمل البنك المذكور بجد ونشاط ملموس طيلة سيطرة الشيوعيين على السلطة في أفغانستان وطيلة فترة الغزو السوفيتي للبلاد ، وكان يعتمد الساحة الباكستانية كقاعدة في أدارة أعماله الخاصة بأفغانستان .
وأستمر التعامل مع السلطة الجديدة التي اطاحت بسلطة الشيوعيين وأبدى البنك المذكور تعاملاً خاصاً مع مجموعة طالبان ، بأعتبار أن المساعدات والدعم المالي الذي كان يقدمه المليونير السعودي من أصل يمني ( أسامة بن لادن ) ملموساً ويفي بالموجبات التي تتطلبها المعاملات والدعم ورصانة الأرصدة .
وبعد أن سيطرت طالبان على الجزء الكبير من افغانستان وبدأت المعارك تشتد بين الفصائل الأفغانية المتحاربة ، وتوضحت بوادر الحرب الأهلية والتمزق والتشرذم الذي أصاب الحركات المسلحة في أفغانستان طبقاً للمكونات الجغرافية الأفغانية والولاء الطائفي والديني والعشائري الذي كان يطبق على عنق المجتمع الأفغاني ، حيث تشكل مدينة مـــزار شريف عاصمة للشمال في حين تكون مدينة ( هيرات ) عاصمة للوسط ، اما ( قندهار ) فهي العاصمة الجنوبية وهو نتيجة حتمية مرسومة لجزء من اللعبة الدولية التي ترسمها الولايات المتحدة كونها اللاعب الكبير المهيمن في العالم .
في هذا الوقت بالذات أنتهت المهمة المناطة ببنك الأعتماد و التجارة الدولي ، كما أن عمليات تجارة الأفيون لم تعد منظمة كالسابق ولم تكن جميعها تتم بمعرفة البنك المذكور ولابمعرفة الولايات المتحدة الأمريكية ، وبالرغم من أستمرار نجاح عمل البنك في الأوساط المالية والتجاريـــة الا أن الولايات المتحدة الأمريكية أوعزت الى ( آغا حسن عابدي ) بألغاء دعمه وتعامله مع منظمة القاعدة والجهاد لأسباب مجهولة .
وفجأة وعلى حين غرة أنتقل السيد عابدي الى باكستان بلده الأصلي ، وظهرت قضايا لم تكن في البال ولافي حساب المحللين الأقتصاديين أتضح فيها أن البنك كان يعمل فوق سطح قلق غير ثابت وأنه كان وهماً مبنياً على أساس من الرمال ، فقد تبين أن أموالاً بأرقام ضخمة كان يتم تحويلها الى منظمة الجهاد في أفغانستان لأستثمارها في العمل ضد السلطات الأفغانية الشيوعية وضد الأحتلال السوفيتي الذي كان يشكل الخطر الأكبر على الوجود الأمريكي في منطقة الشرق أذا ما أخذنا بالحساب الوجود السوفيتي ( قبل الأنهيار ) والصين الشعبية وآيران وأفغانستان موضوعة العمل المركزي للولايات المتحدة الأمريكية .
وحين بدأت التحقيقات والمحاكمات بشأن أعلان البنك المذكور أفلاسه ، وردت أسماء عديدة من بين المساهمين الفاعليـن في تمويل العمل العسكري وتوظيف المشاعر الدينية وعمليات التدريب وتهريب السلاح والأنفاق على المعلومات من أسماء معروفة ، مع أن التحقيق طال العديد من الكوادر المالية التي كانت تعمل في البنك المذكور بحسن نية .
ومن المفارقات الطريفة الجديرة بألاهتمام أن الكاتب ألأميركي ( جون كولي ) أورد في الصفحة 32 - الفصل الثاني من كتابه (( حروب غير مقدسة )) أن أسرائيل عرضت على وكالة المخابرات المركزية كمية من السلاح السوفيتي ذكرت انها أستولت على تلك الكميات من خلال حروبها مع الجيوش العربية التي تركت تلك الأسلحة كغنائم بيد القوات ألأسرائيلية ، وقام الوسطاء في وكالة المخابرات المركزية بتمرير صفقات الأسلحة المذكورة مقابل الثمن الذي دفعته منظمة الجهاد الى أسرائيل بعلمها أو ربما دون علمها عن طريق الصندوق المالي المشترك لدعم الجهاد الأسلامي في أفغانستان والذي تموله المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى ومهما كان الأمر فقد أتفقت الجهاد والمخابرات الأسرائيلية والمخابرات المركزية على هدف واحد .
أن المخالفات المالية التي تم كشفها وأجراء التحقيق بموجبها أرقام تتناسب مع حجم الأنفاق وموجباته حيث أشارت بعض المصادر أن المبلغ بين 12 - 14 مليار دولار أمريكي بينما تشير مصادر أخرى من بينها عميد الصحافة الباكستانية السيد احمد رشيد أنها 45 مليار دولار تم تمريرها من خلال بنك الأعتماد والتجارة ، بينما تشير بعض الدراسات الى أن خسائر البنك الدولي المذكور تصل الى 9 مليارات دولار .
أختفى السيد ( آغا حسن عابدي ) بالرغم من ان الأسماء التي طالها التحقيق وتمت تسويات مالية من أبرزها مع مسؤول سعودي قام بدفع مبلغ 80 مليون دولار لتخليص ذمته كعضو في مجلس أدارة البنك المذكور .
غير أن السيد عابدي الذي كان مؤسساً ورئيساً لمجلس أدارة البنك المذكور لم يدفع مبلغاً من المال ولم تتم التسوية معه بعد أن أنتقل من الباكستان الى الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يكون مشمولاً بمنع السفر أو تسديد ماتبقى بذمته كرئيس لمجلس الأدارة لبنك الاعتماد والتجارة الدولي بالنظر لكون ثروته المالية تصل الى 20 مليار دولار يعمل بها من داخل بيته في الولايات المتحدة والذي أعده قبل أن ينهار البنك المذكور وتصل الأمور الى تصفيته وأعلان أفلاسه وترميم واقع الحال ليشمل العديد من المساهمين والعاملين الأبرياء في المؤسسة المالية الكبيرة المذكورة .
وبقيت مسألة تجاوز أسمه من بين الأسماء التي طالها التدقيق والتحقيق وأنسحابه من الوسط المالي والتجاري والشركات والسياسي لغزاً لم يجد له حلاً من المحللين ولاتطرق له كاتب أو صحفي سواء في الباكستان بلده الأول أو في دول الخليج العربي ساحة العمل التي بدأ بها مشاريعه أو في الولايات المتحدة الأمريكية بلده الأخير حيث يقيم كما يشاع .
والسيد عابدي جزء من اللعبة الدولية التي بدأت في أفغانستان وأنتهت في العراق ، ربما تتوفر عنده المعلومات التي تكشف جانب صغير من أسرار العلاقة بين الولايات المتحدة وأسامـــــة بن لادن ومنظمته الأرهابية والصناعة الأمريكية ( القاعدة ) ، أو لبقية التنظيمات الدينية المتطرفة التي لم تزل تعمل في الساحة العالمية والتي بدأت تحصد ثمار افعالها في الحاقها الأساءة البليغة والكبيرة بالأسلام والمسلمين حين يصير الفعل الأرهابي والدعوة للقتل صفة من صفات الأسلام وهو منها براء .
بقيت علاقة آغا حسن عابدي وتنظيم القاعدة محاط بالسرية والغموض .
وبقيت علاقة آغــا حسن عابدي بالولايات المتحدة الأمريكية محاطة بالسرية والغموض .
وبقيت علاقة آغا حسن عابدي بأسرائيل محاطة بالسرية والغموض .
وفي كل الأحوال سيزيح المستقبل القريب علاقة عابدي بالقاعدة وبأمريكا وبأسرائيل .
وعودة للحديث عن الأفعال المتطرفة التي تمارسها تنظيمات الأرهاب في العراق فلن تكون عملية بعقوبة ( شمال شرق بغداد ) في قتل أكثر من 68 مواطن عراقي بريء أخر العمليات الأرهابية ، ولكنها دلالة عميقة على الحرب غير المعلنة التي تشنها التنظيمات الأرهابية والمتطرفة على عموم شعب العراق ، ليس عملية بعقوبة هي آخر العمليات فستلحقها عمليات آخرى داخل المدن العراقية تستهدف المواطن العراقي بشكل مباشر والذي تستهدفه عقول الأرهاب والتطرف والتي توفرت لديها بهائم تفتخر بها وتدل دلالة عميقة على قدرة الأمة العربية أن تنتج مثل هذه البهائم التي تتفرد بها أمام أمم العالم .
وستبقى هذه التنظيمات الأرهابية المتطرفة تحارب بكل قوتها وبأصرار من يريد أن يخرب الحياة ويوقفها في العراق حتى بعد رحيل آخر جندي أجنبي ، وحتى بعد أن يستطيع العراقي أن يطلب من القوات متعددة الجنسية الرحيل ، فالحرب الدائرة الان بين الشعب العراقي الأعزل والمليء بطعنات العرب والفضائيات وماخلفه الطاغية وأجهزته الخسيسة من جراح بالأضافة الى ماولده الأحتلال البغيض من أخطاء ومآسي وأرباك في مسيرة الحياة العراقية ، ومايقدر على فعله أزلام صدام وقوتهم وأمكانياتهم مع الدعم الذي يلقونه من دول مجاورة توظف قناتها الفضائية وتجمع فلول البعثيين لأيذاء العراقيين ، وكل هذا يدور تحت سارية العلم الأمريكي الذي يرفرف فوق قواعد قريبة من العراق .
اللافت للنظر أن التنظيمات الأرهابية لم تواجه التنظيمات السياسية في العراق ، ولاقامت بمواجهة خاصة مع القوات المسلحة العراقية الجديدة ، ولاقاتلت قوى الأمن الداخلي ، انما وظفت كل قوتها وأمكانياتها بقصد قتل الفقراء من ابناء العراق ، الفقراء الذين أذاقهم صدام حسين الويل والثبور وسمم حياتهم وعذبهم ، وتزيد هذه التنظيمات من عذابهم ومحنتهم فوق محنة المقابر الجماعية وتهجيرهم القسري حيث تم دفنهم وقتلهم في مقابر جماعية لم يتم حصرها لحد اليوم ، وهجرة لم يسبق أن سجلها التاريخ على شعب من الشعوب .
وحيث لاتوجد ضوابط أخلاقية وضميرية يمكن أن تحدد أعمال الأرهاب أو تردعه ، فلا مقدس لدى الأرهابيين ، ولاضوابط تستطيع أن توقف أو تحدد أعمالهم وطالما اعتبر الأسلام بيوت الله أماكن للعبادة و جعلها مدارس لتطوير الثقافة الأنسانية بكل فروعها المعرفية ، وطالما اعطى المسلمين شيئاً من القدسية والتبجيل والأحترام لبيوت الله ولأضرحة الأولياء والأئمة ، حتى كان الدخيل الى حرمة هذه الجوامع والحسينيات والأضرحة يجـد الآمان من عدم وقوعــه في قبضة السلطات أوالمطاردين ، كما أنه يشعر بالأمن والآمان في حرم الجامع أو الضريح .
ويتحتم على الداخل زيادة في التقديس والأحترام أن يخلع نعليه قبل الدخول ، ويضع سلاحه وكل مامن شأنه أن يخدش أحترام أو قدسية المكان أو يخل بتقاليده المهيبة .
وقرأنا في التاريخ العراقي كيف كان المتظاهرين في العهد الملكي البائد يلوذون بأضرحة الأئمة والجوامع والتكايا فلاتطالهم السلطات التي تطاردهم حين تقف على الأبواب فيفلتوا من العقاب ، ولم يتجرأ أحد أو سلطة من السلطات القامعة التي مرت على العراق أن تخرق هذه الاعراف والتقاليد والقيم التي كان العراقي يلتزم بها مع ان التظاهر ضد السلطات انتهى مع نهاية العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري .
وحين حل علينا زمن الوباء الصدامي كانت كل الأضرحة والجوامع وبيوت الله مستباحة ، فلا شيء محرم امام السلطات ، ولاشيء أمامها غير ممكن حتى أن الطاغية العراقي كان يمعن في دخوله الأضرحة والجوامع بحذاءه والقيام بتمثيلية الصلاة دون وضوء وهو يرتدي الحذاء ويحمل مسدسه على خاصرته ، وهو مايشير الى بدعة لم تحدث في الأسلام من قبل ولكن الجديد الذي يؤمن به صدام كان يختلف عن الاسلام والأديان السماوية الأخرى .
كما كانت كتائب الحماية التي ظنها تحميه من غضبة الشعب تحمل اسلحتها وتدوس الجوامع والأماكن التي يسجد عليها عباد الله بالأحذية .
وكان رجال الأمن يدخلون الجوامع والحسينيات يلقون القبض على الشباب المتهمين بالأنتماء الى الأحزاب الدينية أو من كان يكثر من العبادة وقراءة القرآن كتهمة من التهم التي توصل الأنسان الى حبل المشنقة في زمن الحملة الأيمانية الصدامية .
وحين قامت أنتفاضة آذار 1991 في العراق وألتجأ بعض الناس الى الجوامع والأضرحة أعتقاداً منهم أنها ستحميهم مؤقتاً لما تعنيه من قداسة ، فقد قام الجيش الصدامي ليس فقط بقصفها بالمدفعية والصواريخ ، ,انما قام الجيش بدخولها وأستباحتها وتهديم العديد منها وقتل الناس بداخلها .
وبعد أن تخلص العراق من الطاغية البائد ، ظهرت حالات مستهجنة بأن تتخذ بعض الحركات من بنايات الجوامع والحسينيات مقرات سياسية وشخصية لها ، استباحة لقدسية المكان وتجاوزاً على حرمات الله ، فتم تحويل الأماكن المقدسة في العراق لتخزين الأسلحة والمتفجرات والمواد التي تعمل على قتل الناس ، وكمثال ما تم العثور عليه في جامع أم الطبول في بغداد حين تحول قبو المسجد الى مخابيء لأسلحة الأرهاب والقتل .
كما قامت بعض الجماعات المتطرفة بأتخاذ الأضرحة المقدسة أماكن لتجمعها وممارسة الرقص وطقوس الفرح وهي ترفع السلاح وسط الضريح المقدس ، وقد ظهرت صور عديدة تشير الى هذه الحالات مما يعني أن قيم جديدة وأعراف دخلت عملياً الى العراق تبيح الأماكن المقدسة ولاتضع لأضرحة الأئمة الكبار أية قيمة أو أحترام حين تتحول أماكن رفاتهم الى مقرات عسكرية وتجمعات متطرفة يتم فيها تخزين الأسلحة والمقاتلين .
الأنسب أن نتذكر أن لبيوت الله قدسية ومكانة مبجلة في قلوب المسلمين ، ومن الأجدر أن نظهر هذا التبجيل والأحترام في ترك بيوت الله لله ، وأن لانتجاوز عليها بأية وسيلة كانت ولأي سبب كان .
والأنسب أن نحترم القيمة الدينية والتاريخية لهذه الرموز الكبيرة ، وأن نجسد أحترامنا في عدم تحويل المكان الى وحدة عسكرية أو ثكنة .
ومن العار ان نتخذ من الاضرحة واماكن العبادة ملاذا لنا وحماية من التقابل مع الرجال ، وحين نتخذها متاريس وسواتر نتوقع ان المقابل سيصيبها ويدمرها وذلك الفعل بسبب غير مباشر منا .
لذا ينبغي على رجال الدين الدعوة والأفتاء بعدم جواز أدخال الأسلحة والمسلحين الى الجوامع والأضرحة والروضات المطهرة ، وعلى رجال الدين الأفتاء بتحريم تدنيس هذه الأماكن وأتخاذها متاريس في القتال مهما كانت أسبابه ودوافعه ، وعلى رجال الدين أن تطلب القبض والتصدي لكل من يريد أن يدنس هذه الحرمات ، وحتى تبقى هذه الأماكن تليق بعبادة الله والصلاة وتليق بالكبار من الأئمة المدفونين فيها يجب أن نجعلها خاليــة من مظاهر الأرهاب والموت والقتل وأشكال الأرهاب والسلاح والرصاص ، وان نحترم ارادة الناس في ترك اماكن العبادة للصلاة والثقافة العلمية والدينية ، فقد بدأ البعض بأسم الدين يسيء للدين ، وبأسم الدين يحقق نوازعه ورغباته الشخصية وبأسم الدين يسيء لله ولكل قيم الأسلام والمسلمين .
أن هذه الأماكن التي يرفع فيها أسم الله ويؤذن فيها للصلاة ليست مباحة لأستعمالها مقرات للأحزاب والميلشيات والتجمعات العسكرية المتطرفة والأرهابية ، ومن العار أن يتخذها أحد ستاراً وحاجزاً يحميه عند القتال فمن لايحترم بيوت الله لن يجد سوى نهاية البائسين .
ولكن هل الصحوة المطلوبة من رجال الدين في معالجة قضية الأرهاب وفصله عن التلبس بلبوس الدين وتشويه أسسه ، تقتصر على صحوة رجال الدين الذين ساندوا العمليات الأرهابية وصوروها أنتصاراً للدين ؟ أم انه يشمل المختصين من علماء الأمة ورجال الدين الاخرين ؟
لزمن غير قصير أستمرت التنظيمات الأرهابية والعصابات ترتكب جرائم خسيسة ويندى لها الجبين بحق الأبرياء من اهل العراق بأسم الدين والأسلام زوراً وبهتاناً، حتى تحولت هذه الظاهرة الى عصابات تعيث في الارض فساداً فتقتل المسلم وتهدر دمه دون تحقيق او محاكمة او تهمة وتحل ماله وعرضه أستباحة ، وصار حال الناس في بعض المناطق التي سيطر ت عليها عصابات الشــر والأرهاب لفترة من الزمن لتنشر الخراب وتتسبب في تدمير ممتلكاتهم تحت سيف الأ{هاب والرعب ، ويصبح مصير الناس في ايادي بعض العابثين من باعة الضمير الذين يتقاسمون المغانم ليلا وينفقونها في ملاذهم وموبقاتهم تحصيل عملياتهم الأجرامية كمااعترف بعضهم جهاراً على شاشات التلفاز وهم يتبرقعون بستائر الدين ومزاعم المقاومة .
تبين للناس الذين عرفوا قسم من هذه النماذج التافهة مقدار انحطاطها الأجتماعي وخستها وأشتهارها بسوء الخلق وأبتعادها عن أسس الدين الحنيف ، امام صمت مريب من علماء الدين الذين يوجب عليهم الدين الحق ان يتصدوا لهذه الظاهرة ويفتوا بحرمة دم المسلم، وأن لايتم قتله على تهمة الأنتماء لطائفة أو مذهب من المذاهب الأسلامية ، وأن جريمة القتل لايمكن ان تتم من قبل القاتل الذي ينصب حاله محققا وقاضيا ومفتيا وجزارا، وان حرمة دماء الناس في أعناق علمـاء دينهــم الى يوم القيامة ، وأن رسول الله ( ص ) قال : (( كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه )) ، بالأضافة الى أن دماء الناس مهما تكن أديانهم وشرائعهم لايمكن استباحتها بأسم الأسلام من قبل حفنة من المهووسين والمتمرسين على أرتكاب الجرائم وقطع الأعناق مقابل مبالغ بخسة ، ونشر الرعب والخوف والأرهاب في عمليات الخطف والسلب والنهب والأغتصاب .
كما أن استباحة دماء الأخوة المسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائية لايمكن تبريرها سوى بالهوس الذي يسيطر على عقول المجرمين وقصور تفكيرهم، والأساءة الى الأسلام تحت شتى الحجج والذرائع، وأن ممارسة الفعل الأرهابي والأجرامي من قبل هؤلاء يدلل بما لايقبل الشك على الأنحطاط الأجرامي الذي وصلته عقلية المنخرط في التنظيمات الأرهابية وأستغلال قصور عقلة ابشع استغلال، فالرصاص ليس الوسيلة التي تهدم الفكروالدين والعقيدة، ولا الذبح يستطيع ان يثبت أركان المافيا التي تتبرقع تحت ستار الدين والوطنية، وان شراء الذمم والضمائر بات سمة من سمات هذا العصر، حين يتحول الضائع الى مجاهد والمنبوذ الى مقاوم، وحين يصير الساقط اجتماعياً أميراً وقائداً لمجاميع القتل والذبح .
لزمن غير قصير والأبرياء يوميا تستباح دمائهم في العراق دون ان يجدوا الصوت المختص بالوعظ والأفتاء وحماية دين الله من دنس الأرهاب حضورا أو وجوداً ،وأن يقف رجل الدين الموقف الذي يتطلبه منه موقعه ومهمته النبيلة في الأرشاد والتذكير والتبصير ، أو على الأقل يدعو للتذكير بحرمة الناس وطلب تغيير المنكر باللسان من اضعف الأيمان كما يقول الحديث الشريف .
راح ضحية أعمال الأرهاب أطفال في عمر الورود يشكون الى الله ليس فقط خسة قاتليهم، ولاالغباء المطبق الذي يكمن في ارواح البهائم المفخخة، وانما حتى في صمت رجال الدين ازاء مايحصل والساكت عن الحق مذموم وملعون في الاسلام
لم تتحرك الضمائر حين أخذ الأعراب الوافدين الى العراق تسللا وخلسة أن يفجروا
أنفسهم ، أو حين تضحك قيادات الأرهاب على عقول بعض الشباب الذين يفجرون اجسادهم دون علمهم وموافقتهم، ولم تتحرك الضمائر الغافية حين حدثت مجازر كثيرة كان المقصود فيها قتل العراقيين الأبرياء، ولم تتحرك الضمائر النائمة حين حدثت مجزرة حي العامل وحين تم حرق وتفجير الكنائس والجوامع وهي جميعها بيوت الله ، ولم تتحرك الضمائر حين قتل الناس الواقفين لشراء الخبز أو الجالسين في مجالس العزاء، ولم تتحرك الضمائر حين بقيت جثث بعض الشهداء مقطوعة الرأس على قارعة الطريق ، لم تتحرك تلك الأصوات المسؤولة عن الأفتاء والوعظ والأرشاد حتى حين أدلى بعض السفلة من الأرهابيين بأعترافاتهم حول أغتصاب العراقيات، وقتل الناس الأبرياء لأسباب تافهة، وتأكيدهم بأن الأمير منهم لايمكن أن يصير أميراً مالم يذبح عشرة مواطنين، وأن عبد الله حنا الملقب ابو بكر قائد الأمة الأسلامية في جهادها.
أن ماتقوم به التنظيمات الأرهابية حرباً شعواء على الأسلام والمسلمين، ولايمكن أن تطغي الشعارات والستائر التي يتبرقعون بها على أحد ممن خبر وعرف نواياهم وغاياتهم وأفعالهم، وهم فوق كل هذا يسعون الى أرهاب الأسلام والأديان الأخرى بنماذج من القتلة والمجرمين ممن أشتهروا بسوء السمعة وتردي الخلق في بلداتهم ويسعون الى نشر الفساد في الأرض مما حق عليهم انطباق نص الآية 33 من سورة المائدة التي تقول (( أنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا في الأرض وذلك لهم خزي في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم )) .

قبل فترة أفتى علماء الدين في مدينة الرمادي التي تشهد توتراً أمنياً بعدم جواز قتل المسلم من دون وجه حق،. وقال العلماء في فتواهم أمس انه «لا يجوز قتل المسلم المنصوص على حرمة قتله شرعاً بغير وجه حق ».
وفي الوقت الذي نثمن صحوة علماء الدين المتأخرة في الرمادي ندعو بصوت عالي كل علماء الدين في المناطق التي تشهد توترات أمنية وتزهق بها أرواح الأبرياء والضحايا من العراقيين أو من الذين يسمعون ويشاهدون مايجري من ذبح للأبرياء ومن أستمرار عمليات الأرهاب والأجرام وأيهام بعض العقول الغارقة في الغباء التي تفجر أجسادها لقتل أكبر عدد من العراقيين، أن يفتوا بما يبصر من تبقى في عقله شيئا من الوجدان والضمير، وأن يكونوا أكثر صراحة في الأشارة الى الآيات القرانية والأحاديث النبوية التي تحرم وتجرم الأرهاب وقتل الأبرياء والأنتحار، بالأضافة الى عقاب ومصير القاتل ومن يساهم في ترويع وأرهاب الناس.
ومما يثير الأستغراب ذلك التراخي والأبتعاد عن تشخيص نظرة الدين الأسلامي الى تلك الأعمال الأجرامية، حتى صار الفعل الأرهابي والأجرامي لصيق بالدين الحنيف ظلما وزورا وبهتانا، مما يستوجب صحوة ضميرية وعقائدية لحماية الأسلام من التهم التي تلصق به، ومن تلويث سمعته النقية من قبل هذه النماذج، مما يتطلب من كل رجل دين مخلص لله ولدينه ومختص بالأفتاء ومقتدر على الكتابة والوعظ أن يقول ويكتب ويفتي مايمليه عليه الضمير، مثلما قام بعض رجال الدين في المملكة العربية السعودية بالأفتاء بجواز قتل المسلم في العراق وساندوا التنظيمات الأرهابية وباركوا افعالها وبث افكارهم المتلبسة بالفكر الأرهابي والمعادي للسلام والأسلام .

من المسؤول عن الإرهاب في العراق ؟

لغرض استثمار عمليات القتل الموجهة ضد أهل العراق واستغلال المناسبات الدينية والتاريخية الوطنية التي يتجمع بها الناس لغرض إيقاع أكبر الخسائر بينهم ، بدأت الأبواق التي تنسجم وتتناغم في فرحتها بموت العراقيين توجيه الاتهامات الى الولايات المتحدة الأمريكية كونها الطرف الذي يستفيد من العمليات في إدامة واستمرار الاحتلال في ظل الإرباك الأمني والوضع الاستثنائي للعراق وعلى إسرائيل المستفيدة من موت العراقيين وإرباك حياتهم الأمنية واستمرار بقائهم بهذه الشكل من عدم الاستقرار الممزوج بالخوف .
بعض الفضائيات العربية والصحف الصفراء تحاول أن تلوي الحقيقة وأبعاد الاتهام عن القتلة السفلة وعناصر الإرهاب والبهائم التي تعتقد ان لها دين مثل باقي البشر ، وتحاول أن تجد ذريعة للدفاع عنهم وأبعاد الشبهات وذر الرماد في العيون ، كما تحاول أن تحرف الأنظار عن متابعة هذه التنظيمات التي ابتليت بالإرهاب .
تتحمل أمريكا كونها البلد الذي يحتل العراق مسؤولية المحافظة على الأمن وضبط الحدود ومنع التسلل وتعزيز القوات الأمنية الوطنية وتأمين كفايتها من الأجهزة والمعدات للقيام بواجباتها ، هذه الحقيقة و هذا ماقاله المرجع الديني السيد السيستاني وما يقوله العقلاء والحكماء في هذه الأمة التي ابتليت بالاحتلال والأرهاب الذي يتسلط عليها من أدعياء الدين ومن المتشدقين بمحاربة المحتل فيم يبالغون في ارتكاب الجرائم والتلذذ بسفك دماء العراقيين ، ولكن هذا لايشخص القاتل الحقيقي والمجرم الذي علينا أن نفضحه أسماً وشكلاً وممارسة .
والمتمعن في الدفاع الباطل عن التنظيمات الأرهابية الذي يرد على لسان بعض المعلقين والكتاب في صحيفة عربية صفراء تنفرد بتسمية القاتل بن لادن بالشيخ والإرهابي الظواهري بالمجاهد والملا عمر أمير المؤمنين وتوزع الألقاب والصفات جزافاً ، والمتمعن في رسالة الإرهابي الزرقاوي التي يحرض بها على القتل وزرع الفتنة ونشر السموم في حياة العراقيين دون أن يعفي أحد من هذا الموت الذي تتبناه تنظيماته الأرهابية باعتبار أن الموت والقتل هو الهدف الأساس والأراس في هذه التنظيمات ، والمتمعن في العمليات الغبية التي تفجر بها البهائم البشرية أنفسها من أجل قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء العراقيين في الأماكن المقدسة ، والمتمعن في الأصوات المبحوحة والرسائل المسعورة التي صدرت عن هذه النماذج النكرة التي تتبرقع باسم الإسلام دين السلام والمحبة دون أن تفهم حرفاً واحداً منه فقد مسح الله ضميرها وعقلها وسلب لبها فأصبحت كالأنعام والبهائم المسعورة لاتعي ولا تتلمس طريق الحق ، ليس لها طريق سوى أن تلغ الدماء كالوحوش الأصيلة فيصبح موتها وموت الآخرين الوسيلة الوحيدة التي تفهمها وتعرفها وتجيدها ، الرسالة المنشورة على صفحات الأنترنيت الموجهة من قبل مسعور يدعى ( سلطان السديري ) من المملكة العربية السعودية الذي يرقص ويوزع الحلوى لمقتل الشيعة العراقيين وسفك الدماء المسلمة في الشهر الحرام ووسط الأماكن المقدسة مثالاً لهذه العقليات التي تدعي زوراً اسلامها في هذا القرن الجديد .
والمتمعن في رسالة المدعو ابي حفص الذي ينفي أن يكون للقاعدة يد في هذه الأفعال الخسيسة ، دون أن يجد تبريراً واحداً يقنع العراقيين أن تنظيمات القاعدة وصنائعها الذين لم تزل لحد الان صلاحيتهم نافذة و صناعتهم المشبوهة قائمة لم تنته صلاحيتها لحد اليوم لحين ترتيب أمور المنطقة ورسم الخارطة الجديدة في الشرق الأوسط التي بدأ العقلاء من قادة الأمة وزعمائها بالتفكير بها لغرض العمل على تنفيذها كجزء من المخطط الدولي الجديد .
التطرف الديني والتحجر في الفكر والانغلاق والعماء العقلي في التفكير والعمليات الأرهابية التي حدثت وتحدث في العراق تدلل بما لايقبل الشك أن التنظيمات الأرهابية وبالتعاون بينها من تستغل وحدها الأوضاع الشاذة التي آل اليها العراق بفضل الاحتلال الأجنبي للأقدام على عملياتها الانتحارية المميزة وزرع الموت في طرق العراقيين لغرض قتل أكبر عدد ممكن منهم .
العمليات التي زرعت الموت بانتحار بهائم في كوردستان لم تكن بقصد قتل الأمريكان ، وعمليات البهائم في الإسكندرية ( جنوب بغداد ) لم تكن موجهة للأمريكان ، وعملية قتل الشهيد الحكيم ومقر الأمم المتحدة لم تكن موجهة للأمريكان ، وعمليات الانتحار في أسواق الحلة والدورة وبغداد الجديدة لم تكن بقصد قتل القوات الأمريكية أو الأجنبية ، وعمليات قتل الناس في كربلاء والكاظمية لم تكن قطعاً بقصد ايذاء الأمريكان والعمليات التي تستهدف عمال وفقراء العراق لم تكن بقصد قتل الأمريكان او مس مشاعرهم بسوء ، وإذ تتوضح نية التنظيمات الأرهابية في عدائها لكل مسعى باتجاه الخير والآمان ، وكراهيتها لكل ماهو طيب من أعمال بين العراقيين وتتوجه بقصد الى الطبقات المعدمة والفقيرة والكادحة المنتشرة في الأوساط الشعبية ، وإذ تشن هذه التنظيمات العمليات الحربية وبالإمكانيات المتوفرة لها ، فأن الأمر يدعونا أن نضع جانباً من المسؤولية على عاتق القوات المحتلة في المحافظة على الأمن ، بعد أن أقدمت قوات الاحتلال على قرارات ليس لها منطق ولا تبرير معقول في حل الجيش العراقي دون تصفيته من العناصر البعثية ، وحل قوات الحدود دون استغلالها في حماية الحدود ، وحل قوات الشرطة والأمن الداخلي دون وجود البديل ، وعدم سحب الأسلحة والمعدات العسكرية من أيادي الناس بعد ان يطمأنوا الى الآمان وسيادة القانون في البلاد .
هذه المسؤولية تقع على عاتق ورقبة المحتل ، الذي يتحمل مسؤولية المحافظة على الأمن بعد أن أقدم على بعثرة الأجهزة القادرة على حماية الوضع الخارجي والداخلي دون أن يفكر بالبديل مع أن دراسات عديدة قدمت تحذر المحتلين من الأقدام على مثل هذه القرارات .
وإذ تحاول التنظيمات الأرهابية التي تفضح نفسها في سرورها البالغ بسفك دماء المسلمين من أهل العراق في الشهر الحرام وفي الأماكن المقدسة وفي المناسبات المقدسة ، وإزاء تفجير البهائم لأنفسها دون رادع ضميري أوأنساني ، فانها تدلل قطعاً إنها تلتزم بدين غير الإسلام لايمت لدين السلام والتآخي والمحبة والقيم بصلة فالأسلام منهم براء .
وستبقى هذه التنظيمات الأرهابية ومن خلفها صحف وفضائيات عربية تلعب دوراً خطيراً في محاولة المساهمة بإيذاء أهل العراق واعتقادهم بدفع الأمور باتجاه الحرب الأهلية ، وتخريب العراق ، وشخص أهل العراق عناصر ضمن هذه الصحف الباهتة التي أصبحت تقيء بما يقوله الإرهابي بن لادن والظواهري والملا عمر وتتحدث بلسانهم بعد ان كانت تتحدث بأسم الطاغية العراقي البائد وتحرص على نشر رسائله الصوتية وهو يتوعد ويهدد الدنيا والحقيقة انه كان يقبع في جحور الثعالب حين تم القبض عليه ، وفضائيات وظف بعض من يعمل بها أنفسهم لخدمة أصحابها المتلبسين بفكر الشيطان المزدوج ، بأدوار لاتقل خطورة عن الإرهابيين ، فهم صنائع أمريكا وخدامها غير أنهم يحرضون زعماً قتالها وهم أنفسهم تحت ظلال الراية الإسرائيلية التي ترفرف فوق رؤوسهم وعقولهم المريضة .
ستبقى تنظيمات ألإرهاب متخذة ساحة العراق عملاً لها بعد أن تم تحديد نشاطها في أفغانستان ، فعبرت عملياتها موجهه ضد الشيعة في العالم سواء في العراق أو في الباكستان ومتخذة من المناسبات الدينية التي تستفزها دينياً ونفسياً ذريعة للاندساس وقتل الأبرياء ، وستبقى الأصوات المبحوحة تحاول الدفاع عن هذه التنظيمات غير أنها اسقط في يدها أن تعرف سبب أقدام التنظيمات الأرهابية بقتل الإنسان دون أن تتعرف على دينه أو قوميته أو مذهبه ، فشبكات ألإرهاب ليس لها دين ولاقيم ولاأخلاق ولا تحترم تقاليد ومقدسات الأديان في كل زمان ومكان .
ستبقى التنظيمات الأرهابية تكرر افعالها الخسيسة في العراق مادامت الأمور منفلتة والأمريكان غير جادين في استتباب الأمن ، ومادامت القوى الوطنية في العراق منشغلة عن رد الفعل تجاه هذه القوى الشريرة التي تريد السوء بالعراق وأهله .
أنتشر التطرف في الزمن الصدامي البغيض ، ووجد له الأرضية الصالحة للانتشار والنمو ، وتم تأجيج الطائفية بأساليب ناعمة وبطيئة لكنها واسعة وسريعة التفشي والانتشار ، بالإضافة إلى عزوف العديد من العراقيين عن الالتزام بالنظريات السياسية التي عكست فشلها الذريع في العراق في الحقب الزمنية السابقة ن كما وجد العديد من الناس تلك الدعوات المبطنة ملاذا أتقاءا من جبروت السلطة أو أيمانا أو وسيلة لتجاوز تبعات الحياة في ظل حصار مزدوج ، كانت تلك التنظيمات المتبرقعة بلبوس الدين تمد جسورا مع الناس لغرض كسب المغفلين والسذج في إخطبوط تنظيماتها الإرهابية وتوريطهم .
وبدأ السعي لإبراز مجالات ومفاهيم تدعو للقتل بزعم الدفاع عن النفس ، والقتال بزعم الدفاع عن الدين ، ولزوم الموت بحجة الجهاد ، وإبراز جانب واحد من أوجه المواجهة يتمثل في القتل بالسيف وفرض الفكر بالقوة بزعم صد الفتنة او الضلال الذي بدأ ينتشر وقتال الكفار من غير المسلمين ، كل تلك الأفكار كانت تسعى لتجييش فكرة القتل والذبح والموت في عقل بعض ممن انخدعوا تحت هذه المزاعم ، من احل تحقيق مكاسب سياسية وشخصية وربما أحلام وأماني غير مشروعة .

حكم انتحار البهائم المفخخة في العراق 

ضمن حملة أرهابية تستهدف العراقيين بشكل عام و عناصر الشرطة العراقية والعناصر التي تتطوع في صفوف الجيش العراقي الجديد بشكل خاص من قبل التنظيمات الأرهابية المتطرفة والتي حلت علينا بعد سقوط سلطة صدام لتمارس أفعال يندى لها الجبين في منازلة الشعب العراقي الممتليء بجراح الماضي الصدامي البغيض فتزيده جراحاً وألماً فوق ما به أمعاناً في ايذاءه والأنتقام منه مستغلة الضعف والأرباك والأنتهاكات والوضع الأستثنائي والشاذ الذي يعيشه اهل العراق ، ثمة هدف معلن وهدف غير معلن ، فالمعلن أن عناصر الشرطة والجيش في العراق عملاء للولايات المتحدة الأمريكية ويجب الأنتقام منهم بأرسال بهائم بشرية مفخخة حالها حال أي بهيمة لاتحل ولاتربط يقومون بأعدادها لتفجر نفسها بقصد أحداث أكبر ضرر في الناس المحيطين بها .
الهدف غير المعلن أن هذه الهجمات ومن يقم بترتيبها وأيقاع البهائم في شرك الخداع وتوفير مستلزمات الموت بقصد أيذاء شعب العراق مهما كانت قومية العراقي وجنسه وأفكاره السياسية ، فالمهم هو أحداث الموت بشكل واسع وكبير بين صفوف العراقيين .
ومادامت البهائم البشرية وغياب العقل وأنعدام الفطنة متوفرة ، ومادام الشعار الكاذب في أن ماتقوم به هذه المجاميع بهدف تنفيذ أوامر الأسلام في الجهاد ضد العراقيين ، والأسلام منها براء ، أو انها ضد الأحتلال ، فأن القتل والموت والدمار لن يتوقف في العراق مادامت ردة الفعل وقيادة الحال في العراق بيد الأمريكان .
أن هذه العناصر تعمل بحريتها دون رقابة أو تضييق أو تحديد ، كما تقوم بأستئجار الشقق والغرف في الحارات أو في الفنادق بحرية تامة ، وتقوم بنقل المتفجرات والعدد الخاصة بالموت بسيارات وأمام انظار الناس و بغض النظر من عناصر تعمل مع السلطة وطالما لها امتداد وشركاء داخل العراق ، كما أنها تندس وسط بيوت العراقيين تأكل من طعامهم وتشرب من مياههم وتضمر لهم الشر وتخطط لهم الموت القادم ، أن العناصر التي تخطط لهذه الإعمال الأرهابية يمكن تشخيصها ويمكن معرفتها ، كما يمكن القبض عليها والتعامل معها وفق الفعل ورد الفعل العراقي ولايعقل أن يتم تطبيق الأعراف والتقاليد الأمريكية عليها دون أن تعي قوات الأحتلال أن الموت عراقياً والهدف عراقياً والدم عراقياً وعليه ينبغي أن يكون التصدي لها عراقياً ايضاً وبالطرق العراقية التي تتناسب مع لغة مثل هذه النماذج التي تهدف الى قتل العراقيين دون أن تتعرف على قوميتهم أو ديانتهم أو أنتماءاتهم السياسية
كنا قد استبشرنا خيراً عند أنتقال الملف الأمني الى يد العراقيين ، ولكننا لمسنا الأمور أكثر تسيباً وأكثر مرونة مع المتسللين ومع الأرهابيين والوافدين الذين يمدون الخطوط والتعاون مع عناصر الشر ، ولمسنا عدم فاعلية وجدية الأجراءات القانونية والقبض على الداعمين والداعين للأرهاب حتى يتخلص العراق منهم وليجدوا ساحة غير ساحتنا العراقية الطاهرة التي تدنسها وجوههم وأقدامهم حين يحلون بها .
وفي مداخلة ضمن فضائية ANN مع الدكتور عبد الحق العاني أتصل شخص يدعى نعمة الراوي ومهما كان الأسم صحيحاً أم لا ليقول أن جميع أفراد الشرطة العراقية والجيش العراقي هم عملاء وينبغي أن يتم قتلهم بهذه الطرق ، أن تفكيراً بهذه الضحالة وبهذه السطحية يعبر عن نفسية أجرامية وخلط في الصورة يدفع بأن نتصور القاتل الرخيص شهيداً ، ومن يقوم بقتل العراقيين يؤدي واجباً شرعياً ، وأن الموت بتفجير الأنسان نفسه غاية توصل الأنسان الى الجنة !!
أن عقلية متحجرة ومتخلفة مثل عقلية هذا الراوي تدل ليس على قصور في التفكير والعقل وأنما عن نزعة أجرامية غير محددة المعالم حين يفكر المجرم أن يرتكب جريمته دون أن يعرف الضحية أو يحــدد الهدف والنتيجة من الفعل الأجرامي .
اللافت للنظر أن الضحايا منذ فترة غير قصيرة في مجزرة اربيل والأسكندرية وتفجيرات بغداد جميعها تستهدف العراقيين تحديداً ومن ضمنهم مدنيين أبرياء وأطفال ونساء ، أن هذا الأمر لايدعو للغرابة أذا عرفنا الهدف غير المعلن لهذه النماذج من العقليات الممتلئة بالشر والتي توزع ادوارها بين مروج للأرهاب وبين من يقوم بالترتيبات وبين من يغسل الأدمغة مع توفر عدد لايستهان به من أبناء العرب والكرد بما عرف عنهم الأنقياد السهل وحبهم لدينهم وشريعتهم وثقتهم برجال الدين ، مما يجعل مهمة رجال الدين الحقيقيين المخلصين للدين الأسلامي بصرف النظر عن مذاهبهم مضاعفة في أن يتصدوا لهذه الظاهرة المريعة والتي تهين الأسلام وتسيء اليه وتعمل على دفع الناس لكراهية الدين الحنيف والصاق التهم الباطلة به .
هذه العناصر بعيدة عن الأسلام وعن قيم الدين الحنيف وتعاليمه وبعيدة عن الأنسانية ولاتفهم معاني الحياة والوطن وقيمة الأنسان ، هذه النماذج لاتعرف غير لغة الهدم والقتل والدم ، وهي لم تزل تختبيء وراء الظلمات تدفع بالبهائم الى الضوء ولاتظهر وجوهها ولاتعرفنا بأسمائها ولاتتحدث عما تريد ، ومن يتمعن في أصوات نكرة تنطلق داخل أو خارج العراق يدرك مدى كمية الشر المتلبسه بأرواحها بحيث عميت أبصارها فلاتعرف غير الشر لغة أبدية هدفها أبادة شعب العراق من خلال تصورها الواهم بحرب طائفية بين السنة والشيعة ، وقتل أكبر عدد ممكن من العراقيين الذين كل جريمتهم انهم قبلوا بسقوط الطاغية رأس الشر وذيل الأفعى في حين تنتشر ذيول أخرى تبارك لموت العراقيين وتفرح لدمائهم رغم انها كانت تنتسب للعراق وشربت من ماءه الطاهر وأكلت من زرعه ولكن جعلهم الله صم بكم لايفقهون .
غير أن لكل قاتل أن يترك بصماته ولكل مجرم طريقة في االعمل الأجرامي ، ولهذا نستطيع أن نتوصل الى بصمات جرائم القاعدة في العراق .

قبل سقوط سلطة صدام حسين بأشهر تم القبض على عناصر تنتسب الى جهاز المخابرات العراقية و الأستخبارات العراقية من قبل قوات الأتحاد الوطني الديمقراطي في كردستان العراق ، وأعترف ضابط الأستخبارات ( كاظم حسين محمد ) الذي تم القبض عليه من ضمن هذه العناصر أثناء أستجوابه ، أنه كان واحداً من 17 حارساً شخصياً عهد اليهم حماية زعيم تنظيم (( الجهـــاد )) الأسلامي نائب زعيم تنظيم (( القاعدة )) أيمن الظواهري حين زار بغداد وألتقى الدكتاتور البائد .
كما أفاد كاظم حسين أن لهم ( يقصد عناصر من الأستخبارات والمخابرات العراقية ) دور في أفغانستان وأرتباط بتنظيم القاعدة ، وأن الظواهري حضر الى بغداد مرتين وكانت لهم علاقة به .
ويسترسل كاظم ماوصفه بوجود ضباط أرتباط عراقيين ، وأنه وقع في الأسر حين كان يتصل بأحد قادة (( انصار الأسلام )) وأسمه أبو وائل .
وأبو وائل هو القائد الحقيقي لجماعة (( أنصار الأسلام )) ، وكان ضابطا ً في الجيش العراقي و تخرج من كلية القانون وأكمل دروسه في كلية الشريعة وذهب الى أفغانستان عام 1995 وهو على أتصـــال دائم مع المخابرات والأستخبارات العراقية ، والمذكور ناشط في تنظيم جماعـــــة الملا كريكار في منطقة كردستان العراق ، وتؤكد المعلومات الكردية أن أبو وائل يعد قناة الأتصال بين تنظيم ( القاعدة ) وبين النظام الصدامي البائد ويقود مجموعة من الرجال من الــعرب .
والملا فاتح كريكار هو أحد القادة الأوائل للحركة الأسلامية المتطرفة في كردستان الذين أنتقلوا الى أفغانستان خلال أوائل التسعينات وهو يحمل لقب (( أمير أنصار الأسلام )) ، والأسم الحقيقي للملا كريكار هو ( نجم الدين فرج ) ، وقد حصل الرجل على ماجستير في علم الحديــث في الباكستان حيث عمل مدرساً في الجامعة الأسلامية ، ثم سافر في أوائل التسعينات الى النرويج حيث حصل فيها على اللجوء السياسي ثم حصل أيضاً على الجنسية النرويجية ، وبعد حصولة على الجنسية زار منطقة كردستان وأعلن عن تشكيل (( جند الأسلام )) .
كانت كوادر ومقاتلي هذه الحركة يتلقون التدريب في أفغانستان وبمساعدات عراقية رسمية ، ويرتبطون بعناصر من جهازي المخابرات والأستخبارات العراقية التي تسهل لهم عمليات تنقلاتهم في المنطقة بتوفير المال والمستمسكات المزورة وغير الحقيقية المستعملة .
وبالرغم من الحملة آلتي شنتها قوات الأتحاد الوطني للقضاء على الفلول الكامنة في منطقة حلبجة وبياره وجبل شنروي وفي منطقة خيلي حماة ، والتي كان جند الأسلام قد تمكنوا فيها من القضاء على عناصر من قوات الأتحاد الوطني مثلوا بجثثهم وقتلوهم بعد أن أوقعوهم أسرى خلافاً للشرائع السماوية والقيم وشجاعة الرجال وبشكل ينم عن خسة وخبث ، حيث كانت أياديهم مربوطة الى الخلف عند قتلهم ، وكما تمكنوا من أرهاب المواطنين وتهديدهم وفرض ما يقررونه عليهم قسراً وبالأكراه .
وبالرغم من تطهير المنطقة من فلول هذه العناصر والقضاء على أكثرية تجمعاتها ، فقد توزعت العناصر المذكورة بحكـــم الأوامر والتعليمات الواردة من عناصر الأرتباط العراقية ، وأنسحبت من المنطقة بشكل مؤقت وأضطراري وسريع .
ولم يعد تواجد هذه العناصر في الجبال المحيطة بمدينة حلبجة والتي تضم أضافة الى العناصر الكردية المتطرفة والسلفية ، فانها تضم أيضاً بعض الأفغان العرب ، ولسهولة الهروب عبر المناطق الجبلية بأتجاه أيران والمفتوحة والوعرة ومن الصعب ضبط مراقبتها والسيطرة عليها ، اضافــــة الى سهولة تمكنهم الأنسحاب الى داخل العراق ، حيث توجد مراكز للتجمع والألتقاء أحتياطية ومتفق عليها مسبقاً فقد بات التحكم بالسيطرة على المنطقة صعباً .
أن عدداً لا يستهان به من هذه العناصر التي أنسحبت الى الداخل من العراقيين الأكراد والعرب والأفغان والذين تدرب أغلبهم في أفغانستان ، وتمكنت من الأستكمان في أماكن داخل العاصمة وفي مدن تحت سيطرة الأحزاب الكرديــــة في كوردستان العراق .
ولم تنته العلاقة الوثيقة بين عناصر هذا التنظيم وبين جهاز المخابرات والأستخبارات العراقي ، حيث بقيت تعمل من خلال الخط الثاني ( خط الظل ) بعد أنهيار السلطة والحكم في العراق ، والتي تحضر لها وخطط النظام الصدامي قبل أنهياره وسقوطه السريع ، ومن بين أهم التدريبات التي تلقاها عناصر هذا التنظيم القيام بالتفجيرات والأغتيالات والتخريب في المدن .
أن التنظيمات ألأرهابية تعتمد على أساليب القتل والموت بعمليات انتحارية وزرع المتفجرات كوسيلة لتخويف المواطن وأرهابه ، كما تعمد على التمثيل بالجثث والتطرف في النظرة الى حياة الناس وتصرفاتهم ، وينسق قائد جماعة القاعدة من خلال ( الأرهابي أيمن الظواهري ) في العمل مع التنظيمات الفارة والمنسحبة داخل المجتمع العراقي ، مستغلة الوضع الأمني المربك والتسيب في الدخول والخروج من الحدود الدولية ، اضافة الى عدم معرفة المواطن العراقي من العربي أو الأفغاني من قبل القوات الأمريكية ، كما أن عناصر التطرف الموجودة داخل العراق تعاونت بشكل وثيق مع هذه العناصر ، وتم ترتيب عمليات الأخفاء والتستر والأيواء والمساعدة بعد كل عملية من العمليات الأرهابية من أغتيالات وغدر وتفجير وتخريب في المنطقة وخاصة في المناطق المعادية لوجود القوات الأمريكية أو الموالية لسلطة الطاغية .
ويعتمد قادة هذه التنظيمات على أدخال فكرة أساسية أولها أن قتال الولايات المتحدة الأمريكية جهاد في سبيل الله ، كما أن الموت أثناء هذه العمليات سيمحو جميع الذنوب والخطايا ويذهب فيها الأنسان شهيداً الى جنان الخلد ، وأن أية عملية أنتحارية تؤدي بفاعلها الى الجنة مباشرة دون تأخير ، وأن للوافدين العرب من الأقطار المجاورة تأثير على الشباب العراقي المنخرط في هذه التنظيمات ، وبالنظر للأندفاع الملموس من قبل هذه العناصر ، يصبح الأمر أكثر تأكيداً للعناصر العربية والكردية في الأندفاع ورائها في الفعل الأنتحاري كقتال في سبيل الله كما يزعم قادة هذه الفصائل ووفق مايزينونه من أباطيل وتخاريف لأيهام الشباب المندفعين عفويا بأتجاه الألتزام بالنصوص الدينية التي يفسرها لهم شيوخهم بشكل منحرف ووفق منظار معين ينتقيه هؤلاء .
وتعتمد الفتاوى التي يصدرها قادة هذه التنظيمات على ضرورة أستعمال العنف لغرض حماية الدين وأنقاذ الشريعة من تسلط الكفار ، وضرورة العمل بقوة على تطبيق الشريعة الأسلامية !! وأن كل البشر من غير المسلمين هم من الكفار الذين يستحقون جز الرقاب ، وأن الأسلام في حرب شعواء من اجل البقاء ، ودون هذا الجهاد والتضحية بالنفس والأنتحار لن تقوم للأسلام قائمة ، ومزاعم كثيرة تنطلي على العديد من الشباب فيقعون فريسة تحت وهم مريديهم وشيوخهم ، ومن خلال هذا المنطلق المبتور يعمد الشباب المتطوع بالنظر للسيطرة الذهنية والعقلية عليه ، وبالنظر لأصابته بالأنغلاق الذهني وعدم تمكنه من النظر أبعد من النقطة التي يقف فيها الى أستعداد الشباب لرمي أرواحهم الى التهلكة ، مما يمكن قياداته من أستخدامه أبشع أستخدام في عمليات أنتحارية يكون جسده الوقود فيها كوقود في اللعبة السياسية .
أضافة الى التأثير النفسي والقدرة على السيطرة النفسية والتحكم في عقول الشباب المندفع تحت تأثير قدرة قيادات الأرهاب العراقي وتلبسها بلباس الدين كوسيلة لأيهام الشباب بنظافة الوسيلة والهدف الذين يعملان من اجلهما .
وأذا كانت الأعترافات التي أدلى بها ضابط الأستخبارات العراقي تدلل على بقاء الأرتباطات مستمرة ، وأذا كانت الأرتباطات بين هذه الفصائل وبين التنظيمات السرية لجهاز المخابرات العراقي والتي أستعدت للعمل في الخفاء بعد سقوط النظام ، لايمكن أن تكون عفوية وغير مرتبة وغير منظمة ، أضافة الى تمكن ( أيمن الظواهري ) وهو القائد البديل للقاعدة من زيارة العراق أكثر من مرة لابد أن يترك خلفه من العقول الجاهزة لتفجير نفسها باللحظة والمكان التي تختاره ، ويكون وقودها الأنسان المتفجر والواهم بأنه يقوم بترسيخ أسس الدين الأسلامي عند أرتكابه جريمة من أبشع الجرائم الأنسانية وبحق الله عز وجل .
وفي الوقت الذي تنفى فيه جماعة جنــد الأسلام على لسان أميرها الملا كريكار أمام الجماعة والذي تم عزله لاحقاً أي دور لها في عملية تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد ، وتتهم فلول وعصابات صدام ، فأن جماعة متطرفة وتنهج الفعل الأرهابي سلوكاً في عملها تدعى ( سرايا مقاتلي الجهاد الأسلامية ) أعلنت مسئوليتها عن هذا الفعل ، في حين أعلن تشكيل مايسمى ب ( جيش محمد ) ، أن سرية عبد الله بن عياض هي التي قامت بالعملية ، وفي موقع أصولي على شبكة الأنترنيت أعلنت كتائب أبي حفص المصري التابعة لتنظيم ( القاعدة ) مسؤليتها عن القيام بحادث التفجيرنفسه ، ومهما أبتعدت هذه التشكيلات عن الحقيقة أو أقتربت منها فأن الأرهاب فعل يوحدهـــا وتتسابق للزعم أنها من أرتكبته بالرغم من وقوعها في الزعم والتخبط والتلاطم فيما بينها ، غير انها فيما يبدو تنظيما واحداً يتخذ له عدة أسماء ، يوحده الوسيلة في أعتماد القتل والأرهاب نهجاً تتميز به هذه التنظيمات ، وأن التغييب عن الهدف الأساس والحقيقي من الفكرة يتم حجبه عن أنصارها ، وأن الجهة التي قامت بهذا الفعل أي كانت تسميتها تدلل ليس فقط على قصورها في التفكير وضحالتها في التصور والأختلاف ، أنما بأعتمادها الأرهاب كوسيلة ليس لديها غيرها أذ لم نسمع أو نشاهــد أية وسيلة أو طريقة أخرى في عملها ، متناسية أن أيذاء الناس مهما كانت دياناتهم محرم في الديانات السماوية ، ومن قتل أنسان ظلماً وكان بريئاً فكأنما قتل الناس جميعاً ، وأن الطريق الى الجنة لايمر عبر المتفجرات والموت والخراب والدم والمأساة التي تتركها في نفوس الناس يشكون الى ربهم ظلم الفاعلين ، ولايمكن للجريمة أن تمر أمام أعين الله دون عقاب .
ويقيناً لن تكون عملية القاعدة المشتركة مع ذيول السلطة الصدامية في أغتيال الشهيد السيد محمد باقر الحكيم التي تمت في مدينـــة النجف الأشرف هي الأخيرة في العراق ، فستلحقها عمليات أخرى بالنظر لتوفر جميع الظروف التي تسهل لهم القيام بمثل هذه العمليات ، ومادامت السلطات العراقية وقوات الأحتلال لم تتخذ أساليب الردع والحماية المقبولة في غلق الحدود ومنع تسرب العناصر الأرهابية والأفعال التحريضية والتجسسية التي تقوم بها فضائيات عربية معروفة .
وليس غريباً أن يكون لبعض مراسلي القنوات الفضائية ممن يرتبطون بتنظيم القاعدة الأرهابي دور ملحوظ في العراق ، مثلما ليـس غريباً أن يختفي عنصر القاعدة الخطير ( تيسير علوني ) في منطقة الفلوجة في العراق ليظهر في أسبانيا حيث يتم القبض عليه من قبل البوليس الأسباني بتهمة الأرهاب العالمي متلبساً بتهم عديدة قد يكون من بينها المساهمة في جرائم ضد الشعب العراقي ومد الإرهابيين بالمعلومات والتخطيط لعملياتهم .
والمتمعن ملياً في المشهد العراقي يجد أن الدور الذي تلعبه التنظيمات المتطرفة والأرهابية دور لامحل له في المشهد العراقي ، ولايمكن له إن يستقر أو ينجح في العراق باي شكل من الأشكال ، ويعبر عن غطاء فوقي لايعي خصوصية العراق ولا ملامح الإنسانية ، ويحاول أن يفرض عليه بالقوة والقسر شكلا بائسا من أشكال الدول التي سبق إن أقامها في أفغانستان تحت ظل سلطة طالبان التي استهجنها العراقيين ولن يقبلوا بها بأي شكل ومهما كانت التضحيات ، يبدو انه بدا يأخذ علامة فارقة حين يتم أقتران الدين الأسلامي بالأرهاب ، وهي معادلة محزنة ويساء فيها الى الدين الحنيف ، دين السلام والمحبة والحوار .
ومع أن مشهد الأرهاب الذي انتقل من أفغانستان ومن بعض الأماكن العربية متسللا الى العراق لايبدو نشازاً أمام حالة الأنفلات وغياب السيطرة على مداخل ومخارج الحدود الدولية وحركة الأجانب داخل العراق ، اضافة الى توفر المواد الأساسية والأدوات المستعملة في الجرائم وتوفر عناصر من الشباب المندفع والمغيب عقليا ونفسيا ً تحت تأثير الحاجة المادية ، وانتشار الغيبيات و الوهم الذي يمارسه بعض من رجال الدين البعيد عن العقل والقيم السماوية ، ممن يفتقد لأي مشروع أنساني بقصد إعلان نفسه وليا أو قائدا أو رمزا ، وتسجيل أعداد تلك الشباب كأرقام جاهزة للانفجار في أي مكان وضد أي شخص وفي الزمن الذي يقرره قادتهم ، مع عدم وجود الرادع القانوني الذي يمكن أن يؤثر في أيقاف هذه الأفعال ، وليس أكثر تجسيداً لكل هذا قيام أحد الانتحاريين تفجير نفسه وسيارته بقصد قتل أكبر عدد ممكن من العراقيين في مكان يتواجد فيه العمال العراقيين قرب مبنى الأمم المتحدة في بغداد وقيام انتحاريين بتفجير نفسيهما أمام محل لكي الملابس في مدينة كركوك دون أن يقتلا سوى نفسيهما ، او ما قام به الملعون ( رائد منصور البنا ) في تفجير نفسه وسط حشد من اهالي الحلة المدنيين في السوق الكبير ليوقع أكثر من مائة قتيل ومئات الجرحى ، او ضمن العمليات الأجرامية التي تدلل على خسة وقصور القتلة وغباء البهيمة المنتحر .
وإذ تتوضح الصور يوما بعد يوم فيظهر الحق ويندحر الباطل، ومن اللافت للنظر أن دول تجيش إعلامها وقنواتها الفضائية وبرنامج مخصص للصراخ في شتم العراقيين والحث على قتلهم وبث الطائفية واتهامهم بموالاة الصهيونية ومحبة الولايات المتحدة الأمريكية التي احتلت بلادهم ، تمارس السياسة المزدوجة وفق مفاهيم ومعايير لاتعبر الا عن شيزوفرينيا إعلامية وسياسية ، فتكشف أوراقها وتسقط ورقة التوت عنها، ليس فقط في وجود القواعد الأمريكية التي تتواجد على أراضيها، وليس فقط في مكاتب العلاقات التجارية مع أسرائيل، وليس فقط في رفرفة الأعلام الأسرائيلية والأمريكية فوق أراضيها، انما بالدعوات الرسمية والصريحة لمسؤولين أسرائيلين في وضح النهار وأمام عدسات قنواتها التي لم تستح عند بث الخبر.
نشرت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية قبل ايام ان (( نائب وزير التعليم الإسرائيلي الحاخام ميخائيل مالكيئور)) قام بـزيارة لقطر بناءً لدعوة رسمية من صندوق قطر الذي تقف على رأسه عقيلة أمير البلاد . وقالت ان المسؤول الاسرائيلي التقى أول من أمس وكيل وزارة الخارجية القطرية «الذي أعرب عن رغبة بلاده في دفع العلاقات بين البلدين»، مشيرة الى ان رئيس الحكومة الاسرائيلي ارييل شارون حمّل مالكيئور رسائل الى القيادة القطرية ووفقا للصحيفة، شارك مالكيئور في «مداولات ومشاورات» تناولت التغييرات في الشرق الأوسط والدور الذي يمكن لقطر أن تلعبه، مشيرة الى أن المداولات جرت بعيدا عن حضور ممثلي الإعلام، باستثناء صحافي من هيئة الاذاعة البريطانية «بي. بي. سي».
واعتبرت الصحيفة الزيارة بمثابة «سنونوة أولى في ربيع استئناف العلاقات بين اسرائيل ودول عربية»، معيدة الى الاذهان ما قاله وزير الخارجية سيلفان شالوم عن أن اسرائيل بصدد اقامة علاقات ديبلوماسية مع سبع دول عربية، منها قطر والمغرب وعمان، وأن اتصالات جارية مع بعضها في هذا الصدد، وسط أنباء عن أن قطر المرشحة الأولى لاستئناف العلاقات الديبلوماسية )) .
وأمام زيارة شمعون بيريز الى تلك الدولة ، وإزاء الاحتفاء والترحيب الذي لقيه من المسؤولين في البلاد وفي القنوات الفضائية التي أشتهرت ببرامج الصراخ العربية فيها ، لانجد تفسيرا سوى أن الازدواجية في المواقف ليست غريبة على تلك البلدان ، فهي لم تزل تريد أغاضت خصومها بأي ثمن وبأي شكل كان ، حتى ولو وقعت في التناقض ووصلت الى أخر حدوده .

ومع كل هذا تزعم القناة الفضائية أن الموساد ينتشر في كوردستان العراق، ومع كل هذا ينبغي أن نحارب الأمبريالية والصهيونية، ومع كل هذا العار الذي يجلل السلطة والقناة التي رفعت علمها المعادي لشعب العراقي ومستقبلة، ولاندري ماذا سيقول مفتي الجزيرة وأي فتوى سيقدمها لمريدية وهو يتلمس الوجود الصهيوني والأمريكي في دولته ، وهو ينحني إمام شمعون بيريز بعد ان أصدر الفتاوى التي تدعو لقتالهم في العراق، , فتوى تبيح التعامل معهم في كل انحاء الأرض بشكل اعتيادي ماعدا أرض العراق ، الا يدلل هذا على قصور في الفهم وتوظيف الفتاوى الدينية لصالح السلطات والتي صنفها الباحث الأجتماعي الدكتور علي الوردي بانها فتاوى وعاظ السلاطين ، وما تزال تلعب تلك الفتاوى دورا تخريبيا وإرهابيا لتأثيرها المحدود في عقول السذج وممن انطلت عليهم خدعة بعض الفقهاء ممن وظف نفسه لخدمة السلطان وحقيقة فتاواهم وهم يعملون تحت أمرة السلطان ورغباته دون صحوة من ضمير أو خجل ، ولم نزل نسأل متى يصحو العقل العربي الغافي تحت تأثير تخدير أقراص الدين الزائفة التي لاتمت للأسلام بصلة والقومية الشوفينية التي أعمت البصيرة والبصائر والتغطرس الفارغ الذي اعمى عقول وقلوب الأعراب .
لم نزل بأنتظار الصحوة من رجال الدين التي ينتصرون فيها لدينهم وضمائرهم في وقفة أنسانية تدافع عن الأسلام وتمنع تشويهه وتحارب الشر والأرهاب في كل مكان وزمان .
تعاقب القوانين الجزائية في جميع البلدان على تهمة التحريض على أرتكاب الجريمة ، وهذا التحريض يأخذ اشكالاً عديدة منها المادي ومنها المعنوي .
فقد يكون التحريض بالكلام أو بالفعل ، بالكتابة أو بالخطاب الشفهي ، بالخداع او بالسيطرة على ذهنية الفاعل ، بالحث واستغلال مشكلة نفسية او شخصية لدفع المتهم لأرتكاب جريمته .
وتعتبر القوانين الجزائية تهمة التحريض من التهم التي توجب أنزال العقاب بالمتهم الذي يثبت تورطه بفعل التحريض ، ويتم ايقاع الجزاء القانوني عليها بما يتناسب مع عقوبة الجريمة التي وقعت بناء على فعل التحريض ، مما يوجب على قاضي التحقيق اجراء التحقيق الأبتدائي مع المتهم عن هذه التهمة ومن ثم تدقيق الأدلة المتوفرة في مرحلة التحقيق وأحالة المتهم على المحكمة المختصة لمحاكمته عن التهمة المسندة اليه بموجب قرار احالة .
والتحريض يعتبر جريمة من الجرائم التي تخل بأمن المجتمع ودعوة صريحة أو مبطنة تدفع بعض مرضى النفوس لأرتكاب جرائمهم تحت شتى الأسباب والمبررات .
ويتخذ دعاة التحريض على الجريمة من أسباب وذرائع يتم التبرقع خلفها ويتخذونها ذرائع او غطاء يدفعهم لممارسة فعل التحريض ، ومن بين هذه الذرائع والأسباب الزعم بضرورة احترام الأعراف والتقاليد أو الأساءة والأهانة الشخصية أو الدفاع عن الشرف أو العائلة ، أو الدفاع عن الدين أو الوطن .
وظهرت في الفترة الأخيرة تنظيمات أرهابية أتخذت من ستار الدين الأسلامي غطاء للقيام بأرتكاب جرائمها ضد الناس المدنـيين الأبرياء بزعم محاربة الأمبريالية العالمية ، كما قامت التنظيمات الأرهابية المذكورة بممارسة الأفعال الأجرامية في القتل والأيذاء والذبح تحت حجة الدفاع عن الأسلام والشريعة وحماية الدين ، ثم أستطاعت هذه التنظيمات الأرهابية والمتطرفة كسب كراهية وأحتقار الناس في شتى بقاع العالم ، وأستنكار رجال الدين بالنظر لتعارض الديانة الأسلامية مع خسة أفعالهم وأعمالهم المشينة المتعارضة مع سماحة الدين الأسلامي .
وأعتمدت التنظيمات الأرهابية التأثير في عواطف بعض المندفعين من المتطرفين دينياً أو من الشباب المبتلين بالعقد النفسية ، وأستغلال الشباب اليائس أو من ابتلى بعقد كراهية المجتمع أو المندفع لارتكاب الجريمة لوقوعة في شرك الخداع انه يرحل بعد ارتكاب الجريمة الى الجنة ، بالأضافة الى أستغلال العواطف الحقيقية في كراهية الولايات المتحدة الأمريكية من قبل بعض المتطرفين سياسياً .
ومارست هذه التنظيمات فعل التحريض كوسسيلة من وسائل الوصول الى عناصر مهيئة لأرتكاب الفعل الجرمي حتى وأن أدى الأمر الى القيام بأرتكاب جريمة قتل النفس بغية قتل الآخرين ، وسلوك طريق الأنتحار بتفجير الشخص نفسه من أجل أيقاع أكبر مساحة من الأذى بالآخرين .
ولهذا لجأت هذه الجهات الى القيام بجرائم متعددة منها تفخيخ الجسد البشري للشخص المغيب عن التفكير الأنساني ، بالأضافة الى كونها تقصد من تفجير الشخص نفسه قتل أكبر عدد ممكن غير محدد وغير معروف من الناس ، بالأضافة الى كون المحرض أو من يعد البهيمة المفخخة في منأى عن تفخيخ نفسه فهو يدفع بهذه النماذج للموت ويتفرج عليها متشفياً بالموت القادم للبهيمة وللناس الآخرين .
وبالرغم من تشخيص دقيق لحركة هذه التنظيمات المتطرفة والأرهابية ، الا أن التحريض على أرتكاب جرائم القتل أخذ أشكالا متعددة سواء بالتحريض الخطابي في المنابر أو في الفضائيات والقنوات الأعلامية أو بالكتابة في الصحف وصفحات الأنترنيت .
فقد لجأ بعض المحرضين الى أستغلال مكانته ومجال عمله في التحريض على القتل بأعتباره عملاً دينياً ، والدين من الدعوة لارتكاب الجريمة براء ، ويتخذ بعض هؤلاء المحرضين من المنابر الدينية الطائفية والمتطرفة والأحترام الذي يضفيه عليهم أعمالهم المبنية على صدقات الناس وحسناتهم وثقتهم العالية برجال الدين غطاءاً لهذا التحريض بالأضافة الى كسب ود ورضا بعض الجهات الأرهابية من أجل الحصول على عطايا ومصالح تقوم على التحريض بسفك دماء الناس الأبرياء لنيل رضا تلك الجهات .
كما أتخذ البعض من الكتابة مشروعاً للتحريض على القتل ، والدعوة للجريمة تحت شتى الأغطية والستائر ، ففي الوقت الذي يتباكون فيه على الوطن فأنهم يبتهجون بذبح الأنسان في ذلك الوطن الذي تناسوه منذ أكثر من 30 سنة ، ويدعون الناس للموت والأنتحار بأسم الأستشهاد وهم يقبعون في المدن الأوربية ينعمون بخيراتها وماحصلوا عليه من نعمتها وثرواتها التي حصلوا عليها بطرق غير مشروعة .
ويستغل البعض فسحة الحرية التي تمنحها الدول الأوربية ليمارسوا افعال التحريض على الجرائم الأرهابية ليس في بلدانهم فقط ، وأنما حتى في تلك البلاد التي آوتهم ورعتهم وساعدتهم ليكونوا محرضين على نشر ثقافة الموت والجريمة ليعبروا بشكل واضح على نكرانهم للجميل وطعنهم لتلك الدول في ظهرها وعض يدها ، ويكونوا وبالا على منح تلك الدول الجنسية لهم حين تخلوا عن جنسياتهم ووطنيتهم وعلاقتهم ببلدانهم وتبجحوا بأكتسابهم الجنسيات الأوربية بعد أن تبرأوا وأسقطوا أنتمائهم الى بلادهم التي ينتشر بها التخلف والأرهاب والطغيان والخوف والجوع والفقر .
أن التحريض المزدوج على الأرهاب من قبل هذه العناصر يعتبر مساو لما تقدم عليه التنظيمات الأرهابية العالمية ومنظمات الجريمة والتطرف الدولي ، وأن الدعوة المكتوبة والتي يطلقها بعض عبر محطات الأنترنيت تشكل جريمة ينبغي على الدول كافة التصدي لها ومعالجتها ومحاسبة القائمين عليها ، ويمكن أن يشكل الغطاء الأساس الذي يحتمي به هؤلاء السبب الوحيد الذي يدعوهم لممارسة التحريض على الجريمة والقتل والموت وتشجيع سفك الدماء في كل بلدان الله ، ولو قدر أن تم سحب الجنسية والغطاء القانوني من هذه النماذج التي ابتليت الأنسانية بشرورها وتورطها في الجريمة الدولية ، والربح على حساب دماء الأنسانية ، والفرح عند رؤية مناظر الدم واللحم الممزق والشعوب المنكوبة لربما اعيد اليها صوابها وشعرت بانسانيتها .
أن فعل التحريض لايقل خطورة عن فعل الأجرام والقتل الذي تمارسه بعض التنظيمات الأرهابية المتطرفة ، حيث يشكل كلاهما مافيا للجريمة المنظمة ، وعلى الجهات المسؤولة في البلدان الأوربية أن تعي حقيقة أن مثل هذه النماذج خطرة على المجتمع الذي تعيش به وعلى البلاد التي تخاطبها ، أذ ليس من المعقول والمقبول أن يدعو محرض للأنتقام والقتل من سلطة أوربية منحته الجنسية وأعتبرته مواطنا بينما لم يكن في وطنه سوى نصف مواطن ، بالأضافة الى كونه نكرة من نكرات المجتمع الذي هو فيه ، فأذا هو يصرخ بصوت مبحوح يدعو للموت تحت راية تنظيمات الأرهاب ، وتمجيد المعتوه المجرم ابن لادن والزرقاوي وصدام البائد وبقية الأسماء الهجينة التي يحتقرها الأنسان من كل الأديان والقومياتوفي كل هذا العالم الذي ينشد للسلام وللمحبة .
أن القانون العراقي القادم سيقتص من هذه النماذج التي تحرض على القتل والموت ضد شعب العراق ، وأن الأيام القادمة حبلى بالمطالبة بالأقتصاص من هذه النماذج بالطرق القانونية حين يتم مطالبة الدول الأوربية القبض عليها وبواسطة الأنتربول الدولي للتحقيق معها ومحاكمتها وفق القوانين العراقية وأنزال القصاص العادل الذي يجعلها تصحو لأفعالها التي وصلت لحد الهوس في التحريض على القتل والموت .
أن حرية الرأي والفكر محترمة ومضمونة في كل البلدان ، غير أن التحريض على القتل لايتوازى مع حرية الفكر ولاالرأي والرأي الآخر ، فثمة سقوط أخلاقي وجنائي يقع فيه الأنسان حين يفقد شعوره فيمارس فعل التحريض على الجريمة بدلاً من ممارسة الحوار بما يليق بأنسان هذا العصر .
يقينا أن الوهم الذي تعيشه عناصر التحريض على القتل والموت في حمايتها من قبل الأنظمة الأوربية التي تحترم حقوق الأنسان سذاجة مابعدها سذاجة ، لأن هذه الدول تحترم الأنسان وتحميه من فعل التحريض وماتسببه هذه الدعوات المريضة من نشر الموت والدعوة للجريمة ومساندة التنظيمات الأرهابية الغارقة في وحل الجرائم الأنسانية ، كما أن هذه الدول تحمي نفسها وتقوم بتطبيق النصوص القانونية دون أعتبار لأي شيء وخاصة أن الأرهابيين ممن أكتسبوا الجنسية الأوربية لأسباب واهية وليس لهم فضلاً على شعوب تلك البلدان ليشيعوا الموت والأرهاب ويدعون من أرضها وتحت سمائها وفي ظل أحكامها التحريض على القتل ومساعدة التنظيمات الأرهابية التي تعاني منها بلادنا العربية المتخلفة ومن وبائها شعوبنا المقهورة ، بينما تحمي الدول الأوربية نفسها حماية كبيرة من هذا الوباء الخطير الذي يعم النفوس الشريرة والموغلة في أمراض الجريمة أي كان نوعها وشكلها .
وشخصت بعض الدول مصادر التحريض على القتل والدعوة من قبل بعض المعروفين بنشاطهم الأجرامي ومن الذين يعاكسون تيار الحياة الأنسانية فيعشقون كل ما من شأنه الأساءة للأنسان والقانون ، فيعمدون الى الدعوة والصراخ لأيقاع الأذى ومشاهدة الموت وتناثر الجثث والضحايا وأنهار الدماء وهم يقبعون في البلدان الأوربية يتشفون بهذه المناظر ويبتسمون لها ، ويستمرون في أنحدارهم الأنساني وخطورتهم الأجرامية ونزعاتهم الحيوانية ، مما يقتضي أن تكون المجتمعات الأنسانية في منأى عن الخطورة الأجرامية التي تتلبسهم ويفكرون بها ، ومما يدعو هذه الدول الى أيجاد نوع من الحماية الذاتية وحماية الناس التي بدأت تتلمس خطورة هذه النماذج التي أثبتت بشكل مستمر عدم قدرتها على معايشة حياة الناس الأعتيادية ودون أذى أو تحريض وعدم أمكانية أنسجامها مع مجتمعات تحترم حقوق الأنسان والقانون ، فقد كانت على الدوام تعيش بشكل مخالف للقانون وعلى خلاف دائم مع كل قيم الخير والمحبة وحقوق الأنسان ، وقد آن الآوان للقوانين أن تأخذ مجراها بهذا الخصوص .
يقيناً أن عملية الخلاص من سلــطة صدام حسين حدثاً مهماً وكبيراً في تاريخ الشعب العراقي و سيبقى طويلاً في الذاكرة ، و قدم شعب العراق التضحيات الجسام والشهداء ومئات الالاف من الضحايا ، من أجـل تحقيق إزاحة هذا النظام ، وترك النظام المذكور آثاره المدمرة على جميع الأصعدة في العراق فدمر الأقتصاد وخرب منظومة القيم الأجتماعية وقتل الأمل في نفوس الناس وعاث في الأرض فساداً ، وترك لنا أرثاً من القضايا التي ستواكب حياة جيل كامل من العراقيين قبل أن يستطيع العراق أن يستعيد أنفاسه ويستنشق هواء الحرية والديمقراطية والتمتع بخيراته بشكل طبيعي .
كانت سلطة صدام تلوث الحياة والهواء وتحقنهما بكل ماهو عفن ، وكانت سلطة صدام تقمع كل حقوق الأنسان حتى تدخلت في حقه بالزواج والحياة والموت والأقامة والسفر والأتصال والأنتقال والحزن والفرح والعمل والبطالة .
ولانريد أن نستمر في تعداد مساويء العهد البائد ولاذكر المآسي التي خلفها لنا حيث أنه رحل دون رجعة فقد أنكشفت كل مزاعمه وستائره وذرائعه وأنفضحت طرقه الملتوية وكراهيته للأنسان ولحقوقه في العراق .
و ساهمت قوى التحالف تحت شتى الذرائع وتحت شتى الأسباب في أزالة هذا النظام الذي وظف كل ثروات العراق وأمكانياته المادية لخدمة البقاء في السلطة غير عابيء بالسيادة والكرامة والشرف والمواطنة وقيمة الأنسان في العراق ومستقبل الحياة في العراق ، وأستطاعت قوات التحالف أن تكشف مدى الزيف الذي كان يبرقع النظام البائد حين تخلى الجيش العراقي عن الدفاع عنه ، مثلما تخلى المواطن العراقي الذي لم يكن يقف مثل هذا الموقف أزاء دخول جيوش أجنبية للعراق ، مالم يكن في أعماق ضمير كل عراقي امنية أزالة صدام عن السلطة هو السبب الحقيقي وراء موقف المتفرج .
ولسنا مدافعين عن موقف قوات التحالف ، ولانبرر وجود هذه القوات ، أنما نطلب حالنا حال العديد من العراقيين بقاء هذه القوات ريثما يستقر الحال والوضع ويتمكن العراقي من أنشاء حكومته المؤقتة أو الدائمية وينتخب مجلس الشعب أو برلمانه ، ويقرر دستوره وشكل الحكم الذي يريده ، حينها نقول جميعاً لقوات التحالف شكراً لموقفكم ووقفتكم وعليكم أن تغادروا بلادنا ولن ننسى هذا الموقف لبلادكم مطلقاً ، وسيغادروا حتماً .
أما أن تتشكل مجموعات أرهابية مدججة بالسلاح الذي أمدها به الطاغية ، وتنفيذاً للتعليمات التي أصدرها الجلاد قبل أن يختبيء في حضائر الدجاج مخالفاً ماتقوم به الرجال في مثل هذه الظروف ، فيغتنم هؤلاء الفرص ويمارسون حالات الغدر والأغتيال الجبان لعناصر من قوات التحالف ومواطنين عراقيين أبرياء بأسم الدفاع عن الوطن ، وتستثمر أفعالهم قنوات فضائية معروفة بكراهيتها للعراق .
اللافت للنظر أن جميع من أنتحر بتفجير نفسه ليحترق في جهنم لم يكن بينهم عراقي واحد ، فقد كانوا جميعاً من العرب البائسين واليائسين ممن فهموا الدين تطرف وموت ودماء وأنطلت عليهم حيل الشر والشياطين القابعة في توربورا وبالنظر لما يتمتعون به من غباء مطلق يتم أستغلاله في تصنيعهم أدوات للجرائم لقتل الأبرياء من أطفال ورجال العراق .
أين كان هؤلاء حين كان الوطن أقطاعية مستباحة للعلوج أمثال صدام والمعوق عدي والمجرم قصي ؟ أين كانت وطنية هؤلاء وشهامتهم ودينهم حين كانت أشرف العراقيات تغتصب وتنتهك أعراضها في الأقبية والسجون ؟ أين كانوا حين تم دفن مئات الالاف من الأحياء من أبناء العراق في مقابر جماعية ؟ وأين كانوا حين لم نتعرف لحد الان على بقية جثث شهداء العراق وأماكن دفنهم ؟ أين كانت غيرة هؤلاء ومروئتهم حين كان العراقي يتضور جوعاً ويتسول في الشوارع ، ويعيش الشعب على فتات النفــط مقابل الغذاء حين كان الطاغية وأولاده يتنعمون بالمليارات ويشترون أفخم ماتنتجه أوربا ويعيشون في قصور خرافية ويجمعوت أفخم السيارات والحيوانات والقطع النادرة ويعيشون حياة المباذل والأنحطاط التي أظهرت أشرطة الفيديو الجزء الصغير منها ؟
أين كان هؤلاء عن هذا ؟ وهل وجدوا في الجندي الأمريكي ضالتهم حين يغتنموا فرصة في الظلام ليطلقوا عليه الرصاصة الغادرة ؟ هل سقطت قوات التحالف بهذا العمل الأرهابي وأستعجلت الرحيل ؟ هل لهذه العمليات جدوى وتأثير يمكن أن تكون له غير نتائجه السلبية ؟
هل أن هذا النهج وهذا السلوك الا تعبيـر يتناقض مع رغبة العراقي وتطلعاته ووطنيته وخلقه ؟ هل من شيم العراقي الغدر والعمل الجبان وتفجير الجسد البشري وصولا الى الموت أنتحاراً ؟
مع أن هذا لايعفينا من القول بالأخطاء الفادحة التي ترتكبها أدارة الحاكم المدني وقوات التحالف من أجل أعادة الأمن والآمان في العراق ، أخطاء ناتجة عن عدم الأستماع لوجهة نظر العراقيين وعدم الأعتداد بوجهات نظرهم ، أخطاء أخرى ناتجة من عدم معرفة شخصية المواطن العراقي والعديد من قيمه وأعرافه مما يتحتم عليهم الأستعانة بعراقيين وترك الأمر للأحزاب العراقية الوطنية لمعالجة الأمر بمؤتمر وطني سريع وفعال وضرورة تطهير الجهاز الحكومي من عناصر الحزب البائد ( القياديين منهم والخطرين أجتماعياً ) والذين يعرفهم الناس وتقدرهم الأحزاب الوطنية ، والأسراع في دفع رواتب جميع المواطنين من العسكريين ومنتسبي الشرطة والموظفين والعاملين في الوزارات الملغاة ، وأعادة جهاز الشرطة الى العمل بالسرعة الممكنة لضبط الأمن والسيطرة على المدن والشوارع ، والعمل بكل ماتستطيع القوات والأدارة المدنية والأحزاب قيام المؤتمر الوطني العام لجميع الأحزاب الفاعلة في الساحة العراقية قبل سقوط السلطة البائدة ، والأستعانة برجال الدين الحكماء من الذين يعرفون مصلحة الأسلام والشعب العراقي ويقدرون الظروف الني يمر بها العراق .
حينها لن يجد أحد من عناصر الأرهاب مكاناً له يستطيع من خلاله أن يبث السموم أو ينفث االهواء المتعفن التي اعتاد على نفثه في هواء العراق أعتقاداً بائساً منه في أمكانية عودة الطاغية لحكم العراق ، ظنا منه أنه سيحصل على التكريم المادي من الطاغية ، في حين أنه يخسر شعبه وأهله ومن ثم يخسر دينه وربه واحتقار نفسه في لحظة المراجعة الوجدانية حين يقوم بقتل الناس وأرهابهم وترويع العوائل في ليلها وأحالة النهار العراقي الى جحيم .
أن تفجير الكهرباء وتسميم المياه وتخريب المنشآت وتفجير أنابيب النفط وسرقة المخازن وحرق الدوائر الخدمية وزرع الألغام في دروب الناس وقتل الأبرياء وأطلاق الصواريخ على الناس والمدارس والأسواق المكتظة بالناس والتفجير وسط تجمعات البشر فأنها أعمال لاتدلل الا على خسة في الخلق ودناءة في الهدف والغاية وخيانة للوطن وأنعدام تام للضمير وأنحدار للقيم ومسح لقيم الخير حين يستغل المرء ظروف أهل العراق وظروفهم فيحاربهم بضروريات الحياة .
الأعمال الأرهابية الجارية في العراق جزء من أعمال أرهابية منظمة في العالم هدفها محاربة كل شيء خير وجميل في الأنسان ، ويقينا لو أن العراقيين وحدهم من أسقط صدام البائد لخرج هؤلاء أيضاً يرفعون ورقة أخرى يبررون فيها أفعالهم الشريرة زوراً وبهتاناً .
في معادلة يمكن أن توصف بالغباء تقف جهات أرهابية متشددة من تنظيمات القاعدة ومقاتلي جند الأسلام وجيش محمد وأسماء لاعلاقة لها بالحقيقة وكل التنظيمات الأرهابية المتطرفة الى جانب سلطة الطاغية صدام ، تحت ستار وحجة أن الولايات المتحدة الأمريكية تقاتل صدام ، وحيث أن صدام مسلماً اولاً وعربياً ثانياً فينبغي الدفاع عنه وعن سلطته .
المتمعن في المعادلة يجد السذاجة والبلادة تحيط بها من كل الجهات .
أولها أن سلطة صدام من أخطر السلطات ليس على التنظيمات الأسلامية فحسب ، بل ضد كل ماهو جميل في هذه الحياة ، مع عدم أيمان صدام ليس بالأسلام كدين أنما بكل القيم السماوية والأديان والعقائد والمذاهب والقيم .
ثانياً أن صدام لم يكن يتصرف تصرفاً عملياً واحداً يدلل على عر وبيته أو إيثاره المصلحة القومية على نوازعه المريضة ، فهل كانت التنظيمات الأسلامية غافية عند أحتلال صدام للكويت المسلمة والعربية ؟
ثالثاً أن الوقوف بجانب سلطة صدام يعني الوقوف ضد مستقبل الشعب العراقي ، فالمواطن العراقي يحلم أن يرحل الأحتلال عنه بعد أن يتم رسم الدستور وتشكيل البرلمان والحكومة ، وأن يبدا حياته دون صدام ودون أرهاب ودون موت ودماء ، والوقوف موقف المعادي لشعب العراق ليس له قاعدة ، فمعاداة الشعوب لن تنجح من قبل التنظيمات المسلحة مهما كانت قوتها وتعدادها وفاعلية عملياتها الأرهابية ، ومعاداة الأنسان يخرج التنظيم المسلح عن دائرة الفعل الإنساني والسياسي ويقذف به الى مهاوى العمل الأجرامي المجرد .
وقد أختارت التنظيمات الإرهابية أن تتخذ الموقف المعادي لشعب العراق وهو موقف ليس ساذج فقط أنما يدلل على الغباء والسذاجة لأن نهاية التنظيم الأرهابي في العراق لن يكون الا على يد العراقيين الذين سيدافعون عن حياتهم وكرامتهم وبقائهم ومستقبلهم وكلما هو جميل في حياتهم وستنتهي هذه الفقاعات الأرهابية الى غير رجعة .
التنظيم الذي قام بأعمال أرهابية في بغداد أبتداء بقصف السفارة الأردنية والسفارة التركية ومن ثم الأمم المتحدة وتفجير أنابيب المياة وعمليات تسميم مياه الشرب وتفجير خط أنابيب النفط لعدة مرات وقصف سجن أبو غريب وتفخيخ السيارات في تجمعات الناس والأسواق وقتل الفقراء في أبواب المخابز وفي أماكن تجمعات العمل وفي حافلات نقل الركاب ، لايمكن أن تصدرهذه الأفعال من مواطن عراقي مهما كان تنظيمه أو أعتقاده أو تطرفه ، هذه الأفعال لها جذور وأمتدادات نفسية وتنظيمية يقدم عليها شباب مخدوعيــن ومتوهمين أنهم يقومون بعمل مقدس ، والحقيقة أنهم ينحطون الى أخر درجات الأنحطاط ، ويمكنون غيرهم من الضحك على ذقونهم وأتخاذهم مطايا لأغراضهم الشخصية وغاياتهم المريضة .
هذه النماذج موجودة في عدة أماكن من العالم ، وسجلت ظاهرة تدلل على أنتشار ظاهرة الغباء عند العرب حين يقدم أنسان على تفجير نفسه لقتل الآخرين ، فالأنتحار تصرف مرفوض شرعا وقانوناً ، والأنتحار وسيلة خائبة للناس اليائسين ، والموت دون حق جريمة يعاقب عليها الدين ونهى عنها الله سبحانه وتعالى .
فأذا كان هؤلاء المغيبين والمنومين مغناطيسياً يتوهمون أنهم يقدمون خدمه لدينهم ، فأنهم يخرجون عن الدين ، وحين يتوهمون أنهم يقدمون خدمة لبلدهم ، لكنهم يخربون الوطن ويؤخرون أستقلاله الناجز ، وحين يتوهمون أنهم يخدمون الشعب فهم يقتلون الأبرياء دون وجه حق .
فعلى أي قاعدة يرسو هذا الأرهاب المنظم الذي دخل العراق وهو نفسه الذي قام بتلغيم كتاب الله ليتخذه وسيلة للقتل في السعودية ؟ وهو الذي يبـــيح الذبح بالسكين شرعاً من أجل الموت !! ولم يزل يفعل فعله دون رادع متناسب معه ، ودون أجراء يوقفه عند حده ، ولم يزل هذا الأرهاب يستلم المال والحلال ويدخل العراق بكل حرية مثلما يخرج منه ، فلاحدود ولارادع ولاسائل ولامسؤول .
وفي تحليل سايكولوجي لهذه الأنفس الممتلئة بالعقد والراغبة بالموت لأنقطاعها عن الحياة ، وبالنظر للسيطرة النفسية عليها من قبل مجموعة تستغل السذج وعديمي الأدراك والسفهاء من المعقدين وقليلي الذكاء والفهم ، ليبثوا في عقولهم حب الموت وكراهية الحياة ، وحب الظلام وكراهية النور ومغادرة الدنيا القبيحة من أجل دنــيا تتوفر فيها النساء والجنس والشراب الحلال ، ولذا يلف السذج قطع القماش على أعضائهم التناسلية عند القيام بعمليات أنتحارية ليحتفظوا بسلامتها عند ممارسة الجنس مع الحور العين ، في حين أن الحقيقة أنهم يرحلون الى جهنم دون أعضاء تناسلية ودون أن تلتفت عليهم الحور العين .
وضمن حملات التصدي للعمل الأرهابي في العراق و خلال الفترة المنصرمة اطلق بعض المسؤولين تصريحات لم يكن لها محلا من الأعراب ، وليس لها أي مبرر ، وتهافت المسؤولين على الظهور من على شاشات التلفاز وخصوصاً القنوات المتهمة بعدائها للشعب العراقي ومستقبله الديمقراطي ، والتعاطي مع مثل هذه الفضائيات لايعني سوى الأنسياق في مخططاتها الهادفة الى الأيغال بالأساءة الى الشعب العراقي مهما كانت التبريرات .
وليس فقط التناقض الواضح بين مسؤول وآخر في التصريح ، وليس فقط التفنيد والتنصل من مسؤولية التصريح الذي يطلقه بعض ، حتى اصبح المواطن العراقي حائراً أمام كثرة التصريحات وتناقضها والتنصل منها .
وفي ظاهرة لافتة للأنتباه وخصوصاً مايتعلق بالقضية الأمنية ، فأن المسؤولين وبالنظر لعدم وجود خبرة أمنية في عملهم وتخصص ومعرفة في حفظ أسرار العمل العسكري والأستخباري والأمني ، كانوا يتبارون لمنح أعداء العراق الفرصة لأعادة مخططاتهم وأتخاذ الحيطة والحذر مما سيقع لهم ، ويتباهى الأخوة بكشفهم حتى ابسط المخططات والتدابير التي يتم اتخاذها ضد شبكات الأرهاب والأجرام . وفي تصريح سابق لمسؤول عراقي اعلن في مؤتمر صحفي ان الدول الغربية لن تسقط ديون العراق اذا اقدمنا على اعدام ارهابي او مجرم تمت ادانته ، فهل يعني هذا قبول الحكومة المؤقتة ان يصير العراقيين مشاريع للموت اليومي حتى ننتظر ان تسقط ديون صدام غير القانونية التي برقعها على العراق دون وجه حق ودون اية مشروعية والتي كانت اغلبها لحساب عائلته المنبوذة ، وفي تصريح نسب للسيد الربيعي مستشار الأمن القومي أشار الى أعتقال مساعد للزرقاوي ومعه بعض الأرهابيين المتمرسين في العمليات الأجرامية وذكر أن مخلف عرسان الدليمي احد المعتقلين الثلاثة وابرز مساعدي الزرقاوي، كان مسؤولاً عن توفير الملاذات الآمنة لعناصر التنظيم وتيسير تنقلاتهم.
وأضاف ان المعتقلين الثلاثة ليسوا مدرجين على قائمة المطلوبين الـ 29 من جانب الحكومة الانتقالية والقيادة العسكرية الأمنية. وأوضح ان الأمن العراقي نجـح في ( غرس ) عناصر من الشرطة داخل شبكة الزرقاوي ، وتجنيد عناصر ( مدنية سنية ) موالية له ومرتبطة بعملياته في ( المثلث السني ) . فهل يوجد مبرر – اذا صح التصريح – للأعلان عن غرس عناصر داخل الشبكات الأرهابية ؟ وهل يوجد مبرر للتصريح بتجنيد عناصر وطنية عراقية ضمن المنطقة الغربية ؟ وهل أن مهمة المستشار الأمني تقتضي كشف بعض الحقائق التي يستفاد منها تنظيم الأرهاب ؟
لقد بتنا نسمع العديـــد من الوعود والتصريحات التي لم نجد لها أثراً من الواقع ، ولم نتلمس فعلاً القضاء على الأرهاب مع مايرافق العملية من الغاز وأسرار ترافق عملية أستعادة القوات المسلحة لتشكيلاتها وأعادة قوات الحرس الوطني لقوته وتفاعل عمل الجهزة الأمنية والمخابراتية ، بالأضافة الى البطء المتعمد في أستعادة قوة هذه التشكيلات مع هجمة شرسة وقذرة تقوم بها التنظيمات الأرهابية والأجرامية ، بالأضافة الى ضرورة الكشف عن السبب الذي جعل القوى الاجرامية والأرهابية تتمكن من نقل جميع العتاد والأسلحة المتوفرة في مذاخر ومخازن الجيش العراقي بسهولة ويسر أمام انظار القوات المحتلة ؟ وأن يماط اللثام عن أسرار ابقاء الحدود مفتوحـــة ومشرعة وسائبة لكل الأرهابيين العرب لللتجمع في العراق ؟ مع ان بأمكان القوات المحتلة ان لاتجعل النملة تتسلل من الحدود وفقاً لأمكانياتها الفنية والتقنية المتطورة ، بالأضافة الى المماطلة وأستبعاد العناصر الوطنية الكفوءة والقادرة على التصدي للأرهاب والمجرمين في المدن التي حدثت بها السيطرة الأرهابية واحتلتها بسهولة لتتحكم في مصير اهلها وتسبب خراب بيوتها وتتمكن من التسلل الى مدن أخرى .
ومع اننا لم نتعرف لحد اللحظة على هذه الشبكات ، ولم تعلن الحكومة المؤقتة التدابير القانونية والأجراءات المتخذة بحق القتلة ومجموعات الأرهاب التي تم القبض عليها ، والتي تم أجراء التحقيق معها وتمت احالتها على المحكمة الجنائية المختصة وبقية محاكم الجنايات في العراق ، وصدرت الأحكام القضائية بحقهم ، وارسلت اوراق قضاياهم الى محكمة التمييز التي قامت بتدقيق الأدلة التي أستندت عليها المحاكم في الأحكام وصدقت العديد من هذه الأحكام والتي كانت تقضي بأعدام الأرهابيين والقتلة ، كما تم حصول موافقة السيد رئيس الجمهورية المؤقت على تنفيذ أحكام الأعدام .
ولم يتم التنفيذ لحد الان بالرغم من مضي مة طويلة على صدور الأمر بتنفيذ حكم الأعدام ، وينتشر خبر أن القوات الأمريكية المحتلة ترفض تسليم المجرمين لتنفيذ احكام الأعدام بهم .
أن على الجهات العراقية المختصة أن تعلن هذا الأمر وأن تصارح العراقيين بما يدور خلف الكواليس ، حيث أن عدم تسليم المجرمين الى الجانب العراقي يعتبر تدخلاً فجاً في عمل القضاء والأحكام الصادرة عنه ، كما انه يمنح الفرصة والسبب الذي يدعو الأرهابيين والمجرمين من التمادي والأستخفاف بالأحكام القضائية التي لن تنفذ .
أن على السلطة الجديدة أن تميط اللثام عن الأسرار والغموض الذي يلف الملف الأمني في العراق منذ أكثر من سنتين ، كما أن دماء الأبرياء والضحايا والشرطة الوطنية من ابناء العراق ليس ماءاً ليمكن التغاضي والسكوت عنه حتى يمكن أن يتم التحاور والتشاور مع مجموعات القتلة ومن يمثلهم في العراق .
وحتى لاتضيع حقوق وأرواح الناس الذين ينتظرون من أحزابنا العراقية أن تعيد لهم الأمل وتدحر قوى الشر والأرهاب ، وتقف لهم الموقف الذي يليق بمستقبل العراق الديمقراطي والفيدرالي ، حيث أثبت العراقيون تحديهم للموت والأرهاب ، حين منحوا هذه الأحزاب الأصوات في الأنتخابات التي رفعت أسم العراق عالياً .
وعلى الحكومة المؤقتة ان لاتدع الناس تتسائل وفي حيرة من أمرها ، فالعراق عراقنا ومن يموت تحت عمليات الأجرام والأرهاب اهلنا واخوتنا واطفالنا ، والمتضرر هو شعب العراق لاغير ، وأن القضاء العراقي وبما يحمله من سمعة عراقية وطنية وتاريخ يجعلنا نثق بقراراته ومتابعته لقضايا المتهمين ، ولايمكن أن نجعل لأية جهة مهما كانت تبريراً لعرقلة ومنع تحقيق العدالة ، فقد ناضل العراقي طويلاً وضحى ضد اعتى نظام دكتاتوري وشمولي من اجل ان يحقق العدالة التي غيبها صدام البائد ، مما يستوجب أن نتحمل جهاداً اكبر في سبيل تحقيق العدالة في العراق في الوقت الحاضر .
كشف الحقيقة في تشخيص من يقف وراء عرقلة التطبيق العادل لقرارات القضاء ، وكشف الحقيقة عمن يريد ان يبقي الحال كما هو عليه لأطول فترة ممكنة ، وكشف الحقيقة عن القضايا التي صدرت بها الأحكام القضائية الباتة والنهائية وعرض المدانين على شاشات التلفاز لمعرفة هوياتهم وجنسياتهم وجرائمهم والجهات التي دفعتهم والطريقة التي تمكنوا بها من غدر العراقيين وأغتصاب نسائهم وقتلهم ، وأسماء من يقف خلف عملياتهم من المحرضين والمشاركين والمطبلين لهم حتى يمكن ان يقتص منهم القضاء والقانون والشعب .

أن الشعب العراقي يتعرض الى هجمة أرهابية شعواء توظف فيها قوى الأرهاب الدولي والتطرف السلفي المارق وعصابات الأجرام التي أنطلقت من سجونها بأمر الطاغية ، تساندها قوى الأمن والمخابرات والأمن الخاص وفلول صدام ، تمارس الجرائم الخسيسة وبالغة النذالة ، وتشيع القتل والدمار والتخريب تحت غطاء مقاتلة قوات الأحتلال الأجنبي للعراق .
وبعد ان تعمدت القوات المحتلة أن تفتح مخازن السلاح وثكنات الجيش العراقي الخالية من حراسها ، وبعد ان اغمضت قوات الأحتلال عيونها حين قام النفر الضال بنقل كل موجود مخازن العتاد والمتفجرات والأدوات الخاصة بالتفجير والموت الى اوكارها ، بالأضافة الى جعل اماكن خزن السلاح مباحة لكل من يريد ان ينقل من السلاح الخفيف مايرغب ويريد ، وفوق كل هذا جعلت الحدود العراقية مفتوحة وسائبة ليدخلها البغاة وقطاع الطرق والمنبوذين والبلداء من بلدانهم بالأضافة الى قوافل من البهائم المفخخة التي تتوفر في أزقتنا العربية وفي بلداننا المنسية .
وبسيطرة الأرهاب والعصابات على الشارع العراقي كان المواطن العراقي المتضرر الوحيد من جرائم هذه المجموعات ، سواء بتعرضه للموت على الظن او الشك او الريبة او المزاج ، او بمنعه من العمل وتأمين قوت عائلته اذا كان من عمال القطاع الخاص .
وبقي المواطن العراقي ينتظر أن تتمكن السلطة المؤقتة من مواجهة هذا الزخم من الأجرام ، وتتمكن من توفير مستلزمات المواجهة .
وقدم اهل العراق الضحايا وقوافل من الشهداء جلهم من الفقراء والمحرومين والمتضررين من نظام صدام ، ولم يتعرض عناصر الأمن الخاص والمخابرات والأمن الى أية أضرار او ملاحقة ، وبقيت هذه النماذج التي ابتلي بها العراق سائبة وتحت حماية المجرمين والأرهاب تحت زعم وواجهة العداء للأحتلال .
وبقي اهل العراق يتطلعون الى تمكن السلطـــة المؤقتة على مجاميع الارهاب والأجرام ، ويقينا ان الحكومة تعرف منابع الأرهاب وتعرف الأشخاص الذين يريدون النيل من شعب العراق وأيقاف تقدمه وأعاقة مستقبله ، كما تعرف السلطة أسماء العناصر التي تتاجر بهذه العصابات وتتخذ من بلدان عربية مقرات وساحات لها ، وتساندها فضائيات وصحف كانت تعتاش على عطاء القائد الاوحد البائد ، كما اصبحت هذه العقول المريضة معروفة ومكشوفة للجميع .
ويوما بعد يوم يثبت الأرهاب انه الأقدر والأكثر ايقاعــــاً في الوجع والألم والدم العراقي ، ويوما بعد يوم يقوم الأرهاب ومجموعات الأجرام بعمليات تتحدى فيها ليس فقط الشرطة وقوات الحرس الوطني ، وانما تحديا سافراً لكل الشعب العراقي .
وأمام المطالبة الشعبية ، والحاح الناس بأن يتم عرض المتهمين من الذين يقرون بأعترافات صريحة ومصدقة من قبل قضـــاة التحقيق بالجرائم التي تم ارتكابها من قبلهم ، وازاء المطالبة والألحاح بكشف حقيقة الأكاذيب والأفتراءات التي يروجها بعض من عدم وجود عرب يقتلون ويفتكون باهل العراق ، وعدم وجود عناصر مخابرات بلدان عربية تستهدف شعب العراق ، وجدوا انه من الضروري ان يتم عرض المتهمين على خستهم في التلفزيون وأمام المشاهدين ليدلوا بأعترافاتهم التي سبق ان أدلوا بها أمام القضاء .
وقد أطلعنا قبل فترة على الأحكام الخجولة التي أصدرتها المحكمة الجنائية المختصة بحق عدد من المتهمين ممن اعترف بأرتكابه أعمال حيازة المتفجرات والشروع بأرتكاب جرائم التفجير والأتفاق الجنائي على عمليات القتل والخطف والسلب ، غير أن الأحكام التي صدرت تؤشر بما لايقبل الشك عدم جدية الجانب القضائي في أن يجد أحكاماً تتناسب مع جسامة الفعل والنتائج الأجرامية التي نتجت ازاء ه .
وأذا كانت الأحكام الأخيرة التي أصدرتها المحكمة تخالف جميع النصوص القانونية العراقية ، فانها تؤكد أن الأحكام التي ستصدر حتى بحق المتهمين بقضايا الأبادة الجماعية والقتل والتعذيب والأغتيال ستكون بما يتناسب مع عقوبة الجنحة وضمان حقوق الأنسان لكل متهم حتى لاتصفنا الدول المانحة للقروض بأننا أمة تعالج قتلة أولادنا وأبنائنا بالأعدام فنكون من الخاسرين .
ولكن الذي نعرفه أن الشريك يعد فاعلا للجريمة اذا ساهم مع غيره في ارتكابها ، ومن دفع غيره لارتكاب الجريمة بالتحريض يعد شريكا ، كما أن الأتفاق الجنائي على ارتكاب الجنايات يعاقب عليه القانون بعقوبة الجناية ، بالأضافة الى أن قانون العقوبات العراقي أفرد باباً خاصاً ضمن الكتاب الثالث من قانون العقوبات للجرائم الماسة بحياة الأنسان وسلامة بدنه ، ومنها القتل العمد ، والجرائم التي ارتكبت من قبل القتلة والسفلة وعناصر النظام الساقط بحق ابناء العراق لاتخرج عن نطاق الجريمة الجنائية العمدية مما يوجب على المحكمة أيا كان أسمها أن تقوم بتطبيق النص العقابي العراقي على المتهمين بعد أدانتهم ، وعدم الأكتراث لقوانين أو توصيات الأحتلال .
أن احكاما خفيفة لاتتناسب مع التكييف القانوني للفعل ، ولاترقى لمستوى جسامة الفعل المخالف للقانون ، وأحكاما خفيفة تسر المجرمين وتلغي حالة الردع التي يمكن ان تكون حين يلمس المتهم ما صار بغيره ليكون عبرة له لردعه وأمتناعه عن الشروع والأقدام على ممارسة الجريمة .
وعلى ضوء تلك الاحكام صارت العدالة تحــت قبضة الأرهاب وليس العكس ، ومن الطريف ان يقم صدام باصدار قرارات الاعدام في ابسط الجرائم ، بينما يتم التساهل مع المتهمين بعد سقوطه ، وفي العام 1994 اصدر صدام قرارا برقم 86 لسنة 94 جوز فيه الحكم باعدام من كان لم يتم الثامنة عشر ة من العمر قبل ان يتم العشرين من عمره حين تجد المحكمة ان ظروف الجريمة لاتستدعي الرافة .
ونحن نسأل عن أسباب الرأفة التي وضعتها المحكمة أمامها حين قرأت نية المتهم التي جسدها بالسفر عبر عدة دول وعبور الحدود بشكل غير مشروع بهدف قتل اكبر عدد ممكن من العراقيين وتنفيذ هذه الرغبة عمليا في افعال جرمية ومخالفة للقانون .
أن دماء العراقيين غالية وحياة اولادهم غالية ولم تزل البيوت تنوح لفقدانها أولادها التي ذبحت أو قتلت تفجيرا وقتلاً وأغتيالاً بالرصاص من قبل هذه النماذج ، وسيستمر مسلسل الدم والقتل والأرهاب مادامت العقوبة غير رادعة ولاتتناسب مع الجرائم المرتكبة ، وهذا سيدفع كل العقول الجاهــزة لارتكاب الجرائم لممارسة الجريمة ، فقد اشيع أن لاأعدام في العراق بأمر من قوات الأحتلال ، واشيع أن قوات الأحتلال لن تسمح بتنفيذ حكم اعدام أي مواطن مهما أرتكب من فعل جسيم ، وهكذا أنسجمت الجهات مع رغبة قوات الأحتلال ، مثلما اتفقت على أن دماء العراقيين رخيصة وقوانينهم متوقفة وثاراتهم مؤجلة وحقوقهم لا أثر لها .
أن حقوق الأنسان في حماية الأنسان من الأبادة والقتل وليس حماية القاتل وتأمين وسائل الراحة والتسلية له ، وأن حقوق الأنسان في ردع المجرم ووضع حد لأستمرار نزيف الدم العراقي ، وفي قول للرسول محمد ( ص ) : (( من قتل نفساً بغير حق كأنما قتل الناس جميعا )) ، و(( يقتل القاتل بمثل ماقتل )) . وعليه فأن الأرهاب الذي يعيث في أرض العراق ويمارس جرائمة بكل يسروسهولة يدعونا للنظر بمزيد من التأمل على العدالة التي وقعت في قبضته قبل ان يصير الأرهاب في قبضة العدالة .

حرب الإرهاب ضد الإنسانية

الحرب التي تشنها التنظيمات الأرهابية المتطرفة التي تتخذ من الدين الأسلام وتعاليمه السمحاء برقعاً وستاراً لتمرير أفعالها ، لاتؤثر في جدران السلطات ولاالأنظمة الغربية التي تزعم انها تحاربها ، وهذه الحرب موجهة ضد المدنيين والأبرياء الآمنين دون غيرهم ، وبالتالي هي حرب موجهة من هذه التنظيمات المتطرفة التي توفرت لها كل مستلزمات القــوة والأسناد الى الدفع والتغذية المعنويين ، هذه الحرب موجهة ضد الأنسانية بشتى صورها ، وأن الجرائم المرتكبة رغم بشاعتها وكارثيتها بحق الأنسانية لم تغير المسارات السياسية للدول ولم تستطع أن تجعلها تعيد النظر في أقتصادها أو في مسارات أنظمتها ، كما لم تستطع أن تقنع أحداً بأنها موجهة ضد السلطات والحكام دون الجماهير المدنية .
غير أن مايلفت النظر أن وراء تلك الشبكات الأرهابية حكام دول وتنظيمات سياسية ومؤسسات أعلامية وشخصيات لاتشعر بأدنى خجل حين تشير بشكل غير مباشر مساندتها الى هذه التنظيمات الأرهابية بحجة الأنتصار الى الأسلام تارة والعروبة في احيان أخرى ، مع انها تمارس الشيزوفرينيا السياسية في الموقف المتناقض ، حين تزعم التزامها بحقوق الأنسان ومحاربتها للأرهاب من جهة ، وتغذيتها لهذه التيارات الأجرامية التي أخذت تنتشر في المنطقة العربية وتتفرع منها منتشرة مثل الوباء من جهة أخرى ، وفي موالاتها وحرصها على مد الجسور مع الدول الأوربية والأحتماء بعلاقتها وصداقتها تارة ، وفي تحريضها ودفعها هذه التنظيمات لأيقاع الأذى والخراب في بلدان أوربا نفسها .
هذه التنظيمات تجد لها من يساندها من الصحافيين والفضائيات العربية التي تتكأ على مساند أجنبيـــة ، وتستقوي بالديمقراطية الأوربية ، وتحتمي بالقوانين الأوربية ، وتدعو الى تمجيد قتل الأبرياء ، وتشيد بالقتلة وبالمجرمين تحت زعم تمجيدها للأسلام والمسلمين ، وهذا السلوك المنحرف يعبر عن مدى الأنحطاط في الممارسة السياسية ، بالأضافة الى كونها تعبر عن أزمة نفسية وأخلاقية في أعتمادها اساليب غاية في الجبن والخسة حين تلجأ الى الخديعة والمخاتلة وأستغلال أنسانية الاخر في المواجهة ، حيث تستغل الفسحة التي توفرها هذه الدول لبعض العرب والمسلمين ممن ضاقت بهم سبل العيش في بلدانهم ولم يجدوا منفذا سوى هذه البلدان التي تحترم حقوق الأنسان وتمنحه جنسياتها وتسهل له عمليات التنقل بين بلدانها ، فيتم استغلال هذه الفسحة أبشع استغلال للضغط على هذه البلدان لأعادة النظر في تواجد العرب والمسلمين في بلدانها أو الضغط عليهم والتشديد في العمل والدخول والتواجد ، كما انها لم تزل تتخذ من عدة شعارات براقة ليس لها أي درجة من حقيقة في الواقع حين تتخذ من غطاء مطالبتها برحيل الأحتلال ما يدفعها لتقديم الضحايا من الأبرياء سواء من المدنيين من اهل تلك البلدان ومن شتى الأديان ، او من البهائم العربية المخدوعة التي يتم ارسالها الى الموت كأي بهيمة تموت وتقتل غيرها ، مع أنها تعرف علم اليقين انها تستطيع ان تصطف مع القوى التي تطالب برحيل القوات الأجنبية وفق القوانين الدولية ومايمليه المجتمع الدولي في هذا الخصوص ، غير انها لاتقدم البديل ولاتعرف البرنامج الذي يمكن ان يحل كدليل على انها تتخذ من هذا الشعار وسيلة لكسب المتعاطفين مع مبدأ رحيل الأحتلال وهو مبدأ عام تطالب به جميع القوى الوطنية وفق مصلحة العراق ، ولكن هذه التنظيمات تبالغ بالمزايدة في أظهار شعاراتها وفق هذا الأساس لتغطية حقيقة ماتريد للعراق وتحلم به في وقوعة تحت رحمة نظام متخلف وبدائي مثل النموذج الأفغاني في عهد الطالبان ، وهو مايرفضه العقل والمنطق والمستقبل والواقع العراقي .
صحيفة عربية صفراء منبوذة من العرب قبل الأجانب تشيد بالقتلة وتمجد بالأرهاب وتتباكى على المجرمين الذين تدعو لهم بالثواب والمزيد من القتل والخراب والموت والتفجيرات وتسمي المعتوه الأرهابي بن لادن بالشيخ الجليل ، صحف عربية تصدر بلغة عربية وبتمويل من دول كافرة وأجنبية وتطبع في مكائن طباعة أجنبية وصنعت بأيد كافرة ولها مقرات في هذه الدول التي تدعو لقتل ابنائها ، هذه الصحف تمجد الدكتاتوريات وتجمع كل الأقلام التي تعودت على منح الطغاة القاب رفيعة ، وتجمع كل حثالات الناس بقصد تنظيف وجه الطاغية وتمجيد الزمن الدكتاتوري ، فأي خلق وقيم تجسدها هذه الصحف وعقلية القائمين عليها ، وتقوم فضائيات عربية تستمد ديمومتها من الغرب وتحتمي بأعلام غربية تحتل جزء من أراضيها وتستظل بفيها وتؤدي لها التحية كل يوم ، وتزعم انها تدعو لحرية الفكر والديمقراطية وتجعل من مساحتها التي وفرتها الدول الغربية بساطاً للتنظيمات الأرهابية ووجها قبيحاً لتجميل صورتها في المنطقة المتخلفة من عالمنا العربي ، لتساهم في أعماء العقل العربي وتحرض على تمجيد المنحرفين من عقليات أرهابية ، وتمجد المجرمين الذين يمارسون القتل والتخريب وقتل الأبرياء وتبيح لنفسها نشر غسيلهم وبياناتهم وأفلامهم التي تخصصت بالقتل ذبحاً أو بالرصاص لتعبر بذلك عن لغة يتم اعتمادها أبداً في هذه البلدان التي أنتشرت فيها دعوات الموت بأرخص الأثمان كمكسب تحققه هذه التنظيمات التي تنشر السلاح والمتفجرات بين الناس مثلما تنتشر الأشجار والأنهار في أوربا .
وأكيد أن ممارسة الأفعال الأرهابية المتمثلة في تفجير عربات السكك الحديدية وعربات المترو الأنفاق أو تفجير البنايات ، سيولد عدداً من القتلى لايحصى وسيولد الحزن والمرارة في العديد من العوائل التي ستفقد اولادها وأحبتها ، وبالتأكيد أن من بين هؤلاء العديد من الضحايا ممن كان يساند قضايا أنسانية ، هذه العمليات الأجرامية ستولد الكراهية والمقت لدى الناس ، وستنتشر كراهية الناس لهذه التنظيمات وتنسحب على الدين الأسلام مادامت هذه التنظيمات الأرهابية تتخذ منه شعاراً وستاراً وغطاء لتمويه جرائمها .
وأذ تلجأ هذه التنظيمات الى أساليب يأبى الأنسان السوي ان يلجأ اليها ، كما يخجل الأنسان أن ينحرف اليها في أعتماد الغدر واستغلال الحماية وماتوفره القوانين في البلاد الأوربية لتطبع في ذاكرة الناس أن بلداننا تلجأ الى الأساليب الخسيسة في المنازلة ، وأن الأرهابي مجرد شخص مخادع وجبان بالرغم من عدم تحديــد قوميته أو دينه أو أنتسابة لمجتمع مثل باقي البشر ، وهذا اللجوء المخادع وأستغلال الآخر لأيقاع اكبر الأذى به غيلة وغدراً صار منهجاً من مناهج العمل بين هذه التنظيمات ، كما صارت مسلمة تؤكدها وتكررها اكثر من مرة في عملياتها وجرائمها التي تتفاخر بها .
وأكيد أن النتائج المروعة لتلك الأفعال ستولد رد فعل وكراهية شديدة ضد المجتمعات التي جاء منها الأرهابيين والقتلة ، وسيولد رد الفعل الذي سيتضرر منه بالتأكيد أبرياء آخرين وعوائل عربية أو مسلمة تتخذ لها من الدول الأوربية ملاذاً ووطناً ، بعد ان عز عليها الوطن وتقطعت بها السبل ، وستلقى هذه العوائل من التطرف ورد الفعل ما يحيل حياتها الهانئة والوادعة الى جحيم لايطاق وحياة قلقة وترقب مستمر ، وهي على العموم من المجتمعات العربية التي ابتلاها الله ليس بالتخلف والجهل والفقر ، وانما بأنظمة شمولية وحكام مستبدون وكبت للرأي والرأي الاخر بالأضافة الى تنظيمات متطرفة تعبر عن نمط من الرغبات الحيوانية لدى بعض من تعرف على قشور الأسلام ليوظفها لترجمة رغباته هذه الى أفعال من خلال أستغلال السذاجة والغباء وتردي الثقافة والفهم وقصور الأدارك لدى بعض الشباب الذين يتم أستغلالهم أبشع استغلال .
ويشهد العالم المتمدن اليوم هجمة بربرية من عقول متخلفة توفرت لها ظروف الأنضاج لتقيء افكارها بقوة السلاح واليد ونصل الخناجر على مجتمعات لاتتجانس معها ، تفهم الحياة في فناء الاخر وفي ذبح الكلمة ومحاربة الديمقراطية ، تفهم الحياة غالب ومغلوب وذابح ومذبوح ، وتفهم الدين لحى وثياب ومسابح ، وتفهم الطقوس غدر وخسة ومخاتلة وأغتيال وأستغلال .
وهاهم يرفعون شعاراتهم التي تصرخ بأصوات مبحوحة ان البرابرة قادمون ، لايفرقون بين الرضيع والمقاتل ولابين الكادح والمتصدي .
وكدليل على السادية والأنحراف الذي تجذر في عقــــول قيادات هذه التنظيمات تلذذها بألم الناس ، وفرحها بما يحصل من موت للأبرياء ، وأحسب أن من تجتاحهم تلك الفرحة وهم يحتمون في دول الغرب من غضب الناس ، انما يمارسون قمة الأنحراف العقلي والنفسي والسياسي ، وبالتالي فهم أكثر خطراً على أنفسهم من غيرهم ، وتلك العقول بحاجة الى تقييد ومعالجة ، ودون تلك الأجراءات ستبقى سائبة تعاود التحريض وممارسة القتل بيسر وبتلذذ وسهولة .
أن ديمومة الأسباب التي تتوفر للتنظيمات الأرهابية سبباً من أسباب تكرار الكوارث الأنسانية والهجمات الأرهابية التي تشنها التنظيمات الأرهابية ، بالأضافة الى وجود عوامل المساندة من العقول المريضة والمنحرفة التي تمجد القتلة وتدعو لمزيد من القتل وتمارس الأعماء في الذهن العربي لتزيدة تخلفاً وأفقاراً وأنحطاطاً حين يتم توظيف الجسد البشري وتويله الى كتلة من الموت الذي يقتل الآخرين دون تمييز ، الأنسان الذي كرمه الله تعالى بالحياة وحباه وجعله متميزاً بقوله (( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقنهم من الطيبت وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )) .

الأغتيال السياسي 

تكاد ظاهرة الأغتيال السياسي والتصفية الجسدية أن تتميز بها المنطقة العربية عن غيرها من المناطق ، و ليس أيضاً ما تشتهر به من قدرتها على تفريخ الحكومات الدكتاتورية والتي لاتتقبل التعارض أو الأختلاف ، وانما قدرتها على تنويع الطرق التي يتم بها الاغتيال لأسكات صوت الخصم السياسي ، ووجود وسائل متوفرة لهذة الأغتيالات والتصفيات .
وشهدت المنطقة العربية حالات عديدة مورس فيها الأغتيال السياسي ليس فقط من السلطات الحاكمة ، ولامن الرموز السلطوية بشكل مباشر أو غير مباشر ، وانما مورس من قبل أحزاب وشخصيات عربية ضد الخصوم ، كما مورس الأغتيال السياسي من قبل اجهزة مخابرات غالباً ماتتميز به عمل أجهزة الأمن والمخابرات .
أن تصرف اجهزة المخابرات والجهات التي تقف وراء عمليات الأغتيال السياسي تهدف الى أسكات الصوت المعارض لما تشعره من تأثـــير في نقدها او اظهار سلبياتها والتأليب عليها ، والمنطق يقضي ان يكون التعارض والاختلاف بين الناس والأنظمة بالحوار الأنساني وصولا الى القناعة المشتركة وبطرق تنسجم مع كرامة الأنسان وحقوقه ، والمنطق يقضي ان يتم السماح للصوت المعارض ان يطرح أفكاره ومايعتقده من سلبيات ونقائص لدى المقابل ، وأن ينتقد ويطرح البدائل ، وأن المنطق يقول أن يتم الحوار من اجل التوصل الى هدف اقناع الشارع او تنظيمات الحزب او الافكار التي يراد طرحها للحوار .
أن سلوك طريق الأغتيال السياسي خروجاً عن نمط العلاقات الانسانية ، وكما يعد سلوكاً هجينا في الأختلاف الفكري ، وجريمة من الجرائم الجنائية العمدية التي لاترتقي لمستوى الجريمة السياسية .
والمتابع لأحصاءات البشر الذين طالهم الإغتيال السياسي رجالاً ونساءاً ، يخرج بنتيجة مروعة وغاية في القلق من استشراء مثل هذه الظاهرة في البلدان العربية الغافية تحت سلطات القهر والطغيان والدكتاتوريات وأجهزة الأمن والمخابرات والجمهوريات الوراثية ، حيث صارت هذه الظاهرة نتيجة متوقعة أو ثابتة في العمل السياسي العربي ، وتتعدى عمليات الإغتيال السياسي المرتكبة من قبل السلطات بحق السياسيين لتصل الى أصحاب الأقلام ومحرري المقالات وكتاب الصحف والعاملين في مجالات الصحافة واجهزة الاعلام والثقافة ، واعتقاداً من الجهة التي تقف وراء عملية الأغتيال وأسكات الصوت وأنهاء حياة الشخص بأنها ازاحت من طريقها خصماً كان يمكن ان يؤثر في مسيرتها ، او كانت له القدرة في أن يفضح ماتحاول ترقيعه او تتستر به .
الحقيقة أن لكل خصم وسيلة في الأختلاف والتعارض تتناسب مع ذهنيته وفهمه للحياة وللمعارضة ، وان لكل شخص فهم في اساليب الحياة قد يختلف عن غيره في تلك المفاهيم وسبل السلوك ، وتبقى مسألة النوازع الأجرامية الراكدة والمترسبة في قاع الشخص ، والتي تبرز أحياناً تلعب دورها في التأثير في سلوكه ، لتزين له حلاً منحرفاً لمشكلة أو ثأراً لموقف سياسي أو فكري بالتفكير بأنهاء الخصم كلياً لتنتهي بالاقدام بشكل مباشر او غير مباشر على ارتكاب فعل جريمة الاغتيال السياسي او التحريض عليها .
وعليه فأن الأغتيال السياسي يمثل عجزاً فاضحاً في السلوك البشري الذي تقوم عليه شخصية الجهة التي انتهت الى الالتزام بسلوك القتل كوسيلة من وسائـــل انهاء الخصم ، كما يمثل ترديا في العقلية السياسية من خلال الممارسة المتناقضة مع حقوق الانسان .
وثمة شيء مهم يكمن في أن القاتل في هذه العمليات يعود لممارسة العمل السياسي في الساحة بعد ارتكابه الفعل ، وبذا الاستسهال انما يعبر عن استخفافه بالمجتمع وبالقيم ، غير انه لن يتوانى من سلوك طريق الجريمة السهل لآزاحة الخصوم عند الأختلاف ، كما لن نستبعد ان يقوم بتكرار ممارسة هذا الفعل سواء بالواسطة أو مباشرة كونها تشكل له حلا متناسبا مع ذهنيته وانحرافه الأجرامي .
ويبدو ان هذه الأغتيالات السياسية التي مورســت في الوطن العربي سواء منها ماتم امام العيان ، او بشكل خفي غير مباشر ، صار يشكل أرثاً وأعرافاً تلتزم بها الجهات والسلطات والأجهزة والاحزاب والأفراد الذين يمارسون عمليات الأغتيال السياسي .
وعمليات الأغتيال السياسي التي ظهرت في تاريخ العرب بعد الأسلام ، تمثل بروز هذه الظاهرة في الذهنية العربية غير القادرة على استيعاب الفكر الديمقراطي أو الأفكار التي جاء بها الأسلام ، باعتبارها أفكاراً متعارضة مع الولاء للعشيرة وللمنطقة وللقومية ، وافكاراً تنصف العبيد والفقراء ، ولهذا بدأت بواكـــير الأغتيالات السياسية مع بدء الرسول محمد ( ص ) في نشر الدعوة الأسلامية ، ثم ماتلاها من الصراع بين المسلمين والكافرين ، ثم في أنتصار الأسلام والمحاولات التي جرت في أغتيال الخلفاء الراشدين كل من عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب ومن بعدهما في اغتيال الخليفة عثمان بن عفان ( رضي الله عنهما ) ، وكما في حادثةمقتل الحسن بن علي بالسم بامر من الخليفة الاموي معاوية ، ثم تطور الأمر لتتخذ الدولة الأموية التي فرضت نفسها بالقوة على الأمة هذا المنهج سلوكاً معروفا في انهاء المعارضين ، وأستمر الأمر مع الدولة العباسية وماتلاها من دول السلاجقة والبويهيين والصفويين والعثمانيين ، فقد قضى العديد من المعارضين غيلة بسبب معارضتهم السياسية للسلطات الحاكمة وتحت شتى الذرائع والحجج .

ولجأت السلطات الحاكمة الى أستعمال طريقة دس السم للقضاء على معارضيها ، وبقيت حالات القضاء على المعارضين بالسموم غير معتمدة وفاعلة حتى برزت في الفترة الأخيرة ، وفي القرن العشرين حيث تم اعتماد استخدام السم في الاغتيال السياسي أو في تصفية المعارضين كوسيلة من وسائل الأغتيال السياسي ، كما أشتهرت السلطة الصدامية بأستعمال أنواع السمـــوم في قتل المعارضين وتصفيتهم ، ولعل أبرز تلك الظواهر العدد الكبير من العراقيين الذين تم اعتقالهم في زنازين وأقبية الأمن العام والمخابرات بسبب تخوف السلطة من معارضتهم أو مواقفهم السياسية ، ومن ثم اطلاق سراحهم بعد ان يتم دس السموم لهم في الشراب والطعام ، تجسيداً لمقولة الخليفة الأموي معاوية بن ابي سفيان (( أن لله جنوداً من عسل )) .

كما شهد الحكم الوطني وماتلاه في العراق عمليات اغتيالات سياسية عديدة ، لعل من أشهرها عملية أغتيال الملك غازي ووزير المالية رستم حيدر وبكر صدقي ، ثم في محاولة أغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ، وعمليات الأغتيالات التي مورست في مدينة الموصل وكركوك وبعض المدن العراقية ، كاسلوب لتصفية الخصوم السياسيين .
ولجأت سلطة البعث الأولى في 8 شباط 1963 الى تعميق طرق ووسائل الأغتيال السياسي ولم تتوانى في المجاهرة في ارتكابها عمليات الاغتيال السياسي والتنصل عنه واستهجانه بعد اتمام الفعل والقضاء على الضحية ، كما أصبح فعل الأغتيال والتصفية السياسية سمة من السمات التي يتميز بها فكر حزب البعث في كلا الفترتين التي حكم بها العراق ، وحقق بذلك التدهور المريع في الأنتقاص من القيمة الأنسانية للمواطن وللتعارض السياسي .
وحتى لانتهم بالمغالاة ونخصص ألتصاق الأغتيالات السياسية بمنطقتنا العربية فقط دون غيرها ، فقد انتشرت الظاهرة عالمياً ، وظهرت لنا عمليات عديدة في الأغتيال السياسي ، غير ان ما يميز المنطقة العربية هو استمرارها بالألتزام في ممارسة فعل الأغتيال السياسي ، والتفنن ايضاً في شكل ونوع عملية الأغتيال السياسي ، أذ لن يتكرر بالضرورة فعل القتل بالسلاح الناري أو الجارح أو بوسائل تفجير السيارات واماكن السكن ، ولكن بأساليب وطرق قد تبدو خافية على المواطن العادي ، وقد تتمكن الجهات من طمر الحقيقة ولو بشكل مؤقت في عملية الأغتيال السياسي ، كما حدث مع حالات الموت السريع بعد اخلاء السبيل من معتقل قصر النهاية ذلك المكان الرهيب الذي كان يدار من قبل سيء الصيت الجزار ناظم كزار بأشراف مباشر من الدكتاتور صدام حسين الذي بقي يعمل رئيسا لمنظمة متخصصة في الأغتيال والتصفية السياسية تحت أسم منظمة (( حنين )) ، ثم تطورت في عملها والمساحة التي تتحرك بها لتتحول الى مكتب العلاقات العامة ، والتي تحولت ايضاً الى رئاسة جهاز المخابرات العراقي ، وهو جهاز فاعل عملياً ضد اهل العراق دون غيرهم ولم يزل حتى اللحظة عناصره تعمل خارج العراق وتبث افكارها اعلاميا من خلال صفحات في الأنترنيت أو الكتابة في الصحف العربية منها أو في عقدها المؤتمرات المدعومة مالياً أو في التعامل مع الفضائيات العربية المرسومة أمريكيا ، وهي تقصح عن نهجها وممسيرتها وشخوصها تتصدى للتغيير في العراق وتقف ضد الشعب العراقي وتدعو الى ذبح وقتل العراقيين ، بل ويهلل افرادها ويظهرون فرحتهم حين يكثر القتل في اهل العراق من قبل تنظيمات الأرهاب والتطرف الديني المنبوذ في العراق .

نعم ان جريمة الأغتيال السياسي من جرائم الأرهاب أذ لايبدو معقولا أو مقبولا أن نتقبل قتل الخصوم على أنه حالة من حالة الصراع أو التعارض السياسي ، كما أن النصوص العقابية التي وضعت في القوانين الجزائية لم تعتبر فعل الأغتيال السياسي من الأعمال ذات الصلة بالعمل السياسي وبالتالي لايمكن تطبيق الظروف القضائية المخففة بحق القاتل .
فأذا كانت عمليات الأغتيال السياسي بقصد أنهاء حياة الخصم مادياً ، فهل انها نجحت في أنهاء فكرة الخصم ؟ وهل انها أستطاعت تخويف وترويع المجتمع بممارسة مثل تلك الجرائم ؟ هل انها أستطاعت أن تسكت القلم وتمنع الأفكار من أن تندفع منطلقة في الفضاء ، الواقع يتحدث عن تواصل انساني في أحياء الفكر وبقاء الأنسان متمسكاً بعقيدته وأيمانه بأفكاره مهما كان الثمن ، يعني هذا ان الوسيلة لم تحقق هدفها ، فقد مرت قوافل من الذين تعرضوا الى الأغتيالات السياسية لم يستطع القاتل أن يجعل فكرهم غائباً أو صوت من يتبعهم يخفت ، ولذا فأن جميع عمليات الأغتيال السياسي تطال المنادين بالحرية والتغيير والعلمانية واللبرالية والفكر اليساري بشكل عام . كما تطال ايضاً قيادات سياسية يمينية او معتدلة بتحريض من سياسيين يقفون معهم في نفس الخندق تنافساً على مراكز سياسية أو حزبية ، او تصفية لحسابات شخصية .
والمتمعن في نتائج الأستفتاء الذي اجرته صحيفة (( أيلاف )) الالكترونية عن الجهات التي ساهمت في أغتيال الصحفي اللبناني سمير قصير ، وسواء كانت النسبة الأكبر سورية أم لبنانية أو أسرائيلية ، فهي في كل الاحتمالات تعني ممارسة فعل في أسكات صوت الخصم بطريقة عربية مميزة .

عمليات الخطف 

أقدمت المجموعات الأرهابية في الفترة الأخيرة على أرتكاب جرائم يندى لها الجبين الأنساني تتجسد في قتل بعض السفراء والعاملين في السفارات العربية تحديداً ، وأستعجلت القتل بعد أن قامت بخطفهم ، في حين انها تعاملت مع دول بعض المخطوفين من رعايا الدول الأوربية ، مما يخطر على البال كون التعامل يجنح الى الجانب المادي الذي تطمح اليه هذه التنظيمات الموبوءة ، والتي لم تجد من الدول العربية والأسلامية تجاوباً في تلبية مطالبها في الكسب غير المشروع عن طريق الخطف والقتل والتهديد .
كما أن التبريرات التي اطلقتها هذه المجموعات الأرهابية من خلال بياناتها التي تبثها قناة الجزيرة القطرية التي تسهل لهم أيصال صوتهم بكافة الوسائل الممكنة ، كانت مضحكة وساذجة وتدلل على هزالة العقول التي تقود تلك التنظيمات ، ففي الوقت الذي تزعم انها تدافع عن الدين والقيم والسلفية المتطرفة ، تقوم بالتعامل عبر وسطاء لهم ملامح رجال الدين شكلاً مع دول ومؤسسات أوربية بغية الحصول على مغانم مادية للطرفين الخاطف والوسيط ، في حين انها أعتبرت رعايا دول عربية مسلمة كفاراً ومارقين وطبقت عليهم حد القتل وبالسرعة التي لم يتمكن السماسرة الأتصال بدولهم وأهاليهم لدفع مايستوجب الدفع .
حقاً لقد كان موقفاً جديراًبالأهتمام والملاحظة ، فقد اماطت هذه التنظيمات اللثام عن مكنوناتها العقلية واساليبها في التعامل مع الأطراف الدولية ، فقد سبق ان اطلقت سراح أيطاليين وفرنسيين ومن دول أخرى غير عربية ، في حين انها طاردت الرعايا العرب والمسلمين ، مما يدفع بالأعتقاد أندفاع هذه التنظيمات الأرهابية العمل بأتجاه معين واحد في الساحة العراقية التي تعج بالغرائب والعجائب مما ولده النظام الساقط الذي كان يحتضن كل هذا الهجين من العقول التي تقودها عقول مستوردة لم تكن بأحسن من حالها وأحوالها .

ومن الناحية القانونية فقد عالج قانون العقوبات العراقي المرقم 111 لسنة 1969 جريمة أخذ الرهينة ضمن احكام الباب الثاني من الفصل الاول ، حيث عاقبت المادة 421 منه بالحبس على كل من قبض على شخص او حجزه او حرمه من حريته باية وسيلة كانت بجون امر من سلطة مختصة في غير الاحوال التي تصرح بها القوانين والانظمة بذلك ، ثم شدد النص على العقوبة اذا حصل الفعل بان تزيا الفاعل بزي حكومي او ابرز امرا كاذبا او مزورا واذا صحب الفعل تهديد بالقتل او تعذيب نفسي او بدني او وقع الفعل من شخصين او اكثر او من شخص يحمل سلاحاً ظاهراً ، وأذا زادت مدة الحجز او الحرمان من الحرية على خمسة عشر سنة وأذا كان الغرض من الفعل الكسب أو الأعتداء على عرض المجني عليه او الأنتقام منه او من غيره ، وأذا وقع الفعل على موظف أو مكلف بخدمة عامة اثناء تأديته لوظيفته .
وجائت نصوص المواد 422-427 من قانون العقوبات تعالج قضايا الخطف للقاصرين او بأستعمال طرق احتيالية .
وهذه الجرائم وأن بدت جديدة على المجتمع العراقي ، اذ كانت قليلة الحدوث في المجتمع العراقي في جميع فتراته ، فأن استفحالها في المجتمع العراقي بالشكل الذي نلمسه يوميا تشكل ظاهرة خطيرة وشائنة وسط مجتمع لم يزل يتمسك بقيم عديدة تتناقض مع الخطف وأخذ الرهائن مهما كانت الأسباب والدوافع .
أن هذه الجرائم انتشرت في أوساط البلدان المتخلفة أو المحكومة من قبل الانظمة غير الديمقراطية ، أو من التي تنتشر العصابات المنظمــة فيها تمارس جرائمها بشكل سافر وخطير ، لذا صارت تسبب قلقاً شديداً للمجتمع الدولي ، وارتفع مستوى خطورتها الأجرامية ليصل الى مصاف الاعمال الأرهابية ، لابل أصبحت من الممارسات الأرهابية التي تقدم عليها هذه التجمعات .
وظهرت في العراق جرائم خطف النساء والأطفال ، وهي من الجرائم الخسيسة التي يلجأ اليها المجرم في مساومة أهالي الضحايا في أطلاق سراح النساء والأطفال لقاء فدية مالية على الأغلب عالية ، وعند عدم تنفيذ توفير الفدية المالية يقدم الجناة على تعذيب الضحايا ومن ثم الأقدام على القتل والأغتصاب في أغلب الأحيان .
أقدمت مجموعات أجرامية على خطف عاملات في لجان حقوق الأنسان وفي منظمات الأغاثة الأنسانية ، ويؤدين دورهن الأنساني في تقديم المساعدة الأنسانية للعراقيات والعراقيين ، وكانت طلبات الخاطفين غير واقعية ولاتتعلق بحياة الضحايا ، وتبريرا لأقدام المجرمين على قتل الضحايا بأساليب تنم عن تدني في الخلق وأنعدام في المشاعر الأنسانية .
كما استمرأت مجموعات الأعمال الأرهابية هذه الأفعال وصارت لها أسلوباً متميزاً ، كما أقدمت تنظيمات أخرى على اعمال الخطف لقاء اموال درت عليها أرباحاً كبيرة من دول اوربية لقاء وسطاء باتوا معروفين بسمسرتهم في هذا المجال .
وهزت هذه الجرائم اوساط المجتمع العراقي حيث صار الأهالي يخشون على اطفالهم من الخطف والأعتداء الجنسي ، والأهل على بناتهم بعد تكرار عمليات الخطف وألأعتداء الجنسي ، كما صار بعض يخشى من عدم توفر الأمكانيات المادية للمقايضة من ان يفقد احد افراد عائلته ، بالأضافة الى خشية المتمكنين ماديا من أستغلالهم بخطف اولادهم وأبتزازهم .
أن نشاط هذه المجموعات الأجرامية بمختلف اشكالها ومظاهرها وبصرف النظر عن الستائر والأغطية التي تتبرقع بها والأسماء التي غالباً ماتشير الى آيات وأسماء دينية ، جميعها تقع في التوصيف القانوني تحت باب جرائم الأرهاب ، ومها كان اسم الجهة وايا كان التبرير فأن هدف الجريمة يرفع من خطورتها الأجرامية الى مستوى الجناية الفتاكة بالمجتمع ، وخصوصاً في فترة عصيبة يمر بها المجتمع العراقي ، مما يوجب أن ترتفع ليس فقط الجهود اللازمة والحازمة لأجتثاث هذه الجرائم من مجتمع مثل المجتمع العراقي ، وأنما ينبغي أن تتظافر الجهود اللازمة للقضاء على مثل هذه الأفعال والقبض على مرتكبيها بعد أن يقرر البرلمان العراقي أن تكون العقوبة المقررة لمثل هذه الأفعال الأعدام أسوزة بكل الجرائم الأرهابية ، وبغية حماية المجتمع وصيانة حقوق الأطفال وأنسجاماً مع الجهود الدولية لوضع حد لهذه الممارسات البعيدة عن الأنسانية ، والساعية الى خراب العراق .
عليه فأن الأمر يستوجب أن يتم تعديل النص القانوني في رفع سقف العقوبة الجزائية في المادة 421 فيما يتعلق بفقرة خاصة بأعمال الخطف في ظل الظروف الحالية التي يمر بها المجتمع العراقي الى الأعدام بأعتبارها من أعمال الأرهاب ، كما يكون تعديل عقوبة النص انسجاماً مع قرارات مجلس الامن ذات الصلة والتي تدين كافة اعمال الارهاب ، بما فيها اخذ الرهائن ولاسيما القرار الدولي 1440 / 2002 في 24 تشرين الأول 2002 و القرار 2003/40 في 23 نيسان /2003 .
لقد تم ممارسة جريمة اخذ الرهائن تحت شتى الحجج والذرائع ، ومع أن هذه الجرائم وسائل خسيسة للوصول الى نتائج أكثر خسة مهما كانت درجة نجاحها وتأثيرها ، مما دعى المجتمع الدولي الى أن يقف منها موقفا صارماً ومتكاتفاً من أجل مكافحتها .
وتعدى الأسلوب في أن يستطيع بعض المجرمين القبض بطرق دنيئة على بعض العاملين من الأجانب الذين حضروا الى العراق بحثا عن العمل وتقديم جهدهم الفني والأختصاصي في مجالات البناء والأعمار ، ليتم خطفهم وحجزهم وأعتبارهم رهائن ، وطلب شروط لاتتعلق بشخصية المخطوف من قبل الخاطفين وتتعلق بسياسة دولهم ، ومن المؤسف ان يتم كل ذلك تحت شعارات واهداف تحاول الأساءة الى الدين الأسلامي ، وجميعنا نعرف ان الدين الأسلامي يتعارض مع هذه الأفعال ، بل ويدين أعمال الخاطفين الأجرامية أيا كان أسمهم وشعارهم .
وتوسعت اعمال التنظيمات التي تتخذ من خطف الصحفيين والعاملين في وكالات الأنباء مساراً لها ، واستطاعت بوكلائها أن تتصل بسلطات المخطوفين وتساومهم في مبالغ الفدية ، حيث حصت على مبالغ مالية كبيرة ، مما يتعارض مع التضامن الدولي في أتخاذ كافة التدابير التي تساهم في الحد من هذه الأفعال وتسعى لعدم تنفيذ رغبات الخاطفين المريضة .
ومن هنا نستطيع ان نتلمس الحقيقة الواضحة في التناقض المريع في تصرفات ومزاعم الأرهابيين ومجموعات القتل حين يكون شعارها الحقيقي ماتحصل عليه نتيجة هذه الأفعال الأجرامية ، وتتخلى عن زعمها وأدعائها انها تقوم بتطبيق افكارها المتطرفة والمرفوضة من الدين الأسلامي والمجتمع الأنساني قسراً على الناس .
أن جريمة خطف الرهائن من الجرائم الماسة بحرية الانسان والتي تحدث خللا خطيراً في المجتمع ، مما يوجب أن يتم توعية المواطن للمساهمة في التصدي لهذه الجريمة الخسيسة ، ومكافحتها بالأبلاغ عن تحرك الجناة ، وأن تتخذ الوسائل والأساليب التي تساهم في القضاء على هذه الظاهرة نهائياً ، وان ترتقي العقوبات الجنائية التي يفرضها قانون العقوبات النافـــذ الى المستوى الذي يحمي المجتمع العراقي .
بالرغم من ان نص المادة 423 رفع مستوى العقوبة الى الأعدام أو السجن المؤبد أذا صحب الخطف وقاع المجني عليها أو الشروع فيه ، وأيضاً اذا افضى الاكراه والتعذيب الى موت المخطوف ، الا اننا نجد ان عملية الخطف في ظل الظروف الأستثنائية التي يمر بها العراق لاتقل خطورة وأجراماً عن تلك الجرائم التي ينبغي التأكيد على عقوبتها الرادعة حماية للمجتمع والأمن والأستقرار .
وتجد الظروف المشددة العامة مجالا فاعلا في تطبيقاتها على هذه الجرائم ن بالنظر لباعثها الدنيء ، واستغلال فترة ضعف مؤسسات السلطة والمجني عليع ، بالاضافة الى استعمال طرق وحشية وغالبا مايتم استغلال صفة الجاني ، مما لايجوز للمحكمة ان تلتمس للجناة اي ظرف قضائي مخفف ، وهكذا فان توافر عدة ظروف مشددة يلزم المحكمة ان تقضي بالاعدام بدلا من السجن المؤبد .
مارست مجموعات الأجرام عمليات الخطف في الفترة الأخيــرة بالعراق تحت التهديد بالسلاح ، وقامت بتعذيب المخطوفين وأستعملت كل طرق الأحتيال والأكراه ، وجمعت كل نصوص الفقرات التي اوردتها المواد القانونية في افعالها ، غير أن نصاً قانونياً صريحاً يرتقي بالعقوبـــة الى مستوى هذه الأفعال الخطيرة أنسانيا ، وينسجم مع ماتشير له القرارات الدولية في ضرورة محاربة الأرهاب بكل اشكاله ، يساعد على تنفيذ الأحكام وتطبيق العدالة في ظل الظروف الأسثنائية التي يعيشها العراق .
والحقيقة فأن عدة جرائم يتم ارتكابها خلال الأقدام على خطف الرهينة ، منها تقييد حرية الأنسان وحجزه ، والتعدي على حرمته ، والقبض عليه دون اذن قانوني وتحت تهديد السلاح ، او اعتماد اساليب مزورة او غير حقيقية وخادعة في سبيل تسهيل عملية الخطف ، كما يتم ممارسة الأرهاب والتعذيب للمخطوف ، كذلك تصويره بأوضاع مزرية وبثها من قبل قنوات تتعامل مع هذه الظاهرة كما تفعل قناة قطر ( الجزيرة ) وتساهم في ترويع المواطنين وتشيد بالخاطفين تحت مزاعم انهم يمثلون منظمات أسلامية للمساهمة في الأساءة للأسلام ولقيم المجتمع العراقي لأعتبارات مرسومة .
أن نمط هذه الجرائم انتشر كالوباء الحديث في العراق ، وظهر بشكل واضح بعد سقوط الطاغية ، بالنظر لتشكيل العصابات التي تتخذ من هذا الأسلوب أحترافاً لها ، مما يقتضي أن تلتفت وزارة الداخلية الى هذا الأمر وتخصيص شعبة خاصة لمكافحة هذا النمط الخطير من الوسائل المتدنية في الاسلوب الجرمي المتبع ، وأن توليها الأجهزة المختصة مكانة تتناسب مع خطورتها ، وأن تعمل جميع المؤسسات البحثية لدراستها وتشخيصها ومحاربتها بالأساليب التي تنظف العراق منها .
كما يشمل الإرهاب عمليات خطف الطائرات والسفن ومحاولة ابتزاز الشركات او الحكومات بتهديد حياة الركاب وتعريضهم للخطر .
بالإضافة إلى عمليات القرصنة والسيطرة على المرافق العامة بطرق إرهابية تتخللها القسوة والأجرام بقصد أحداث الرهبة والرعب وعدم التواني في ارتكاب جرائم القتل العمد العشوائي ، مما يمنح الدول صلاحية استعمال القوة لصد تلك الأفعال ومقاومتها بأي شكل من الأشكال ، وبقصد حماية أرواح الناس وممتلكاتهم والممتلكات العامة العائدة للدول .
وعدت عدد من الدول أعمال القرصنة على الانترنيت إرهابا يستوجب الملاحقة والمسائلة القانونية ، سواء في أعمال التجسس والدخول غير المشروع أو في سرقة الأسرار والبرامج والتلاعب والتلصص على الصفحات بما يدعى ( الهكر ) ، كما في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وفرنسا .

----------------------------------------------------------------------------

المؤلف في سطور 

زهير كاظم عبود
حاصل على البكلوريوس في القانون من كلية القانون والسياسة – جامعة بغداد
عمل معاوناً قضائياً و محققاً عدلياً في المحاكم
عمل في المحامـــــاة
متخرج من المعهد القضائي العراقي 1984/1985
عمل قاضياً في المحاكم العراقية
عضو أتحاد الكتاب في السويد

محاضر في كلية القانون بالأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك
عضو نقابة الصحفيين في كوردستان العراق
أصدر الكتب التالية:
1- لمحات عن اليزيدية – بغداد - دار النهضة 1994 / الطبعة الثانية
لندن – دار الرافد 2000
2- لمحات عن الشبك – لندن دار الرافـــد 2000
3- ليلة القبض على رئيس الجمهورية – دار المنفى – السويد 2002
4- جمهورية الغجــر – دار لارسا - السويــــد 2003
5- البهتان في اسلام ابي سفيان – دار لارسا - السويد 2003
6- كتابات في القضية الكردية والفيدرالية وحقوق الانسان – دار دراسات كردستانية السويد 2004
7- مخابرات صدام وأغتيال الشيخ طالب السهيل شيخ بني تميم – لندن دار الحكمة 2004 / دار أيزيس للثقافة والأبداع – القاهرة 2006
8- لمحات عن سعيد قزاز – وزارة الثقافة – أقليم كردستان – السليمانية 2004
9- الأيزيدية.. حقائق وخفايا وأساطير – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2004
10- نظرة في القضية الكردية والديمقراطية في العراق – دار دراسات كردستانية – سكتهولم 2005
11 – النقاط المهمة في الدستور العراقي القادم – دار حمدي للنشر والطباعة – 2005
12 - طاؤوس ملك / كبير الملائكة لدى الأيزيدية – دار سردم للنشر والطباعة - 2005
13- عدي بن مسافر مجدد الديانة الأيزيدية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2005
14 – محاكمة صدام – دار فيشو نميديا – السويد 2005
15- الشبك في العراق – دار ايزيس / القاهرة - ودار هافبيون /برلين - ودار سردم / السليمانية 2006 .
16- التنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم – دار سبيرز – دهوك كوردستان العراق 2006

 

التدخل السري للولايات المتحدة في العراق خلال الفترة 1958-1963

جذور تغيير النظام في العراق الحديث بدعم من الولايات المتحدة - أطروحة قدمت إلى كلية الجامعة البوليتكنيكية في ولاية كاليفورنيا، بومونا، للحصول على درجة الماجستير في التاريخ في عام 2006 - قسم التاريخ.

تأليف: ويليام زيمان
ترجمة عبد الجليل البدري-2013

اللجنة المشرفة على الاطروحة

الدكتور محمود ابراهيم
رئيس لجنة النظر في الاطروحات - قسم التاريخ
الدكتور جون مور- قسم التاريخ
الدكتور جون لويد- قسم التاريخ

تقدير وشكر
لقد أسدى الكثير من الاساتذة والاصدقاء المساعدة في إنجاز عملي. ولذا فإن واجب الوفاء يدعوني إلى أن أتوجه إليهم بأسمى آيات الشكر والثناء والتقدير، وبالاخص رئيس اللجنة الدكتور محمود ابراهيم الذي كان لمحاضراته حول الشرق الاوسط الحديث دوراً هاماً في اعداد هذه الاطروحة، ناهيك عن مساعدته القيمة في الحصول على الدراسات والمصادر التي تخص الاطروحة وقراءته للنص وتصحيحه. كما يسعدني ان أشكر عضوي اللجنة وهما كل من الدكتور جون لويد John Lloydوالدكتور جون مور John Moore اللذان توليا قراءة النص وتصحيحه وتزويدي بالملاحظات الهامة.
كما يسعدني ايضاً ان أن أتوجه بالشكر للدكتور زويوي وانغ Zuoyue Wang الذي تولى تزويدي بالمصادر وتصحيح بعض الامور الهامة. كما أمضى صديقي الكريم بيتر اتوودPeter Attwood ساعات طوال لتصحيح النص مرة تلو الأخرى، وابداء ملاحظاته. واستخدمت تري ستوكس Terri Stocks مهاراتها البحثية للوصول الى بعض الأشخاص من ذوي العلاقة لاجراء الحوارات الشفهية معهم، وقيامها بأعمال الترجمة من اللغة الفرنسية، فلها مني التقدير والاحترام.
ويسرني ان اشكر الباحث السيد سعيد ابو ريش الذي زودني بالمعلومات القيمة والمصادر المهمة حيث أمضى ساعات طويلة لمساعدتي وتسهيل مهمتي، إلى جانب السيد بيل ليكلاند Bill Lakelandالذي كان هو الاخر كريماً وعوناً لي في عملي، هذا حيث زودني بوثائق ومعلومات قيمة مكرساً ساعات عديدة للحديث معي هاتفياً عارضاً إمكانياته فضلا عن فتح أبواب بيته. أخيرا وليس آخراً، يسعدني أن أشكر زوجتي دايان Dianeوأولاديَّ فكتور Victorوغرانت Grantلوقوفهم إلى جانبي و تحملهم ساعات غيابي الطويلة عنهم في سنوات اعداد هذا العمل.
مع الود
                                                              المؤلف
 ملخص البحث
هذه الاطروحة عبارة عن ثمرة مشروع‏ بحثي في التاريخ المنقول شفاهاً على امتداد ثلاث سنوات بهدف توثيق التدخل السري الذي مارسته الولايات المتحدة في العراق ابتداء من ثورة 14 تموز/يوليو 1958 وحتى انقلاب حزب البعث الذي أطاح بحكومة قاسم في 8 شباط/فبراير 1963 وما تلاه. ويركز البحث بدرجة رئيسية على الاهتمام بنشاطات وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) وما قدمته من مساعدة الى حزب البعث وغيره من العناصر المناوئة للنظام، بمن فيهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر شخصياً، وكذالك المساهمات غير المحدودة من قبل دولة الجمهورية العربية المتحدة والتي سنذكرها لاحقاً. ويقدم هذا البحث أدلة قوية على ضلوع وكالة المخابرات المركزية بدور كبير، ولكنه أقل من تدخلها الشامل في ايران عام 1953 وفي شيلي عام 1973.
لقد قيّم علم التاريخ الكثير من الكتاب الذين أشاروا إلى ضلوع وكالة المخابرات المركزية في العراق الحديث في بداياته الأولى، وربما كان على آخرين القيام بذلك. لقد اعتمد النص على كتب صادرة ومقالات في الصحف والمجلات، كما استند البحث بشكل كبير إلى الوثائق الحكومية، ولا سيما وثائق "العلاقات الخارجية للولايات المتحدة" Foreign Relations of the United States، وبحوث متوفرة في المكتبات الرئاسية. وعندما تحتوي هذه على بيانات ذات صلة غير منشورة، فيتم تضمين نسخة منها. كما يشير البحث إلى محاولة وكالة المخابرات المركزية باستمرار التعتيم على نشاطاتها ضد حكومة قاسم. لقد أماط التاريخ المنقول شفاهاً اللثام عن معلومات جديدة حول الانقلاب، ومن ضمنها معلومات لم تُنشر من قبل عدد من المسؤولين المتقاعدين في وزارة الخارجية مثل بيل (ويليام) ليكلاند وجيمس ايكنز، James Akins والمسؤولين السابقين في وكالة المخابرات المركزية مثل أد كاين Ed Kane و أرتشيبولد روزفلت Archibald Roosevelt وآرت كالاهان ArtCallahan، ومن الانقلابي والوزير في حكومة حزب البعث هاني الفكيكي.
 مقدمة المترجم
هذه الاطروحة هي عبارة عن مجموعة من المقابلات والأحاديث والوثائق جمعها الباحث ويليام زيمان ووثقها على مدى ثلاثة اعوام حول الاحداث التي رافقت انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 في العراق، وما واكبها من متغيرات واحداث متعددة بمساندة ومؤازرة العديد من المستفيدين منها والذين سعوا الى تسمية هذا الانقلاب بعروس الثورات، ومن الذين وردت اسمائهم في فصول هذه الأطروحة. ونذكر من بين هؤلاء شاه ايران الذي ناصب العداء للعراق بعد ثورة 14 تموز بسبب انسحاب العراق من حلف بغداد وانهيار هذا الحلف بعد فترة من خروج العراق منه، إضافة الى بريطانيا ومصر جمال عبد الناصر وسوريا التي كانت تشكل الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة والكويت، وزد على ذالك المتضررين من الثورة من اقطاعيين ورجالات النظام السابق وبعض رجال الدين وفئات وصولية اخرى.
وتسلط هذه الاطروحة الضوء على التعاون الوثيق بين حزب البعث ووكالة المخابرات الامريكية (سي.آي. أي) للاطاحة بحكومة قاسم وتصفية منجزاتها وخاصة بما يعرف بالقانون رقم 80 الذي سحب امتيازات التنقيب عن النفط على الأراضي العراقية من الشركات النفطية الأجنبية خارج عن ما كانت تستثمره فعلاً. وقد تأكد وجود هذا التعاون بالوثائق والتصريحات الشفهية للمسؤولين ألأمريكان، إضافة الى تصريحات بعض القياديين في حزب البعث من أمثال علي صالح السعدي، الذي أفضى لمجلة الطليعة المصرية في منتصف الستينات بتصريح قال فيه:" نحن جئنا الى السلطة بقطار أمريكي". كما أكد على ذلك أيضاً الوزير والقيادي السابق في حزب البعث هاني الفكيكي وآخرون من كوادر حزب البعث.
إن هذه الاطروحة تسلط الأضواء على واقع الاحداث وحقائقها آنذاك، وتقدم للقارئ العربي توضيحات مهمة حول الاحداث التي رافقت انقلاب شباط 1963، استناداً إلى الوثائق الرسمية وإلى تصريحات بعض المسؤولين فيها خلال تلك الفتره، والتي تكشف عن دور الوكالات الاجنبية ولاسيما وكالة المخابرات الامريكية في التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والدول المجاوره.
ويدوّن مؤلِف هذا البحث الاحداث التي مر بها العراق منذ عام 1958 وحتى عام 1963 بشكل سرد تاريخي لها وكما حدثت على ارض الواقع، ويشير إلى كل الشخصيات التي لعبت دوراً في التخطيط لهذا الحدث او الاحداث. كما حاول المؤلف ان يكون موضوعياً في سرد الأحداث التاريخية وحاجته إلى الإحاطة بالعلاقات الأسرية لبعض الشخصيات التي وردذكرها في هذا البحث.
كلي أمل ان يشكل هذا العمل مساهمة جادة في ايضاح الحقائق التأريخية عن حقبة مهمة من تأريخ العراق الحديث والمنطقة العربية، والممتدة من 1958-1963 ولفترات طويلة بعدها. كما آمل أن تسد ترجمة هذه الأطروحة فراغاً مهماً بالمكتبة العربية حول علاقة حزب البعث العراقي بالأطراف الخارجية سواءً كانت عربية أم أجنبية، خاصة بعد أن حكم العراق لأكثر من خمسة وثلاثين سنة، أستطاع خلالها وبحكم الأمكانية المالية الكبيرة للبلد، من تسخير مختلف الأقلام لغرض تزوير التاريخ وكتابته وفقاً لرغباته، وتشويه ثقافة ومعلومات الأجيال التي واكبت تلك الحقبة الزمنية وبعدها. وأتقدم بالشكر الجزيل للصديق كريم السبع لجهده الثمين في مراجعة وتدقيق الترجمة العربية.
عبد الجليل البدري

 

 الفصل الأول

المقدمة
في 14 تموز/يوليو 1958 قاد الزعيم الركن عبد الكريم قاسم مع مجموعة من الضباط إنقلاباً عسكرياً أطاح بحكم التبعية البريطانية الذي تولى مقاليد السلطة في العراق منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وسرعان ماتحول الأنقلاب الى ثورة شعبية عارمة غطت جميع مناطق العراق تقريباً. وأُصيبت واشنطن بالذهول. وعلى امتداد اسبوع، ظلت الثورة النبأ السائد فعلى صفحات صحيفة "نيويورك تايمز". وفي وقت سابق من ذلك العام نجح الزعيم العربي ذي الشعبية الواسعة الراحل جمال عبد الناصر رئيس مصر، الذي اشترى اسلحة من الاتحاد السوفيتي، في توحيد بلده مع سوريا واقامة الجمهورية العربية المتحدة في ذروة مد القومية العربية. لذلك اعتبرالكثيرون في المؤسسة الاستخباراتية الامريكية إن تلك الثورة تشكل تطوراً كارثياً لايطاق بالنسبة لهم.
ومما زاد من قلق المؤسسة الاستخباراتية الاميركية، ومايصطلح عليه بـ"سي آي أي" في آذار/مارس عام 1959، إستعانة قاسم بقوى شيوعية لقمع تمرد قومي عربي في الموصل. ففي نيسان/ابريل، أوضح الن دلاس Allen Dulles مدير وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) في شهادته امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بأن الوضع في العراق هو "أشد الأوضاع خطورةً في العالم، وان القوى الشيوعية على وشك السيطره على العراق بشكل تام"(1). لقد احتدمت النقاشات المحمومة حول العراق في وكالة المخابرات المركزية ومجلس الأمن القومي وبلغت ذروتها القصوى. واقتُرح أن تُتَخذ إجراءات عديدة خلال السنوات الاربع اللاحقة، ومن بينها على أقل تقدير غزو العراق، كما هو مدوّن في الوثيقة الرسمية المنشورة. ان موضوع الخلاف يدورحول فيما إذا قدمت وكالة المخابرات المركزية الدعم لحزب البعث في انقلابهم الناجح ضد عبد الكريم قاسم في 8 شباط/فبراير عام 1963. إن هذا البحث يهدف إلى تبيان حقيقة الدعم المادي الذي تلقاه حزب البعث من وكالة المخابرات المركزية سواء قبل و بعد الانقلاب، أو في فترات مختلفة خلال السنوات الخمس من حكم قاسم، وقيام الوكالة بعمليات سرية ضد العراق?.
نشر ويليام بلوم William Blum، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الامريكية عام 1968 كتابه الموسوم الـ"سي آي أي: التاريخ المنسي"The CIA: A Forgotten History، والذي جرى تنقيحه وتوسيعه عام 1995 ليُنشَر بعنوان "قتل الأمل: التدخلات العسكرية والمخابراتية للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية"Killing Hope: US Military and CIA Interventions Since World War II. لقد استقال بلوم من وزارة الخارجية في عام 1967 احتجاجاً على السياسة الاميركية في فيتنام. ويعد كتابه هذا مؤلف موسوعي بطبيعته، حيث تمكن الكاتب أن يعدِّد ويفصِّل باسلوب اكاديمي كل عملية كبيرة نفذتها وكالة المخابرات المركزية منذ عام 1945. ولكن الغائب على نحو لافت للنظر من قائمته التي تشمل 55 بلدا هو تدخل الولايات المتحدة في "العراق" خلال الفترة الممتدة من 1958 الى 1963. إن بلوم يتسم بالدقة ويبدو انه لم يترك حجراً إلا وبحث ما يوجد تحته. فهل كان ذلك مجرد إغفال ناجم عن غياب الأدلة?، أم أن الأدلة مخفية جداً أو متناثرة بحيث غدا من الصعب على الكاتب تكريس فصل للعراق في كتابه. ويسعى هذا البحث الى الاجابة عن هذا السؤال. فهل هناك توثيق تاريخي سليم يسند الزعم القائل بأن الاميركان تدخلوا في العراق خلال السنوات الخمس الاولى من استقلاله الحقيقي، أم ان ذلك مجرد شائعات لا أساس لها؟. والآن ومع وجود الجنود وغيرهم من الأفراد الأمريكان في العراق ولعدة سنوات قادمة، تُطرح مهمة هي الأشد الحاحاً في الوقت الحالي والمتعلقة بدراسة تاريخ جذور تدخل الولايات المتحدة الخفي في العراق الحديث.
بالطبع، لقد صدر الكثير من الكتب وكتبت المقالات عن صدام حسين وحزب البعث وتاريخ العراق الحديث منذ عام 1958. ولكن القليل منها فقط تأتي على ذكر تدخل الولايات المتحدة السري في الفترة الممتدة من عام 1958 الى عام 1963. وقد يعود السبب في شحة المادة المتعلقة بنشاط وكالة المخابرات المركزية في المراحل الاولى من العراق الحديث إلى ان نشر مثل هذه المادة يثير عدم الارتياح سواء لدى عراق البعث أو للولايات المتحدة منذ عام 1963 وحتى الوقت الحاضر. فحزب البعث كان يصوُّر نفسه كحزب قومي عروبي مناهض للغرب ومعادي لاسرائيل. فمن شأن تحالفه النفعي السري مع وكالة المخابرات المركزية سيئة الصيت أن يلحق ضرراً فادحاً بصورته في الداخل فضلاً عن صورته في عموم العالم العربي. لقد كانت وكالة المخابرات المركزية ضالعة بصورة مباشرة في محاولات اغتيال استهدفت عبد الكريم قاسم عام 1960، وربما حتى في عام 1959(2)، وجاء حزب البعث الى السلطة في عام 1963 على حد قول قول أحد الوزراء على متن "قطار أمريكي"(3). وما كان حكام البعث في العراق ليسمحوا باطلاع الرأي العام على هذه الحقائق ولا على تعاونهم مع الولايات المتحدة. كما ان الولايات المتحدة هي الاخرى لم يكن لديها سبب للاعتراف علنا بتواطئها في إيصال حزب البعث الى السلطة. فالعمليات الخفية، ولا سيما الاغتيالات، هي عمليات سرية للغاية ولا يعلم بها الكثير من عملاء وكالة المخابرات المركزية والمسؤولين الرسميين الكبار ولا يعتقدون ان الوكالة ضالعة في هذه العمليات(4). ويُستخدَم التضليل المتعمد في الاجتماعات الرسمية بصورة روتينية لأغراض الحفاظ على السرية من خلال تحريف المحاضر وإيهام المسؤولين الكبار بأن وكالة المخابرات المركزية لا تلجأ الى الاغتيالات أو غيرها من اْعمال العنف(5). إن هذا الاسلوب في ممارسة " الدعاية البيضاء" على كل المستويات جعل من الصعوبة بمكان إعادة بناء هذا التاريخ وكتابته كما حدث فعلاً.
تبين دراسة المراحل المبكرة من تاريخ حزب البعث العراقي إلى أن المسؤولين في العراق وفي الولايات المتحدة لم يألوا جهداً في نفي الدور الاميركي في العراق الحديث أو التستر عليه. وتميل الكتابات التي تروي الفترات الأولى من تاريخ حزب البعث العراقي سواء أكانت بأقلام اميركية أو عراقية، الى مسايرة المواقف الرسمية لحكومتي البلدين.
وفي الحقيقة ذهب الباحثان المرموقان في شؤون العراق ماريون وبيتر سلوگليت Marion & Peter Sluglett، في كتابهما "العراق منذ 1958‏ من الثورة الى الدكتاتورية‏"،إلى القول "إن فاعلية (هذه الكتابات الأولى) عرقلت التوصل الى فهم واضح لما جرى، ولا ينبغي أن نستهين بها نظرا للعلاقات الوثيقة التي تربط هؤلاء الكتاب بالمؤسسة الاستخباراتية الاميركية"(6).إن هذه الدراسة تركز على تحليل الكتابات التاريخية التي تجنبت بالكامل الخوض في تفاصيل دور الولايات المتحدة، وستقترح جملة من الأسباب المحتملة لمثل هذا التشويش. ثم يتناول هذا البحث باستفاضة كبيرة الكتابات التاريخية التي تساعد على إعادة بناء تسلسل أحداث تدخل الولايات المتحدة في العراق في الفترة بين عام 1958 وحتى عام 1963، وبضمنها تفسيرات حول الالتباس والتناقض الموجود في المؤلفات التاريخية.


الفصل الثاني

المؤلفات التاريخية حول التدخل السري للولايات المتحدة في العراق من عام 1958 الى 1963
إن أحد المؤلفات التاريخية المبكرة التي استند إليهما الزوجين سلگليت في كتابهما المعنون‏ "العراق منذ 1958‏ من الثورة الى الدكتاتورية‏"‏، هو كتاب من تأليف كامل ابو جابر والموسوم "حزب البعث العربي الاشتراكي: التاريخ والايديولوجيا والتنظيم" The Arab Baath Socialist Party:History, Ideology and Organization(7)*.
لقد أغفل الدكتور جابر ذكر أي دور لوكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1963، الذي حامت حولها شكوك واسعة بشأن دورها بعد وقوع الانقلاب(8). إذ كانت خطط الانقلاب معروفة للكثير، وجرت بشأنها نقاشات حامية بين البعثيين السوريين والبعثيين العراقيين حول الاعتماد على الاميركيين(9)، على الرغم من أن جابر يستبعد أية إشارة إلى الدور الأميركي وحتى أنه لا يشير الى ما ارتكبه البعث من أعمال تعذيب ومجازر بحق الشيوعيين عام 1963, والتي تردد انها جرت بمساعدة من وكالة المخابرات المركزية. بدأت عمليات التصفية في شباط/ فبراير بعد الانقلاب، واستمرت على امتداد الأشهر التسعة كلها التي استولى فيها حزب البعث على السلطة عام 1963. وتشير أحد التقديرات الى قُتل زهاء 5000 شخص(10). ولم يأت جابر على ذكر أي منها، ولكنه أشار الى ان البعثين "اعتدوا على الكثير من المواطنين الذين اساء الحرس معاملتهم في بعض الاحيان"(11). كما انه يصور الانقلاب على انه حدث عراقي محلي صرف دون الخوض في تفاصيل القسم الأعظم من أعمال العنف(12). كان جابر يطمح لتولي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*( لقد كان الزوج الأول للسيدة ماريون هو الشهيد عمر فاروق الاوقاتي الذي قتل على يد الانقلابيين في 8 شباط. ثم اقترنت السيدة ماريون بالكاتب بيتر سلوگليت الذي ساهم معها في تأليف الكتاب - م).
منصب وزير خارجية الاردن، بعد استلامه منصب رئاسة المعهد الاردني للدبلوماسية في عمان ابتداءً عام 2004‏. إن ملك الاردن حسين كان أحد الذين يستلم الراتب من وكالة المخابرات المركزية منذ عام 1957 حتى وفاته في عام 1999(13). ولذا فإن طموح جابر لتولي منصب رفيع في الحكومة الاردنية منعته من ذكر تعاون وكالة المخابرات المركزية مع حكومة عربية في كتابه حول ذلك التاريخ.
وإضافة إلى ذلك نشر جون اف. ديفلن John F. Devlin كتابه عن حزب البعث والموسوم "حزب البعث: الاصول التأريخية منذ نشأته حتى عام 1966" The Ba’th Pary: A History from its Origins to 1966(14).ولم يشر كتابه إلى دور الولايات المتحدة في الانقلاب عاداً أياه شأناً عراقياً بحتاً. ومن الواضح ان ديفلن هو أحد المؤلفين الذين أشاراإليه ماريون وبيتر سلوگليت بسبب "سنوات من الخبرة التي اكتسبها خلال عمله محللا في وكالة المخابرات المركزية"(15). لذا فمن المرجح ان يتغافل ديفلن عن ذكر أي دور لوكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1963،وذلك من أجل التضليل أو بسبب جهله جراء ثقافة التكتم السائدة في الوكالة على نطاق واسع(16).وفشلت كريستين هيلمز موس Moss Christine Helms هي الأخرى أيضاً في ذكر أي شيء حول دور الولايات المتحدة الكبير في تاريخ العراق الحديث في كتابها الموسوم "العراق: الجناح الشرقي للعالم العربي" Iraq: Eastern Flank of the Arab World(17). علماً إن هيلمز كانت تعمل باحثة في معهد بروكينغز، كما قدمت المشورة للبيت الأبيض والبنتاغون خلال أزمة حرب الخليج في عام 1990 و1991. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"‘ فإنها كانت أحد الذين نصحوا الادارة بشكل خاطئ بالسماح لصدام حسين بقمع الانتفاضات الشعبية الشيعية والكردية على أمل أن يتمكن الجيش من الإطاحة به لاحقاً بانقلاب عسكري(18). وبما ان هيلمز قد دعت رسمياً الى اسقاط صدام حسين بانقلاب عسكري في عام 1991 بصفتها مستشارة اكاديمية للسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، فمن السهل ان نفهم احجامها في عام 1984 حينما كانت مستشارة ملهمة للأمبراطورية، عن نشر تواطؤ الولايات المتحدة في أنقلاب 1963 العسكري الذي حمل حزب صدام الى السلطة. وبحسب بيتر سلوگليت، فان "هيلمز قد إستفادت من مقابلات مع مسؤولين كبار في الحكومة ]الولايات المتحدة[،وكانت تميل الى اعادة انتاج ما قيل لها دون نقد في بعض الأحيان"(19).
وحذت مؤلفة أخرى حذو هيلمز وهي فيبي مار Phebe Marr التي نشرت في عام 1985 كتابها الموسوم "تاريخ العراق الحديث"The Modern History of Iraq(20)، والذي يقع في ثلاثمائة صفحة وتناولت فيه فترة خمسة وستين عاما فقط من تاريخ العراق، دون أي ذكر لدور الولايات المتحدة في انقلاب 1963، مقتبسة على نطاق واسع فقرات من مؤلف حنا بطاطو "الطبقات الاجتماعية القديمة" الذي يذكر مصدرين مختلفين حول ضلوع الولايات المتحدة. وتعمل مار "خبيرة" في معهد السلام الاميركي الموالي لأمريكا الذي اكتسب صيتاً سيئاً بتعيين دانيل بايبس Daniel Pipes عضوا في مجلسه بقرار من الرئيس الاميركي خلال اجازة الكونغرس. ومن المعروف أن هذا المعهد يعج بالباحثين المؤيدين للصهيونية، وليس من عادة معهد الولايات المتحدة للسلام أن يعيِّن خبراء يفضحون تدخلات وكالة المخابرات المركزية.
بعض الكّتاب العرب لم يكونوا واضحين أيضاً في طروحاتهم. فقد نشر أمير أسكندر كتابه الموسوم "صدام حسين: مناضلا ومفكرا وانسانا"(21)في عام 1980، في ذروة شعبية صدام في العالم العربي. وكان كتابه عبارة عن سيرة صدام الرسمية،ولذلك أتيحت للكاتب حصراً إمكانية الاطلاع على معلومات لم تتوفر لغيره. ولكن قراءة الكتاب تؤكد انه نص دعائي. وان صورة صدام المرسومة بفرشاة مغرقة في التملق، لا تُبقي أي هامش للمصداقية، مع أسقاط ارتباطاته بوكالة المخابرات المركزية التي تلطِّخ هذه الصورة، بطبيعة الحال. ==============
وهناك مؤلف عراقي آخر هو الراحل مجيد خدوري الذي كتب باستفاضة عن انقلاب 1963 في كتابه "العراق الاشتراكي: دراسة في السياسة العراقية منذ 1968"(22). ولم يذكر مجيد خدوري أي شيئ عن وجود دور اميركي، حيث صوَّر خدوري هو الآخر تخطيط الانقلاب وتنفيذه على انه شأن عراقي. وبحسب الباحثين ماريون وبيتر سلوگليت، فان كتاب خدوري "يعتمد اعتماداً كبيراً على مطبوعات ومقابلات (عراقية) رسمية "، وان "مقابلاته كانت مع مسؤولي النظام القائم آنذاك بدلا من اشراك المعارضة". لذا شكّل مؤلفه"قدراً معيناً من انحياز حتمي لا مفر منه"(23). ورغم ان خدوري كان يعمل استاذاً لدراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins University، حيث كان متخصصاً في العراق وفي الشريعة الاسلامية. وبسبب من اعتماده على كرم الحكومتين اللتين كان موقفهما الرسمي يتمثل في ان الامريكان لم يكونوا ضالعين في صعود البعث الى السلطة، فليس من المستغرب أن يتجنب خدوري الحديث عن تاريخ نشاط وكالة المخابرات المركزية في المراحل الاولى من نشأة العراق الحديث.
بدأت الأمور تتضح في عام 1973 عندما اصدر حنا بطاطو مجلده الكلاسيكي "الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق". وهو أول دراسة تاريخية باللغة الانجليزية تشير إلى دور وكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1963(24). ويصم بطاطو بالعار ممَنْ سبق ذكرهم من الكتاب المعاصرين بسبب عدم الاقتباس من سجل عام كان متاحا لهم جميعا. فصحيفة "الاهرام" المصرية واسعة الانتشار، نقلت في ايلول/ سبتمبر 1963 تأكيدات العاهل الاردني الملك حسين بأن وكالة المخابرات المركزية التقت مراراً مع حزب البعث قبل الانقلاب ومدته بقوائم "الشيوعيين" الذين قام حزب البعث بتصفيتهم بكل وحشية بعد استيلائه على السلطة. لقد اقتبس بطاطو هذه المعلومة، ووضع تحت تصرف القارئ معلومة حول ارتباطات ]صدام[حسين بوكالة المخابرات المركزية، لكنه يضيف بعد ذلك ما يعرفه شخصياً عن اتصالات خفية جرت قبل الانقلاب بين اعضاء في حزب البعث والامريكان. إن القليل الذي كان يعرفه حنا بطاطو و حتى بقدر من عدم اليقين، قد كتبه "في مصلحة الحقيقة"، وبذلك ميّز نفسه عن الآخرين بكونه باحثاً دقيقاً.
في عام 1978‏ نشر الثنائي أديث وإي اف بنروز Edith and E. F. Penrose كتابهما الموسوم "العراق: العلاقات الدولية والتطور الوطني" Iraq: International Relations and National Development. وأجريا مقابلات مع "بعثيين عراقيين حسني الاطلاع"، الذين أكدوا أن وكالة المخابرات المركزية تعاونت مع البعث في عام 1963. وأخبرنا "هاشم جواد وزير الخارجية لاحقا بأن وزارة الخارجية العراقية كانت لديها معلومات عن وجود تواطؤ بين البعث ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي)"(25). ويعتبر هذا الكتاب "العراق: العلاقات الدولية والتطور الوطني" مؤلف دقيق وعلمي أخر مرادفاً لكتاب بطاطو "الطبقات الاجتماعية القديمة"، ويوفر توثيقاً تاريخياً حول ضلوع الولايات المتحدة في انقلاب 1963 في العراق.
في عام 1987 نشرت ماريون وبيتر سلوگليت كتابهما "العراق منذ عام 1958" Iraq Since 1958، وهو عبارة عن تاريخ كامل آخر جرى تحديثه في عام 2001. ويلخص الثنائي سلوگليت ضلوع الولايات المتحدة في الانقلاب، بما في ذلك معلومات عن تعاون وكالة المخابرات المركزية، حصلا عليها خلال مقابلة مع "مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية الاميركية"(26). وكان هذا المسؤول على الأرجح هو جيمس ايكنز James Akins،السفير السابق في العربية السعودية والسكرتير الثاني للشؤون السياسية في السفارة الاميركية في بغداد وقت الانقلاب. ومن المعروف إن ايكنز اشتهر بتعاونه في تقديم معلومات عن دور وكالة المخابرات المركزية في الانقلاب، ولكنه في الآونة الأخيرة امتنع عن الحديث عن انقلاب 1963 إذا كان الحديث "لأغراض النشر"(27).
في عام 1991 نشر ديفيد وايز David Wise تقريرا في صحيفة "لوس انجلس تايمز" تقريراً بعنوان "شعب مغدور" A People Betrayed. عرض وايز في هذا التقرير رواية عن شهادات لعملاء في وكالة المخابرات المركزية يعترفون فيها بمحاولة اغتيال فاشلة كانت من تخطيطهم في عام 1960 ضد عبد الكريم قاسم(28). وأضحى التقرير علني وواضح وورد في هامش عابر في تقرير تشيرش"the Church Commission"عن الاغتيال والذي صدر في عام 1975(29). وينبغي ألاّ يُخلط هذا مع محاولة الاغتيال الفاشلة التي نُفذت عراقياً في عام 1959 بمشاركة صدام حسين.
في عام 1991 نشر عادل درويش وغريغوري الكسندر GregoryAlexander مؤلفهما "بابل غير المقدسة: التاريخ السري لحرب صدام" Unholy Babylon: The Secret History of Saddam’s War. وتضمن هذا الكتاب الادعاء الوحيد المنشور عن مشاركة البعث ووكالة المخابرات المركزية في التخطيط لانقلاب في العراق عام 1962، غير ان المخطط لم يجد طريقه إلى التنفيذ. إلاّ أن درويش لا يوضح ما ورد في هذا الشأن بهامش ولم يرد على استفساراتي. وكتب ابو ريش انه "لم تكن هناك محاولة انقلابية في عام 1962"(30). ان درويش أيضاً هو المصدر الوحيد المذكور بالاسم في مقال بقلم ريتشارد سايل Richard Sale (سيُناقش لاحقا) والذي يؤكد ضلوع وكالة المخابرات المركزية في محاولة الاغتيال التي جرت في عام 1959. وبما انه لم يقدم أدلة تؤكد هذه العمليات، فان مصداقيتها التاريخية تبقى غير مؤكَّدة.
في عام 1996 نشر مالك مفتي كتابه "مصنوعات سيادية"Sovereign Creations، ويزخر الفصل التاسع من الكتاب المعنون "تجدد الوحدوية: 1963-1964" Renewed Unionism: 1963-1964(31) بالمعلومات، إذ يلخص مفتي المعلومات الواردة في مؤلف بطاطو "الطبقات الاجتماعية القديمة" وكتاب بنروز Penrose "العراق: العلاقات الدولية والتطور الوطني"، ثم يضيف معلومات عن الجدل بين البعثيين السوريين والبعثيين العراقيين الذي حصل عليه من مقابلة له أجراها مع الوزير السوري السابق جمال الاتاسي(32). ويوفر هذا توثيقاً اضافياً لتعاون الولايات المتحدة في انقلاب 1963
ولعل أن سعيد ك. ابو ريش يعد من أكثر المؤلفين إحاطة بموضوع التدخل الاميركي في العراق خلال الفترة الممتدة من 1958 الى 1963. فان كتابيه "صداقة وحشية: الغرب والنخبة العربية" A Brutal Friendship: The West and the Arab Elite، الصادر عام 1997، و"صدام حسين: سياسة الانتقام" Saddam Hussein: The Politics of Revenge، الصادر عام 2000، يعترفان بما ورد في بحوث كتّاب سابقون مثل مالك مفتي وحنا بطاطو ومحمد حسنين هيكل وماريون وبيتر سلوگليت،ولكنه يذهب ابعد منهم بكثير. وتتمثل المساهمة المتميزة لابو ريش في كونه يضيف معلومات مفصَّلة حصل عليها بخبرته الشخصية، إضافة إلى مقابلات عديدة مع شخصيات قامت بأدوار أساسية في انقلاب 1963 مثل جيمس كريتشفيل James Critchfield، مسؤول الشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية خلال عام 1963 وهاني الفكيكي عضو قيادة حزب البعث خلال عام 1963، والعديد من الامريكان والعراقيين الآخرين، المذكورين بالاسم أو من الذين بقيت اسمائهم طي الكتمان. ويستشهد كتاب "صداقة وحشية" بـ 58 مقابلة بالاسم وبـ 29 مقابلة بلا اسم(33). كذلك يورد كتاب "صدام حسين" 67 مقابلة بالأسم و46 مقابلة بلا أسم(34)، كما يستخدم المؤلف بصيرته الشخصية للولوج في العلاقات العراقية-الامريكية السرية من خلال بما اكتسبه من خبرة أثناء عمله صحفياً في منطقة الشرق الأوسط إبان الخمسينات والستينات، وعمله كحلقة وصل بين الشرق والغرب في مشتريات أسلحة ومعدات استراتيجية للعراق خلال الفترة الممتدة من 1974 الى 1977 ومن 1981 الى 1984.
ينحدرابو ريش من اصل فلسطيني، وعمل إبان الخمسينات والستينات صحفياً وكاتباً في الشرق الأوسط. وأصبح أبو ريش من المعجبين بصدام حسين في السبعينات، ولهذا توجه للعمل مع الحكومة العراقية. في ذلك الوقت لم يكن صدام قد ارتكب أعمال قتل الكثيرة بعد، وكان ما يزال يتمتع بشعبية واسعة في العالم العربي، إذ كانت نزعاته الدموية وغير العقلانية ملجومة بسبب توليه منصب نائب الرئيس العراقي احمد حسن البكر، قريبه التكريتي. واستخدمت حكومة البكر- صدام البعثية عائدات النفط لرفع مستوى معيشة الفرد العراقي الاعتيادي. واعتبر ابو ريش، مثله مثل الكثير من العرب الآخرين، أن عراق البعث يمثل فرصة أمام العرب لتحقيق التوازن المنشود مع اسرائيل والغرب في تحديث وتطوير اسلحة نووية. وفي عام 1984 عندما اصبح واضحا عند ابو ريش ان صدام كان يستخدم اسلحة كيمياوية، دفعه نفوره الاخلاقي من هذا العمل الى الاستقالة من دور الوسيط في العلاقات ومشتريات الاسلحة والمعدات الاستراتيجية، مما كلفه باهظ الثمن شخصياً(35). وعاد ابو ريش الى مهنة الصحافة يعد أن خاب أمله في التحولات التي شهدها العراق منذ أن تولى صدام حسين مقاليد السلطة كاملة ليدفع بلده الى الحرب الايرانية العراقية الكارثية في السنوات 1980-1988. ومنذ ذلك الوقت أصبح ابو ريش كاتباً غزير الانتاج في شؤون الشرق الأوسط، ووفرت كتبه بصيرة قيّمة في هذا المجال.
في عام 2003 نشر ريتشارد سايل من وكالة يونايتد برس انترناشنال (يو بي آي) تقريراً تحت عنوان "خاص: صدام لاعب أساسي في مؤامرة سابقة حاكتها وكالة المخابرات المركزية"Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot(36).فبالاستناد إلى مقابلات مع "دزينة من الدبلوماسيين الاميركان السابقين والباحثين البريطانيين ومسؤولين أمريكان سابقين في المخابرات"(37)، فانه قدّم على شبكة الانترنت، معلومة تفصيلية وحيدة عن تفويض وكالة المخابرات المركزية وضلوعها في محاولة الاغتيال الشهيرة التي استهدفت عبد الكريم قاسم في تشرين الأول/اكتوبر عام 1959. وبحسب سايل، فان الهجوم الفاشل بالاسلحة النارية نُفذ بمشاركة صدام حسين بوصفه عميلا أجيراً لوكالة المخابرات المركزية، والذي قامت الوكالة لاحقاً باخلائه وتدريبه ودعمه في الخارج. وتؤكد هذه القصة ظنونا كانت ترد كتلميحات فقط في كتابات تاريخية سابقة(38). ولكن وضع آخرون علامة استفهام على رواية سايل. فيعتقد ابو ريش ان علاقة وكالة المخابرات المركزية بصدام حسين قبل هروبه الى مصر ليست ممكنة. ويعتقد بيل ليكلاند Bill Lakeland السكرتير السياسي الأول في السفارة الامريكية في بغداد عام 1963 ايضا إن تعاون الوكالة مبكراً في محاولة الاغتيال التي جرت عام 1959 هو ضرب من الوهم (40). وعلى الغرار نفسه، استبعد ايكنز رواية سايل حيث كتب يقول: "ان ريتشارد سايل إنسان جيد جدا، وأقول انه موثوق على نحو استثنائي، ولكن إذا قال أو كتب أو اعتقد ان وكالة المخابرات المركزية كانت وراء هذا الهجوم على عبد الكريم قاسم فانه مخطئ قطعاً"(41). لذا فان مزاعم سايل، من دون وجود دلائل تؤكدها، لا يمكن أن تُعتبر وقائع تاريخية.
في عام 2005 نشر المؤلف والمراسل المختص بشؤون الشرق الأوسط جون كي كولي John K. Cooley كتابه الموسوم "تحالف ضد بابل: الولايات المتحدة واسرائيل والعراق"An Alliance against Babylon: The U.S., Israel and Iraq.ففي هذه الكتاب يسلط الكاتب الضوء على دور وكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1963. ويعتمد الكاتب اعتمادا كبيرا على ابو ريش، لكنه يضيف مادة جديدة عن جيمس كريتشفيلد رئيس عمليات الشرق الأدنى في الـ"سي آي أي" في اوائل الستينات. ويسلط كولي الضوء أثناء النعي في مقبرة آرلينغتن الوطنية ويشير إلى ان كريتشفيلد اعترف بأنه اوصى بأن تقدم وكالة المخابرات المركزية الدعم لحزب البعث في اوائل الستينات، وأوضح " ربما كنا نعرف قبل ستة أشهر إن ]الانقلاب[ سيحدث"(42). ويقدم كولي تاريخاً موجزاً لسجل كريتشفيلد العسكري والاستخباراتي، ويتناول بعض نشاطاته خلال الأشهر الأولى من عام 1963 في خطوطها العامة (43).
وفي عام 2005 ايضاً، نشر ويليام بلوم طبعة محدَّثة من كتابه "دولة مارقة: دليل الى القوة العظمى الوحيدة في العالم"A Rogue State: A Guide to the World’s Only Superpower، الذي نُشرت طبعته الأولى عام 2000. وخصص بلوم في هذا الكتاب فصلاً طويلاً يلخص فيه كل تدخلات الولايات المتحدة. ويتضمن هذا الفصل مقطعاً عن العراق خلال الفترة من 1958 الى 1963، حيث يضيف فيه بلوم إضافة مهمة الى التدوين التاريخي عن طريق ما ينقله من تقارير تتعلق بوثائق رسمية بريطانية تكشف عن دعم بريطانيا للحكومة البعثية الجديدة في عام 1963، ويلخص مقابلة كاشفة أجراها مراسل صحيفة "لوموند" مع عبد الكريم قاسم في اوائل عام 1963. وبحلول عام 2000 عندما صدر كتاب "دولة مارقة"،وكان بلوم قد جمع مادة وفيرة ليضمنها في انقلاب 1963 في العراق ضمن لائحة التدخلات الاميركية التي أعدها. إن هذه الدراسة التي تتناول تدخل الولايات المتحدة الخفية في العراق خلال المراحل الأولى من تاريخه الحديث، تضيف معلومات أخرى إلى المؤلَف السابق، مستقاة من دراسة وثائق الحكومة الاميركية، وتغني النص باستخدام مقابلات في التاريخ المنقول شفاها مع ابو ريش ومسؤولين متقاعدين في وزارة الخارجية مثل ويليام ليكلاند وجيمس ايكنز والمسؤول السابق في وكالة المخابرات المركزية ايد كيEd Kane. لقد شغل ليكلاند وايكنز منصبي السكرتير الأول والثاني للدائرة السياسية في سفارة الولايات المتحدة في بغداد خلال الفترة التي سبقت انقلاب 1963 والفترة التي أعقبته. وكان ايد كين رئيس مكتب العراق في مقر وكالة المخابرات المركزية في واشنطن وقتذاك. وهناك مزيدا من المطبوعات عن هذا الموضوع سنأتي على ذكرها لاحقاً(44).


الفصل الثالث

ردة فعل الولايات المتحدة على انقلاب 1958
في عام 1917، احتل البريطانيون ثلاث ولايات عثمانية التي كونت العراق فيما بعد. وعندما وضعت الحرب العالمية الاولى أوزارها، استمرت بريطانيا في السيطرة على المنطقة، وانتُدبت في نهاية المطاف لحكم العراق بوصفه اقليماً نشأ نتيجة اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916، التي نصت على تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية.
في عام 1920 فقدت بريطانيا 450 جنديا من قواتها، في حين قامت بقتل 10 آلاف عراقي مستخدمة غاز الخردل المحرم دولياً والذي فاجأ الثوار الذين انتفضوا ضد حكمها. وقام البريطانيون على عجل بإقامة نظام ملكي من اختيارهم، وتتويج الأمير فيصل (الأبن الأكبر للشريف حسين) ملكاً عل العراق. وفي عام 1922 شرعت بريطانيا في اصدار سلسلة من المعاهدات التي منحت العراق بالتدريج استقلالاً شكلياً في عام 1932، لكنها أعطت لبريطانيا حق اقامة قواعد عسكرية وحق "الدفاع" عن العراق مع العديد من الامتيازات الأخرى. وخلال فترة الحكم بهذه المعاهدات، استطاعت بريطانيا في عام 1925 أن تنتزع من الملك فيصل امتيازاً نفطياً أمده 75 سنة الذي سّمي فيما بعد "شركة نفط العراق" the Iraqi Petroleum Company (IPC)(45).
في عام 1933‏ توفي فيصل، وكان وريثه على العرش نجله غازي ذو الواحد وعشرين عاماً والذي دام حكمه ست سنوات (1933-1939). ورغم ان غازي المناوئ للبريطانيين كان ملكاً، فان العراق كان في الحقيقة تحكمه إبان الثلاثينات زمرة ضيقة من خريجي كلية الحرب في اسطنبول، برزوا على الساحة بدعم رعاتهم البريطانيين. وقام عراقيون مناهضون للغرب بانقلاب أسفر عن مجيء الفريق بكر صدقي الى السلطة في عام 1936، ولكنه قُتل في عملية اغتيال عام 1937 وتسلم مقاليد الحكم الضابط الموالي للبريطانيين نوري السعيد الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء. بقي نوري السعيد داخل الحلبة، عادة في قمة السلطة أو قربها، عبر انقلابات عسكرية ومناورات متعددة حتى عام 1941 عندما قام الجنرال رشيد عالي الكيلاني*بتمرد معادي لبريطانيا. ردّ البريطانيون باحتلال عسكري للعراق استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب توالت على السلطة حكومات موالية لبريطانيا، وكانت في أحيان كثيرة برئاسة نوري السعيد الحاضر دائماً، حتى نهاية الخمسينات. في عام 1952 بادر لفيف من العسكريين العراقيين، و بوحي من ثورة تموز/يوليو في مصر، إلى تشكيل تنظيمهم الخاص من "الضباط الأحرار". وفي عام 1956 كتب قائد تنظيم الضباط الأحرار الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رسالة الى عبد الناصر يطلب فيها غطاء جويا لانقلاب عسكري، لكن عبد الناصر رفض الطلب(46).
وبعد عامين، وفي ليلة 13 تموز/يوليو ، 1958 زحف الجنرال ]العقيد الركن م.[ عبد السلام عارف آمر اللواء العشرين على بغداد. واحتل بعض جنود اللواء ف مواقع حساسة داخل بغداد وحولها فيما قام آخرون بتطويق القصر الملكي ودار نوري السعيد. وظل الزعيم الركن عبد الكريم قاسم في معسكر المنصورية بصفته آمر اللواء التاسع عشر المتمركز خارج بغداد. اندلع قتال لفترة وجيزة مع قوات موالية للنظام الملكي، ولكن في صبيحة 14 تموز/يوليو سمع المواطنون العراقيون العقيد عارف يقرأ البيان الأول للنظام الجديد من الراديو معلنا فيه ان الجيش اقدم على تحرير "الوطن العزيز من الطغمة الفاسدة التي نصبها الاستعمار". وفي وقت لاحق من صباح ذلك اليوم ظهر عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف على شاشة التلفزيون للاعلان عن اقامة حكومة شعبية والدعوة الى الحفاظ على "النظام والوحدة". واعلن الاثنان لاحقاً بعد ظهر ذلك اليوم تشكيل الوزارة. وغصت شوارع بغداد بالاحتفالات الصاخبة وبالحشود التي رفعت شعارات معادية للغرب على نحو واضح. وتعرض بعض البريطانيين والاميركيين للقتل، ولكن عددهم كان قليلا إزاء الغضب المكبوت على امتداد اربعين عاما من الوعود المنكوثة والسيطرة الأمبريالية(47).
وعلى حين غرة،أصبح الشرق الأوسط محط اهتمام حكومة الولايات المتحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كان رشيد عالي الكيلاني مدنياً وليس عسكرياً م.
وفي يوم الانقلاب، كتب مدير وكالة المخابرات المركزية الن دلاس بعض الملاحظات الموجزة خلص فيها الى أنه:"إذا تكلل انقلاب العراق بالنجاح، فمن المحتم أنه سيؤدي إلى تداعيات متعاقبة من شأنها أن تقبر الحكومات الموالية للغرب في لبنان والاردن والعربية السعودية، ويخلق مشاكل خطيرة لكل من تركيا وايران"(48).
ولغرض تقييم حجم تحذير دلاس، فلا بد من فهم ما كان يدور في تلك الأيام وسياقاتها من احداث. فقد كان الزعيم المصري جمال عبد الناصر يتمتع بشعبية هائلة في عموم المنطقة بعد صموده في مواجهة الغزو البريطاني-الفرنسي-الاسرائيلي عام 1956. وتكللت رؤية عبد الناصر القومية العربية في شباط/فبراير 1958 بقيام الجمهورية العربية المتحدة من خلال الوحدة السياسية بين مصر وسوريا. وكانت المشاعر القومية العربية قوية في لبنان والاردن والعربية السعودية والعراق أيضا. ومر لبنان بصفة خاصة بفترة من انعدام الاستقرار بالارتباط مع الحركة التي قامت فيه ضد الحكومة الموالية للغرب. لقد رحل آخر الجنود الفرنسيين في عام 1946،ولكن نظام لبنان البرلماني القائم على التوزيع الطائفي أخذ يتصدع عندما توجه القوميين العرب من المسلمين نحو خوض حرب اهلية سببها السياسات الخلافية للرئيس المسيحي كميل شمعون(49).
لقد أصبحت الحركة الناصرية مصدر تهديد لحكومة الولايات المتحدة بسبب رفض عبد الناصر التعاون معها في الحرب الباردة، حيث رفض عبد الناصر الانضمام الى حلف بغداد وشن حملة اعلامية شعواء ضده، وشارك بنشاط في مؤتمر باندونغ لعدم الانحياز عام 1955. وفي العام نفسه أيضاً، قام عبد الناصر بشراء السلاح من الاتحاد السوفيتي بعدما رفضت الولايات المتحدة بيعه. وعندما سحبت الولايات المتحدة دعمها لمشروع سد أسوان المصري لجأ عبد الناصر الى تمويل السوفيت وخبرائهم. وكان مراقبون حسنو الاطلاع في الولايات المتحدة يعرفون ان القومية العربية ليست شيوعية، وان عبد الناصر كان يستثمر الصراع بين القوتين العظميين لمصلحته. و لكن بعض خطابات الزعيم المصري وبعض سياساته كانت ذات صبغة اشتراكية، وكان هذا بكل تأكيد سبباً لقلق الن دلاس وشقيقه وزير الخارجية جون فوستر دلاس ذي السطوة الكبيرة. كان جون دلاس وشقيقه يشتركان في تبني نظرة دينية إلى الحرب الباردة باعتبارها جزء من "الصراع المتواصل بين الخير والشر... التي ليس لها حدود في الزمان أو المكان"(50). ولم يكن الحياد خياراً وارداً، مما جعل دول الحياد بالنسبة لهما بيدقاً من بيادق المعسكر اللا أخلاقي .
قدم جون دلاس وزير الخارجية الامريكية شهادته بايجاز امام زعماء الكونغرس في البيت الأبيض في 14 تموز/يوليو 1958(51)، أوضح فيها بـ"أن الاتحاد السوفيتي "كان " بدون أدنى شك وراء العملية برمتها في لبنان"(52). ويبدو ان ايزنهاور اقتنع بذلك لأنه انتقل من موقف التردد في هذا الاجتماع الى ابلاغ بعض الجنرالات في اليوم التالي بأن عبد الناصر "دمية رغم انه وعلى الأرجح لا يعتقد بذلك"(53).وقدم ألن دلاس في تقريره وصفاً للوضع في لبنان، ونقل طلب شمعون العاجل بأن "تتدخل الولايات المتحدة عسكريا في لبنان خلال 48 ساعة. وإنه سيفسرنوايانا على ضوء أفعالنا. فهو يريد الاسطول السادس هنا في غضون 24 ساعة، وإلا فانه سيعرف أخيراً أين يقف بقدر ما يتعلق الأمر بتطمينات الغرب". ويمضي التقرير متناولاً جميع الدول الكبيرة الأخرى في الشرق الأوسط. فكان تقريره عن العربية السعودية مخيفاً ومحرجاً بحيث بقي طي الكتمان حتى عام 1979. وجرى في هذا القسم تحديد مطاليب الملك سعود المتضمنة ارسال قوات اميركية وبريطانية الى العراق والاردن، وإلاّ فإن "العربية السعودية ستجاري السياسة الخارجية للجمهورية العربية المتحدة"(54).
في اليوم التالي على انقلاب العراق، أي في ‏15 تموز/يوليو، قام الاسطول السادس بانزال قوات في لبنان بطلب من شمعون. وفي 16 من تموز توجه البريطانيون صوب الاردن. ومن السهل على هذه الخلفية أن نرى لماذا اتخذت ادارة ايزنهاور قرارها باحتلال لبنان. إذ كان ذلك شكلاً من أشكال الرد على انقلاب العراق ومحاولة لإيجاد قدر من التوازن في الوضع، وكان اجراءاً ترقيعياً تم اتخاذه بالتوجه الى مكان يلقون فيه الترحيب من دون الاقدام على غزو العراق حيث لا يلقوا الترحيب. وبدأ مجلس ألأمن القومي مناقشة أمكانية غزو العراق في يوم تنفيذ الضباط الأحرار لأنقلابهم. لقد ظل القسم المتعلق بهذه القضية من تقرير دلاس الموجز سرياً بعد مرور 21 عاماً من تقديمه. وفي وقت لاحق من عام 1958، أعدت هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة للولايات المتحدة مشروع خطة سرية للغاية بهدف غزو العراق عبر الاراضي التركية حملت اسم "عملية كانونبون" Operation Cannonbone(55). ولا ريب في ان هذا كان من باب التخطيط في حالات الطوارئ فرضه استمرار النقاش في اواخر 1958 واوائل 1959 حول امكانية نشوء الحاجة الى الغزو. واحتوت الأقسام الأخرى من تقرير دلاس والتي ظلت سرية فترة طويلة، عبارات أو فقرات تذكر مصادر معلومات وكالة المخابرات المركزية. وهذا يتيح القاء نظرة على المصادر الموجودة لمحطة الوكالة في بغداد اثناء وقوع الانقلاب.
وكان من بين هذه المصادر المهمة "موظف نفطي اميركي" وثيق الصلة بالحكومة العراقية، والذي أوضح في احد تقاريره "ان نيران المدافع الرشاشة والهاون موجهة صوب القصر، وان اربع دبابات وحشداً من المدنيين يقتربون من دار نوري". كما كانت تربطهم صلات قوية بالاستخبارات البريطانية التي كانت تتمتع بشبكات أوسع في العراق(56). وعلى أثر قيام حكم قاسم، كثّفت محطة وكالة المخابرات المركزية في بغداد نشاطها بعد أن تحول العراق من حكم موال للغرب الى نظام ثوري في ظاهره.
وبأمكاننا التعرف على النشاط الـذي قامت به "سي آي أي" في هذا البلد أو ذاك في اواخر الخمسينات وعقد الستينات من خلال ما جرى تسليط الضوء عليه من قبل فيليب أگي*في كتابه (Philip Age)الموسوم‏ "داخل الشركة: يوميات الـ"سي آي أي"‏ Inside the Company: CIA Diary، وفي كتاب بركهولدر سمث Burkholder Smith "صورة مقاتل في الحرب الباردة" Portrait of a Cold Warrior. لقد كانت الطريقة المتعارف عليها أن تخفي وكالة المخابرات المركزية هوية عناصرها بغطاء مناصب عسكرية أو وظائف في السفارات أو غيرها من الهيئات والشركات الاميركية. ويقوم المتخصصون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فيليب بيرنت فرانكلين آجي (19 تموز 1935- 7 كانون الثاني 2008)، كاتب وكان أحد ضباط وكالة المخابرات المركزية الذي اشتهر بمؤلفه " داخل الشركة". وقد التحق آجي بالوكالة عام 1957، وعمل في العديد من الدول. وبعد استقالته من الوكالة تحول إلى معارض شديد لنشاطها. وتوفي في كوبا عام 2008.(م)
بتجنيد عملاء يكونون عادة مواطنين من أهل البلد ويبدون تعاطفاً مع الولايات المتحدة أو يحملون أفكاراً مؤيدة للغرب. وفي الغالب يُدفع لهم حق اتعاب عما يقدمونه من معلومات أو ينفذونه من عمليات بعد تمحيص يشمل تدقيقات واسعة في أصولهم واحيانا حتى إخضاعهم للاختبار على جهاز كشف الكذب. وكانت أكثر الطرق شيوعا لتجنيد العملاء عندما يتقرب بعض الاشخاص من موظفي السفارة سعياً لتلقي المساعدة أو مقترح للتحالف. وبعد أحالتهم الى السي آي أي للعمل في البلد المعني، يصبحون مصادر معلومات(57). وقد بدأت هذه العملية كلها من جديد في العراق بعد وقوع الانقلاب.
في عام 1958، اعترف وزير الخارجية جون دلاس بأن "الولايات المتحدة لم يبق لها سوى القليل نسبياً من مصادر المعلومات في العراق بعد سقوط حكومة نوري السعيد"(58). فقد فقدت الولايات المتحدة الكثير من مصادرها بسقوط النظام القديم. و رحل المسؤول النفطي الاميركي، وانتهت الشبكات البريطانية الواسعة ايضا. وكان من شأن هذه الخسائر ان تبرز حاجة ملحة في ايجاد مصادر جديدة. وبحسب ابو ريش، فان وكالة المخابرات المركزية بدأت في الأيام الأولى التي أعقبت الانقلاب بالتعاون مع ملك الأردن حسين ومع شاه ايران واجهزة مخابراتهما في محاولة للتوصل إلى وسيلة لاسقاط عبد الكريم قاسم(59).
كان عبد الناصر يقوم بزيارة لصديقه الزعيم القومي اليوغسلافي تيتو في يوم الانقلاب. وقرر عبد الناصر وضع قوات الجمهورية العربية المتحدة في حالة التأهب القصوى، واصدر أوامر الى القوات الخاصة ووحدات من السلاح الجوي بالتوجه الى الحدود السورية-العراقية. واعترف عبد الناصر بالحكومة الجديدة في العراق معلنا ان أي اعتداء على العراق سيكون بمثابة اعتداء على الجمهورية العربية المتحدة بموجب معاهدة الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية. وبنصيحة من تيتو طار عبد الناصر سراً الى الاتحاد السوفيتي لعقد اجتماع طارئ مع الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف. امتنع السوفيت عن اعطاء عبد الناصر مؤشراً واضحا الى ما سيكون عليه موقفهم. ولم تكن الصور المرفوعة في شوارع بغداد صور الضابط قاسم الذي كان غير معروفاً، وإنما صور عبد الناصر.
كان العالم بأسره يتوقع ان يهبط عبد الناصر في بغداد قادما من موسكو في 18 تموز/يوليو، ولكن عبد الكريم قاسم رفض السماح له بالهبوط وتعين عليه التوجه الى دمشق. فقد وصف قاسم زيارة عبد الناصر بأنها "غير ملائمة"(60). و من الممكن أن من بين أسباب الرفض هو امتناع عبد الناصر عن مساعدة الضباط الأحرار العراقيين عام 1956، الامر الذي دفع قاسم الى الأستقلال عن مصر عبد الناصر حتى وإن بدا أن الاثنان يعتنقان ايديولوجيه واحدة. إن تظافر كل الأحداث التي وقعت في تلك الايام الثلاثة عملت على نزع فتيل الوضع المتفجر. وأنتفت الحاجة لقيام الولايات المتحدة بغزو العراق، لأن السوفيت لم يتدخلوا بنشاط، وإن قاسم لم يقطع امدادات النفط ولم ينضم الى الجمهورية العربية المتحدة. وأطلقت الحكومة العراقية الجديدة مبادرات ودية تجاه الدبلوماسيين الامريكان. فقد كان من المهم بالنسبة لها خاصة بقاء خبراء الخدمات النفطية الامريكان. وفي 30 تموز/يوليو أعترفت الولايات المتحدة بالحكومة ومرت الأزمة الأولى بسلام.


الفصل الرابع

قلق متزايد من الشيوعية في العراق
خلال الشهرين التاليين، عمد النظام الجديد إلى تصعيد خطاباته المناهضة للامبريالية والمعادية للولايات المتحدة، معبراً في الوقت نفسه عن حرصه على العلاقات مع الولايات المتحدة. وانشغلت الحكومة العراقية في صراعات داخلية بين طرف يريد الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة يقوده عارف، وطرف يدعو الى نهج أكثر استقلالية يقوده قاسم. وفي خريف 1958 تم إبعاد عارف بتعيينه سفيراً في المانيا الغربية. وخلال هذه الاحتقانات كانت مخابرات قاسم تنقل تقارير عن دسائس عديدة تُحاك ضد حكمه، بمشاركة الامريكان أحيانا. فأما لاحظت الحكومة العراقية وجود قدر من التعاون الامريكي الخفي مع ايران أو انها وقعت ضحية شائعات معادية للولايات المتحدة. وبحسب ملفات تتعلق بالولايات المتحدة ويعود تاريخها الى 11 تشرين الأول/اكتوبر 1959، فان وزير الخارجية العراقي عبد الجبار الجومرد قال في حينه:
بإنهم"علموا بوجود أعداد كبيرة من العملاء الامريكان المتوجهين الى ايران واماكن أخرى من المنطقة للعمل على تنفيذ ثورة ردة في العراق. وبدا ان هذه التقارير التي تتحدث عن هذه النشاطات قد تأكدت في حقيقة ان الولايات المتحدة "تأخرت كثيرا" في الاعتراف بالنظام، ودفعت مع البريطانيين بقوات الى المنطقة. وشعرت السلطات العراقية انه بات من الضروري اتخاذ اجراءات حازمة لحماية نفسها ضد أعمال معادية محتملة".
ويمضي الجومرد ليعدد هذه الاجراءات ثم يختم كلامه مع التأكيد: "لكن غالبية الصعوبات التي لها هذا الطابع قد انتهت، وان لدى الحكومة رغبة في اعادة العلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة ومع ممثليها بأسرع وقت ممكن"(61). وفي تشرين الأول/اكتوبر 1958 ايضا، لاحظت وكالة المخابرات المركزية ان بالامكان استخدام الكرد لزعزعة الحكومة العراقية، ليس بأنفسهم كما فعلوا في سنوات لاحقة، خوفاً من تدخل الاتحاد السوفيتي في كردستان. وفي مذكرة نقاش (وهي مصنفة سرياً حتى الآونة الأخيرة) تتعلق بالاجتماع الثلاثمئة وثلاثة وثمانين (383) لمجلس الأمن القومي في 16 تشرين الأول/اكتوبر، أعرب مدير الـ"سي آي أي" الن دلاس عن قلقه من "امكانية نشوء حركة انفصالية بين السكان الكرد في العراق. وأشار السيد دلاس الى ان هذه الامكانية تثير القلق لدى وكالة المخابرات المركزية بدرجة كبيرة لأن الاتحاد السوفيتي سيجد سهولة بالغة في السيطرة على دولة كردية مستقلة تتألف من عناصر كردية في العراق وايران وتركيا، وربما في الاتحاد السوفيتي"(62). وقد تبنت وكالة المخابرات المركزية نفسها في نهاية المطاف هذه الاستراتيجية في اوائل السبعينات بالتعاون مع جهاز المخابرات الشاهنشاهي "السافاك"(63). وخلال الاسابيع القليلة التالية اتهمت الحكومة العراقية مراراً الولايات المتحدة بالعمل على زعزعتها، فيما دأب الدبلوماسيون على نفي الاتهام المرة تلو الأخرى. ولا يبدو من المرجح ان يكون الامريكان أنفسهم قد بدأوا بممارسة اي نشاطات خفية في ذلك الوقت، ولكن الايرانيين والاتراك شرعوا فعلا في تدبير الدسائس، وكانت الولايات المتحدة تتحمَّل المسؤولية بنظر العراقيين لأن هذين البلدين كانا معروفين بكونهما تابعين للولايات المتحدة.
في هذا الوقت أغلق العراقيون غالبية التسهيلات المقدمة للولايات المتحدة، بما فيها مكتب استعلامات الولايات المتحدة ومجموعة الاستشارة والمعونة العسكرية والقنصليات. كما أخضعوا السفارة الاميركية الى عمليات تفتيش وتحقيقات أمنية متكررة، وكادت تحركات الموظفين الامريكان أن تكون متعذرة(64). وبات من الواضح ان العراقيين يفعلون ذلك لأنهم على علم بأن كل هذه الوكالات معروفة بكونها الأماكن المعهودة لإخفاء عناصر وكالة المخابرات المركزية، ولأن لديهم تقارير كثيرة كانت بحوزتهم عن امريكان يعبثون بشؤون العراق. ولا شك فإن هذه الاجراءات جعلت عمليات الوكالة في حكم المنتهية. و بات حتى جمع المعلومات محدوداً بشدة نتيجة لهذه القيود. وخلال ما تبقى من شهر تشرين الأول/اكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر إزداد اعتماد قاسم على الشيوعيين في حملته ضد القوميين العرب. وأثار هذا قلق صانعي السياسة الامريكان، فأكثروا من الكتابة عن مخاطر سيطرة الشيوعيين في العراق.
في 4 كانون الأول/ديسمبر 1958، نقلت السفارة الاميركية في بغداد الى واشنطن طلب تمويل قدمه قائد مجموعة من المتآمرين العراقين المعادين للشيوعية. وما زال اسم قائد المجموعة مصنف سرياً، وقيل له "أنه ليس من المناسب ولا من المرغوب فيه ان تقوم قوة خارجية مثل الولايات المتحدة بالتدخل في شؤون العراق الداخلية". وكان هذا الطلب على الأرجح مقدم من قبل المتآمرين القوميين الذين كانوا يخططون علناً لانقلاب مدعوم من الجمهورية العربية المتحدة بقيادة رشيد عالي الكيلاني، وكان مخططا ان يجري التنفيذ بعد اسبوع. رفضت الولايات المتحدة العرض لأنها كانت تعتقد ان "هناك احتمالات قوية في ان تكون هذه المحاولة مجرد استفزاز". وكان الامريكان حذرون على نحو مفهوم لأن البريطانيين نقلوا لهم أن قاسم أبلغ السير مايكل رايت Sir MichaelWright من وزارة الخارجية البريطانية بأن "لديه معرفة مطلقة بأن الامريكان، قبل فترة قصيرة جدا، رتبوا سفر ثلاثة أشخاص من ايران للعمل ضد النظام العراقي، وان هناك نشاطا مماثلا يقوم به العملاء الامريكان في جنوب العراق"(65).
على أي حال، باءت محاولة الإطاحة بقاسم بالفشل. ففي 8 كانون الأول/ديسمبر كُشفت مؤامرة رشيد عالي الكيلاني، وبسبب تزامنها مع التقارير التي تحدثت عن نشاط امريكي في البداية، فان الصحافة والحكومة العراقية واذاعة القاهرة اتهمت الولايات المتحدة بالمسؤولية. كان رشيد عالي رجل دولة مخضرم وبطل حركة 1941 ضد البريطانيين، وأُلقي القبض عليه مع مجموعة من المدنيين والعسكريين تعمل بتمويل من عبد الناصر في السابع من الشهر نفسه.لقد اخترقت اجهزة قاسم الأمنية المجموعة المتآمرة في الاسابيع السابقة، وبالتالي أصبح لديها علم بأن المتآمرين كانوا يخططون لاسقاط الحكومة في التاسع والعاشر من الشهر. كان المتآمرون قلقون من تنامي نفوذ الشيوعيين وخططوا لاقامة حكومة قومية بقيادة رشيد عالي(66). ومن المرجح ان احد افراد المجموعة هو الذي فاتح السفارة الاميركية لأن سجلات الولايات المتحدة بعد فترة قصيرة على هذه الواقعة كانت تزخر بالحديث عن تقارب الأمريكان مع عبد الناصر(67). وعلى الرغم من القيود التي كان يفرضها العراقيون على الامريكان، فقد كانت لدى وكالة المخابرات المركزية معلومات جيدة عن المؤامرة. وبحسب المذكرة المؤرخة 11 كانون الأول/ديسمبر بشأن ما دار في الاجتماع الثلاثمئة وتسعين (390) لمجلس الأمن القومي، فان مدير الوكالة الن دلاس قال "اننا كنا نعرف الكثير عن هذه المؤامرة على وجه التحديد". وابدى انزعاجه الشديد لأن "قاسم واذاعة القاهرة على السواء حمّلانا مسؤولية المؤامرة رغم الحقيقة الماثلة في اننا حذرنا قاسم بصورة غير مباشرة من المحاولة"(68).
وفي اجتماع عُقد بين السفير الاميركي في العراق والدمار جي غولمان Waldemar J. Gallman)) وبين قاسم، تمكن والدمار من اقناع قاسم بأنه لا يعرف شيئا عن "التقارير التي تتحدث عن نشاطات امريكية لتقويض حكومته". وكان قاسم متأكداً من ضلوع الامريكان رغم ان دورهم ربما كان "بصفة شخصية". وقال الزعيم العراقي للسفير غولمان "ان الكرد في منطقة السليمانية يُحرَّضون على حكومته وكانت هناك تحركات يقوم بها أفراد ذهاباً واياباً عبر الحدود مع ايران... وإن مواطنون امريكان ومن جنسيات اخرى ضالعين فيها حسب معلوماته"(69). وبات معروفاً على نطاق واسع تعاون وكالة المخابرات الاميركية مع جهاز السافاك الايراني في عهد الحكومة الايرانية التي كانت تدور في فلك الولايات المتحدة.إنه لمن الصعب الاعتقاد ان مخابرات قاسم كانت على الدوام مخطئة في تقاريرها حول تعاون الامريكان مع الايرانيين وحول تسللهم الى العراق. ويؤكد بعض الكتاب على ان الولايات المتحدة قد بدأت بتمويل الكرد في عام 1960، وبالتالي فإنه من الجائز ان يكون دالاس ووكالته شرعا بمساعدة الكرد حتى منذ أواخر الخمسينات(70).
وبانت مقدرة قاسم في اصدار الحكم الصائب على الشخصيات عندما أقر بأن غولمان لا يعرف شيئا عن ذلك كله. فلو كانت هناك عمليات تنفذها وكالة المخابرات المركزية في العراق لما عرف بها غولمان نظراً لمستوى السرية العالي الساري في الوكالة، الذي غالباً ما كان يجعل حتى وزارة الخارجية في جهل تام بما يجري(71). لذا كان غولمان شاهداً مُقنعاً وهذا على الأرجح وكان السبب في قول قاسم ان الامريكان كانوا ينشطون بصورة "شخصية".
تضمنت برقية مرسلة من السفارة الامريكية في مصر الى واشنطن بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر اشارة اخرى الى ان نشاطاً امريكياً خفياً ربما كان يجري في العراق. فقد كتب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى الآسيوي ويليام ام رونتوري (William M. Rountree) ناصحاً بأنه ضد توسيع جولته الى الشرق الأوسط لتشمل العراق. وختم راونتري برقيته بالقول: "أخيراً علينا ان ندرك ان النشاطات الحالية ضد الحكومة في العراق لم تنته بأي حال من الأحوال، ومن الجائز تماماً ان تكون هناك تطورات لاحقة في هذه الاتجاهات]....[خلال الأيام القليلة المقبلة". وما زال هناك سطر في نص المصدر مصنف سرياً عند هذه النقطة من البرقية. ثم كتب يقول: "ان الوضع سيتعقد بدرجة لا تُقاس إذا حدثت هذه التطورات قبيل وجودي هناك أو خلالها أو بعدها"(72). ولعل راونتري قد أماط اللثام عن "التطورات" التي كانت تثير قلقه وسلط الضوء على النشاط الخفي الذي مارسته الولايات المتحدة في كانون الاول/ديسمبر 1958. ولن نعرف على وجه التأكيد إن كانت الولايات المتحدة تعمل في الخفاء على اضعاف نظام قاسم في هذه المرحلة المبكرة، وسنتمكن من معرفة ذلك بعد أن يُرفع غطاء السرية بالكامل عن الوثائق الاميركية ذات العلاقة.
وابتداء من 23 كانون الأول/ديسمبر 1958، شرع المخططون الاميركيون يكثرون من الحديث عن امكانية التقارب مع عبد الناصر ودعمه في المحاولات اللاحقة لاسقاط قاسم وتنصيب حكومة معادية للشيوعية. وكان عبد الناصر قد فاتح عناصرهم في القاهرة وبدا انه يريد استطلاع القضية. وخلال الشهرين التاليين كانت تجري تبادل المذكرات، وعُقدت الاجتماعات مع عبد الناصر ويبدو ان تفاهما من نوع ما قد تحقق. وكان الامريكان يميلون للعمل مع عبد الناصر لأنهم كانوا "يعتقدون انه سيبحث في كل الوسائل المتاحة لديه من أجل القيام بثورة ردة في العراق، حتى ولو انطوت على مخاطرة جسيمة تتمثل في الاضرار بعلاقاته مع السوفيت، وانه سيكون مستعدا لقبول نظام قومي عراقي مستقل بصورة مؤقتة على أقل تقدير"(73).
لقد كانت السياسة الامريكية التي رُسمت في اوائل 1959 تهدف الى "اسداء النصح إلى أصدقائنا، لا سيما الاتراك والايرانيين، بعدم اتخاذ اجراءات استفزازية"، و"ينبغي ان نعمل في حدود قدراتنا، على اقامة علاقات صداقة مع افراد ومجموعات بصورة لا تلفت الانتباه من اجل اشاعة أجواء ملائمة أكثر للعلاقات الاميركية-العراقية. وينبغي ان يشمل هذا أفراداً من داخل الحكومة وخارجها"(74). وهذا ما بدأوا العمل به مع الاستمرار في تفعيل العلاقات مع عبد الناصر.
كانت المخابرات المركزية لديها علم سلفاً بتمرد الموصل في آذار/مارس 1959 في العراق. فقد ارسل جون اس دي ايزنهاور John S. D. Eisenhower تقريراً الى واشنطن في 28 شباط/فبراير "يشير الى انه من المقرر القيام بانقلاب تنفذه عناصر في الجيش العراقي مدعومة من عبد الناصر في الفترة الواقعة بين 2 و5 آذار/مارس"(75). وخلال اجتماع مجلس الأمن القومي في 5 آذار/مارس قال مدير وكالة المخابرات المركزية دلاس ان "هناك تقارير تستمر في الوصول إلينا تحكي عن مؤامرات تحاك ضد رئيس الوزراء قاسم. وسواء أكانت هذه المعلومات صحيحة أم لا، فان الوضع في العراق يتطلب أقصى درجات الاهتمام من الولايات المتحدة وربما يملي على الولايات المتحدة الاتصال بعبد الناصر لمواجهة النتائج المحتملة". ويتابع السيد دلاس قائلا" يبدو إننا نواجه خياراً بين الشيوعية أو الناصرية وإن الأخيرة تبدو أهون الشرين"(76).
جلبت حصيلة هذا الانقلاب نتائج سيئة جداً لعبد الناصر. فقد بدء العقيد الركن عبد الوهاب الشواف آمر اللواء الخامس المتمركز خارج الموصل، المحاولة بتوقيت سيء، إذ كانت لدى قاسم معلومات عن المؤامرة، واتخذ اجراءات واسعة لاحباطها. وكانت الجمهورية العربية المتحدة قد امدت القوميين بالعتاد وبمعدات اذاعية. وفي صبيحة 8 آذار/مارس أذاع الشواف البيان الأول معلناً تشكيل حكومة جديدة برئاسته. ومن سوء حظ الشواف ان زهاء نصف جنود حاميته فقط ظلوا موالين له عندما بث قاسم بياناً يدين فيه المتآمرين "لتعاونهم مع الأجنبي ضد مصالح الدولة...".قُتل الشواف وفرَّ غالبية مؤيديه الكبار أو أُلقي القبض عليهم أو قُتلوا معه. وصدر عن الشيوعيين ردة فعل عنيفة تضمنت اقامة محكمة ثورية استمرت في الموصل حتى نهاية آذار/مارس، فيما حاولت الحكومة العراقية حلها مرتين بلا جدوى.وبدأت الميليشيات الشيوعية* حملة اعتقالات جماعية في انحاء البلاد طالت العناصر القومية المعروفه ، وأُغلقت جميع الصحف غير اليسارية في بغداد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*لا توجد في ذلك الوقت ميليشيات خاصة بالحزب الشيوعي العراقي، بل منظمات شبه عسكرية رسمية، وعلى رأسها ضابط في الجبش العراقي، وتأتمر بالقائد العام للقوات المسلحة الزعيم عبد الكريم قاسم. وقد أنشأت بمرسوم حكومي بعيد الثورة مهمتها المشاركة في الدفاع عن الثورة ضد المؤآمرات التي تحاك ضدها. ولم تستمر الممارسات الشاذة لبعض الشيوعيين من قادة المنظمة المحلية في الموصل، إذ توقفت بعد يومين من قمع التمرد، وبعد وصول آمر حامية الموصل الجديد حسن عبود الذي أمر بإطلاق سراح المعتقلين ممن لم يشاركوا في التمرد، إضافة إلى وصول احد قادة الحزب الشيوعي لمعالجة الوضع. وبدأت محكمة الشعب الشهيرة برئاسة العقيد فاضل المهداوي محاكمة المتآمرين على امتداد أشهر لاحقة(77). وكان من النتائج التي ترتبت على ذلك ان الكثير من البعثيين قُدِّموا الى المحاكمة وجاهروا بمواقفهم امام الرأي العام عبر الاذاعة التي كانت تبث جلسات المحكمة. كانوا يردون على المهداوي وينددون بالحكومة العراقية متهمين اياها بعدم الوفاء لثورة 14 تموز/يوليو العربية. هذه العملية جعلت منهم شهداء ومهدت الطريق لقبول عام حظي به البعث لاحقا في عام 1963.


الفصل الخامس

محاولة الاغتيال واتصالات السي آي أي بالبعث
مع تنامي النفوذ السياسي للشيوعيين بعد أحداث الموصل،غلب الشعور بالقلق البالغ على الامريكان. وبدا ذالك واضحاً في اجتماع مجلس الأمن القومي في 12 آذار/مارس حيث أشار مدير وكالة المخابرات المركزية الن دلاس:
"عموما الوضع بالغ الخطورة. ومما يؤكد هذه الخطورة هو قرب الكويت من العراق. في الحقيقة ان عبد الناصر ربما يفكر الآن في تدبير انقلاب مضاد في الكويت. وهنا لفت السيد دلاس الانتباه الى خريطة ورسم خطاً بيانياً عن احتياطات النفط في الشرق الأوسط. وبعد ايراد بيانات الاحصائيات عن طاقات الحقول المختلفة، كرر السيد دلاس تحذيره من اننا نواجه وضعاً كارثياً ينبغي ان يكون موضع اهتمام بالغ من جانبنا بشكل مبكر وعاجل".
بلغ الشيوعيون في العراق ذروة نفوذهم في نيسان/ابريل وايار/مايو عام 1959. وأثار هذا توجساً ليس بالقليل لدى صنّاع السياسة الاميركيين. وجرت مناظرة مفتوحة حول غزو العراق "لانقاذه من الشيوعية". وناقش مجلس الأمن القومي امكانية تغيير النظام بعملية خفية كما حدث مع "مصدق" في "ايران"(79). وفي هذا الوقت القى الن دلاس خطابه الناري امام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ(80). ولكن الغلبة كانت لذوي الرؤوس الباردة، وتقرر تقديم أقصى ما يمكن من الدعم لعبد الناصر قدر الامكان دون اثارة حفيظة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وينبغي ان يُغازل قاسم بوصفه ثقلاً مضاداً لنفوذ الشيوعيين (رغم ان الكثيرين كانوا يشكون في قدرته على مقاومتهم)، على أن تبقى نشاطات الولايات المتحدة بعيدة عن الانظار وتواصل ما يمكن تنفيذه من برامج تجارية وثقافية على أمل ان يكونوا البديل عن الاتحاد السوفيتي في مساعدة العراق(81). ومع ذلك كان القلق من وقوع العراق في أحضان الشيوعية عميقا بحيث ان مجلس الأمن القومي اتخذ القرار رقم 2068 بتشكيل "لجنة خاصة حول العراق" تجتمع وتقدم ما يمكن اعداده من خطط عمل لتبديد هذا القلق خلال السنوات القليلة المقبلة(82).
حاول الحزب الشيوعي العراقي ان يستثمر ما يتمتع به من نفوذ ويواصل توسيعه، لكن قاسم تصدى لهم أخيرا عندما قاوم ضغوطهم السياسية الشديدة لتعيين المزيد من الشيوعيين في حكومته. ولاحظ عبد الناصر هذا الموقف، وفي ايار/مايو كف عن حملاته التي تستهدف شخص قاسم عبر اذاعة "صوت العرب"، وقصر سجالاته على معاداة الشيوعية. وأخذ الامريكان ايضا علماً بذلك واستمروا في سياسة العمل من خلال عبد الناصر(83). ولعلهم بدأوا بتمويل المخابرات المصرية سراً في هذا الوقت. ويؤكد مراسل وكالة "يو بي آي" للشؤون الأمنية ريتشارد سيل ان وكالة المخابرات المركزية كانت تتعاون مع الاستخبارات المصرية قبل محاولة الاغتيال الفاشلة ضد قاسم في تشرين الأول/اكتوبر 1959. ولم تتحقق صحة هذا التأكيد والمعلومات الأخرى التي اوردها سيل من مصادر اخرى، إلاّ أنها تنسجم مع ما كشفته وثائق رسمية بشأن التقارب مع عبد الناصر والسياسة الاميركية القائمة على مساعدة مصر خفية في مساعيها لتدمير الشيوعية في العراق. وإذا كانت الولايات المتحدة تساعد الكرد في وقت سابق خلال حكم عبد الكريم قاسم عن طريق الايرانيين أو الاتراك، فانها توقفت عن تقديم هذه المساعدة على ما يبدو بحلول حزيران/يونيو 1959. وفي اجتماع عقدته اللجنة الخاصة بالعراق، قدم نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باركر هارت Parker Hart تقريراً عن المحادثات التي أجراها مع وزير الخارجية التركي زورلو ونائب رئيس جهاز "السافاك" الايراني الجنرال پاكروان. وكان الاتراك يعتبرون الكرد "عاملا ينبغي ابقاؤه كاحتياط للتمكن من استخدامه إذا تردى الوضع في العراق". و"كان الايرانيون ايضا يحاولون لجم الكرد والاحتفاظ بهم من باب الاحتياط"(84).
خلال مسيرة خرجت احتفالا بثورة 14 تموز/يوليو في كركوك، اندلعت اعمال عنف بين أكراد من ذوي الميول الشيوعية وبين أفراد ينتمون الى الطبقة الحاكمة التقليدية من التركمان. وقتل عدد من المواطنين ومن بينهم من التركمان. وألهب هذا غضب الرأي العام على الشيوعيين، فيما واصل قاسم حملته ضد الحزب الشيوعي العراقي، ولكنه اعدم ثلاثة عشر متهما من المشاركين في مؤامرة الموصل في 20 ايلول/سبتمبر، ليثير سخط القوميين العرب، واعدم اربعة من اركان النظام القديم ليثير استياء الولايات المتحدة. وبعد فشل الحركة الانقلابية في الموصل في آذار/مارس خلص حزب البعث الى انه لا بد من اغتيال قاسم. وعمل الحزب في منتصف 1959 على توسيع اتصالاته واقامة صلات مع ضباط متعاطفين معه في الجيش. وبعد عمليات الاعدام شعر البعثيون أن الوقت أصبح ناضجاً(85).
كانت الولايات المتحدة على معرفة بمخطط الاغتيال والمؤامرة الانقلابية منذ 24 ايلول/سبتمبر(86). وبحسب ريتشارد سيل، فان اميركا كانت أكثر من مطلعة، فقد تعاونت وكالة المخابرات المركزية مع المصريين في تمويل محاولة الاغتيال وتنظيمها في 7 تشرين الاول/اكتوبر 1959. وخولت الوكالة، بحسب رواية سيل، فريق اغتيال يضم ستة من عناصر حزب البعث بينهم نصير شاب اسمه صدام حسين. "وأُسكن صدام في شقة في بغداد تطل على شارع الرشيد مباشرة مقابل مقر قاسم في وزارة الدفاع العراقية لرصد تحركاته". وكان عميل السي آي أي المكلف بالاتصال مع صدام طبيب أسنان عراقي يعمل لحساب المخابرات المصرية التي كانت تتعاون مع الاميركيين لاسقاط قاسم بسبب وقوفه ضد الاماني القومية للشعب العراقي في الانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة. و"كان صدام يقبض الأموال من الرائد عبد المجيد فريد معاون الملحق العسكري في السفارة المصرية، الذي كان يدفع ايجار الشقة من حسابه الشخصي"(87).
حُدِّد موعد الاغتيال بيوم 7 تشرين الأول/اكتوبر، ولكن المحاولة باءت بالفشل. ويتفق غالبية المؤرخين على ان صدام أنفعل أو فقد اعصابه وبدأ يطلق النار قبل الأوان. فقد كان من المفترض ألاّ يطلق صدام الرصاصة الأولى وان يقوم بدور الاسناد(88). قُتل سائق قاسم، لكن قاسم نجا من الموت بالانبطاح على ارضية السيارة. وبحسب سيل، فان صدام فر الى تكريت بمساعدة وكالة المخابرات المركزية والاستخبارات المصرية. "ثم عبر صدام الى سوريا وقام عملاء المخابرات المصرية بنقله الى بيروت... وأثناء وجود صدام في بيروت كانت وكالة المخابرات المركزية تدفع ايجار شقتة وعمدت الى ادخاله في دورة تدريبية قصيرة، ثم ساعدته على الوصول الى القاهرة"(89).
وكما أشير آنفاً، الاشارة، لا يوجد أحد ولا توجد وثائق تؤكد رواية سيل. ولم يرد ولا مصدره الوحيد المذكور بالاسم عادل درويش على استفساراتي. فلا يشير سيل إلى أن تقريره الاخباري يستند الى مقابلات مع "مجموعة من الدبلوماسيين الامريكان السابقين والباحثين البريطانيين والمسؤولين السابقين في المخابرات الاميركية". وبالتالي لا بد من ادراج روايته هنا بوصفها احتمالا قائماً. إن روايته تتطابق بالتأكيد مع ما كُشف من وثائق حكومة الولايات المتحدة حول التقارب مع عبد الناصر والبحث عن سبل مساعدته في الخفاء. ولكن الى ان يفصح بعض هؤلاء الدبلوماسيين أو المسؤولين الاستخباراتيين عما يعرفونه علناً، فان تلك الرواية وببساطة لا يمكن ان تعتبر جزءاً من السجل التاريخي.
بعد محاولة الاغتيال، جدَّد قاسم تقاربه مع الشيوعيين لفترة وجيزة. وبسبب هذا التوجه والمخاوف المتزايدة من وقوع محاولة اغتيال ناجحة وعدم التيقن من هو الذي سيعتلي القمة، عمدت وكالة المخابرات المركزية الى اعداد خطط "عمل" تحسبا للطوارئ. وكُشفت حقيقة التخطيط لحالات الطوارئ مؤخراً في مذكرة منقحة جزئيا عن اجتماع لمجلس الأمن القومي في تشرين الثاني/نوفمبر 1959، ولكن التفاصيل ما زالت مصنفة سرياً(90). في غضون ذلك لا نستطيع ان نعرف ما يقوله المتبقي غير المكشوف، ولكن قد يكون السبب في حجب الجانب الاميركي هذه التفاصيل عن الرأي العام هو خططه لدعم البعث.
لاحظ الاميركيون ما لحزب البعث من ميول واضحة في عدائه للشيوعية. وبدأوا ينظرون اليه بوصفه طريق بديل وسط بين قاسم والشيوعيين أو عبد الناصر والقوميين العرب الراديكاليين. ومن الثابت ان صدام حسين وغيره من البعثيين أصبحوا على تواصل حميم مع وكالة المخابرات المركزية على الأقل بعد محاولة الاغتيال خلال وجودهم خارج العراق، في دمشق أو بيروت أو القاهرة(91). وصرح الموظف السابق في مجلس الأمن القومي والكاتب روجر موريس Roger Morris لوكالة رويترز مؤخراً "هناك في القاهرة اتصلت وكالة المخابرات المركزية لأول مرة (بصدام) والآخرين"(92). وقال مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية الاميركية لم تُكشف هويته للباحثين ماريون وبيتر سليگليت ان صدام حسين والبعثيون اتصلوا بالسلطات الاميركية في أواخر الخمسينات. وكان يُنظر الى البعث على انه "قوة المستقبل السياسية" التي تستحق دعم الولايات المتحدة ضد "قاسم والشيوعيين"(93). وفي 10 كانون الأول/ديسمبر 1959، حينما كان ضابط وكالة المخابرات المركزية ريتشارد بيسل Richard Bissell يتحدث عن "طريق ثالث" في العراق ويتطرق الى امكانية تدخل الجمهورية العربية المتحدة، نقل الى مجلس الأمن القومي ان "عبد الناصر كان على اتصال وثيق مع حزب البعث"(94). وبما ان الاميركيين كانوا يعملون بالتعاون مع عبد الناصر، فمن المؤكد انهم بحلول ذلك الوقت كانوا على قدر من الاتصال بالبعث ايضا. وقد اعترف جيمس كريتشفيلد لوكالة اسوشيتد برس انه قدم توصية الى حكومة الولايات المتحدة يطلب فيها التعاون مع حزب البعث في اوائل الستينات(95).
وبعد محاولة الاغتيال الفاشلة، قام الن دلاس بارسال جيمس كريتشفيلد لادارة عمليات الوكالة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا في اوائل عام 1960. وكان العراق هو مركز الاهتمام(96). ويكتب سعيد ابو ريش ان كريتشفيلد كان سيوظف "خبرته في مكافحة التغلغل الشيوعي وتطبيقها في الشرق الأوسط، وكُلف بمهمة ثانوية هي اسباغ قدر أكبر من المهنية على الوضع"(97). لقد كانت الحاجة الى قدر أكبر من "المهنية" حاجة ملحة. فبعد النجاح المذهل في اسقاط رئيس الوزراء الايراني مصدق عام 1953 دون تحضير يُذكر، قامت وكالة المخابرات المركزية بمحاولتي انقلاب فاشلتين في سوريا في 1956 و1957(98). وخلال الفترة الواقعة بين تموز/يوليو 1957 وتشرين الأول/اكتوبر 1958 اعلنت الحكومتان المصرية والسورية ووسائل الاعلام عن كشف ما يربو على ست مؤامرات حاكتها الولايات المتحدة وجهات أخرى لاسقاط احدى الحكومتين أو اغتيال عبد الناصر(99). كما استُهدفت العربية السعودية بتهديدات كاذبة في مناورات حمقاء(100)، وقامت وكالة المخابرات المركزية علناً بتزوير الانتخابات اللبنانية في عام 1957(101) متسببة في اندلاع اشتباكات واسعة النطاق خلال التصويت ومشاعر عداء دائم ضد الولايات المتحدة. فليس من العجيب أن يطالب دلاس بأن يضفي "طابعا مهنياً" على عمليات الوكالة في الشرق الأوسط. لقد وصف كريتشفيلد نشاطات السي آي أي في الخمسينات بأنها "حقبة رُعاة البقر" (Era (Cow Boy(102). وكان التحرك مكشوفاً وجنونياً(103). وكانت الحكومة العراقية على علم بالكثير من هذا التحرك، وبالتالي فكلما ازداد تآمر المعارضين داخل العراق، كانت الولايات المتحدة دائماً موضع شبهة، والسبب وجيه.
ان الجيش الاميركي ووكالة المخابرات المركزية مؤسستان تستجيبان للكونغرس وللرئيس عند الضرورة. وتبعاً لذلك فانهما تعملان دائماً على اعداد خطط طوارئ مثل "عملية كانونبون" Operation Cannonbone - خطة غزو العراق من تركيا. وكانت احدى هذه الخطط التي أعدتها وكالة المخابرات المركزية خطة خبيثة "لإشاعة العجز عند عبد الكريم قاسم". وفي هذا الشأن جاء في تقرير التحقيق الذي اجراه مجلس الشيوخ عام 1975 بالارتباط مع عمل لجنة تشرتش Church Committee ما يلي:
"في شباط/فبراير 1960 طلب قسم الشرق الأدنى في وكالة المخابرات المركزية تأييد ما سماه رئيس القسم "لجنة التغيير الصحي"، لغرض تنفيذ "عملية خاصة" هدفها "شل" ضابط عراقي (قاسم) يُعتقد انه "يخدم المصالح السياسية للكتلة السوفييتية في العراق". وطلب القسم مشورة اللجنة بشأن اعتماد تكنيك "لا يؤدي إلى عوق كلي، بل يمنع الهدف من ممارسة نشاطاته المعتادة مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر...فنحن لا نسعى بوعي الى إبعاد الشخص المستهدف عن الساحة بصورة دائمة، كما اننا لا نبغي تطور هذا العوق عند الهدف.
في نيسان/ابريل، أوصت اللجنة بالاجماع قسم العمليات بأن تُنفَّذ عملية العوق، مع ملاحظة مدير العمليات الذي نصح بأنها ستكون عملية "مرغوبة للغاية". كانت العملية التي تمت الموافقة عليها تتضمن أن يُرسل بالبريد منديل محاك عليه الاحرف الأولى من أسم الشخص المستهدف بعد "معالجة المنديل بمادة من نوع ما لمضايقة الشخص الذي يستلمه".
ومضت وكالة المخابرات المركزية الى القول في هذه التحقيق الى ان المنديل "لم يصل قط في الحقيقة، هذا إن أُرسل فعلا"(105). قد لا يكون ذلك صحيحاً، فان سدني غوتليب Sidney Gottlieb رئيس قسم الخدمات التقنية في عام 1960، وصف دوره في دعوى قانونية رُفعت ضد وكالة المخابرات المركزية إبان الثمانينات. وقال في هذا الشأن: "كنتُ في رحلة خارج البلد وأرسلته (المنديل) بالبريد من مكان ما في الشرق الأقصى"(106). ويبدو ان هذا الفشل هو من مخلفات "حقبة رُعاة البقر". وتزخر وثائق حكومية تغطي الفترة من كانون الثاني/يناير الى شباط/فبراير بالمقاطع المحذوفة لكونها لم تزل مصنفة سرياً. ورغم عدم وجود ما يكفي من ما هو متاح للجمهور من المخططات السرية المسموح بالاطلاع عليها والموصوفة في تقرير لجنة تشرتش، فان الوثائق تقول ان خطط الطوارئ التي اعدها مجلس الأمن القومي للعراق "جرى تحديثها وتنسيقها مع المملكة المتحدة في سرية تامة". وفي 14 كانون الثاني/يناير أخبر ليفينغستون تي ميرتشانت Livingston T. Merchant اللجنة: "ان الوضع في العراق اسوأ مما كان قبل ستة اشهر بسبب هبوط شعبية الاتجاه القومي وازدياد اعتماد قاسم بشكل ملحوظ على الشيوعيين"(107). و يبدو من الواضح من هذه الأدلة ان وكالة المخابرات المركزية وبحلول شباط/فبراير 1960 على أقل تقدير، كانت تسعى بنشاط الى إلحاق الأذى بعبد الكريم قاسم. ونتيجة لذلك، فلا يبدو من المستبعد ما ذهب اليه سيل من ان وكالة المخابرات المركزية كانت تقوم بالتمويل والتعاون مع الاستخبارات المصرية في محاولة الاغتيال الفاشلة التي جرت في تشرين الأول/اكتوبر 1959.


الفصل السادس

تدخل الولايات المتحدة الخفي قبل الانقلاب
ابتداء من آذار/مارس 1960، شهدت العلاقات بين العراق والولايات المتحدة انفراجاً بعدما أخذت مؤسسة السياسة الخارجية الاميركية تنظر بعين الرضا الى استمرار قاسم في تطهير الجيش من الشيوعيين ورفضه اجازة حزبهم. وخلال عام 1960 كان الفرع المكشوف من الحكومة الامريكية يتنافس مع السوفيت من أجل النفوذ في العراق(108). ولكن الكتلة السوفييتية ظلت تقدم الى العراق مساعدات أكبر بكثير مما يقدمه الغرب، وأصبحت تصرفات قاسم غريبة بصورة متزايدة بعد محاولة اغتياله، وفقد ما كان يتمتع به من شعبية وتأييد لكنه احتفظ بالسلطة ماشياً على حبل التوازن بين القوميين العرب والشيوعيين. وكان قاسم يحكم بشكل يكاد يكون كاملا من خلال الجيش الذي كان ضباطه يدينون بالولاء له لأنهم تولوا غالبية المناصب الوزارية والمتصرفيات في الوية العراق، وكانوا يحصلون على ترقيات مبكرة لدى حلولهم محل الشيوعيين والقوميين المعزولين، وكانت رواتبهم مرتفعة بفضل عائدات النفط. في المحصلة النهائية، طرأ تحسن على علاقات الولايات المتحدة مع العراق خلال الشطر الأعظم من عام 1960، وجرى تخفيف الكثير من القيود التي كانت مفروضة على الوكالات الاميركية العاملة في العراق، وهدأت اتهامات العراق بتدخل الولايات المتحدة، وسُمح بمقادير محدودة من المساعدة الاميركية والتبادل الثقافي. ويبدو ان التدخل الاميركي الخفي في العراق قد انحسر إلى درجة كبيرة(109) ، الى جانب استمرار علاقات السي آي أي مع عراقيين معارضين في الخارج.
وبداية من منتصف 1960، شرع حزب البعث في القيام بمحاولة جدية قادها العقيد صالح مهدي عماش لتنظيم الحزب وتوسيعه في العراق. وبحلول نهاية العام أقرت حكومة الولايات المتحدة بأن حزب البعث ينافس الحزب الشيوعي العراقي "من حيث القيادة والتنظيم والقدرة على التحرك في الشارع"(110).
وجلب عام 1961 المزيد من عدم الاكتراث في واشنطن تجاه العراق مع انتقال الادارة الاميركية من ايزنهاور الى كندي. وفي الحقيقة ان العراق لم يعد الى دائرة اهتمام السياسة الخارجية الاميركية الى أن أحيا قاسم مطلب العراق بالكويت في 25 حزيران/يونيو 1961. وفي 1 تموز/يوليو قام البريطانيون باحتلال الكويت، ولم يرحلوا عنها إلا في 29 ايلول/سبتمبر. وفي 18 كانون الأول/ديسمبر ابدى مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا فيليبس تالبوت Philips Talbot قلقا متجدداًحول العراق:
"وبعد مطالبة العراق بالكويت، بدأ العراق يقترب بصورة متزايدة من الكتلة السوفيتية... وفي مجرى هذه العملية أخذت الحكومة العراقية وحتى في فترة مؤخرة، تشدد بصورة تدريجية من اجراءاتها القمعية ضد الشيوعيين في الداخل، حتى بتنا نعتقد ان قدرة الشيوعيين على تهديد أمن الدولة العراقية قد حُيِّدت. لكننا نعتقد الآن إن مرحلة جديدة بدأت، فالحكومة العراقية اتخذت خلال الاسبوعين الماضيين خطوات متعددة يبدو انها تتيح للشيوعيين المحليين أن يعززوا مواقعهم في الداخل بدرجة كبيرة. يضاف الى ذلك ان العراق اتخذ خطوة عنيفة بمصادرة كل الاراضي المشمولة بامتياز شركة نفط العراق (والشركات التابعة لها) باستثناء الحقول المنتجة حالياً. ونتيجة للاجراء العراقي ضد شركة نفط العراق، نرى أنه من الممكن حث وزارة الخارجية على الرد وممارسة ضغوط أخرى على العراق.وعلى الغرار نفسه، بما أن الشيوعيون العراقيون يستعيدون دورهم المهم في العراق ويبدو انهم يهددون استقلال العراق، فان من المرجح ان ينشأ لدى الولايات المتحدة شعور قوي بضرورة التدخل في الشؤون العراقية"(111).
لقد عبّر عن هذا "الشعور القوي" الموظف في مجلس الأمن القومي روبرت كومر Robert Komer في مذكرة قدمها بعد أحد عشر يوماً. ولكن القسم الأكبر من هذه المذكره الذي يتركز في فقرتين تعرضان معلومات وكالة المخابرات المركزية أو خطط عملها، ما زال مصنفاً في عداد الاسرار. وما كتبه كومر بعدئذ هو: "كنا ميالين الى الارتخاء واعتبار شركة نفط العراق والكويت وحتى العراق نفسه أطفال من اختصاص بريطانيا. ولكننا نمتلك نسبة 23.75 في المئة من شركة نفط العراق (تشارك في ملكيتها ستاندارد اويل اوف نيو جرسي وسوكوني موبل)، وتملك شركة غولف 50 في المئة من شركة نفط الكويت. ويضاف الى ذلك ان ما يحدث في العراق سيؤثر تأثيرا مباشرا على الأحداث في سوريا وايران، ناهيك عن الاردن والجمهورية العربية المتحدة والعربية السعودية. لقد حاول البريطانيون في البداية التعامل مع قاسم، ولكني أفهم انهم يشعرون بخيبة أمل إزاء تقلباته الحادة(112).
وعلى غرار دالاس، كان كومر يعرف الكثير عن نفط العراق. وبعد شهر اوضح تقييم المخابرات القومي بأنهم لا يستطيعون "ان يحددوا هوية الافراد أو المجاميع التي من المرجح ان تقوم بانقلاب ناجح"(113). ولكن بحلول ايار/مايو 1962 كان حزب البعث التنظيم الوحيد الذي تضعه وزارة الخارجية في مداولاتها بشأن امكانية اسقاط قاسم، وأوصت الاعتراف بحكومته "ما أن يبسط الحزب سيطرته الكاملة فعلا"(114). وفي 4 حزيران/يونيو كتب روبرت كومر الى تالبوت في وزارة الخارجية مقترحا بأن تعيد وزارته النظر في سياسة "التريث بانتظار ما سيحدث" تجاه العراق. وكتب يقول: "ولكن لماذا لا تكون هناك على الأقل مراجعة للطرق التي يمكن ان نؤثر بها تأثيراً أكثر ايجابية في مجرى الأحداث؟ فهل لدى وكالة المخابرات المركزية أية افكار، وما هو رأيكم بالحديث مجدداً مع البريطانيين، بل قد يكون من المجدي الاستئناس بآراء الجمهورية العربية المتحدة"(115).
وأستناداً الى ابو ريش، أدى انفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة في عام 1961 الى تخفيف حدة التوجس من التعاون مع الاستخبارات المصرية. وفي عام 1961 قدم الامريكان الى عبد الناصر خطة لاسقاط قاسم بانقلاب بعثي، وابدى عبد الناصر موافقته على الخطة. "ومنذ عام 1961 وحتى الإطاحة بقاسم في شباط/فبراير 1963، كان قسم العراق في المخابرات المصرية يتولى مهمة تسهيل الاتصالات بين وكالة المخابرات المركزية وعراقيين لجأوا الى القاهرة. وعمل الامريكان على زيادة هذه الاتصالات باقامة صلات بين محطات الوكالة في بيروت ودمشق وضباط سابقين في الشرطة العراقية في زمن العهد الملكي وعناصر مسيحية لبنانية وسورية تنتمي الى حزب البعث القومي العربي نفسه الذي يناصب قاسم العداء"(116). وبحسب العاهل الاردني الملك حسين فان "لقاءات كثيرة عُقدت بين حزب البعث والمخابرات الاميركية، حيث عُقدت أهمها في الكويت"(117).
كان صدام حسين واحداً من الذين اتصلت بهم وكالة المخابرات المركزية في القاهرة. فقد جاء صدام الى القاهرة في شباط/فبراير 1960. وبحسب سيل، فان صدام "أُسكن في شقة بحي الدقي الراقي، وكان يمضي وقته يلعب الدومينو في مقهى انديانا، حيث تراقبه عيون الوكالة والمخابرات المصرية... ولكن خلال هذه الفترة كان صدام يقوم بزيارات كثيرة للسفارة الامريكية حيث كان يعمل خبراء لدى وكالة المخابرات المركزية مثل مايلز كوبلاند ورئيس محطة الوكالة جيم ايكلبرغر Jim Eichelberger، وكانوا يعرفون صدام، بل ان الامريكان المسؤولون عن الاتصال بصدام شجعوا المصريين المسؤولين عنه الى زيادة مخصصاته الشهرية"(118). وسواء أكان هذا صحيحا أم لا، فان كتّاباً آخرين ينقلون ان صدام كان على اتصال مع الاميركيين، وهذا ثابت بلا مراء(119). وكانت المباحث المصرية تراقب صدام عن كثب وتقوم في احيان كثيرة بتفتيش شقته واحتجزته ذات مرة رهن التوقيف في السجن خلال اقامته التي استمرت ثلاث سنوات في القاهرة. وعلى الرغم من تعاون المصريين مع وكالة المخابرات المركزية إلا انهم كانوا ينظرون الى الاميركيين بريبة شديدة ايضاً، وبالتالي الى اللاجئين البعثيين الذين كان الامريكان يزورونهم. ورغم كل الاتصالات التي اجرتها وكالة المخابرات المركزية مع المغتربين العراقيين فإن هؤلاء لم يكونوا عنصراً مركزياً في المخططات الرامية الى اسقاط قاسم.


الفصل السابع

انقلاب البعث ـ السي آي أي في 1963
شهد عام 1962 في العراق تصاعدا كبيرا في التآمر على قاسم. وبحسب وثيقة تعود لسفارة الولايات المتحدة في بغداد والمؤرخة في 25 حزيران/يونيو، فان مجموعة من الضباط "القوميين المعاديين للشيوعية" الذين كانوا يخططون لاسقاط الحكومة العراقية فاتحوا البريطانيين بمخططهم. و"طلبوا تأكيدات بأن ينالوا اعترافاً سريعا ًوتزويدهم بمعدات عسكرية لتمكين الجيش من الافلات من السوفييت المصدر المهم للامدادات". ولم تكن هذه المجموعة هي الوحيدة من بين المتآمرين العسكريين الذين كانت السفارة على علم بوجودها. لأن البرقية تمضي قائلة "ان الضباط ذوي العلاقة ليسوا اولئك المنخرطين في الحركة المذكورة في برقية المرجع". وتشير هذه الوثيقة الى برقيتين أخرييتين على الأقل تستعرضان اتصالات السفارة بمتآمرين في صفوف الجيش العراقي. كما تتحدث البرقية عن ثلاث مجموعات أخرى من المتآمرين "عدا حزب البعث" والتي تشكل "خطراً حقيقياً على قاسم"، وتقدم تحليلا سياسيا للوضع. كما تروي الوثيقة الرد البريطاني على المفاتحة: "لا يمكن لحكومة صاحبة الجلالة ان تورط نفسها في السياسة الدولية، ولكن اية حكومة عراقية يمكن أن تتوقع علاقات ودية تُقام مع العراق بالحد الذي يكون مرغوبا به (المعلومات منقولة كما هي من المصدر)(120). وتبين وثائق حكومة ماكميلان ان بريطانيا بعد أقل من شهرين على الانقلاب وافقت على "تدريب عدد من الضباط العراقيين في البلاد وتزويد العراق بكميات كبيرة من الاسلحة والمعدات، بما فيها ناقلات أفراد مصفحة من طراز "ساراسن" Saracen وطائرات "هنتر" واعتدة(121). ويبدو من المرجح ان ضباط الجيش الذين فاتحوا البريطانيين بشأن التسهيلات التي يريدونها بعد انقلابهم هم نفس الضباط الذين قدموا الطلب لاحقا. وبهذا المعنى يكون البريطانيون قدموا بعض الدعم للمتآمرين قبل الانقلاب بوعدهم اتخاذ موقف "ودي بالحد المرغوب".
بحلول 26 ايلول/سبتمبر،أبرقت السفارة في تقرير لها "ان الحكومة والصحافة العراقية أضحت حتى أشد عداءً للولايات المتحدة وأكثر وداً تجاه الكتلة السوفيتية"(122). وبحسب ابو ريش فان قاسم اكتشف المؤامرات التي كانت تستهدفه في كانون الأول/ديسمبر(123). وعرف آخرون بالمؤامرة قبل الموعد. فإن السفارة اليوغسلافية في بيروت(124) اكتشفت المؤامرة عبر أحد مخبريها، وأبلغت قاسم في بغداد ايضا(125). بعد ذلك بفترة،جرى اعتقال موظفين عراقيين يعملون في السفارة الاميركية بتهمة التجسس دون ريب(126). وكررت الحكومة العراقية اتهامها للولايات المتحدة بالتآمر ضدها. ويبدو من الواضح ان مخابرات قاسم اكتشفت أدلة على مساعدة الولايات المتحدة للمتآمرين. لم يرد الامريكان على الاتهامات علناً، لكنهم نفوها بقوة أمام الحكومة العراقية(127).
بعثت وزارة الخارجية الأمريكية ببرقية من الوزير رسك الى سفارتها بالعراق في 5 شباط/فبراير 1963 لبحث الوضع. وتكشف الفقرة الثانية من البرقية عن وجود عناصر سرية مهمة تشملها قرارات قاسم بالطرد.
ربما كانت تصريحات قاسم الأخيرة مصاغة عمداً لاستثارة رد فعل امريكي يمكن استغلاله فيما بعد على انه "دليل" يؤكد عداء الولايات المتحدة للعراق، ويشكل أساساً لتصعيد الحملات التي قمنا بالرد عليها مرة من قبل ولكن لا يمكن ان نتجاهلها الآن. إن تصريحات الولايات المتحدة لا يمكن أن تُنشر من دون تشويه داخل العراق، والبث على الموجة القصيرة لن يكون له تأثير واسع النطاق. وستكون لدى قاسم حرية تشويه مواقف الولايات المتحدة داخل العراق بغية إيجاد مبرر لتصعيد وتيرة الحملة المعادية للولايات المتحدة وتشديد التضييق على السفارة والقنصلية في البصرة. نحن لا نستطيع أن نتأكد من ان قاسم لن يمضي الى حد تنفيذ قراره بطرد موظفين من العاملين في بعثتنا. وهذا سيهدد بخفض "وجود" مصادرنا الذي يشكل أحد منابع الولايات المتحدة المهمة (سطر واحد من نص المصدر لم يُرفع عنه حظر النشر باعتباره مادة مصنفة سرياً)(128).
من الجائز تماماً ان "العنصر المهم" في السفارة كان عميلا من عملاء وكالة المخابرات المركزية،ويع مل بغطاء سري في وظيفة متدنية في السفارة. وبعد مناقشة هذه الوثيقة مع ليكلاند اقترح قائلا: "كان لدينا ملحق ثقافي يدير مكتبة ومركزاً ثقافياً، وكان جاسوساً". ولعل هذا هو "العنصر المهم" الذي تشير اليه برقية 5 شباط/فبراير. لقد أجرت صحيفة "لوموند" الفرنسية مقابلة مع قاسم نشرت أيضا في 5 شباط/فبراير 1963. وتنم تصريحات قاسم بشأن الامريكان والبريطانيين عن إن واشنطن قد هددته:
"إنني لا أتحدث بقدر ما يتحدث به البريطانيون والامريكان. فما هو الشئ الذي لم يفعله هؤلاء كي يستعبدوا العراق ويحكموا قبضتهم على ثرواتنا؟. أنظر ... لقداستلمت قبل بضعة أيام فقط مذكرة تنذرني بلغة لا لبس فيها ان واشنطن ستفرض عقوبات على العراق إذا تمسكتُ بمواقفي. كيف نستطيع السكوت على لغة كهذه؟. إن كل متاعبنا مع الامبرياليين قد بدأت يوم أكدنا حقوقنا المشروعة في الكويت. أنظر الى هذه الخريطة (يعطيني كراسا بعنوان "حقيقة الكويت" وخريطة الامارة)... لاحظ هذه النقطة الخضراء الصغيرة. هذه هي الكويت، الجزء المغتصَب من بلدنا. قل لي رجاء ما هي العناصر التاريخية أو الفكرية أو الاقتصادية التي تجعل من هذه الامارة مملكة؟.... ليس لديها حتى ماء صالح للشرب!)"(129).
يعتري الغموض تفاصيل المؤامرة التي دُبرت لاسقاط الزعيم العراقي. فان ابو ريش يذهب الى ان المؤامرة كانت بقيادة ويليام ليكلاند، عميل السي آي أي السري الذي انتحل صفة ملحق في السفارة الاميركية في بغداد(130)، وهذا خطأ(131).إن ويليام ليكلاند كان موظفاً مسلكياً في وزارة الخارجية، وعمل في أثناء وقوع الانقلاب ضمن ملاك وزارة الخارجية وفي سفارتها في بغداد بمنصب السكرتير السياسي الأول. إن الدائرة السياسية هي المكان الذي غالباً ما تسرب وكالة المخابرات المركزية عناصرها فيه. ويصح هذا على حالة بغداد عام 1963، إذ أن ليكلاند، لكونه مدير هذا القسم، هو في نفس الوقت يشغل منصب رئيس محطة السي آي أي ايضاً. وفي الحقيقة، ان رئيس المحطة كان آرت كالاهان الذي كان يتستر بستار موظف صغير في الدائرة السياسية في السفارة(132). وكان هناك مكتب منفصل تماًماً لوكالة المخابرات المركزية يعمل فيه عدة موظفين، بمعزل عن الدائرة السياسية، ولكنه جزء منها في الظاهر رغم انهما نادرا ما يعملان معا(133).
في عام 1963 استلم جيمس ايكنز (وهو موظف مسلكي آخر في وزارة الخارجية) المنصب بعد ليكلاند بدرجة وظيفية في بغداد بوصفه السكرتير السياسي الثاني. وقال ليكلاند انه لم يكن على معرفة بأي بعثي قبل الانقلاب، ولكن "ايكنز نفسه كانت له علاقات مع بعثيين لم يكونوا عملاء مأجورين، وانما في اطار العلاقات المعهودة مع موظف في وزارة الخارجية.وكانت له صلة مع مؤيد للبعث"(134). من الجائز ان ايكنز قام بتسهيل عملية الاتصال بين البعثيين العراقيين ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي)، ولعل دوره كان أكثر من ذلك. فقد ألمح ايكنز على مر السنين الى ان امريكا ضالعة في انقلاب 1963 البعثي(135)، ولكنه لم يكن يوافق على نشر ما يعرفه(136). والأرجح ان ايكنز هو احد "الدبلوماسيين السابقين" الذين كتبت عنهم السيدة ماريون وبيتر سلگليت وسيل وبنروز الذين كشفوا لهم (في تصريحات ليست للنشر) عن علاقة الولايات المتحدة بالبعث قبل عام 1963. وقال لي العديد من الأشخاص ان ايكنز معروف بكونه مستعداً للمساعدة حول هذا الموضوع.
ومن المرجح ان ارتشيبولد روزفلت كان على اتصال بأعضاء في حزب البعث قبل الانقلاب.ففي مراسلاتي مع ابو ريش أخبرني أن: "أحد الأشخاص الضالعين في التحضيرات لانقلاب 1963 كان ارتشي روزفلت الذي شغل منصب رئيس محطة في بيروت، وقدعاد اليها قبل اشهر قليلة من الانقلاب. كان ارتشي يتحدث بـ 14 لغة بينها العربية والكردية. وكان ارتشي يعرف الكثيرين في العراق عندما خدم هناك بعد الحرب العالمية الثانية. وقبل سنوات على ذلك، وعندما كان رئيس محطة في بيروت، كان له دور في معارضة ما يُتخذ من خطوات نحو اقامة الوحدة العراقية-السورية"(137).وكتب لاحقا "ان الدورين اللذين لم أكشف أنا شخصيا عنهما هما دور ماكهايل McHale ودور ارتشي روزفلت. لا استطيع أن اقول لك كيف ولكني كنتُ اعرف الرجلين"(138). ويتفق هذا مع قول روجر موريس ان "عناصر من السي آي أي، ومن بينهم ارتشيبولد روزفلت حفيد تيودور روزفلت والمسؤول الكبير في السي آي أي لشؤون الشرق الأدنى وافريقا وقتذاك، تحدثوا بصراحة عن علاقاتهم الوثيقة مع البعثيين العراقيين"(139).ويتعين علينا ان نعلم المزيد لكي نعرف على وجه الدقة كيف قام ارتشي روزفلت بمساعدة الانقلاب.
وبصرف النظر عن طريقة السي آي أي في اصطياد البعثيين العراقيين، فقد وصل نبأ لقاءاتهم الى القادة البعثيين في دمشق واحتدم الجدل بين البعث السوري والبعث العراقي. ويروى جمال الاتاسي الذي كان وزيراً في الحكومة السورية وقتذاك فحوى تلك النقاشات:
"عندما اكتشفنا هذا الأمر، بدأنا بمناقشتهم وكانوا يبررون تعاونهم مع وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) والولايات المتحدة بأنه لغرض أسقاط عبد الكريم قاسم والاستيلاء على الحكم. كانوا يقارنون ذلك بكيفية وصول لينين بقطار الماني للقيام بثورته قائلين انهم وصلوا بقطار اميركي. ولكن في الواقع،وحتى في حالة تسلم مقاليد الحكم في سوريا، فقد كان هناك دفع من الغرب وبخاصة من الولايات المتحدة كي يستولي البعث على السلطة ويستأثر بها ويستبعد كل العناصر والقوى الأخرى (أي الشيوعيين والناصرين)(140).
تعني الاشارة الى قطار لينين أن البعثيين العراقيين كانوا يقبضون من الولايات المتحدة مثلما أخذ لينين والشيوعيون، كما يُزعم، قطاراً محملاً بالذهب من ألمانيا خلال الحرب العالمية الاولى لمساعدتهم في ثورتهم البلشفية. وهذه هي الطريقة التي ساعدت الولايات المتحدة بها هذا الانقلاب مالياً. وكان هاري روسيتزكي Harry Rositzke، المحلل الاستخباراتي المخضرم في مكتب الخدمات الاستراتيجية (أو أس أس) ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي)، قد وصف الانقلاب في مذكراته بأنه مثال جيد على انقلاب كان لدى المخابرات معلومات وافية عنه على النقيض من انقلابات أخرى فاجأت الوكالة. وكان "عملاء السي آي أي قد أحيطوا بتفاصيل دقيقة"عن الانقلاب البعثي.
كان العملاء في مقر حزب البعث في بغداد طيلة سنوات يبقون واشنطن على اطلاع بشأن كوادر الحزب وتنظيمه واتصالاته السرية ومصادر تمويله ومدى تغلغله في الجيش والمؤسسات التقليدية المدنية في بلدان متعددة. وكانت مصادر السي آي أي في موقع مثالي لمتابعة كل خطوة في استعدادات البعث للانقلاب العراقي، التي تركزت على إجراء اتصالات مع قادة عسكريين ومدنيين في بغداد. ونقل مصدر السي آي أي الرئيسي من موقعه الأمثل ساعة تنفيذ الانقلاب على وجه الدقة، وقدم قائمة بأسماء الوزارة الجديدة... ان التعاطي مع انقلاب مقبل يتطلب من السي آي أي ان يكون لها مصدر داخل المجموعة المتآمرة. ولكن من وجهة نظر دبلوماسية فان اقامة اتصالات سرية مع متآمرين تعني على الأقل مشاركة غير رسمية في المؤامرة"(141).
نعم إنها بالفعل "مشاركة غير رسمية في المؤامرة".إذ أن وكالة المخابرات المركزية كانت تدفع مبالغ طائلة من المال لهذا المصدر لقاء تقديم المعلومات، لا سيما وان المخططين الامريكين قرروا أن حزب البعث سيكون في المقدمة وإنهم راغبين في دعم الانقلاب. وأعترف ليكلاند بأن ضابط السي آي أي ايد كين أبلغه بأن الولايات المتحدة "كان لديها أشخاص يطلعونها على كل الأمور... وكانت السي آي أي على علم بما يحدث... وانها دفعت الى مخبرين داخل حزب البعث ولكن لم يكن لديها سيطرة على أية عمليات... كان الأمر سرياً للغاية... (142). وأفصح ليكلاند عن هذه الأشياء وكرر المعلومات في اربع مناسبات مختلفة، ولكن في كل مرة وعند ذكره لموقف كين المكتوب، فإنه كان يصر على ان كل الاتصالات جرت بعد الانقلاب، وانه يؤيد بشكل قاطع قصة ايد كين القائلة أن "الانقلاب كان مفاجأة تامة للوكالة...، وأنا متأكد أنه كان مفاجأة تامة للحكومة الاميركية ايضا"(143). ومن الجانب العراقي سمع ابو ريش من عضو الوزارة البعثية التي شُكلت بعد الانقلاب هاني الفكيكي والكثير من العراقيين بأن وكالة المخابرات المركزية عملت مع حزب البعث قبل الانقلاب(144)، وان هاشم جواد وزير خارجية قاسم أبلغ بنروز أن وزارته كان "لديها معلومات عن وجود تواطؤ بين البعث والسي آي أي"(145). وخير دليل مباشر على ان الولايات المتحدة كانت شريكاً هي المذكرة التي رفعها الموظف في مجلس الأمن القومي بوب كومر الى الرئيس جون كندي ليلة الانقلاب، في 8 شباط/فبراير 1963، إذ تقول المذكرة في فقرتها الأخيرة:
"سنرفع أصواتنا بطريقة ودية وغير رسمية ما أن نعرف مع مَنْ نتحدث، وينبغي ان نعترف بهم بمجرد ان نتأكد أنهم رسخّوا أقدامهم. ...... إنها تقارير ممتازة عن تخطيط المؤامرة،ولكني أشك في انهم أو بريطانيا يدّعون الفضل فيها"(146).
وما زالت ثمانية كلمات مطبوعة بالآلة الكاتبة مصنفة بوصفها اسراراً قبل كلمة "تقارير ممتازة". وان عبارة "كانت السي آي أي تتلقى" تنسجم هنا انسجاماً تاماً لتكملة الفقرة بحيث على الوجه التالي.... "كانت السي آي أي تتلقى تقارير ممتازة"، والأرجح ان العبارة موجودة في الأصل. ويتفق هذا مع مذكرات روسيتزكي التي كتب فيها ان وكالة المخابرات المركزية كان لديها "مصدر رئيسي في موقع مثالي". وكان سيتعين عليهم ان يدفعوا أموالاً لقاء ذلك، لكنهم ربما لم يفعلوا أكثر من تمويل الانقلاب ولهذا السبب كتب كرومر: "إنني أشك في ادعاءآت ] السي آي أي[ أو المملكة المتحدة ]الاستخبارات البريطانية[ بأن لهم الفضل فيه". فهم يستطيعون أن يدعوا ببعض الفضل فيما تحقق ولكن ليس في كل شئ. فهم على الأقل ساعدوا في تمويل الانقلاب وأعطوا تطمينات بأن حكم البعث سيلقى استقبالاً حسناً في واشنطن. ولعلهم قدموا مساعدة أكبر لم يكن كرومر يعرف بها أو انه أستبعدها.
قبل تنفيذ الانقلاب، أمر قاسم في 3 شباط/فبراير 1963 باعتقال العقيد صالح مهدي عماش، قائد الانقلاب والمخطَّط له وحامل أسراره كلها. وكان عماش ملحقاً عسكرياً سابقاً في السفارة العراقية في واشنطن (حيث جرى تجنيده على الأرجح هناك)، وأحد رجال الاتصال من جانب حزب البعث مع وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي). وفي اليوم التالي أعتقل قاسم القائد المدني لحزب البعث علي صالح السعدي. وأدى اعتقال عماش والسعدي وعدد من المتآمرين الآخرين الى التحرك سريعا خشية ان تتسرب تفاصيل كثيرة عن الخطة خلال الاستجواب(147). فأصدر احمد حسن البكر، القيادي العسكري في حزب البعث، أوامره بالشروع في التنفيذ يوم 8 شباط/فبراير، أي قبل اسبوعين من الموعد.
كانت الخطة تتضمن القيام بتحركات عسكرية لعزل وحدات الجيش الموالية للزعيم عبد الكريم قاسم واحتلال محطتي الاذاعة والتلفزيون وتصفية أنصار قاسم الرئيسيين مثل جلال الاوقاتي ووصفي طاهر واعتقال قاسم واحتلال مقره في مبنى وزارة الدفاع. كان الضباط البعثيون الذين قادوا الانقلاب هم احمد حسن البكر وعدنان خير الله*(كلاهما تكريتيان من اقارب صدام) ومنذر الونداوي وحردان التكريتي وعبد الستار عبد اللطيف وخالد الشاوي وعارف عبد الرزاق(148). وكان البعث يتمتع بتأييد شعبي واسع لدوره النشيط في المؤآمرات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*لربما يقصد المؤلف حماد شهاب.(م.)
القومية ومحاربة الشيوعيين، وصمود البعثيين في المحاكمات التي جرت بعد احباط هذه الحركات. ولكن الكثير من الجنود بقوا أوفياء، وهذا ما أدى إلى اندلاع قتال واسع النطاق. وبحسب حسين ملك الأردن، فان وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) كانت توجه المقاتلين البعثيين من مركز قيادة ألكتروني في الكويت(149). ولكن ليس بالامكان حتى الآن التحقق من صحة ذلك بما يسنده من وثائق الحكومة الاميركية أو تصريحات "منشورة". وكتب ابو ريش: "ان مركز القيادة الألكتروني في الكويت... كان يوجه الوحدات المتمردة، بمن فيهم منذر الونداوي، الذي كان الطيار الوحيد الذي انضم الى المتمردين، وتولى لاحقا قيادة الحرس القومي"(150).
وبعد يومين من القتال الشرس داخل وزارة الدفاع، التي كانت محاصرة من الأرض وتُقصَف من الجو، أستسلم قاسم(151). وكتب ابو ريش ما يلي:
"رفض قاسم حتى اللحظة الأخيرة أن يسلح عشرات الآلاف من الشيوعيين والفلاحين والعمال الذين ساروا الى مقره عارضين الدفاع عنه، في حين قام البعثيون بتسليح المدنيين واستخدامهم في دور مساند. وعندما استسلم قاسم في النهاية... كان استسلامه لحقن مزيد من سفك الدماء في البلاد. وبعدما رُفض طلبه بالاحتفاظ بسلاحه الشخصي وتقديمه الى محاكمة علنية، امتنع قاسم عن الإجابة على أسئلة آسريه، ورفض أن تُعصب عيناه ومات ضابطاً نبيلاً وهو يهتف"عاش الشعب العراقي". ولدى العودة الى الوراء،وبسبب ما قدمه قاسم من عمله من أجل الفقراء وتواضعه والاعتراف بحقوق الكرد لأول مرة على الاطلاق... فإنه ما زال يحظى بحب الشعب العراقي بشكل أكثر من أي زعيم في هذا القرن(152).


الفصل الثامن

بعد الانقلاب
مثَّل البعثيون بجثة قاسم ودنسوها عارضين اياها باستمرار على الجمهور(153). وفي الاسابيع التي اعقبت الانقلاب قام المدنيون المسلحون (الحرس القومي) بملاحقة الشيوعيين واليساريين والمتعاطفين معهم وسجنهم وتعذيبهم وإطلاق النار عليهم. واستمر سفك الدماء لعدة اشهر. وتتراوح التقديرات بشأن اعداد الذين طالتهم التصفيات من سبعمائة الى خمس وثلاثون الفا(154) مع الاجماع عموما على رقم يقرب من خمسة آلاف(155).وقُتل عراقيون ابرياء(156)، وتعرض للتعذيب شيوخ ونساء حوامل حتى الموت أمام ذويهم(157). ويتفق سائر الكتاب والشهود على ان شريحة واسعة من نخبة المجتمع العراقي، بينهم أطباء ومحامون وبرفيسورون واساتذة جامعة وطلاب، كانوا من بين القتلى(158). كما احتُجِز الآلاف، وكان التعذيب ممارسة شائعة في المعتقلات. وكتب كون كوغلن Con Coughlin الصحفي في صحيفة الديلي تلغراف ومؤرخ صدام قائلاً:
"كانت واحدة من أسوأ غرف التعذيب صيتاً تقع في سجن قصر النهاية الذي كان اسماً على مسمى... وكان ناظم كزار من أشهر الجلادين في ممارسة فن التعذيب، والذي أصبح لاحقا مدير أمن صدام. وذاع صيت كزار بتلذذه في ممارسة العنف العبثي حتى انه نجح في ترهيب رفاقه في الحزب. كان يستمتع على الأخص بإجراء التحقيق بنفسه واطفاء سيجارته في عيون ضحاياه(159).
الحكومة العراقية نفسها تصف قصر النهاية وصفاً مخيفاً. ففي أقبية قصر النهاية التي كان "المكتب" يستخدمها مقرا له، عُثر على كل صنوف أدوات التعذيب المقيتة، بما في ذلك اسلاك كهربائية وكماشات، وقضبان حديدية مدببة لإجبار المعتقلين الجلوس عليها، وآلة ما زالت تحمل آثار أصابع مقطوعة. وكانت أكوام من الملابس الملطخة بالدماء مبعثرة في المكان، وكانت هناك بُرك من الدماء على الأرض وبقع على الجدران"(160).
وذكر العديد من الكتاب ان وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) وفرت قوائم بأسماء اليساريين المطلوب تصفيتهم(161). وبحسب ابو ريش:
"كان مصدرهم الأول هو ويليام ماكهايل، وهو عميل في السي آي أي ينتحل صفة مراسل لمجلة تايم وشقيق دون ماكهايل، الذي أصبح بعدئذ من كبار ضباط الوكالة في واشنطن. وحصل ماكهايل على هذه الأسماء في بيروت من ضابط أمن سابق في العهد الملكي، ونائب مدير الأمن في زمن النظام الملكي بهجت العطية الذي أُعدم شنقا في عام 1958، وكانت المعلومات قديمة. ولكن ماكهايل وإن كانت قائمته أطول القوائم، فانه لم يكن الوحيد. فقد ساهم في هذا العمل المشين ضابط مباحث مصري كبير وبعثيين مسيحيين في لبنان ومجموعة صدام الصغيرة في القاهرة وأفرادا وجماعات أخرى"(162).
وطبقا لما يورده الكاتب مالك مفتي فان أسماء المطلوب قتلهم بُثت ايضا عبر مركز القيادة الالكتروني من الكويت(163). وبحسب كون كوغلن فان "البعثيين أعطوا (ضمانات) لوكالة المخابرات المركزية بأن جميع المعتقلين ستُجرى لهم محاكمات عادلة. وقد كشفت الولايات المتحدة تواطؤها في الانقلاب بخرق البروتوكول الدبلوماسي والايعاز الى القائم بأعمالها في بغداد بالاتصال بالمتمردين بعد ساعات على الانقلاب والتعهد بالاعتراف بحكمهم(164). وكان دور السي آي أي معروفاً على نطاق واسع قبل ذلك. وكتبت صحيفة لاكسبرس "L’Express "، ان انقلاب العراق جرى بوحي من السي آي أي. وإن الحكومة البريطانية وعبد الناصر نفسه على علم بالتحضيرات للانقلاب"(165). وبعد سبعة أشهر على الانقلاب، نقلت صحيفة "الاهرام" عن الملك حسين قوله:
"تقول لي أن الاستخبارات الأمريكية كانت وراء الأحداث التي جرت في الأردن عام 1957. أسمح لي أن أقول لك إن ما جرى في العراق في 8 شباط/فبراير 1963 قد حظي بدعم الاستخبارات الأمريكية. ولا يعرف بعض من يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر، ولكنني اعرف الحقيقة. لقدُ عُقدت عدة اجتماعات بين حزب البعث والاستخبارات الأمريكية، وعُقد أهم تلك الاجتماعات في الكويت. هل تعلم بأنه... في يوم 8 شباط/فبراير، كانت محطة إذاعة سرية موجهة إلى العراق، وكانت تزود رجال الانقلاب بأسماء الشيوعيين وعناوينهم للتمكن من اعتقالهم وإعدامهم"(166).
لقد اعترف علي صالح السعدي قائلا "جئنا الى الحكم بقطار اميركي"(167). وفي مقابلة أُجريت عام 1991 مع الكسندر كوكبرن Alexander Cockburn ، رئيس قسم الشرق الأوسط وجنوب آسيا في وكالة المخابرات المركزية في اوائل الستينات، أوضح أن جيمس كريتشفيلد أعترف بأن انقلاب 1963 كان الانقلاب المفضل عند السي آي أي. "كنا حقا على علم بكل تفاصيل ما يجري... واعتبرناه انتصارا كبيراً"(168). وفي السنوات الأخيرة كتب روجر موريس عن مشاركة السي آي أي في الانقلاب لصحيفة "نيويورك تايمز"، وهو يروي ذالك من تجربة شخصية:
"كنتُ أعمل كموظف في مجلس الأمن القومي في زمن ليندن جونسن وريتشارد نكسون في اواخر الستينات، وغالباً ما كنتُ اسمع عناصر من السي آي أي (بمن فيهم ارتشيبالد روزفلت، حفيد تيودور روزفلت والمسؤول الكبير في السي آي أي لمنطقة الشرق الأوسط وافريقيا في حينه)، يتحدث مع ضابط كبير في السي آي أي وعلى المكشوف عن علاقاتهم الوثيقة مع البعثيين العراقيين"(169).
وكشفت الأفعال بعد الانقلاب عن وجود تعاون واسع النطاق بين البعث والسي آي أي. ويكتب ابو ريش ان الامريكان قاموا في غضون اربع وعشرين ساعة بتزويد العراقيين بـ"معدات عسكرية وبدأوا بمد جسر جوي بين تركيا وايران وكركوك في شمال العراق. وكانت الاسلحة التي تقدمها اميركا الى الجيش العراقي تُستخدم في قتال الكرد"(170). وإضافة إلى ذلك فقد "نصح الأمريكان الزعيم الكردي جلال طالباني بصراحة أن ينهي تمرده"(171). ويقول بيل ليكلاند انه لم يسمع بذلك قط ويعتقد انه مجرد وهم(172). ولكن جيف ماكونيل Jeff McConnell الذي يكتب في صحيفة "بوسطن غلوب"، يؤكد معلومات ابو ريش بشأن الجسر الجوي. فقد أجرى ماكونيل مقابلة مع بروس تي اوديل Bruce T Odell الذي "تولى مسؤولية الجسر الجوي منتحلا صفة مساعد خاص للسفير الاميركي في بغداد". وفي مقابلة جرت في الاسبوع الماضي، في ايلول/سبتمبر 1990، أكد على العملية الناجحة للجسر الجوي". وبحسب ماكونيل فان "السي آي أي سرعان ما شرعت في نقل السلاح جواً الى العراق للمساعدة في إضفاء الصفة الشرعية... على حزب البعث"(173). وإضافة إلى ذلك وبحسب ابو ريش، فقد أُفرج عن العقيد صالح مهدي عماش من السجن وعُين وزيراً للدفاع. ". وكان أول طلب قدمه اليه استاذه وصديقه الاميركي وليام ليكلاند مقايضة أسلحة اميركية التي كان الانقلابيون بحاجة ماسة اليها بطائرات ميغ 21 ودبابات تي 54 وصواريخ "سام".حيث كان الامريكان يريدون معرفة فاعلية الاسلحة السوفيتية، وخاصة طائراتهم"(174). وكان المفروض ان تُنجز المقايضة في غضون 48 ساعة بعد نجاح الانقلاب. ولكن ليكلاند يقول انه لا يعرف شيئا عن ذلك، ولم يسمع باسم عماش ذات يوم، ويعتقد ان التقارير التي تتحدث عن تبادل الاسلحة تقارير وهمية(175). ولم اتمكن من التحقق من ذلك في ضوء وثائق الحكومة أو المقابلات أو أي مصدر مكتوب آخر، لذا يتعين أن نعرف المزيد للتأكد من حقيقة هذا الأمر.
لقد تطورت علاقات تجارية واضحة بين الشركات الاميركية والبريطانية وحزب البعث العراقي. وسُمح لشركات شل Shell وبريتش بتروليوم BP وبكتل Bechtel وبارسون Parson وموبيلMobil وغيرها بالعودة الى العراق(176). وأصبح وزير الخزانة الاميركي السابق روبرت اندرسن Robert Anderson على رأس العلاقات التجارية العراقية الاميركية حين كان يدير شركة تدعى انترسر Interser، وهي أساسا واجهة للسي آي أي كان جميع مدرائها باستثناء مدير واحد عملاء في الوكالة(177). كما بدأ اندرسن التفاوض بشأن منح امتياز استخراج الكبريت الى شركة بان امريكان للكبريتPan) (American Sulfur Company، وبدأت شركات اميركية مفاوضات لبناء منشآت خاصة بمسفن جاف في البصرة(178).ان الوثائق الاميركية الرسمية التي توفرت بعد انقلاب 8 شباط/فبراير 1963 وثائق كاشفة. أولا، هناك مذكرة روبرت كرومر السرية الى الرئيس، مكتوبة بتاريخ 8 شباط/فبراير 1963 لاطلاعه بايجاز على الانقلاب:
"في حين ان الوقت ما زال مبكرا، ولكن كما يبدو ان الثورة العراقية تكللت بالنجاح. ويكاد يكون من المؤكد انها في المحصلة النهائية مكسب لصالحنا. إن القوة المحركة الرئيسية في هذا العمل حسن التنظيم هو حزب البعث، وهو تنظيم يساري معتدل لكنه معاد للشيوعية وله علاقات واسعة في صفوف الجيش. ليس واضحا بعد ما إذا كانت الغلبة ستكون للسياسيين البعثيين أو القوميين العسكريين، ولكن في كلا الحالتين سيكون نظام الحكم مفضَّلا على حكم قاسم. وحسب تقديرنا فإنه (1) سيعمل على موازنة الوجود السوفيتي الكبير بتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وبريطانيا و(2) يكون أكثر تعقلا مع شركات النفط و(3) مؤيدا لعبد الناصر ولكنه يعارض الوحدة و(4) يتفاهم مع الكرد ويتخلى عن الكويت. سيحاول عبد الناصر ان يحتضن الطاقم الجديد، لكننا نرى انه يصفر في الريح. سنرفع عقيرتنا بأصوات ودية غير رسمية ما ان نعرف مع مَنْ نتحادث، وينبغي ان نعترف بالنظام حالما نتأكد من ترسيخ مواقعه [كلمتان في نص المصدر لم يُلغ الحظر على نشرهما]... تقارير ممتازة عن التخطيط للمؤامرة، لكني أشك في أنهم أو بريطانيا يدعون الفضل أكثر لما حدث"(179).
هذه الوثيقة هي الدليل الدامغ الذي جرى تناوله سابقاً. لعل كرومر لم يكن على علم بسعة الدور الذي أدته السي آي أي في حياكة المؤامرة وتنفيذ الانقلاب. فهو "يشك" في ما إذا كان "لهم ان يدعوا الفضل فيه". ويشير استخدام كلمة "الشك" الى انه لم يكن متأكدا. ويعود ذلك الى الثقافة السرية السائدة في وكالة المخابرات المركزية. إذ ما كان بإمكان كومر أن يطلع على كل التفاصيل إلا إذا طلبها بنفسه، ويبدو انه لم يتلق إلا تقارير موجزة عن تخطيط المؤامرة. إن عرض روسيتزكي للانقلاب موجود في مذكراته(181)، ويبدو ان هذه كانت القاعدة المتبعة في نقل معلومات الانقلاب الى أي من المسؤولين الحكوميين القلائل الذين كان يجري اطلاعهم عنه بايجاز. كما ان العبارة الأخيرة هي اعتراف ضمني على الأقل ببعض الدور المباشر الذي لعبته الولايات المتحدة في الانقلاب. ولهذا السبب صُنفت الجملة كلها بوصفها جزء من الأسرار حتى حزيران/يونيو 2002، عندما رُفع الحظر عن كل الجملة باستثناء المفردتين الأوليتين بناء على طلب مراجعة الزامية قُدم الى ادارة الأرشيفات والسجلات الوطنية التي تدير مكتبة كندي(182).
لم يعرف كومر ان بريطانيا ايضا كانت ضالعة، من خلال جهاز "أم آي 5" MI-5 أو "أم آي 6" 6MI- أو "أس آي أس" SIS، ولا يُعرف إلاّ القليل عن دورهم عدا تقديم وعد للمتآمرين بأن بريطانيا ستتخذ موقفا وديا، وقد أوفت بالوعد. ويبدو ان كومر استخدم اسم "المملكة المتحدة" لوصف تداخل أجهزة الاستخبارات البريطانية التي كانت كلها تعمل في الشرق الأوسط وقتذاك. لقد قام جهاز أم آي 6 فعلا بتنسيب عملاء الى وكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1953 في ايران، لأن عناصر المخابرات البريطانية كانوا جميعاً اشخاصاً غير مرغوب فيهم مثلهم في ذلك مثل سائر البريطانيين في ايران حينذاك(183). وكان لدى البريطانيين حكومات عميلة في البلدين على امتداد عقود، وبالتالي فان الوضع في العراق كان مماثلا لنظيره الايراني. ولعل تنسيب عملاء الى وكالة المخابرات المركزية هي طريقة أخرى ساعدت بها بريطانيا في انقلاب 1963 في العراق. وهذا ما يفسر المعنى الكامن وراء استخدام كومر اسم "المملكة المتحدة".
في 8 شباط، كشفت المذكرة الداخلية لوزارة الدفاع عن الاتجاهات التالية:
"يبدو ان الانقلاب كان بيد حزب البعث. اذ سرت شائعات واسعة تشير الى ان الحزب يخطط لانقلاب منذ أشهر. وتعتقد عناصر في وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) ان سبب الانقلاب كان قيام قاسم مؤخرا باعتقال عدد كبير من أعضاء حزب البعث. وشعر الباقون من الأعضاء الذين ما زالوا طليقين بأن عليهم أن يتحركوا الآن إذا كان في نيتهم القيام بالمحاولة الانقلابية"(184).
وهذا دليل روسيتزكي حول "التنبؤ بأدق التفاصيل"، كما ورد في معرض الاشارة الى تحليل السي آي أي. وهو تأكيد اضافي لما يذهب اليه ابو ريش من ان الانقلاب نُفذ بسبب اعتقال عماش ومتآمرين آخرين، وكانت وزارة الدفاع الأمريكية تعلم بذلك اصلا في يوم الانقلاب! فكيف لهم أن يعرفوا ذلك بدون "التقارير الممتازة عن التخطيط للمؤامرة" التي يتحدث عنها كومر؟.
في الأيام التي أعقبت الانقلاب، حذرت وثائق الحكومة من التظاهر بعلاقات مكشوفة بشكل أكثر مما ينبغي مع الحكم الجديد. وفي مذكرة من السكرتير التنفيذي لوزارة الخارجية بروبك Brubeck الى مساعد الرئيس الخاص لشؤون الأمن القومي ماكجورج بَندي McGeorge Bundy أشير: "في اطار عدم الانحياز، من المرجح ان يكون العراق راغباً في إقامة علاقات ودية مع الولايات المتحدة. وينبغي ان يكون موقفنا موقف صديق وجوده معروف وموضع تقدير، لكنه ليس وجوداً طاغياً. ويجب تفادي كل ما ينم عن التدخل في شؤون العراق الداخلية. كما يجب ان نحرص على تجنب الإيحاء بأننا أنجبنا النظام أو نحاول الآن تربيته"(185).
إن توجس بَندي من "الإيحاء بأننا أنجبنا النظام" له مغزاه. ولعله كان يعرف ان الولايات المتحدة حقا أنجبته أو بتعبير أدق كانت القابلة المأذونة في إنجابه.
توضح هذه الوثائق على وجود علم بضلوع الولايات المتحدة في الانقلاب، ولعل الثمن الذين دُفع لها عقب الانقلاب مقابل دعمها كان يتعارض مع مشاعر الرأي العام العراقي والعربي، وبالتالي فإنه من الحكمة توخي الحيطة. ورغم الدقة في التخطيط الاميركي والحرص على اتخاذ "الموقف" المناسب، فان الولايات المتحدة، بدعمها المستمر لاسرائيل ولحكام ديكتاتوريين مسلمين موالين للغرب يعدون فاسدين بنظر شعوبهم، قد وضعت نفسها أكثر فأكثر خارج مزاج الشارع العربي.


الفصل التاسع

التداعيات
بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 1963 وجد حزب البعث نفسه خارج السلطة. فقد دخل الجناح المدني لحزب البعث في صراع مع الجناح العسكري )الذي كان صدام ينتمي اليه منذ اليوم الأول للانقلاب(. وخلال حملة الاعتقالات والتطهيرات المتواصلة ضد اليساريين، انشق الجناح العسكري الى كتلة أشد تطرفا تريد ملاحقة الشيوعيين بأساليب أشد قسوة، وآخرى تدعوا الى الاعتدال. كان عارف زعيم الجناح المدني، واستثمر الانشقاق لإقصاء البعثيين من السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر. وابتداء من هذا المنعطف، ناضل الجناح العسكري لحزب البعث من اجل العودة الى السلطة حتى نجاحه في عام 1968 بعد وفاة عارف الثاني في عام 1967*. وكتب عادل درويش وغريغوري الكسندر عن محاولة انقلابية قام بها البعثيون مرة أخرى عام 1964، ولكن هذا هو المصدر الوحيد الذي يشير إلى المحاولة(186). وينفي ابو ريش وجود أية مؤامرة في عام 1964(187).ولم يرد درويش والكسندر على استفساراتي. والى ان تتوفر أدلة أخرى فان تخطيط السي آي أي للقيام بانقلاب في عام 1964 لا يمكن ان يعتبر واقعة تاريخية.
بعد فقدان البعث للسلطة في تشرين الثاني/نوفمبر، ركز صدام حسين على بناء "جهاز حنين"، الذي كان بمثابة جهاز الاستخبارات والأمن البعثي. وفي الفترة الممتدة من 1964 حتى الانقلاب البعثي في تموز/يوليو 1968، انخرط هؤلاء باغتيال الشيوعيين والطلاب والنقابيين. وكانوا يستخدمون العنف ضد كل مَنْ تشكل أفكاره أو نشاطاته تهديداً للبعث، بمن فيهم بعض البعثيين. و"زعم اعضاء سابقون في حزب البعث إن الوكالة (السي آي أي) كانت تزود جهاز حنين بأسماء ناشطين يساريين كان صدام يقوم منهجياً بتصفيتهم بعد ذلك"(188). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*لم يتوفى عارف في عام 1967، بل أطيح به في انقلاب البعث في تموز عام 1968. م.
بحسب ابو ريش، في عام 1966 أرسل صدام رسالة الى القنصلية الاميركية في البصرة يطلب مساعدتها في الإطاحة بنظام الحكم(189). وهذا ايضا ما لا استطيع التحقق منه من أي مصدر آخر أو مقابلة. ويقدم ابو ريش ودرويش والكسندر تفاصيل كثيرة عن ضلوع الولايات المتحدة والسي آي أي في انقلاب 1968 الثاني(190). فبعد الحرب العربية الاسرائيلية في حزيران/يونيو 1967، عمَّت الشارع العراقي مشاعر العداء لاميركا بسبب دعمها للاسرائيليين. وكان من الصعب في هذا الظرف ان يقوم أي شكل من أشكال التعاون الاميركي- البعثي. ولكن بحسب ابو ريش ودرويش فان القسم الأعظم من المعونة الأمريكية للبعثيين كان قبل الحرب.
استولى البعث على السلطة مرة اخرى وأخيرة في تموز/يوليو 1968. واشار العديد من الكتاب الآخرين الى ضلوع الولايات المتحدة في هذا الانقلاب ايضا. وكتب النايف في مذكراته بعد سنوات:"بالنسبة لانقلاب 1968 يجب ان تنظروا الى واشنطن"(191). وكتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية حسنة السمعة "ان التغيير الذي حدث في العراق لم يكن لأسباب داخلية بحتة"(192). وينقل حنا بطاطو عن الرئيس عبد الرحمن عارف إشارته الى تدخل "أيادٍ غير عراقية"(193). والمطلوب هنا إجراء مزيد من البحث للتوثق من ضلوع الولايات المتحدة أو السي آي أي في انقلاب 1968، لا سيما من الارشيفات الامريكية.
اعترى التوتر علاقات الولايات المتحدة مع العراق بعد عام 1968. وكانت الصدمة النفطية عام 1973 قد أحدثت تحولاً جذرياً في السياسة الاميركية. فحتى ذلك الوقت كانت "الشقيقات السبع" الشهيرات تتكفل بضمان امدادات النفط العالمي بأيدي صديقة للغرب وبأسعار منخفضة باستمرار. وبعد عام 1973، اعتمدت الولايات المتحدة فرضية لا مجال لمناقشتها وهي: ان نفط الشرق الأوسط يجب ان يبقى بأيدي موالية للغرب. وعلى امتداد عام 1974، حاولت الولايات المتحدة أن تقنع حلفاءها الاوروبيين واليابانين بتشكيل كارتيل Cartel يواجه منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك) بجبهة موحدة، ويهدد بالعقوبات الاقتصادية أو الغزو العسكري لفرض إرادته(194).
ولم تتمكن الولايات المتحدة من المضي بمفردها هذه المرة بسبب "عقدة فيتنام"، أي ان الرأي العام الاميركي لن يتحمل حربا خارجية أخرى لا يفهمون دوافعها وفي بلد غريب. لذا وضع المخططون الامريكان سياسة سموها سياسة "الركيزتين التوأمين". وتتمثل هذه السياسة في ان تبسط الولايات المتحدة هيمنتها عبر وكلائها، وهما حليفا الولايات المتحدة القويين العربية السعودية وايران. وعملت اميركا على تسريع بناء جيوش وكلائها بوتيرة عالية بأمل ان تستطيع ممارسة تنفيذ خطتها من خلال هؤلاء الأتباع. وعندما قامت الثورة الايرانية ذات العداء الشديد لامريكا في عام 1979، فقدت الولايات المتحدة إحدى ركيزتيها. وبادرت على الفور الى تشكيل "قوة الانتشار السريع" التي كان الغرض منها ان تتمكن من إنزال قوات في الشرق الأوسط بسرعة في حال إقدام حكومات غير صديقة للغرب على تهديد امدادات النفط. وبدأت امريكا بشكل محموم ببناء قواعد عسكرية في المحيط الهندي وشرق افريقيا ومنطقة الخليج. وأصبحت قوة الانتشار السريع ما يسمى اليوم "قيادة المنطقة الوسطى". وبما ان الغرض من تشكيلها هو وضع قوات اميركية في منطقة تحوي على أكثر خزين للنفط في العالم، فلم تعد المسألة إلا مسألة وقت كي تتمركز هذه القوات هناك(195).
وبسبب المشاكل التي أخذت تلوح في الأفق نتيجة الوضع في ايران ابتداء من عام 1979، شرعت الولايات المتحدة في دعم العراق مرة أخرى بمساعدات أمنية وعسكرية. واتسع حجم المعونة العسكرية وامداد العراق بمعدات استراتيجية حتى نهاية الحرب الايرانية العراقية التي استمرت من عام 1980 الى عام 1988. وكانت الولايات المتحدة تدعم الجانبين في هذه الحرب معبرة بوضوح عن سياسة (وإن لم تكن مطروحة على الرأي العام)، هدفها إطالة أمد الحرب على أمل إلحاق أكبر قدر ممكن من الاضرار بالجانبين‘ لأن كلا النظامين كانا يهددان الهيمنة الاميركية في المنطقة. وقدمت الولايات المتحدة دعماً أكبر للعراق خشية من انتصار ايران في هذه الحرب في حالة عدم تقديم الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى العون للعراق بقدر كبير.
بعد ان وضعت الحرب اوزارها، دخل العراق المفلس واليائس في صراع مع الكويت. لقد كانت الكويت تاريخياً جزء مما اصبح يعرف لاحقاً بالعراق، الى ان اقتطعها البريطانيون في عقد التسعينات من القرن التاسع عشر لاضعاف الامبراطورية العثمانية وكسب قاعدة غنية بالنفط على طريق الهند. وخلال الحرب الايرانية العراقية، قامت الكويت بأعمال الحفر الأفقي في الجزء العراقي من حقل الرميلة النفطي متسببة في فيض الانتاج وهبوط الاسعار، وحرمت العراق من منفذ بحري على الخليج. وبعد الحرب، اتخذ سفراء الكويت موقفاً متعنتاً في المفاوضات مع العراق بوساطة الجامعة العربية. في هذه الأثناء كانت قيادة قوات المنطقة الوسطى تنفذ عمليات عسكرية للتدريب على غزو الكويت غزوا برمائياً. وبسبب العجز عن ايجاد حل لأزمة العراق بعد الحرب عن طريق المفاوضات مع الكويت، قام صدام حسين بغزوها. وأتاح غزو الكويت عام 1990 فرصة للولايات المتحدة كي تحقق ما كانت تطمح إليه منذ عام 1973: أي استقرار قواتها في الشرق الأوسط. وأصبح للولايات المتحدة قوات كبيرة هناك منذ عملية عاصفة الصحراء عام 1991.
واكتملت القصة مع احتلال العراق عام 2003 وإلقاء القبض على صدام. لقد استلم حزب صدام حسين مقاليد الحكم بمساعدة امريكا وفقدها بقوة امريكا بعد ثلاثين عاماً وشهرين*. وتشبه عملية أسقاط صدام حسين عام 2003 ما حدث عند الإطاحة بعبد الكريم قاسم بمساعدة امريكية في عام 1963. فمنذ اليوم الذي فقد البريطانيون سيطرتهم على العراق، حرص صانعوا السياسة الاميركية دوماً على كسب النفوذ والسيطرة على بلاد الرافدين.
إنها من الحقائق التاريخية المرَّة محاولة الولايات المتحدة اضعاف عبد الكريم قاسم في عام 1960، وساعدت على أقل تقدير في تمويل الإطاحة به على يد البعث في عام 1963. ويبدو من المرجح انها تدخلت في فترات اخرى خلال عهد قاسم الذي دام خمس سنوات، وقدمت أكثر من مساعدة مالية للانقلابيين، كتزويدهم بمعلومات استخباراتية من الكويت واعطاء تأكيدات بدعمهم بعد نجاحهم. ولعل الولايات المتحدة التزمت بتقديم هذا الدعم بعد الانقلاب من خلال تقديم قائمة بالشيوعيين المطلوب تصفيتهم واقامة جسر جوي، ولكن ما زال يتعين التحقق من ذلك بوثائق رسمية.
ومن جميع ما تقدم، فإنه بالامكان القول ان احدى العبر المهمة التي ينبغي تعلمها من دراسة سنوات الولايات المتحدة الاولى في التعامل مع العراق هي أن سياساتها وقتذاك (معاداة الشيوعية) قد قادت اميركا الى تقديم الدعم لزعماء لا يستحقونه. ولعل قاسم ومَنْ جاءوا بعده كانوا أفضل للعراق والمنطقة بأكملها ولمصالح الولايات المتحدة من حزب البعث. والآن إذ تتحدث التقارير عن فرق الموت الشيعية وغرف التعذيب(196) وتختمر نذر حرب أهلية كامنة في العراق، يبدو وكأن سياسة مكافحة الارهاب تدفع الولايات المتحدة الى العودة لدعم زعماء سيئين من جديد. وكما هو الحال في زمن البعث، فقد اصبح العراق بعد غزو 2003 يشكل مشكلة كبيرة للولايات المتحدة. ولهذا تدعم هذه الدراسة انتهاج سياسة للولايات المتحدة في المستقبل تقوم على عدم التدخل في العراق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*في الحقيقة خمسة وثلاثين عاماً - م.

الملاحق
تضمنت هذه الاطروحة اثنين من الملاحق الهامة التي لم نتمكن من ادراجها في المتن بهدف اعطاء المزيد من الايضاحات الهامة.
الملحق رقم 1
تدخل الولايات المتحدة السرية
تعرقل هذا المشروع بسبب الحقيقة الماثلة في ان حكومة الولايات المتحدة نفت وما زالت تنفي ضلوعها في انقلاب 1963. وينفي الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) ايد كين، بشدة أية صلة للسي آي أي في الانقلاب(197). ففي رسالة موجهة الى مدير العلاقات العامة في الوكالة، قال كين "ان انقلاب شباط/فبراير 1963 فاجأ الوكالة مفاجأة تامة، وإنني على يقين بأنه فاجأ حكومة الولايات المتحدة بأكملها"(198). وفي عام 2005 أرسلتُ الى كين بواسطة الفاكس الوثيقة الموسومة "من كومر الى كندي" -“Komer to Kennedy”. وعندما سألته "مَنْ هم" هؤلاء الذين يشير اليهم كومر، فأجاب: "ليس لدي فكرة على الاطلاق. فلم أر أية تقارير ومن أي مصدر، بما في ذلك مذكرات الصرف العامة أو ما رصد للمراسلات عندما كنتُ مسؤول شعبة العراق، ولا حتى أي تلميح حول انقلاب قيد الإعداد. ولم ير أي موظف في الخارجية ذلك. وعندما اتصلتُ هاتفياً برؤسائي في الوكالة من المقر في حوال منتصف ليلة 8 شباط/فبراير، اعربوا جميعا عن دهشتهم لوقوع انقلاب"(199).
وعندما اتصلتُ به هاتفيا وطلبُت منه ايضاحاً عن ما كان يتحدث كرومر عنه؟. فأجاب كين:"اعتقد انه كان يتحدث مع نفسه"(200).لقد كان كين يريد ان نصدقه وإنه يقول الحقيقة. ولكن بوب كومر كان يكذب على رئيس الولايات المتحدة في مذكرة سرية للغاية. ان كين يعمل بنشاط على ترويج ما تطلق عليه يه السي آي بـ"الدعاية البيضاء"، أي الأكاذيب التي تُقال للجمهور لتبييض صفحتنا. ان هذا الشيخ ابن الثمانين ما زال وفيا لتقاليد "المهنة".
إنني لستُ الوحيد الذي واجه مشاكل في مقابلة عملاء قدماء في السي آي أي وما زالوا يعملون لمصلحة "الشركة". فان كريتشفيلد نفى ضلوع الوكالة في الانقلاب في المقابلة التي اجراها ابو ريش معه عام 1994 (201). وكتب ريتشارد سيل في عام 2003، ان "مسؤولا كبيرا جدا في السي آي أي" نفى بشدة مؤخرا انهم كانوا شركاء المتآمرين ]في انقلاب 1963[. وقال: "لقد ذُهلنا تماما، وراح أشخاص عندنا يهرولون هنا وهناك سائلين ماذا حدث بحق الجحيم"(202).
ومن الممكن تفسير هذه التناقضات وهذا التعتيم بمدى عمق الثقافة السرية الصارمة التي كانت سائدة في وكالة المخابرات المركزية. وهذا ما يوضحه الباحث في شؤون الوكالة توماس باورز Thomas Powers. فقد كان يجري استدعاء آرمين ماير Armin Meyer مدير مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية في عام 1959 وبحكم موقعه، كلما تفكر السي آي أي بالقيام بعمليات سرية داخل العراق. وكان ماير حاضراً في احد الاجتماعات لبحث السبل التي يمكن ان تعتمدها الولايات المتحدة في الاطاحة بحكم قاسم:
"خلال الاجتماع اقترح احد الحاضرين إن قاسم هو المشكلة، "ولعل خير طريقة للتخلص منه هي التخلص منه". فقال دلاس الذي كان يشغل مدير السي آي أي آنذاك: تمهل... ، وأعقب ذلك صمت رهيب. لقد كان دلاس شخصية ذات هيبة، وكان لكلماته في هذه المناسبة وقع بارد وتأكيد مقصود، لم ينساها ماير قط. لقد أراد دلاس أن يعبر عن شيئ واحد مفهوم،وهو ان ليس من شيم الولايات المتحدة اغتيال الخصوم، وان القتل لن يُناقش في مكتبه، لا الآن ولا في اي وقت آخر ابداً. فهو لا يريد حتى ان يسمع مقترحاً آخراً كهذا من موظف يخدم في حكومة الولايات المتحدة. فهذا الاسلوب هو ليس اسلوب الامريكان في العمل. كان دلاس واضحاً وبلا لبس في هذه النقطة، وتحدث بعاطفة وبقناعة واضحين، حتى ان ماير بكل بساطة لم يفهم كيف يمكن ان يكون دلاس ذات يوم طرفاً في مؤامرة اغتيال بغض النظر عن مَنْ يصدر الأوامر بتنفيذها. كان ماير يعرف ما تحويه تقارير لجنة تشرتش لكنه بكل بساطة لم يصدق ما فيها، وإن خطأ ما لا بد قد حدث. كان فوق قدرة ماير ان يتصور انه قد ارتكب خطأ في هذا الشأن. ولم يترك دلاس أي مجال للشك في أنه لن يكون طرفاً في عملية اغتيال"(203).
أوضح تقرير لجنة تشرتش عن الاغتيال المفترَض بكل جلاء بأن الن دلاس والسي آي أي كانا ضالعين حتى الأذن في مؤامرات الاغتيال بحلول عام 1959، وخاصة ضد العراق! وكانت هذه المسرحية محاولة متعمدة للتضليل والخداع بدافع بديهي هو الحفاظ على السرية. ويفسرذالك حالة البلبلة والجهل حتى بين مسؤولين كبار في الوكالة. إن مسؤولين أمريكان كبار يلجأون إلى هذه الطريقة أي "النفي المعقول"،من أجل التستر بشكل مقنع على ما يجري من عمليات خفية في الواقع.
ان عملاء متقاعدين في السي آي أي مثل كين اما أن يكونوا كذّابين أو يتعرضون للخديعة كما خُدع آرمين ماير. ويصر كين على أنه من غير الممكن ألا يعلم بعمليات السي آي أي بالتعاون مع البعث لأنه كان مسؤول شعبة العراق في واشنطن وقت الانقلاب، وكان يتعين ان يمر كل شيءعلى مكتبه من بغداد. ومع ذلك فهناك في تاريخ السي آي أي حالات من تجاوز التسلسل الاعتيادي للقيادة وتدفق المعلومات. وكان جورج اوريل George Aurell قد أبلغ جوزيف بركهولدر سمث Joseph Burkholder Smith بأنهم كانوا يتجاوزونه عندما تولى رئاسة القسم في منطقة المحيط الهادئ:"هل تعرف ماذا اكتشفتُ...ماذا ]يفعل العقيد لاندسديل وشركاؤه سيئو الصيت[ معي حينما كنتُ رئيس قسم؟. كانوا يرسلون برقيات بشفراتهم السرية ويحصلون على موافقات على أمور وانفاق أموال ما كنتُ لأُوافق عليها قط لو عرفتُ بها.
إنهم كانوا يرسلون برقيات ادارية بدلا من برقيات عملياتية عندما يريدون الحصول على موافقة على نفقات عمليات جديدة. كانوا يطلبون المال لأغراض التمويل السياسي والمخططات الدعائية... بالطبع كانوا يحصلون على موافقة من دون مراجعة أي موظف أو مراجعتي أنا للتدقيق فيها... لم اعلم بهذه الحيلة الملعونة إلى أن ذهبتُ هناك واطلعتُ على بعض الأمور في السجلات"(204).
مع توفر أدلة كثيرة على مثل هذه المعلومات "الممتازة" عن انقلاب 1963، يبدو أنه من المستبعد للغاية قد جرى تجاوز كين وأنه لم يكن قادراً على ايجاد أي شخص يصححه طيلة كل هذه السنوات، ولكن خبرة اوريل قد تفسر قدرا كبيرا من النفي الذي يصطدم به الباحثون. فان من عادة السي آي أي ان تكذب وتخدع حتى بعضهم البعض! فعندما توجه جوزيف سمث الى مبنى الوكالة في وشنطن لإجراء مقابلته الاولى (تستغرق يوم كامل) بوصفه مرشحا للعمل، فإنهم نقلوا سيارته الى الجانب الآخر من نصب لنكولن، بعيدا عن انظار الخارج من المبنى وأوقفوها على الرصيف. كان سمث فطناً، فدار حول النصب ليصل الى سيارة الجيب على الرصيف. وعندما انطلق سمث بسيارته تساءل إن كان ذلك من صنع "عالم نفسي من مخلفات مكتب الخدمات الاستراتيجية (أو أس أس) من الذين يعملون الآن في الـ"سي آي أي"، وما زال يمارس أحابيله القديمة لاختبار المرشحين للعمل"!(205)
بهذا النمط من الثقافة التي يتعين على الباحثين ان يتعاملوا معها، يكون من العجائب ان نفلح في التوصل إلى أي شيء. ومما يزيد المهمة تعقيدا إن وثائق الحكومة تحظر بصورة أعتيادية أي ذكر لوكالة المخابرات المركزية والعمليات الخفية والتدخلات العسكرية وغيرها من المواد الحساسة. وان ملف "العلاقات الخارجية للولايات المتحدة" بشأن العراق خلال الفترة الممتدة من 1958 الى 1963 يتضمن أكثر من مئة مقطع ما زال مصنف سرياً، وأحيانا وثائق كاملة. ويبدو ان هذه الوثائق تغدو دائما بيضاء عندما يراد مناقشة الموضوع المتعلق بها. ويستطيع الباحث ان يقدم طلبات برفع الحظر عن المواد المصنفة سرياً استنادا الى قانون حرية المعلومات، ولكن أشهراً يمكن ان تمر قبل ان يتلقى رداً على طلبه، وغالباً ما تعود الوثائق من دون تغيير، أو بتغييرات طفيفة تبقي على سرية المواد المتعلقة بالسي آي أي أو العمليات الخفية.
وفي الوقت الذي لم تترد فيه السي آي أي عن اللجوء إلى أية وسيلة للتستر على مشاركتها في انقلاب 1963 حتى اللحظة الراهنة، فان العراقيين ايضا عمدوا الى "تطهير السجل". فعلى امتداد خمسة وثلاثين عاما لم يكن من مصلحة النظام العراقي أن يكشف هذه التفاصيل. "وفي غضون ذلك رحل عن هذه الدنيا ثلاثة من أقرب اصدقاء صدام في القاهرة - عبد الكريم الشيخلي (اغتيل في عام 1980) ومدحت ابراهيم جمعة (قُتل في عام 1986) ونعيم الاعظمي (قتل في اوائل الثمانينات). اما العنصر الوحيد المعروف بأنه ما زال على قيد الحياة فهو فاروق النعيمي الذي يعيش في بغداد"(206). وربما يستطيع النعيمي ان يسلط قدراً من الضوء إذا أمكن العثور عليه، لان صدام قتل الكثير من الأشخاص، بمن فيهم غالبية من الذين تهادنوا معه، وبالتالي فإنه من المستبعد ان نتلقى مساعدة كبيرة من الجانب العراقي.
الملحق رقم 2
لماذا ليكلاند ليس من عناصر السي آي أي ولماذا ترى غالبية العالم العربي عكس ذلك؟
يكتب سعيد ابو ريش، الذي يعد من أكثر الكتّاب غزارة في الكتابة حول موضوع تدخل الولايات المتحدة في العراق، إن ويليام ليكلاند هو الذي قاد الانقلاب(207). أما لماذا أخطأ ابو ريش في هذا الحكم، وهو رجل واسع الاطلاع وكثير في البحث؟ فهذا يتطلب شيئا من الايضاح. ان موطن قوته كما يتضح في هذه الحالة تحول إلى مصدر ضعفه. فان ابو ريش صاحب باع طويل من العمل في الشرق الأوسط والتعامل مع شخصيات مرموقة. وتتمثل قوته في انه يعرف الكثير من الأشخاص، وهو قادر على اجراء مقابلات مع الجميع، من رجل الشارع الى اطفال عبد الناصر الى قادة الحكومة أو مع قادة سابقين من كل صنف. وبالتالي فإن المشكلة هي أن الغالبية العظمى من العرب المطلعين على ضلوع السي آي أي في انقلاب 1963 يعتقدون ان ليكلاند كان قائد الانقلاب.
لكن ليكلاند لم يكن عنصراً في السي آي أي. فقد كان موظفاً مسلكياً في الخدمة الدبلوماسية، وهذا ما يشير اليه ملفه الرسمي. ولم يُستخدم مركز الموظف في السلك الدبلوماسي ذات يوم كغطاء لعملاء السي آي أي، لأن وزارة الخارجية ما كانت لتسمح بذلك. وعندما كانت الوزارة تُجبر على توفير غطاء لوكالة المخابرات المركزية، كانت تعطي عملاء الوكالة عنوان "احتياط في الخدمة الخارجية" Foreign Service Reserve أو موظف في سلك الخدمة الخارجيةForeign Service Staff. وإبان الخمسينات، الغت وزارة الخارجية بالتدريج عنوان "الاحتياط في الخدمة الخارجية" عند تعيين موظفيها، كي يتسنى استخدام كل هذه العناوين الوظيفية لوكالة المخابرات المركزية (سي آي أي). وشكل ذلك مشكلة للوكالة "ففي كل بلد أجنبي هناك وظيفة تعادل تلك الوظيفة في السفارة، يتعامل موظفوها مع مسؤولين محليين كبار ويتحركون في دوائر مهمة من المجتمع المحلي دون ان تكون لهم عناوين وظيفية يمكن ان تبرر مثل هذا النشاط"(208).
إن ليكلاند، شأنه في ذلك شأن العديد من موظفي الخدمة الخارجية التقليديين، كان يمتعض من إقدام وكالة المخابرات المركزية على استخدام المناصب الدبلوماسية كغطاء لها. وكان لا يحب "التظاهر بأن آرت كالاهان وكل جماعته كانوا موظفين عندي". ويضاف الى ذلك، ان ليكلاند شأنه شأن دبلوماسيين آخرين، كان يختلف في العديد من سياسات السي آي أي. وقد استشاط ويليام ليكلاند غضبا لأن ابو ريش كتب عنه الكثير من الأشياء غير الصحيحة، لكنه بكل بساطة يبقى طيب السريرة. وفي الواقع إن موقفه يتحدد في كونه يعرف الحقيقة، والباقي بالواقع لا يهمه كثيرا. ولكن إذا أمكن تصحيح السجل، فسيتخذ ليكلاند موقفاً ايجابيأً، فقد كان منفتحا للغاية وقدم المساعدة في هذا المشروع(209). ويتعارض هذا تعارضاً صارخاً مع الصورة التي ترسمها عنه كتابات ابو ريش.
بدا ابو ريش غير مشجع لي لمقابلة وليام ليكلاند، حيث كتب يقول "ان ليكلاند إذا كان حياً، يمتنع عن اجراء مقابلات"(210). وفكرتُ ان هذا موقف غريب لأن ابو ريش أدرج مقابلة اجراها عام 2001 مع ليكلاند في كتابه عن عبد الناصر واقتبس منه(211). وبعد مقابلاتي مع ليكلاند وغيره من المسؤولين الامريكان السابقين ومراجعة السجلات، أطلعتُ ابو ريش على ما توصلتُ اليه، لا سيما ما يخص ليكلاند. وأقر ابو ريش بأن ليكلاند "كان على الأرجح من موظفي وزارة الخارجية"، لكنه ظل يعتقد انه كان "خبير انقلاب". واعترف ابو ريش بأنه شخصيا "لم يكشف" شيئا عن ليكلاند، ولكن من باب البرهنة ذكَّرني بأن عبد الناصر أورد اسمه بوصفه أحد عملاء السي آي أي خلال اجتماعات الوحدة بين مصر والعراق وسوريا في عام 1964. ويذهب ابو ريش الى ان عبد الناصر في هذه الاجتماعات حذر العراقيين من ليكلاند وتسبب في طرده من العراق. إنه على علم بذلك، لأنه قال بأن المصريين سجلوا سراً محاضر هذا الاجتماع ثم أذاعوها لاحقا(212). لم استطع التحقق من ذلك في الملفات الاذاعية، ولا يعتقد ليكلاند ان ذلك حدث ذات يوم. وغادر ليكلاند فعلا العراق للالتحاق بوظيفة في واشنطن عام 1964، ولكنه ينفي ان يكون قد طُرد. ويشير ليكلاند الى انه وزوجته التقيا عبد الناصر بصورة غير رسمية في القاهرة حين كانا في طريق عودتهما الى بلادهما عام 1964(213). ولعل الرجلين يقولان الحقيقة التي يعرفانها، وفي ضوء الأدلة المتاحة فان عبد الناصر كان محقاً تماماً في الظن بأن ليكلاند كان عميل في السي آي أي.
من المؤكد ان عبد الناصر كان يعتقد ان ليكلاند يعمل في المخابرات الامريكية بحلول عام 1964. وكتب مستشاره القريب وحافظ اسراره محمد حسنين هيكل عن "الوجود الدبلوماسي الاميركي في القاهرة" في اوائل الخمسينات. وقال هيكل ان "ويليام ليكلاند، وهو دبلوماسي شاب ذكي، كان موجودا وربما كان يعمل بالفعل لصالح وكالة المخابرات المركزية، كما عمل لاحقا، رغم ان هذا لم يكن موضع شبهة وقتذاك"(214). لقد كان هيكل الذي تولى لفترة طويلة رئاسة تحرير صحيفة "الاهرام"، أكبر الصحف المصرية صيتاً، أحد القلائل الذين يشكلون البطانة الداخلية لعبد الناصر. وتعرَّف ليكلاند على عبد الناصر من خلال هيكل. وإذا ما توصل هيكل في نهاية المطاف الى الاعتقاد بأن ليكلاند عميل في السي آي أي، فمن المؤكد ان عبد الناصر قد أعتقد ذلك، ولكن ليس من البداية.
في عام 1952 كان ليكلاند السكرتير الثاني في الدائرة السياسية للسفارة الاميركية في القاهرة. وفي اطار واجباته الوظيفية المعهودة فقد أصبح على معرفة بهيكل الذي كان يمده بملاحظات لمراقبة عبد الناصر والضباط الأحرار. وكان ليكلاند ينقل هذه المعلومات الى رؤسائه. وبعد مجئ عبد الناصر الى الحكم كُلِّف ليكلاند بأن يكون حلقة الوصل الرئيسية معه لأنه المستعرب المؤهل الوحيد في القاهرة، في حين ان السفير جيفرسن كافري Jefferson Caffrey كان يقترب من نهاية حياة مهنية مديدة أمضاها في السلك الدبلوماسي، ويقضي شطرا من موسم الصيف في مدينة الاسكندرية. وفي الفترة الأولى بعد الانقلاب كان اللواء محمد نجيب رئيس الوزراء الشكلي، فيما كان موقع عبد الناصر يترسخ ببطئ بوصفه صاحب السلطة الفعلي، وبالتالي كان من المنطقي ان يتعامل كافري مع نجيب ويتعامل ليكلاند مع عبد الناصر.
ومع مرور الوقت وعندما أصبح واضحا ان عبد الناصر صاحب السلطة الحقيقية في مصر، اكتسبت مهمة ليكلاند أهمية اكبر. وكان بيل وزوجته ماري جو غالباً ما يستضيفانه في بيتهما، وكانت ماري جو المرأة الغربية الوحيدة التي تخاطب جمال عبد الناصر بالاسم بعيدا عن الرسميات. وعندما اعترى الجفاء علاقة الولايات المتحدة مع الجمهورية العربية المتحدة واكتسبت احداث مصر أهمية دولية، عمدت وكالة المخابرات المركزية الى ازاحة وزارة الخارجية تدريجيا عن موقع التفاوض المباشر مع عبد الناصر. وأصبح عبد الناصر على معرفة بارتشيبولد روزفلت وجيم ايغلبرغر ومايلز كوبلاند الذين يعملون في الوكالة. ونُقل ليكلاند الى وظيفة في عدن عام 1955 ثم الى العراق عام 1960 كسكرتيراول للدائرة السياسية. وإزاء ما كان يُحاك من دسائس ضد قاسم، فكان من الطبيعي بالنسبة للناس أن تعتقد بأن ليكلاند هو مسؤول وكالة المخابرات المركزية في العراق، لأن الكثيرين فهموا بأن الوكالة تعمل ضمن الدائرة السياسية في السفارة. وقال لي ليكلاند: "إني واثق من ان الاشاعات السارية عموما في بغداد كانت تذهب بإتجاه كوني عنصر في السي آي أي"(215).
وبعد تعامل عبد الناصر على هذا النطاق الواسع مع وكالة المخابرات المركزية على امتداد سنوات، فلربما بات من الصعب عليه ان يصدق ان الامريكان سمحوا لموظف صغير في وزارة الخارجية أن يكون حلقة الاتصال به خلال كل هذه الفترة الطويلة دون ان يكون مرتبطا بأجهزة المخابرات. وبتولي ليكلاند رئاسة الدائرة السياسية في السفارة الاميركية في بغداد خلال الانقلاب المدعوم من السي آي أي، بدا ان ارتباطات ليكلاند بالوكالة لم تعد موضع شك. وكان ليكلاند وزوجته يدركان ان كثيرا من العراقيين يظنون ان ويليام ليكلاند عميل في وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي). وفي احدى المناسبات استُبعدت ماري جو من قائمة المدعوين لحضور حفل استقبال لأن "زوجها في السي آي أي"(216).
ويعتقد ابو ريش ان غالبية العراقيين يستخدمون "الأدلة الظرفية للاجتماعات المستمرة بين عماش وليكلاند" كي يثبتوا ان عماش "جندته السي آي أي"(217). ولعل هذه الأدلة الظرفية تتمثل في ان عماش كثيراً ما كان يُشاهد مع موظفين في السفارة. ومرة أخرى كان الافتراض يقود الى ان ليكلاند هو المسؤول المكلف عما يدور مع المتآمرين من البعثيين وعناصر السي آي أي. ومن المؤكد ان عماش لم يعرف الكثير من الاميركيين، لكن ليكلاند يقول انه لم يسمع بعماش ذات يوم(218). ولعل آرت كالاهان وغيره من عملاء السي آي أي كانوا يعرفونه معرفة وثيقة.
إن مصدر ابو ريش الرئيسي بشأن عمل ليكلاند في السي آي أي هو الوزير السابق في حكومة البعث هاني الفكيكي(219). لم يكن لدى الفكيكي نفسه اتصال مباشر مع السي آي أي، لكنه كان على ما يبدو يعرف الكثير من تفاصيل التعاون مع السي آي أي من رفاقه البعثيين. وقد أعطى لابو ريش اسماء بعض العراقيين الذين عملوا مع الوكالة. ولعل اسماء وهويات عناصر السي آي أي الذين عملوا مع البعثيين كانت خافية على الفكيكي، وقد يكون هذا هو السبب في ان الاسم الوحيد الذي اعطاه الى ابو ريش هو الاسم الوحيد الذي كان يعرفه، وهو أشهر الاسماء المعروفة، رئيس الدائرة السياسية وليام ليكلاند.

المصادر والمراجع

الهوامش حسب ورودها في متن الاطروحة
1 ـ Dana Adams Schmidt, “CIA Head Warns of Danger in Iraq,” New York Times, 29 April 1959, A-
2 ـ David Wise, “A People Betrayed,” Los Angeles Times, 14 April 1991, M1; Richard Sale, “Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot,” UPI.com, 10 April 2003, posted on the web at http://www.upi.com/view.cfm?StoryID=20030410-070214-6557r, accessed August 1, 2005.
3 ـ Malik Mufti, Sovereign Creations: Pan-Arabism and Political Order in Syria and Iraq (Ithaca, New York, 1996), 144.
4 ـ مقابلة مع المسؤول السابق في السلك الدبلوماسي الاميركي وليام ليكلاند، حزيران/يونيو 2005.William Lakeland
5 ـ تسمى عمليات النفي لصرف الانتباه "الاسطوانة المعهودة". انظر
Thomas Powers, The Man Who Kept the Secrets: Richard Helms & the CIA (New York: 1979), 127-130. See Appendix 1: The Secrecy of U.S. Covert Intervention in Iraq, page 69.
6 ـ ماريون فاروق وبيتر سلوكليت، "العراق منذ 1958"
Marion-Farouk and Peter Sluglett, Iraq Since 1958 (London: 2001), 330.
7 ـ Kamel S. Abu Jaber, The Arab Ba’th Socialist Party: History, Ideology and Organization (Syracuse, New York: Syracuse University Press, 1966), passim.
8 ـ بعد سبعة اشهر فقط على الانقلاب أكد العاهل الاردني الملك حسين حقيقة التنسيق مع الاستخبارات الاميركية ودورها في انقلاب 1963، لرئيس تحرير صحيفة "الاهرام" المصرية محمد حسنين هيكل. وُنشر تصريحه في الاهرام (القاهرة) في 26 ايلول/سبتمبر 1963. وقد فعل ذلك ردا على انتقادات استهدفته قائلة انه هو نفسه عميل لوكالة المخابرات المركزية (سي آي أي).
انظر:Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements Of Iraq: A Study of Iraq’s Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Ba’thists, and Free Officers (Princeton, New Jersey, 1978), 985-986. .
9 ـ Mufti, Sovereign Creations, 144.
10 ـ Said K. Aburish, A Brutal Friendship: The West and the Arab Elite (New York, 1997), 139.
11 ـ Kamel S. Abu Jaber, The Arab Ba’th Socialist Party, 85.
12 ـ المصدر السابق، ص 67 ـ 95.
13 ـ William Blum, Killing Hope: U.S. Military and CIA Intervention Since World War II (Monroe, Maine, 1995), 90. See also, Mark Zepezauer, Boomerang! How Our Covert Wars Have Created Enemies Across the Middle East and Brought Terror to America (Monroe, Maine, 2003), 60-66.
14 ـ John F. Devlin, The Ba’th Party: A History from its Origins to 1966 (Stanford, California: Hoover Institution Press, 1976), passim.
15 ـ John C. Campbell, “Book Review on Syria: Modern State in an Ancient Land by John F. Devlin,” Foreign Affairs 62, no.2 (Winter 1983-84), available online at http://www.foreignaffairs.org/19831201fabook12471/john-f-devlin/syria-modern-state-in-an-ancient-land.html, accessed May 17, 2006.
16 ـ انظر الملحق رقم 1 ، سرية التدخل الاميركي الخفي في العراق.
17 ـ Christine Moss Helms, Iraq, Eastern Flank of the Arab World (Washington, D.C. Brookings Institution, 1984), passim
18 ـ Laurie Mylorie, “The United States and the Iraqi National Congress,” Middle East Intelligence Bulletin 3, no. 4 (April 2001): ftn 4, available online at http://www.meib.org/articles/0104_ir1.htm, accessed May 17, 2006.
19 ـ Marion Farouk-Sluglett and Peter Sluglett, “The Historiography of Modern Iraq,” American Historical Review (December 1991): 1417.
20 ـ Phebe Marr, The History of Modern Iraq. (Boulder, Colorado: Westview Press, 1985).
21 ـ امير اسكندر، "صدام حسين: مناضلا، مفكرا، وانسانا (باللغتين العربية والانجليزية):
Amir Iskander, Saddam Hussein: The Fighter, the Thinker and the Man. (Paris: Hachette Realties, 1980), passim.
22 ـ Majid Khadduri, Republican Iraq: A Study in Iraqi Politics Since the Revolution of 1958 (London, 1969), 188-196
مجيد خدوري ، "العراق الجمهوري: دراسة في السياسة العراقية منذ ثورة 1958".
23 ـ Marion Farouk-Sluglett and Peter Sluglett, American Historical Review (December 1991): 1417.
24 ـ Batatu, Old Social Classes, 985-986.
بطاطو ، "الطبقات الاجتماعية القديمة"
25 ـ Edith and E. F. Penrose, Iraq: International Relations and National Development (London: 1978), 288.
26 ـ Marion and Peter Sluglett, Iraq Since 1958, 327n.
27 ـ مراسَلة مع المسؤول المتقاعد في السلك الدبلوماسي الاميركي جيمس ايكنز James Akins ، حزيران/يونيو 2005.
28 ـ Wise, “A People Betrayed”,. ، مصدر سابق.
29 ـ United States, Congress, Senate, Select Committee to Study Governmental Operations. Alleged Assassination Plots Involving Foreign Leaders: An Interim Report of the Select Committee to Study Governmental Operations with Respect to Intelligence Activities, United States Senate: Together with Additional, Supplemental, and Separate Views. Foreword by Clark R. Mollenhoff, Introduction by Senator Frank Church, 1st Ed. (New York: Norton, 1976), 181n.
30 ـ مراسلة مع الكاتب سعيد ابو ريش، ايار/مايو، 2005
31 ـ Mufti, Sovereign Creations, 143-167
32 ـ المصدر السابق، 144.
33 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 394
34 ـ Aburish, Saddam Hussein: The Politics of Revenge (New York: 2000), 388-390
35 ـ المصدر السابق، 226 ـ 227.
36 ـ Sale, “Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot,”، مصدر سابق.
37 ـ المصدر السابق.
38 ـ Edith and E. F. Penrose, Iraq, 272n
39 ـ مراسلة مع ابو ريش، ايار/مايو، 2005.
40 ـ مقابلة مع ليكلاند Lakeland، حزيران/يونيو، 2005.
41 ـ مراسلة مع ايكنز، حزيران/يونيو، 2005.
42 ـ Arlington National Cemetery Website, “Ex-CIA Official James Critchfield Dies,” 23 April 2003
متوفر على الانترنت: http://www.arlingtoncemetery.net/jhcritchfield.htm تم الدخول على الموقع في 17 ايار/ مايو 2006.
43 ـ John K. Cooley, An Alliance Against Babylon: The U.S., Israel and Iraq (London: 2005), 96-100
44 ـ راسلني جيمس ايكنز يقول انه يكتب "مذكرات....تغطي عدة سنوات" وانه لم "يقرر ما إذا كان سيتناول انقلاب 1963". وإذا تناول الانقلاب في مذكراته فلعله يوفر لنا قدرا لا يستهان به من المعلومات. مراسلة مع ايكنز، حزيران/يونيو 2005. في 8 شباط/فبراير 2005 كتب المعلق في صحيفة "نيويورك تايمز" والكاتب روجر موريس Roger Morris الى ايد كين Ed Kane يقول ان "لديه كتابا سيصدر في وقت لاحق من العام". انظر في الوثائق رسالة من ايد كين الى مدير العلاقات العامة في السي آي أي، ص 98.
عمل موريس موظفا في مجلس الأمن القومي في زمن الرئيسين ليندن جونسون وريتشارد نكسون منذ اواخر الستينات، وكثيرا ما كان يسمع عملاء في وكالة المخابرات المركزية، بينهم ارتشيبالد روزفلت حفيد تيودور روزفلت ومسؤول كبير في الوكالة لشؤون الشرق الأدنى وافريقيا وقتذاك، يتحدثون على المكشوف عن علاقاتهم الوثيقة مع البعثيين العراقيين. انظر:
Robert Morris, “A Tyrant 40 Years in the Making,” New York Times, 14 March 2003
45 ـ William L. Cleveland, A History of the Modern Middle East 2nd ed. (Boulder, Colorado: 2000), 201-205
46 ـ عبد اللطيف البغدادي، مذكرات (بالعربية) (القاهرة ، 1982)، ص 35 في عمل ابو ريش: Said K. Aburish, Nasser: The Last Arab (New York: 2004), 149
47 ـ Marion and Peter Sluglett, Iraq Since 1958, 47-49
48 ـ Eisenhower Library, “Briefing Notes by Allen W. Dulles,” White House Office Files, Staff Secretary Records, International File, 1958, Iraqi Coup, Effects in the Middle East, more fully declassified, originally published in part in Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Washington: 1993), 308-311. To view this document, see Appendix 3: Documents: Briefing Notes by Allen Dulles, page 79
49 ـ William L. Cleveland, A History of the Modern Middle East 2nd ed. (Boulder, Colorado: 2000), 326-327
50 ـ John Foster Dulles, “The Korean Experiment in Representative Government,” Department of State Bulletin 23 (3 July 1950): 12-13 in Mark G. Toulouse, The Transformation of John Foster Dulles: From Prophet of Realism to Priest of Nationalism, (Mercer, GA: Mercer University Press, 1985), 230
51 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1959-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 308n
52 ـ United States, Department of State, John P. Glennon and Louis J. Smith eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XI: Lebanon and Jordan (Washington: 1992), 219
53 ـ المصدر السابق، 245.
54 ـ “Briefing Notes by Allen W. Dulles,”، مصدر سابق.
55 ـ Claudia Wright, “Generals’ Assembly: The Secrets of US-Turkish Military Planning,” New Statesmen (15 July 1983): 20.
56 ـ “Briefing Notes by Allen W. Dulles
57 ـ للاطلاع على نقاش يتناول تجنيد العملاء والترتيبات ذات العلاقة انظر:
Joseph Burkholder Smith, Portrait of a Cold Warrior: Second Thoughts of a Top CIA Agent (New York: 1976), 114-118; Philip Agee Inside the Company: CIA Diary (New York, 1975), 84-88.
58 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1959-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 376
59 ـ استمر هذا التعاون الى ان صدرت اوامر بوقفه في اواخر عام 1962. يستند هذا الى مقابلات أُجريت في 1969 و1982 مع رئيس الاستخبارات الاردنية السابق راضي عبد الله. انظر Aburish, A Brutal Friendship, 140
كان الشاه مطية اميركية أُعيد الى العرش بانقلاب دبرته وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) عام 1953. انظر
M.J. Gasiorowski, "The 1953 Coup D'Etat." International Journal of Middle East Studies 19, no. 3 (1987): 261-286
يدين الملك حسين بعرشه لبريطانيا الامبراطورية وكان عميلا مأجورا لوكالة المخابرات المركزية من 1957 حتى وفاته في عام 1999. انظر: Blum, Killing Hope, 90
انظر ايضا:. See also, Boomerang!, Zepezauer, 60-66.
60 ـ Aburish, Nasser: The Last Arab, 168-172
61 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 342-343
62 ـ Eisenhower Library, “Memorandum of Discussion by Gleason, October 17,” Whitman File, NSC Records, fully declassified, originally published in part in Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Washington: 1993), 348
63 ـ دعمت وكالة المخابرات المركزية التمرد الكردي المسلح ضد الحكومة العراقية بستة عشر مليون دولار في الفترة الواقعة بين 1972 و1975. انظر:
Blum, Killing Hope, 242-244; Gerard Chaliand ed., A People without a Country: The Kurds and Kurdistan (New York: 1993), 167-177; Edgar O’ Balance, The Kurdish Struggle 1920-1994 (New York: 1996), 93-101
64 ـ المصدر السابق ، 390.
65 ـ المصدر السابق ، 355 ـ 356.
66 ـ Uriel Dann, Iraq Under Qassem: A Political History, 1958-1963 (New York: 1969), 127-135
67 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 363-422
68 ـ Eisenhower Library, “Memorandum of Discussion, December 11,” Whitman File, NSC Records, fully declassified, originally noted as entirely classified in Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Washington: 1993), 356
للاطلاع على هذه الوثيقة انظر:
: Memorandum of Discussion at the 390th Meeting of the National Security Council on December 11, 1958, page 87
69 ـ المصدر السابق ، 357 ـ 358.
70 ـ مقابلة مع هاني الفكيكي، عضو قيادة حزب البعث وقتذاك، لندن، تشرين الأول/اكتوبر 1995 في Aburish, A Brutal Friendship, 141; Claudia Wright, “Generals’ Assembly: The Secrets of US-Turkish Military Planning,” ، مصدر سابق.
71 ـ انظر الملحق رقم 1، سرية التدخل السري الاميركي في العراق.
72 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie Eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 358-359
73 ـ المصدر السابق، 382.
74 ـ المصدر السابق، 391 ـ 392.
75 ـ المصدر السابق، 385.
76 ـ Eisenhower Library, “Memorandum of Discussion at the 398th Meeting of the National Security Council on March 5,” Whitman File, NSC Records, fully declassified by Mandatory Review August 19, 1996, originally noted as entirely classified in Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Washington: 1993), 394
للاطلاع على هذه الوثيقة انظر:
398th National Security Council Memo of March 5, 1959, page 89
77 ـ للاطلاع على تاريخ حركة الشواف انظر:
Dann, Iraq Under Qassem, 164-177
78 ـ Eisenhower Library, “Memorandum of Discussion at the 399th Meeting of the National Security Council on March 12,” Whitman File, NSC Records, fully declassified, originally noted as entirely classified in Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Washington: 1993),
للاطلاع على هذه الوثيقة انظر:
399th National Security Council Memo of March 12, 1959, page 91.
79 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie Eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 434
80 ـ Dana Adams Schmidt, “CIA Head Warns of Danger in Iraq,” ، مصدر سابق.
81 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 395-449
82 ـ المصدر السابق، 437
83 ـ المصدر السابق، 456
84 ـ المصدر السابق، 461
85 ـ and Peter Sluglett, Iraq Since 1959, 72-73
86 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 482
87 ـ Richard Sale, “Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot,” ، مصدر سابق. لم أتمكن من تأكيد ذلك من أي مصادر اخرى.
88 ـ Aburish, Saddam Hussein, 47; Con Coughlin, Saddam: King of Terror (New York, 2002), 29; Alexander and Patrick Cockburn, Out of the Ashes: The Resurrection of Saddam Hussein (New York, 1999), 72
89 ـ Richard Sale, “Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot,” ، مصدر سابق.
90 ـ Eisenhower Library, “Memorandum of Discussion at the 423rd Meeting of the National Security Council on November 5,” Whitman File, NSC Records, further partially declassified, originally published partially classified in Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Washington: 1993), 492
للاطلاع على هذه الوثيقة انظر
Memorandum of Discussion at the 423rd Meeting of the National Security Council on November 5, 1959, page 93
91 ـ Con Coughlin, Saddam: King of Terror, 37-39; Aburish, A Brutal Friendship, 136-137; John Bulloch and Harvey Morris, Saddam’s War: The Origins of the Kuwait Conflict and the International Response (London, 1991), 54-55
92 ـ David Morgan, “Ex-U.S. Official says CIA Aided Baathists: CIA Offers No Comment on Iraq
Coup Allegations,” Reuters, 20 April 2003
متاح على الانترنت على الموقع التالي http://www.commondreams.org/headlines03/0420-05.htm
تم الدخول عليه في 17 أيار/مايو 2006.
93 ـ Marion and Peter Sluglett, Iraq Since 1958, 327n
94 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 495
95 ـ Arlington National Cemetery Website, “Ex-CIA Official James Critchfield Dies,” مصدر سابق.
96 ـ استنادا الى مقابلة مع جيمس كريتشفيلد، واشنطن، ايلول/سبتمبر، 1994 في كتاب ابو ريش Aburish, A Brutal Friendship, 134-135
97 ـ المصدر السابق، 135.
98 ـ انظرWilbur Crane Eveland, Ropes of Sand: America’s Failure in the Middle East (London: 1980) 121-231, 253-254
99 ـ صحيفة "نيويورك تايمز" ، 8 ، 13 ـ 15 آب/اغسطس 1957 ، 21 تشرين الأول/اكتوبر 1957 ، 24 ـ 28 كانون الاول/ديسمبر 1957 ، 14 شباط/فبراير 1958 ، 6 ـ 8 ، 14 ، 29 آذار/مارس 1958 ، 8 تشرين الأول/اكتوبر 1958.
100 ـ Eveland, Ropes of Sand, 209-213
101 ـ المصدر السابق ، 249 ـ 253.
102 ـ مقابلة مع كريتشفيلد في Aburish, A Brutal Friendship, 134-135
103 ـ يروي سعيد ابو ريش الحكاية العجيبة التالية: "كان الاميركيون مصممين على اسقاط قاسم حتى انهم فتحوا ابوابهم لمن هب ودب. وأنا نفسي كنتُ شاهدا على نشاطات مماثلة في بيروت، وأتذكر ذهولي إزاء الطريقة التي كان مغتربون عراقيون شباب يتحدثون بها عن ارتباطاتهم بوكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) على المكشوف وبصورة محرِجة. وكان عراقي اسمه الخياط يقول للجميع ان لديه رقم الن دلاس على هاتفه المباشر تحسبا. لاحقا اكتشفتُ ان هذا الأحمق كان بالفعل عميلا للسي آي أي". Aburish, Saddam Hussein, 55
104 ـ الولايات المتحدة، الكونغرس، مجلس الشيوخ، اللجنة الخاصة لدراسة العمليات الحكومية:
United States, Congress, Senate, Select Committee to Study Governmental Operations. Alleged Assassination Plots Involving Foreign Leaders, 181n
105 ـ المصدر السابق.
106 ـ Jeff McConnell, “CIA’s ‘Mission’ against Hussein has a Familiar Ring to it,” The Boston Globe, 9 September 1990, A29
107 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 501
108 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1958-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 507
109 ـ بحسب هاني الفكيكي، الوزير السابق في حكومة البعث، بدأ الاميركيون والبريطانيون في فترة من الفترات عام 1960 أو 1961، يسلحون الكرد للقيام بتمردهم الذي انطلق في صيف 1961. انظر مقابلة مع هاني الفكيكي في لندن، تشرين الأول/اكتوبر 1995، في كتاب ابو ريش Aburish, A Brutal Friendship, 141 انظر ايضا: Claudia Wright, “Generals’ Assembly: The Secrets of US-Turkish Military Planning,” ، مصدر سابق. لا يمكن تأكيد هذا الزعم. وفي الحقيقة توجد وثائق رسمية اميركية تبين ان هناك رفضا رسميا لطلبين تقدم بهما الكرد من أجل الحصول على دعم معنوي ومالي ومدهم بالسلاح في ايلول/سبتمبر 1962. انظرUnited States, Department of State, Nina J. Noring and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1961-1963, vol. XVII: Near East 1961-1962 (Washington: 1994), 746-747; United States, Department of State, Nina J. Noring and Glenn W. LaFantasie, ed. Foreign Relations of the United States, 1961-1963, vol. 18: Near East 1962-1963 (Washington: 1995), 116-117
110 ـ United States, Department of State, Edward C. Keefer and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1959-1960, vol. XII: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula, 526
111 ـ United States, Department of State, Nina J. Noring and Glenn W. LaFantasie eds. Foreign Relations of the United States, 1961-1963, vol. XVII: Near East 1961-1962, 364-365
112 ـ المصدر السابق، 379
113 ـ المصدر السابق، 455
114 ـ المصدر السابق، 655
115 ـ المصدر السابق، 705
116 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 137
117 ـ مقابلة مع العاهل الاردني الملك حسين في صحيفة "الاهرام"، 27 ايلول/سبتمبر، 1963 في Mufti, Sovereign Creations, 144
118 ـ Sale, “Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot.”
119 ـ Aburish, Saddam Hussein, 54-55; Con Coughlin, Saddam: King of Terror, 37; Bulloch and Morris, Saddam’s War, 54-55
120 ـ Kennedy Library, “Incoming Telegram from Baghdad to Secretary of State, June 25, 1962,” National Security Files, Countries, Box no. 117, Iraq 1961-1962. To view this document, see Appendix 3: Documents: Incoming Telegram from Baghdad to Secretary of State, June 25, 1962, page 95
121 ـ MacMillan Files, “Conclusions of a Meeting of the Cabinet, 4 April, 1963,” CAB 128/37
122 ـ Kennedy Library, “Incoming Telegram from Baghdad to Secretary of State, September 26, 1962,” National Security Files, Countries, Box no. 117, Iraq 1961-1962
123 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 138
124 ـ Batatu, Old Social Classes, 986
125 ـ مقابلة مع الفكيكي في Aburish, A Brutal Friendship, 137
126 ـ Kennedy Library, “Incoming Telegram from Baghdad to Secretary of State, February 7, 1962,” National Security Files, Countries, Box no. 117, Iraq 1961-1962
127 ـ المصدر السابق، Kennedy Library, “Incoming Telegram from Baghdad to Secretary of State, February 2, 1962,” National Security Files, Countries, Box no. 117, Iraq 1961-1962
128 ـ United States, Department of State, Nina J. Noring and Glenn W. LaFantasie, ed. Foreign Relations of the United States, 1961-1963, vol. 18: Near East 1962-1963, 334-335
129 ـ Edouard H. Saab, “ Une Declaration du General Kassem Au ‘Monde’,” LeMonde, 2 February 1963, translation by Peter Attwood
130 ـ Aburish, Saddam Hussein, 55-56
131 ـ انظر الملحق رقم 2: لماذا ليكلاند ليس من عناصر السي آي أي ولماذا غالبية العالم العربي ترى عكس ذلك.
132 ـ بحسب ايد كين فان جميع موظفي السي آي أي العاملين بغطاء في الدائرة السياسية لوزارة الخارجية في بغداد خلال اوائل الستينات رحلوا عن هذا العالم. ويشمل هذا رئيس المحطة آرت كالاهان وهيو فلايشرHugh Fleischer وتيد ايكنز. مقابلة مع العنصر المتقاعد في السي آي ايد كين، ايلول/سبتمبر 2005.
133 ـ مقابلة مع ليكلاند، تموز/يوليو 2005
134 ـ مقابلة مع ليكلاند، آب/اغسطس 2005
135 ـ المصدر السابق.
136 ـ مراسلة مع ايكنز، حزيران/يونيو 2005
137 ـ مراسلة مع ابو ريش، آب/اغسطس 2004
138 ـ مراسلة مع ابو ريش، حزيران/يونيو 2005
139 ـ Robert Morris, “A Tyrant 40 Years in the Making,” ، مصدر سابق.
140 ـ مقابلة مع جمال الاتاسي، دمشق 23 تموز/يوليو 1991 في Mufti, Sovereign Creations, 144
141 ـ انظر Harry Rositzke, The CIA’s Secret Operations: Espionage, Counterespionage, and Covert Action (Boulder, CO: 1977), 109-110
142 ـ مقابلة مع ليكلاند، حزيران/يونيو 2005
143 ـ انظر الوثيقة Documents: Letter from Ed Kane to CIA Director of Public Relations, page 98
144 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 138
145 ـ Edith and E. F. Penrose, Iraq, 288
146 ـ Kennedy Library, “Secret Memorandum for the President: R. W. Komer to Kennedy,” National Security Files, Countries, Box no. 117, Iraq 1/63-2/63, originally partially published in United States, Department of State, Nina J. Noring and Glenn W. LaFantasie, ed. Foreign Relations of the United States, 1961-1963, vol. 18: Near East 1962-1963, 334n-335n.
للاطلاع على هذه الوثيقة انظر
Documents: Komer to Kennedy, February 8, 1963, page 97.
147 ـ تفاصيل قضية عماش في Aburish, A Brutal Friendship, 138
148 ـ Khadduri, Republican Iraq, 190n; Aburish, Saddam Hussein, 56
149 ـ استنادا الى اقتباس للكتاب المصري محمد حسنين هيكل الذي نقل عن العاهل الاردني الملك حسين، في كتاب ابو ريش A Brutal Friendship, 140
150 ـ مراسلة مع ابو ريش، آب/اغسطس 2004
151 ـ للاطلاع على التفاصيل الكاملة لأحداث الانقلاب انظر كتاب خدوري "العراق الجمهوري"، Khadduri, Republican Iraq, 188-196
152 ـ Aburish, Saddam Hussein, 57
153 ـ Samir al-Khalil, Republic of Fear: Saddam’s Iraq (Berkeley, California, 1989), 59
154 ـ Aburish, Saddam Hussein, 58
155 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 139
156 ـ استنادا الى ما كتبه علي كريم الذي كان بعثيا قياديا في حينه، في Con Coughlin, Saddam: King of Terror, 42
157 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 139
158 ـ المصدر السابق
159 ـ Coughlin, Saddam, 42
160 ـ Summary of Government of Iraq, Al-Munharitun, 30-32, 39-41, 49-51 and passim in Batatu, Old Social Classes, 990
161 ـ Marion and Peter Sluglett, Iraq Since 1958, 86; Batatu, Old Social Classes, 985-986; Edith and E. F. Penrose, Iraq, 288; Coughlin, Saddam, 41; Mufti, Sovereign Creations, 143-144; Heather Deegan, The Middle East and Problems of Democracy (Boulder, Colorado, 1994), 71; Bulloch and Morris, Saddam’s War, 55
162 ـ استنادا الى شهادة مراسل سابق لصحيفة "التايمز" مجهول الهوية ومغتربين عراقيين مجهولي الهوية في كتاب ابو ريش Aburish, Saddam Hussein, 58-59
163 ـ مقابلة مع العاهل الاردني الملك حسين نُشرت في صحيفة "الاهرام"، 27 ايلول/سبتمبر 1963، في Mufti, Sovereign Creations, 144
164 ـ استنادا الى الدكتور حامد البياتي في كتابه "انقلاب 8 شباط 1963 في العراق (لندن ، 1966) ، 163 (بالعربية) في كتاب ابو ريش Aburish, Saddam Hussein, 59
165 ـ Bulloch and Morris, Saddam’s War, 55
166 ـ مقتبس من مقابلة مع العاهل الاردني الملك حسين نُشرت في "الاهرام"، 27 ايلول/سبتمبر 1963، في Batatu, Old Social Classes, 985-986
167 ـ مقابلة مع الفكيكي في Aburish, Saddam Hussein, 59
168 ـ Interview with James Critchfield, Washington D.C., 04/10/91 in the Cockburns, Out of the Ashes, 74
169 ـ Robert Morris, “A Tyrant 40 Years in the Making.”
170 ـ مقابلة مع الفكيكي في Aburish, A Brutal Friendship, 141
171 ـ مقابلة مع الدكتور احمد الجلبي، لندن، آب/اغسطس 1996، في Aburish, Saddam Hussein, 59
172 ـ مقابلة مع ليكلاند، حزيران/يونيو 2005
173 ـ McConnell, “CIA’s ‘Mission’ against Hussein has a Familiar Ring to it.”
174 ـ مقابلة مع الفكيكي في Aburish, A Brutal Friendship, 141
175 ـ مقابلة مع ليكلاند، حزيران/يونيو 2005
176 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 141
177 ـ Aburish, Saddam Hussein, 60
178 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 141
179 ـ Kennedy Library, National Security Files, Countries Series, Iraq, January/February 1963
180 ـ انظر الملحق رقم1، سرية التدخلات الاميركية الخفية في العراق.
181 ـ See page 51, taken from Rositzke, The CIA’s Secret Operations, 109-110
182 ـ للاطلاع على هذه الوثيقة انظر Komer to Kennedy, February 8, 1963, page 97
183 ـ M. J. Gasiorowski, "The 1953 Coup D'Etat."
184 ـ United States, Department of State, Nina J. Noring and Glenn W. LaFantasie, ed. Foreign Relations of the United States, 1961-1963, vol. 18: Near East 1962-1963, 343
185 ـ المصدر السابق، 348
186 ـ Darwish and Alexander, Unholy Babylon, 203
187 ـ مراسلة مع ابو ريش، أيار/مايو 2005
188 ـ Darwish and Alexander, Unholy Babylon, 203
189 ـ Aburish, Saddam Hussein, 74
190 ـ Darwish and Alexander, Unholy Babylon, 203; Aburish, Saddam Hussein, 73, 74
191 ـ مقتبس في Hassan Al Said, Guards of the West: The Ba’ath and the International Game (Beirut: 1992) 352 في كتاب ابو ريش Aburish, Saddam Hussein, 74
192 ـ مقتبس في Al Said, Guards of the West, 277 في كتاب ابو ريش Saddam Hussein, 73
193 ـ مقتبس في Aburish, Saddam Hussein, 73
194 ـ Joan Edelman Spero and Jeffrey A. Hart, The Politics of International Economic Relations, 6th ed. (Belmont, CA: 2003), 301-306
195 ـ Howard and Gayle Teicher, Twin Pillars to Desert Storm: America’s Flawed Vision in the Middle East from Nixon to Bush, (New York: 1993), passim
196 ـ John Daniszewski, “Raid Seen as Boost to U.S. Troops' Image,” L.A. Times, 17 November 2005
197 ـ مقابلة مع كين ، حزيران/يونيو 2005
198 ـ انظر الوثيقة Letter from Ed Kane to CIA Director of Public Relations, page 98
199 ـ مراسلة مع العنصر المتقاعد في السي آي أي ايد كين، حزيران/يونيو 2006
200 ـ مقابلة مع كين، حزيران/يونيو 2005
201 ـ مراسلة مع ابو ريش في آب/اغسطس 2004
202 ـ Sale, “Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot,” ، مصدر سابق
203 ـ Thomas Powers, The Man Who Kept the Secrets, 128
204 ـ Smith, Portrait of a Cold Warrior, 255, 256
205 ـ المصدر السابق 46 ـ 47.
206 ـ Con Coughlin, Saddam, 326, 327n
207 ـ Aburish, Saddam Hussein, 55-56
208 ـ Smith, Portrait of a Cold Warrior, 146-147
209 ـ مقابلة مع ليكلاند، آب/اغسطس 2005
210 ـ مراسلة مع ابو ريش، ايار/مايو 2005
211 ـ Aburish, Nasser, 338, 39
212 ـ مراسلة مع ابو ريش، حزيران/يونيو 2005
213 ـ مقابلة مع ليكلاند، تموز/يوليو 2005
214 ـ Mohamed H. Heikal, Cutting the Lion’s Tail: Suez through Egyptian Eyes (New York: 1987), 41
215 ـ مقابلة مع ليكلاند، حزيران/يونيو وآب/اغسطس 2005
216 ـ مقابلة مع المسؤول السابق في السلك الدبلوماسي وليام ليكلان ، كانون الاول/ديسمبر 2005
217 ـ Aburish, A Brutal Friendship, 138
218 ـ مقابلة مع ليكلاند، حزيران/يونيو 2005
219 ـ للاطلاع على تاريخ الفكيكي انظر: Batatu, Old Social Classes, 1004-1005, 1019, 1021n, 1022-1023, 1218-1219