الأربعاء 22 تشرين1/أكتوير 2014
TEXT_SIZE

الاستبداد- مظاهره ومواجهته

الاستبداد- مظاهره ومواجهته.... كتاب للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
عرض وتقييم: صادق جواد سليمان‏
«الاستبداد داء تبتلى به بعض الشعوب في بعض مراحل التاريخ، وهو أسوأ أنواع السياسة، وأكثرها فتكا بالإنسان …إنه يؤدي إلى التراجع في كافة مرافق الحياة، وإلى تعطيل الطاقات وهدرها، وإلى سيادة النفاق والرياء بين مختلف فئات الشعب، حكاما ومحكومين». (أسعد السحمراني، تقدمة كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»).

«الاستبداد يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويحارب العلم فيفسده، ويغالب المجد فيفسده بالتمجد. إنه يحول المجتمع إلى جثة هامدة يستطيع النيل منها من أراد من الأعداء المتربصين». (عبدالرحمن الكواكبي، كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»).

في كتابه الصادر حديثا باسم «الاستبداد – مظاهره ومواجهته»، في الصفحات الأخيرة منه، تحت عنوان: «رجال الإصلاح ينادون هذه الأمة بما يحرر تفكيرها من هذه القيود والأغلال»، يستشهد سماحة مفتي عام سلطنة عُمان، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، بمقاطع من كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، معتبرا لمؤلفه عبد الرحمن الكواكبي[1] السبق بين أبرز دعاة الإصلاح ورادة التفكير السليم في تاريخنا الحديث «ممن هدتهم الفطرة السليمة إلى دعوة أمتهم أن تتحرر من الأفكار العقيمة التي نُكبت بها، فأعمتها عن الحق وصدتها عن الرشد». هنا يرى الشيخ الخليلي، كما رأى الكواكبي قبله بقرن وربع قرن، أن الخطيئة التي فرخت تلك الأفكار العقيمة، ولطالما كبلت الأمة الإسلامية بقيود وأغلال عاقتها عن إنتاج نموذج قويم للحوكمة من بعد انقضاء الخلافة الراشدة، إنما هي خطيئة الاستبداد.
كتاب الشيخ الخليلي صميم وهادف: صميم من حيث أنه يقدم توصيفا صميما للاستبداد، كظاهرة ذميمة تبتلى بها المجتمعات عندما لا تحتاط ضد نشوء الاستبداد بادئ الأمر، وتباعا تتعاجز عن مواجهته من بعد أن يترسخ في فنائها، فإذا رامت اقتلاعه من بعد ترسخه، كلفها ذلك كلفة باهضة. وهو كتاب هادف من حيث أنه يهدف إلى ابتعاث مسارات رشيدة في الحراك العربي المعاصر: مسارات توصل إلى مستقبل عربي خال من الاستبداد ومظاهره وطبائعه. وإذا كان المؤلف في خاتمة الكتاب يقول أن لا هدف له من وضع الكتاب إلا «إرضاء الله تعالى والحرص على أن تصل الحقيقة إلى الأمة بوجهها الوضاء»، فإن ذلك لا يتعارض، بل إنه يتلاقى تماما، مع كون مطلب الإصلاح السياسي في مجتمعاتنا العربية دافعا ضمنيا لاعتنائه بهذا الموضوع واجتهاده في عرضه. آية ذلك أن المؤلف ينتصر وضوحا لأحداث الربيع العربي، معتبرا إياها حركات جماهيرية مشروعةَ القصد لأجل رفع الظلم وتحقيق العدالة، وإن ترافق مع مثل هذه الحركات، في المعتاد، قدر من الخبط بادئ الأمر، وقدر من العثار تباعا، لأمد قد يطول أو يقصر، على مسارها نحو النضوج والإنجاز.
وهو في هذا السياق يصف ما شهدته الساحة العربية مؤخرا وصفا مسهبا يخبر عن رؤيته لحراك الربيع العربي من حيث أنه، في جوهره، حراك ناشد للإصلاح، ومجتهد في إزالة العطب المستدام في الحوكمة العربية، وذلك بتخليصها من الاستبداد وإعادة قوامها على رشاد مبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشورى الصادقة، وجميع تلك مبادئ مؤصلة في القرآن الكريم.
بعبارات صميمة نافذة يصف المؤلف أحداث الربيع العربي بأحداث «هيأها القدر وساقها المقدور، حتى بلغت مداها، فتزعزعت عروش، وانهدت صروح، وتساقطت أنظمة، وتمرغت في الرغام أنوف طالما شمخت بكبريائها، وتعالت في شممها، وتحطمت رؤوس ما كانت تحسب أن صروف الدهر ستدور عليها، أو أن عوادي الزمان ستمتد يدُها إليها، وقامت من تحت الأنقاض شعوب كم ديست بمناسم الجور، وكبست بوطأة الظلم، فانطلقت كأنما حُلت من عقالها مستهدفة ظالميها تطلب الإثئار ممن سقاها كؤوس الذل وجرعها غصص الهوان. وما من شك في كون العدل المنشود والحق المبتغى مطلبا فطريا للنفس البشرية، فإن الله خلقها حرة، وكرمها بما جللها به من سوابغ الإحسان … وما أعظم كلمة الفاروق التي حفظها الدهر ورواها، وسجلها الزمن ووعاها: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
في السياق ذاته، ينتقد الشيخ الخليلي فتاوى صدرت تدين «الذين يريدون أن يتحرروا من ربقة الظلم ويتخلصوا من بطش الظالمين، وتحرّم حتى مجرد الاحتجاج السلمي للمطالبة برفع الظلم». هو يرى تلك الفتاوى نتاجا طبيعيا لظاهرة الاستبداد «التي فُرضت على الأمة فتوارثتها قرنا بعد قرن منذ انطوى الحكم الراشدي، ونشأ في الأمة حكم جاهلي يستمد شرعيته من النظام الكسروي القيصري وإن كان ينتسب زورا إلى الإسلام … وهذا أيضا ما فرضه الفقه السياسي الذي صيغ بعقول نشأت في هذا المحيط الذي يسوده الظلم والاستبداد تحت شعار الإسلام». هنا أيضا نرى من وراء تأليف الكتاب دعوة صميمة لنبذ الاستبداد مطلقا، ولتوجهٍ تصحيحي إصلاحيٍ رصين يعيد نظام الحوكمة الإسلامية على أساس شورى صادقة، على امتداد الوطن العربي الكبير.
يأتي الكتاب في قسمين: الأول يُعنى بمظاهر الاستبداد، والثاني يستعرض نماذج مشرقة قي مواجهته عبر التاريخ الإسلامي.
مظاهر الاستبداد
في القسم الأول توصيف للاستبداد ينطلق من تأمل عابر في أحوال أمم خلت قديما، كالمصريين تحت حكم فراعنتهم، والرومان تحت حكم أباطرتهم، والفرس تحت حكم أكاسرتهم. في جميع تلك الحالات يلاحظ المؤلف وجود تواطؤ بين المؤسسة السلطوية والمؤسسة الدينية لأجل تثبيت دعائم الاستبداد وتمكين استدامة قبضة المستبد. فتحتَ الفراعنة اعتبر الحاكم مزدوجا من إله وبشر، جراء التضليل بعقول الناس من قبل كهنة يدعمون الحاكم ويدعمهم الحاكم وفق صفقة مبيتة. وتحت الأباطرة الرومان كان التحالف بين المؤسسة البابوية والمؤسسة الأمبراطورية قائما على اعتبار البابوية القيصرَ وسلالته من نسل الآلهة، واعتبار الأمبراطورية البابا ممثلا للسلطة الإلهية على الأرض. كذلك كان اعتبار الأكاسرة لدى المجوس، إذ هم عدوا ملوكهم من عنصر مقدس موصول بالذات الإلهية نسبا، لذا هم أيضا، بتضليل من كهنتهم، أذعنوا لملوكهم بالطاعة العمياء والتمجيد.
في جميع تلك الحالات، الكهنة، بتواطؤ مع الحاكم بدافع انتفاع من عطاءاته المتدفقة عليهم، ومن حيث تعضيده سلطتهم الكهنوتية على الناس، وفي المقابل، الحاكم من حيث تأييد الكهنة شرعية سلطة الحكم له ولسلالته بادعاء النسب الإلهي لهم، سوغا للعوام، بتآزر وثيق، السلطة والقدسية لكليهما، لكي لا يطعن أحد في حق الحكام ممارسة الاستبداد، كما أن لا يطعن أحد في أهلية الكهنوت لتأييد الاستبداد والعمل على استدامة قبضته.
بزوغ الإسلام
نقضا لما كانت عليه أحوال الأمم قبله، نسف الإسلام منذ بزوغه ظاهرة الاستبداد بإقرار مبدأ المساواة بين الناس، ثم بسن المشاركة قرآنيا بآلية الشورى في صنع القرار المتصل بإدارة ما هو شأن مشترك بين الناس عامة. رغم ذلك، على ما يرى المؤلف، من بعد الخلافة الراشدة سرعان ما وقع المسار الإسلامي في شراك الاستبداد الذي وقعت في مثله أمم من قبل. إنه يرى أنه منذ بداية العهد الأموي، لم تعرف الأمة الإسلامية غير الاستبداد منهاجا للحوكمة، بعد إذ انحدر الحكم سريعا من سمو خلافة راشدة منضبطة بمبادئ الإسلام وقيمه الرفيعة، إلى حضيض سلطة استبدادية شرسة منفلتة، الأمر الذي سرى أثره استتباعا، ولايزال يسري، في الحوكمة العربية حتى هذا الحاضر الراهن. في هذا الصدد يقف المؤلف طويلا عند أثر السياسة الأموية في الفقة السياسي التبريري: أي عند فتاوى كانت تصدر لتزيين الباطل وإقراره، من قبيل أن الغالب بالقوة هو الأولى بالشرعية، وأن على الأمة أن تطأطئ له رأسها وتكون طوع أمره، بصرف النظر عن أنه لا توجد في الإسلام طاعة مطلقة لغير الله. ومن قبيل ذلك أيضا الإباحة للحكام أن يعيشوا وسط هالة من الهيبة والأبهة والحماية والبذخ والتبذير والإسراف بحجة أن لهم عند الله وضعا خاصا بسبب تسلطهم في الأرض، فلا حساب عليهم ولا عقاب.
في وصف ما كان عليه الاستبداد إبان العهد الأموي يستشهد الشيخ الخليلي بما كتبه الداعية العلامة أبو الأعلى المودودي[2] عن تلك الفترة في كتابه (موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه)، ومن ذلك يستخلص مجمل أثر الاستبداد في حياة الناس خلال فترة الحكم الأموي بقوله أنه كان عهدا خضع فيه الناس لحكم مطلق «في يد شخص واحد، تساعده بطانة من جنسه، تتزلف إليه بكل شيء من غير مبالاة بسخط الله، وتسفك لأجله الدماء، وتنهب لإرضائه الأموال، وتنتهك كل حرمة من الحرمات، وتنشر بين الناس فكرة الطاعة المطلقة له، من دون أن يكون لهم أن يطالبوا بحق، أو أن يدفعوا عن كرامة، أو أن يحموا حرمة، أو أن يتمتعوا بحرية في أي شيء».
«بناء على هذا، كان ذلكم الفرد المتسلط هو المالك المطلق لثروة الأمة، يسخرها في شهواته، ويبذرها في ملذاته، من غير أن يحسب حسابا للجماهير المحرومة التي تتضور جوعا، وتعاني من حرمان أقل حقوقها وأدنى ما يعيش عليه المرء من شظف العيش ونكد الحياة».
يستشهد المؤلف أيضا بالداعية العلامة أبو الحسن الندوي[3] لتوصيف الحالة التي عانتها الأمة في تلك الحقبة، مقتطفا مقطعا موسعا من كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين):
«لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد – هو شخص الخليفة أو الملك – أو حول حفنة من الرجال – هم الوزراء وأبناء الملك – وكانت البلاد تعتبر ملكا شخصيا لذلك الفرد السعيد والأمة كلها فوجا من المماليك والعبيد، يتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأعراضهم، ولم تكن الأمة التي كانت يحكم عليها إلا ظلا لشخصه ولم تكن حياتها إلا امتداد لحياته».
«لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها، فإذا استعرض أحد تاريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمان وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وهي تمنعها من الشمس والهواء، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه وتصبح أمة هزيلة لا شخصية لها ولا إرادة، ولا حرية لها ولا كرامة».
«وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة، فلأجله يتعب الفلاح، ويشتغل التاجر، ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف، وينظم الشاعر، ولأجله تلد الأمهات، وفي سبيله يموت الرجال، وتقاتل الجيوش، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها، ويقذف البحر نفائسه، وتستخرج كنوز الأرض خيراتها».
«وكانت الأمة – وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها – تعيش عيش الصعاليك، أو الأرقاء المماليك، وقد تسعد بفتات مائدة الملك، وبما يفضل من حاشيته، فتشكر، وقد تحرم ذلك أيضا فتصبر، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئا، بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص. إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان، ولاسبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها، أو مصابة في عقلها، أو فاقدة الوعي والشعور، أو ميتة النفس والروح».
بعد هذا التصوير يورد المؤلف تحذير الداعية الندوي «لأولئك الذين يعيشون على الأحلام التي سيطرت على عقول حكام تلك الحقبة وحواشيهم من مغبة المصير الأسود الذي ستنتهي بهم إليه هذه الأحلام الكاذبة»، مقتطفا من الندوي قوله: «فالذين يعيشون تلك الأحلام إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت، بيت مهدد بالأخطار لا يدرون متى يكبس، ومتى تعمل فيه معاول الهدم، وإن سلموا من كل هذا فلا يدرون متى يخر عليهم السقف من فوقهم فإنه بيت قائم على غير أساس متين وعلى غير دعائم قوية… فلا يخدعن أقوام أنفسهم ولا يربطوا أنفسهم بعجلة قد تكسرت وتحطمت … إن الملوكية مصباح – إن جاز هذا التعبير – قد نفد زيته واحترقت فتيلته، فهو إلى انطفاء عاجل ولو لم تهب عاصفة».
أيضا من الندوي يقتطف المؤلف قوله في الأثرة، أن لا مجال لها ولا محل في الإسلام، كما لامحل لها في مجتمع واع بلغ الرشد، كونها إجحافا فاضحا بالآخرين فيما الجميع فيه سواسية في الحق والاستحقاق، وإذن، ففرديةً كانت الأثرة أو عائلية، منظمةً كانت أو عشوائية، حزبيةً كانت أو طبقية، مما تمارس في مختلف المجتمعات عبر العالم، فهي بجميع أنواعها ستنتهي، وإن الإنسانية ستثور عليها وتنتقم منها أشد الانتقام. «فخير للمسلمين وخير للعرب وخير لقادتهم وولاة أمورهم أن يخلصوا أنفسهم منها ويقطعوا صلتهم بها قبل أن تغرق فيغرقوا معها».
يلاحظ الشيخ الخليلي هنا أن العلامة أبا الحسن الندوي نفى عن ذلك العهد، عهد ما بعد الخلافة الراشدة، أن يكون عهدا إسلاميا، وسواه بالعهد الذي كان قبل إشراق نور الإسلام، ووصمه بأنه عهد جاهلي، وقال أنه لا ينبغي أن يُقر ويبقى في هذه الأمة يوما واحدا فضلا عن أن يبقى أعواما أو قرونا. يلاحظ كذلك، موافقا، أن الندوي يعمم هذا الحكم على العهد الأموي والعباسي بسواء: الأموي الذي دام 90 عاما، لا تُستثنى منه سوى ثلاث سنوات حكم عمر ابن عبد العزيز «الذي أقام موازين القسط وأعاد إلى الأمة حقوقها المسلوبة»، والعهد العباسي الذي دام 508 عاما وانتهى بسقوط بغداد أمام هجمة المغول عام 1258. كما أنه يورد للندوي مستحسنا قوله أن الاستبداد «إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة، فقد كان ذلك على غفلة من الأمة أو على الرغم منها، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام واستيقظ الوعي، وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها».
في مكان آخر، يورد المؤلف قول الندوي، لأن ذلك العهد الاستبدادي ساد في حياة المسلمين طويلا، «فإنه ترك رواسب في حياة الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها وأخلاقها واجتماعها، وخلف آثارا باقية في المكتبة العربية، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب (ألف ليلة وليلة) الذي يصور ذلك العهد تصويرا بارعا، يوم كان الخليفة في بغداد، أو الملك في دمشق أو القاهرة، هو كل شيء، وبطل رواية الحياة، ومركز الدائرة: إن هذا العهد الذي يمثله كتاب (ألف ليلة وليلة) بأساطيره وقصصه، وكتاب (الأغاني) بتاريخه وأدبه، لم يكن عهدا إسلاميا، ولا عهدا طبيعيا معقولا، فلا يرضاه الإسلام ولا يقره العقل، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه، فقد كان هذا هو العهد الذي بعث فيه محمد صلعم فسماه الجاهلية ونعى عليه وأنكر على ملوكه – ككسرى وقيصر – وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار. إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان أو أي زمان، ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها، أو مصابة في عقلها، أو فاقدة الوعي والشعور، أو ميتة النفس والروح… إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوما، فضلا عن أن يستمر أعواما».
حول المفارقة بين عهد الخلافة الراشدة والعهد الذي تلاها من حكم الأمويين ثم العباسيين يورد المؤلف للأستاذ سيد قطب[4] قوله: «لقد اتسعت رقعة الإسلام فيما بعد الخلافة الراشدة، لكن روحه انحسرت بلا جدال، ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين، وفيض عارم في طاقته الروحية، لكانت أيام أمية كفيلة بتغيير مجراه الأصيل، ولكن روحه ظلت تقاوم وتغالب، وما تزال فيها الطاقة الكامنة للتغلب والانتصار».
«غير أن أمية أتاحت حدود بيت مال المسلمين، فصار نهبا ومباحا للملوك والحاشية والمتعلقين، وتخلخلت قواعد العدل الإسلامي الصارم، فأصبح للطبقة الحاكمة امتيازات، ولأذيالها منافع، ولحاشيتها رسوم، وانقلبت الخلافة ملكا، وملكا عضوضا، كما قال عنه رسول الله (صلعم) في وثبة من وثبات الاستشفاف الروحي العميق».
على أن الفساد، على ما يرى المؤلف، لم ينحصر في المال، بل شاب السياسة أيضا، فبعد أن كان أمر الولاية مبنيا على الشورى والانتخاب الحر، تحول إلى النقيض من ذلك… تحول إلى حيازة بإرث، أو أخذ بعنوة، أو إرغام بقهر، أواستبداد بسيطرة. في هذا السياق يحسم المؤلف نظره في التاريخ الإسلامي موافقا الشيخ الندوي في قوله: «لو أردنا أن نضع أصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال، لوضعناه على الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين».
يعلق المؤلف على هذا التحول الخطير الذي طرأ على المسار الإسلامي بقوله: «إن أعظم بلاء على الأمة ومصيبةٍ في الدين تحولُ نظام الحكم، الذي كان يسود الأمة من أقصاها إلى أقصاها، من منهج رباني – يقوم على العدل، والشورى، ومحاسبة النفس، والخوف والرجاء من الله، وينبني على عقد بين الأمة والخليفة يكون الخليفة بموجبه أجيرا للأمة تحق لها مراقبته ومحاسبته على القليل والكثير، كما يحق لها مع انحرافه عن الجادة أن ترده إليها بالنصح والتقويم، فإن أبى كان لها عزله، ولو بالقوة – إلى منهج شيطاني يقوم على الجور والاستبداد، وإعطاء النفس شهواتها في البطش بالأمة، وسلبها جميع حقوقها المادية والمعنوية، وإطلاق يد المتسلط بالعبث بأموالها وسفك دمائها، ومعاملتها كقطيع من السوائم، لا تجتلب لنفسها نفعا ولا تدفع ضرا».
«وقد كان هذا – بلا ريب – حدا فاصلا بين عهدين في حياة الأمة، عهد القوة والعزة والكرامة، وعهد الضعف والذلة والمهانة، كما أوضح ذلك المفكر الكبير السيد أبو الحسن الندوي في ملحوظته: «قال أحد الأدباء: «أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد، والانحطاط في حياة الأمة، فلا يُشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا». إنه لحق في قضية أكثر الأمم، لكن بدا التدلي والانحطاط في الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى، ولو أردنا ان نضع أصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال، لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين».
مواجهة الاستبداد
فإذا انتقلنا إلى القسم الثاني من الكتاب – قسم مواجهة الاستبداد – نجد استطرادا لإدانة العهد الأموي لاعتبار المؤلف هذا العهد منطلق الانحراف في مجال الحوكمة الإسلامية، ونجده، تدليلا على ذلك، يستشهد بعدد من الثورات التي حدثت في مختلف مواطن العرب ضد الحكم الأموي، طلبا للتصحيح والإصلاح، لأجل إعادة الحوكمة الإسلامية إلى قاعدتها الأصيلة، قاعدة الشورى التي أصلها القرآن المجيد منهاجا للحوكمة في مجتمع المؤمنين.
بهذا الصدد يستشهد المؤلف بثورة الحسين ابن علي، سبط الرسول صلعم «وقد انتهت به محاولته إلى الاستشهاد في وقعة كربلاء الشهيرة مع لفيف من المسلمين. وسار على نهجه من بعده حفيده زيد بن علي في عهد هشام ابن عبد الملك وانتهى به الأمر إلى مصير جده. كما هب أهل المدينة المنورة، بمن كان منهم من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، إلى تحدي كبرياء الأمويين ودفع بطشهم وجورهم بالسيف، عندما قاموا في وجه الطاغية يزيد ابن معاوية، وقائده العنيد مسرف بن عقبة، فكانت وقعة الحرة المشورة. وكانت ثورة ابن الزبير بمن التف حوله من الصحابة والتابعين، فتمكن حقبة من الدهر من تحرير بعض البلاد التي كانت واقعة تحت الحكم الأموي، ومن بينها الحرم الشريف، إلى أن انتهى حكمه بالاجهاز عليه في عهد عبد الملك بن مروان، بقيادة عامله الطاغية الحجاج بن يوسف، ولم يبال الطغاة في هتك حرمة الحرم الشريف، وقصف بيت الله بالمناجيق، لتحقيق مناهم من بسط سلطتهم والانتقام ممن خصمهم. وقام عليهم جماعة من المسلمين بقيادة عبد الرجمن بن الأشعث، وكان فيهم سعيد بن جبير من أئمة التابعين وخيارهم، وعرفت الثورة بثورة التوابين، إلى أن تمكن الطغاة من إخمادها وإبادة رجالها، بالأسلوب الذي عرفوا به من البطش الشديد والمبالغة في الانتقام».
يعلق المؤلف على كل هذا بقوله: «وما من ريب أن هذه الحركات جميعها كانت تهدف إلى مقاومة ظلم (الأمويين) ودفع بطشهم وإخماد فسادهم، ولكنها (لم تنجح) نظرا إلى أن معظم هذه الثورات أجهز عليها قبل أن تصل غاياتها، من إقامة العدل وبسط المعروف وإزهاق الباطل، ما عدا حركة ابن الزبير التي تمكنت من الحكم برهة من الزمن».
ثم يورد المؤلف الثورة التي قادها الإمام عبدالله بن يحيى الكندي وقائده أبو حمزة المختار ابن عوف الشاري، يوردها بقدر من التفصيل، وذلك، على ما يرى فيها من اعتبارات هامة منها: «أنها نجحت ولو لفترة قصيرة من الزمن، وفي أماكن محدودة من الأرض، فتيسر لها أن تجسد النموذج الحي للحكم الإسلامي النظيف، وأنها تنتمي إلى مدرسة تمكنت في عهود لاحقة أن تحقق هذه الغاية المنشودة في بقاع من بلاد الإسلام فكانت صورة للحكم العادل على نهج الخلافة الراشدة». كما وأن المؤلف اعتبر ثورة طالب الحق وثورة أبي حمزة، في اليمن وعمان «غصنين نبتا في دوحة واحدة وتشاركا طبيعة واحدة ومنزعا واحدا في مواجهة الاستبداد».
يزخر الكتاب بمراجع عديدة استأنس بهاالمؤلف في إعداد بحثه، منها تحديدا كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» لعبد الرحمن الكواكبي الذي يصفه المؤلف بالمفكر المصلح، ويورد من كتابه الرائد في توصيف الاستبداد مقاطع مسهبة، من ذلك قول الكواكبي: «ولقد صاغ وعاظ المسلمين ومحدثوهم مما قرأوا في التوراة من قبيل: اخضعوا للسلطان، ولا سلطة إلا من الله، والحاكم لا يتقلد السيف جزافا وإنما للانتقام من أهل الشر… ومن الأدبيات اليهودية أيضا تلك التي صاغ وعاظ المسلمين قولهم: السلطان ظل الله في الأرض، والظالم سيف الله ينتقم به، ثم ينتقم منه، والملوك ملهمون …»، ويعقب الشيخ الخليلي، على ذلك بقوله: «هذا وكل ما ورد في هذا المعنى إن صح فهو مقيد بالعدالة أو محتمل للتأويل بما يعقل، وبما ينطبق على حكم الآية الكريمة التي فيها فصل الخطاب، وهي: «ألا لعنة الله على الظالمين”، والآية الكريمة الأخرى: «فلا عدوان إلا على الظالمين»».
تقييم الكتاب
الكتاب، كما أسلفت، صميم وهادف، وبنظري أهم ما فيه أنه يعرض صورة كاشفة للفارق الجذري والشاسع الذي ظهر بين المواصفات العالية للحوكمة في الإسلام كما هي مورست إبان الخلافة الراشدة، وبين الرداءة المفرطة التي مورست بها الحوكمة ابتداء بالعهد الأموي ثم في سياق تاريخي مماثل مستطرد يراه المؤلف – متوافقا مع بعض من استشهد بآرائهم من علماء الإسلام – أنه لا يزال مستمر الأثر في إعاقة ارتقاء ممارسة الحوكمة الإسلامية، تحديدا في المجتمعات العربية، إلى المواصفات التي اتصفت بها ممارسة الحوكمة في العهد الراشدي.
مبادرة إبراز الاستبداد هكذا جليا كعائق مركزي للتطور الإيجابي للحوكمة في الخبرة العربية، بالأخص في هذه المرحلة التي تعلوا فيها أـصوات الشعوب العربية في كافة أقطار الأمة، مطالبة بإلحاح بترشيد الحوكمة العربية دستورا وقانونا وتطبيقا، وبمكافحة الاستبداد ومظاهره وطبائعه من أثرة وفساد وتعسف في الحكم وإهدار للمال العام، هي لعمري مبادرة جديرة بكل تقدير، سيما أنها تأتي من قامة دينية عالية، مؤهلة بامتياز، وحريصة بإخلاص، على أن لا يساء فهم أمر الحوكمة في الإسلام من خلال ممارسات الحكام المسلمين من بعد العهد الراشدي، بل أن يفهم صحيحا بضوابطه المؤصلة في مبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشورى، وفي ترسيخ القيم الأخلاقية المنمية للحال الإنساني في كل زمان ومكان: المبادئ والقيم التي عملت بها الخلافة الراشدة بهدي المصحف المجيد والسنة النبوية العاطرة.
اكتفي بهذا القدر من العرض، مدركا قصور ما عرضت، سوى من ملاحظات تبقى لدي على الكتاب لعلي أبدي هنا سريعا أهم أربع منها:
أولا: بما أن ظاهرة الاستبداد عامة في خبرات الأمم، وأن من الأمم من عانت من الاستبداد، قديما وحديثا، أعتى المعاناة، إذن لعله كان الأجدر أن لا ينحصر بحث المؤلف ضمن السيرة الإسلامية فحسب، بل أن يأتي موسعا وشاملا لمظاهر الاستبداد البشعة وطبائعه الفاتكة في الخبرة الإنسانية ككل.
ثانيا: لعلي ألاحظ أن ما حدث في الفترة العباسية لم يكن سلبيا في مجمله، أو عديما في إثراء الخبرة الإسلامية، لذا هي لا تستحق إدانة مطلقة. فمثلا زمن ظهور كتاب (ألف ليلة وليلة) وكتاب (الأغاني) – من حيث أنهما تحديدا محل انتقاد المؤلف والشيخ الندوي – هو ذات الزمن الذي شهد نهضة إسلامية معرفية غير مسبوقة حتى ذاك في سعة محتواها وعرض مداها وغزارة التأليف المعرفي إبانها على مدى أربعة قرون، إن كان في العلوم الطبيعية أو الدينية أو الإنسانية – النهضة التي لا يزال يُقر لها بالفضل لدى عديد من الباحثين كإسهام حضاري مشهود مهد للثورة المعرفية الأوروبية التي درّست جامعاتها من الموسوعات الإسلامية في الطب حتى القرن السابع عشر، واستفادت من المؤلفات الإسلامية في الفلك والبصريات والكيمياء والرياضيات والفلسفة وسواها من العلوم لتطوير معارفها التي أقامت عليها حضارتها الراهنة، المستمرة منذ نصف ألفية من الزمن.
ثالثا: كون الشورى نقيض الاستبداد وبديله في عملية التصحيح والإصلاح، كنت أود أن يقدم البحث تعريفا محكما للشورى من حيث ما ينبغي أن تكون عليه تطبيقاتها في مجال الحوكمة الإسلامية المعاصرة، نظرا لانه لا يزال هناك تأرجحا بين الناس في فهم محتوى الشورى ومدى إلزامية ما تتمخض عنه من قرارات تتصل بالشأن الوطني.
رابعا: كنت أود أيضا أن يقدم البحث رأيا في نظرية «المستبد العادل» التي قال بها الشيخ محمد عبده، مبررا إياها بما رأى من قصور المجتمعات العربية في وقته عن الأخذ بالنظم الديمقراطية، قائلا: «إنما ينهض بالشرق مستبد عادل». لدى عدد ممن قرأت لهم من مفكري الإسلام، ولديّ بالتأكيد، هذه النظرية مردودة في منطقها ومعطوبة في بنائها من حيث جمعها توفيقيا بين نقيضين: الاستبداد والعدالة. الأخطر من ذلك أنها، على ما يرى بعض الباحثين، قد تكون قد ساهمت، من حيث لم يتقصد صاحبها في وقته، في تبرير الاستبداد كما ظهر ومورس عربيا من بعد التحرر من الحكم العثماني. إلا أنني، مع رفضي لهذه النظرية، كنت أود الاستئناس بوجهة نظر سماحة المفتي فيها، ضمن استئناسي بعموم رؤيته التي عرضها مشكورا ومنيرا في كتابه الهادف الصميم حول أثر خطيئة الاستبداد سابقا، واستمرار أثرها لاحقا، في الحياة السياسية للشعوب حتى عصرنا الراهن.
=========================================
[1] هو عبدالرحمن بن أحمد بن مسعود الكواكبي، الملقب بالسيد الفراتي في مدينة حلب، من أسرة تعود في نسبها لآل البيت وتمتاز بالاشتغال بالعلم والاشتراك في جهاز الدولة، قضاء وإدارة وإفتاء. ولادته عام 1848 ووفاته عام 1902. توفي تاركا مشروعه الإصلاحي للعرب والمسلمين، من أجل الخروج من واقهم المتخلف، في كتابين هامين هما: «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، و «أم القرى».
[2] هو أبو الأعلى – أو أبو العلاء – المودودي. ولد بولاية حيدرآباد بالهند عام 1321 هجرية وتوفي بمدينة لاهور عام 1399 هجرية. من أسرة محافظة اشتهرت بالتدين والثقافة. كان عضوا مؤسسا لرابطة العالم الإسلامي، وله عديد من المؤلفات في الدراسات الإسلامية.
[3] هو أبو الحسن علي بن عبد الحي بن فخر الدين الندوي. ينتهي نسبه إلى السبط الحسن ابن علي. هاجرت أسرته إلى الهند في أوائل القرن السابع الهجري. علامة إسلامي ذو شهرة عالمية. له العديد من المؤلفات في الدراسات الإسلامية. ولد في شمال الهند عام 1914 وتوفي هناك عام 1999.
[4] هو سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي. ولادته عام 1906. كاتب وأديب ومنظر إسلامي من مصر. كان عضوا في في مكتب جماعة الإخوان المسلمين. خاض معهم محنتهم عام 1954 إلى عام 1966 حيث حوكم بتهمة التآمر على نظام الحكم وحكم عليه بالإعدام وأعدم.
 

تمايز الثقافات

ترجمة: ماجدة حامد

لم نولد نحن بوصفنا بشر، في ثقافة فقط، بل في ثقافة معينة: تم منحنا مجموعة من السمات المحددة والمعرّفة ثقافياً نتوقع ان نتلاءم أو نكيف أنفسنا معها. والأدق اننا ولدنا في ثقافات عدة تبدي كل واحدة منها فعلها فينا بطرق مختلفة، تتوقع أموراً مختلفة منا وتطالبنا بمطالب مختلفة نجد أنفسنا مضطرين إلى الاستجابة لها. وفضلا عن ذلك، فان هذه المطالب، والمدى الذي يتم فيه فرض الضوابط علينا ـ أو من ناحية أخرى استمالتنا ـ من اجل قبولها، تتباين إلى حد كبير في شدتها وإصرارها حدّ اننا مضطرون باستمرار إلى تقسيم المطالب التي تتطلب الأولوية. وفي الكثير منها نجد أنفسنا أمام خيار ضئيل أو لا يتاح لنا الخيار أصلاً ؛ فالجنس، العنصر، القومية كلها تُمنح لنا عند الولادة ونغفل الأوامر التي تفرضها علينا عند الخطر.
ويبقى الاختلاف الثقافي لغزاً؛ شيئاً يفصلنا مرة أخرى عن الحيوانات الأخرى. فكيف نفسره ؟ تبدو الأنواع species عموما متجانسة الخواص؛ فهي لا تنفصل إلى جماعات مختلفة توطد علاقة عدوانية مع بعضها. فإن صح القول أن الكلاب، مثلاً، هي أنواع أكثر تلوناً من البشر (من حيث المظهر البدني والسلوك أيضاً، فإن الكلب الالزاشي Alsation [منسوب إلى الزاشيا في فرنسا] هو أكثر تميزاً من كلب بكين [الصغير القوائم وعريض الوجه وطويل الشعر ناعمة] وأكثر تميزاً من الكلب اللندني الذي يتميز كثيراً عن كلب مرتفعات غينيا الجديدة)، لكنها تبقى مع ذلك غير متباينة من حيث سلوك النوع الحيواني الممثل لها. أما البشر فهم أنواع لا سكونية باستمرار، تسعى وراء توسيع مجالها وبناء أنماط ثقافية مختلفة أينما ذهبتْ، وتجدهم، في كل مجتمع يشكلونه، ينشأون معايير حكم مختلفة قد لا تتماشى مع معايير المجتمعات الأخرى، المجاورة. لماذا يؤدي انتشار البشر إلى انشاء الكثير جداً من الثقافات المختلفة المتمايزة بمثل هذه الطرق الصارمة ؟ لمَ يحتاج البشر إلى الانتماء إلى مجتمعات أصلاً، أو التماهي مع كيانات مثل القبائل والقوميات ؟ ان التمعن في الثقافة هنا مرة أخرى يقود إلى الشك في أهمية العوامل الوراثية في بنائنا، لأننا، إذا كنا محددين وراثياً، ينبغي عندئذ ان تسلك الثقافات كلها المسار نفسه. ومع ذلك ليست هذه قضيتنا أصلاً ؛ فالعوامل الوراثية تعمل، بوضوح، بطريقة تؤثر في تطلعات مختلف الجماعات الثقافية وافتراضاتها بطرق مختلفة. وان الرغبة بالتمايز تعدّ جوهرية بالنسبة لطبيعة البشر، فنحن نعرّف أنفسنا ليس بما نحن عليه بل بما نحن لسنا عليه. وتعدّ الحركة المزدوجة ضرورية لفعل ذلك: فعلينا ان نرسخ أنفسنا بوصفنا كينونات اجتماعية مع التأكيد في الوقت نفسه على إحساسنا باننا كيان فردي منفصل عن المجتمع، وان كان معتمداً عليه.
وبالقدر الذي ينبغي علينا فيه ان نتلاءم مع حاجات المجتمع، فاننا نحتاج إلى ترسيخ الإحساس بكينوناتنا بوصفنا افراداً، ضمن حقنا الشخصي لكن أيضاً بما يتعلق بالتشكلات الثقافية المختلفة التي نعدّ نحن جزءاً منها أو نسعى لأن تكون جزءاً منها. فالتفريد حاسم ويرتكز على حقيقة اننا نريد ان نكون مثل الآخرين مع الرغبة في الوقت نفسه بأن نكون مختلفين عنهم، أي ان نتلاءم مع جماعتنا وان نكون في الوقت نفسه متميزين عنها لنشعر اننا موجودون بوصفنا أفراداً بحكم حقنا الشخصي. ان هذا الجذب الثنائي جوهري لهويتنا التي ينبغي النظر اليها بوصفها فردية وجمعية معاً. وهناك أيضاً توتر ديالكتيكي ووحدة معاً بالطريقة التي تبدي بها الدوافع الفردية والجمعية فعلها على الطريقة التي نشكل بها ذواتنا. وتتباين اهمية ذلك تبعاً للثقافات، الا ان التوتر يظل قائماً دائما إلى حد ما.
وليس من السهل دائماً الاعتراف بمثل هذا التوتر. فإذا كانت حياتنا كلها متمركزة حول علاقتنا بالآخرين (ما الذي نريده منهم، وما الذي نحن مهيأون لإعطائه ؟)، تكون هناك سيرورة تدفعنا إلى ان نرغب بالانسحاب إلى ذواتنا أو حتى العودة إلى لا تمايز الأنواع. ومثلما لاحظنا، فان هذا قد يتعادل مع غريزة الموت عند السايكولوجيا الفرويدية، كما انه لايؤثر في الافراد فقط، بل الجماعات أيضاً. وطالما أن الكثير من المجتمعات لا تعترف بممارسات معينة من قبيل " التضحية " فقط، بل أيضاً بالمحظورات ذات الصلة بالمجتمع البشري، ولا سيما العرف الكليّ الخاص بتابو الزواج من المحارم الذي تدعمه القواعد المعقدة للزواج اللحمي [بين أفراد القبيلة الواحدة] والزواج الأباعدي [الزواج من الأباعد من مجموعة بعينها] التي تكون مطلوبة لإدامة توازن التفاعل الاجتماعي الذي من خلاله يتجدد المجتمع من دون ان يفقد تلاحمه، ولمنعه أيضاً من الانهيار إلى ذاته. ان تعقيد المجتمع الحديث له وسيلته الخاصة التي تغرس الانضباط في المواطنين لضمان قدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاته بطريقة فاعلة.
لكل واحد منا حاجة إلى توكيد هويته بوصفه فرداً منفصلاً إلى ذاته، متمايز عن الآخرين كلهم، لكننا مع ذلك نرغب بالانتماء، بان نحظى بقبول الآخرين واحترامهم. ويتطلب هذا الدافع المزدوج ـ عند أساس توكيدنا لهويتنا ـ ان نتحرك داخل وخارج مختلف التشكلات الثقافية في لحظات معينة وفي أماكن معينة لنؤسس علاقات معقدة ومختلفة تخدم إحساسنا بذاتنا، وبالانتماء. ولتقصي ذلك، نحتاج إلى التمعن من جديد بالعلاقة بين ذاتنا والآخرين؛ العلاقة المتأصلة في صيرورتنا بوصفنا بشراً، والتي تتغذى أيضاً [تغذية مرتدة] على الطريقة التي يتطور بها المجتمع نفسه. وان مدخلنا إلى الثقافة يتطلب منا ان نخرج ذاتيتنا إلى الخارج. وتبعاً لما جاء في فكرة " مرحلة المرآة " عند لاكان ومثلما لاحظنا، يحدث ذلك بفضل ديالكتيك التماهي مع " الآخر" فإذا تمكنت الأنا من تحقيق حالة موحدة فقط بواسطة سوء التعرف على الصورة في المرآة التي تسمح لها بإحراز تلاحم الذات الذي يتمركز في الإحساس العصي بالتماهي مع رغبة الآخر ؛ فتتبنى وحدة الآخر بوصفها وحدتها من خلال الإزاحة التي من خلالها يتم افتراض استشراف التكامل أو إسقاطه، فعندئذ ستترسخ هوية الطفل الناتجة بوصفه كياناً اجتماعياً ولا تتماسك إلا مؤقتا ؛ معذباً بالافتقار ومحاطاً من جوانبه كلها بنظام اللغة الرمزي.
إن الرغبة، بوصفها التوق إلى الاعتراف والحب، لا يمكن إشباعها الا من خلال التجريد الذي نرسخ في التفاعل مع " الآخر " ؛ رغبة تتخذ شكلها من الرغبة بان تكون مرغوباً من " الآخر" وكذلك في الوقت نفسه من الذات التي تشكل رغبتها الخاصة بوصفها إسقاطاً على " الآخر ". ولهذا السبب يكون هذا التماهي الرئيس متشكلاً نتيجة العلاقة مع " الآخر" الذي تكون هويته إزاء الذات متشكلة هي الأخرى داخل شبكة الدوال التي تتم صياغتها في اللغة.
ومثلما لاحظنا، يتأسس الخلاف هنا بطريقة ينبغي فيها على الذات ان تحاول حله داخل نفسها إذا ما أرادت أن تأسس لنفسها هوية ثابتة والتي لهذا السبب لا يمكن النظر اليها بوصفها محض فيض من داخل الذات. ولهذا فانه في الوقت الذي تكون فيه الذات متشكلة بوصفها حصناً يضم بداخله مجالاً ومغاليق ومحاطاً بمستنقع غادر ينبغي للذات ان تسعى لتخطيه في بحثها عن قلعتها الداخلية الممثلة باللاوعي، بالطريقة ذاتها التي ينبني بها الآخر بوصفه موضوع رغبة الذات، فإن هذا يعني ان حاجة قد ترسخت علينا ان نحاول من خلالها إدامة مظهر التلاحم والكمال الذي من خلاله نستطيع التماهي مع الثقافة التي من حولنا. وبغض النظر عن مدى قوة إرادتنا، غالباً ما تكون هذه السيرورة هي المسيطرة علينا وليست التي نسيطر عليها نحن، فإن البيئة تأسرنا وتجبرنا على تنفيذ مشيأتها. ونحن نرى ذلك في كل ما يحيط بنا في المتطلبات التي يفرضها علينا المجتمع من حيث واجب العمل وتقديم الإسهام للمجتمع، وتقسرنا على علاقات لم نخترها.
ومثلما ان سيرورة تشكل الهوية تتطلب من الذات أن تتشكل بوصفها سياجاً منفصلاً عن الكينونات الأخرى بصفات جوهرية مميزة ـ سواء أكانت فطرية أو مكتسبة ـ لهذا فانها تبدي فعلها، بالتساوي، على العوامل العنصرية والجنسية، فضلا عن القومية أو الطبقية. ويعد مفهوم الفرد غير قابل للانفصال عن التداعيات التي إما يؤسسها أو التي يفشل أو يعجز عن تأسيسها، ومثل هذه التداعيات تكشف مسارات تفتحنا على عوالم ثقافية معينة في حين تغلقنا على عوالم أخرى. وتقترن هذه السيرورة أيضاً بعنصر أساس لدخولنا إلى " التاريخ وإلى " الزمن " وإلى " المجتمع " كما تزودنا بمعيار نستطيع من خلاله فهم هويتنا الاجتماعية وتثبيت هويتنا الفردية داخلها.
ومن المؤمل أن يبني هذا السرد الخطاطي، نوعاً ما، لصيرورة الذات، والمتطور عن فهم لاكان، سرداً دقيقاً بما فيه الكفاية لتقديم وصف قيم ومتناغم للكيفية التي تتحقق بها علاقة الذات والآخر في الإطار العام لسيرورة الحياة. اننا قد نشك محددات تحليل لاكان ـ ولا سيما أهمية دور الدوال بوصفها الواقع الملموس الوحيد للذات، أي الشيءالذي تشكك فيه كاستوريادس Castoriadis ؛ رأى ان التخيل ليس الصورة المعكوسة لشيء ما بل هو في طبيعته غير المحددة ويخلق الصور من هذه الطبيعة غير المحددة أصلاً، وبهذا يستطيع الآخر توليد الذات الآخر بالقدر نفسه الذي تكون فيه انعكاساً له. وسنثير، لاحقاً، شكوكاً أيضاً عن أولوية العالم الرمزي وعدم قابلية استرداده وذلك عند تحليل أولوية الافتراض السوسيري لاعتباطية العلاقة. ومع ذلك، تتضمن نظرية النمو عند لاكان تحليلاً لتشكيل الذات واضحاً بما يكفي لتزويدنا بوسيلة فاعلة لفهم الكيفية التي تدخل بها الثقافة إلى وعي الفرد ؛ موجهة الفرد إلى بنى يسمح لها ان تكون أساساً لتشكل الهوية داخل الموقف الاجتماعي والثقافي المحدد لذلك الفرد.
ما يهمنا هنا هو الطريقة التي ننغمر فيها ـ منذ لحظة ولادتنا، حينما نندمج بما هو خارجي عنها ـ في رحلة ستقودنا إلى تكوين هوية على أساس عصبي (بمعنى انها تعتمد على جذب أفكار متناقضة). وبينما يتعلم الطفل التكيف مع ما يحيط به، فانه يحاول ترسيخ إحساس بالألفة من خلاله يستطيع التمتع بوهم الآمن. الا ان هذا لا يرضينا ونرغب ـ إلى حد كبير أو قليل ـ بكسر أواصر مثل هذا الضمان. ان الفرد ليس كياناً مكبلاً حراً بالتصرف متى شاء، بل هو عنصر فاعل مطلوب لقبول طرق معينة داخل ثقافة ما والمشاركة بها. وهذه السيرورة نفسها فاعلة: فالثقافة لا تسعى إلى ترك بصمتها على الفرد من خلال متطلباتها، بل تشكل فرداً سيعيد خواصه نفسها إلى الثقافة مما يغنيها بإسهامه. وهذا يستدعي تدخل كل فرد في حياة الآخرين، وهذا التدخل هو ما يجعل المجتمع ممكناً.
تعدّ هذه العلاقة حاسمة لفهم كيف نتمكن نحن، بوصفنا افراداً، من التفاعل مع ثقافتنا، وكيف نؤسس، بالمقابل، علاقة بثقافة الآخرين، فعندما نسافر خارج ثقافتنا، نرتبك أول الأمر ويبدو كل شيء غريباً عنا بطريقة تستنسخ غرابتنا الأولية التي نواجهها حينما ندخل العالم، وقد تطلق على هذه الغرابة تسمية الغرائبية ؛ إنها تمثل إسقاطاً لرغباتنا على شخص الآخرين، بالضبط مثلما يسقط الطفل نفسه على المرآة. وبالضبط مثلما ان الفرد يواجه خطر الانهيار إلى اعتناق النرجسية التي تجعل من الصعب احترام واقع الآخرين أو الاعتراف به، لذلك تميل إدراكاتنا للثقافات الأخرى بالبقاء مجمدة في هذه العلاقة: أي النظر إلى الآخرين بوصفهم لا شيء سوى إسقاطاً لذواتنا. وهكذا لا يتم الاعتراف باختلافهم إلا بوصفه صدى متجسداً لا يُعهد له سوى إعادة الجواب إلى الذات بالشروط التي تبنيناها ـ نحن بوصفنا دور نرجس ـ وأسسناها بوصفها شكل غير مكتمل للعلاقة. إن التحدي الرئيس الذي يواجه تأسيس أي مجتمع هو الاعتراف بالاختلاف داخله والسماح لعناصره المختلفة بالتفاعل والاتصال بطريقة تحفظ التلاحم الداخلي وتسمح بالاحترام والاعتراف.
يتشكل المجتمع حينما توافق جماعة من الأفراد على العمل تبعاً لمجموعة معينة من القيم. ولا يمكن لمجتمع ان يكون موجوداً من دون سيرورة الموافقة الجوهرية هذه التي تكون، برغم ذلك، لا مستقرة ولا ثابتة بل خاضعة للتوتر دائما. ويتواصل تشكل المجتمع أيضاً بطريقة تناظر تشكل الهوية الذاتية من خلال الطفل. ولا يتشكل المجتمع من خلال زخمه الخاص بوصفه يستجيب، ببساطة، لدينامية متولدة في داخله، بل يرسخ نفسه بالضبط في علاقة ديالكتيكية مع ما يحيط به، بوجه واقع الآخرين الغرباء الذين يتم تصورهم في ضوء الرغبة بتكوين هوية وكذلك بوصفه ـ في الوقت نفسه، تهديداً لذلك التكوين.
إن الاعتراف بالثقافات الأجنبية لا يكون مرغوباً دائما للمجتمع ؛ ففي الكثير من المجتمعات يتم إقصاء الآخر، الإنسان، من فئة الكينونات البشرية. وإذا ضربنا مثالا عشوائيا: الولاية الأمريكية المحلية التي تعرف اليوم باسم " داكوتا " Dakota كانت في السابق تعرف باسم " سيوكس " Sioux، ومع ذلك لا يمثل أيا من هاتين الكلمتين اسماً، فـ " داكوتا" هي واحدة من العديد من الألفاظ الوصفية التي تستعملها قبائل معينة داخل الولاية ؛ فإذا أشاروا إلى أنفسهم بوصفهم كلاً فانها تكون Ikehe Wichash التي تعني ببساطة " كينونات بشرية طبيعية حقيقية "، اما Sioux فهي التحريف الفرنسي لكلمة Ojibway التي تعني " الأفعى الصغيرة ". ولأغراضهم الخاصة لم يحتاجوا إلى اسم لانهم كوّنوا العنصر البشري. أما بقية القبائل فقد مثلت تدرجات من اللابشر وهذا مبدأ نجده في معظم أجزاء العالم. ويلاحظ نيتشة ذلك مشيراً إلى أن الألمان اكتسبوا اسمهم من أعدائهم ؛ فكلمة Deutschen تعني أصلاً "الهمجي". وهذا يشير إلى الطريقة التي لا يكون فيها الاندماج مع الآخرين سيرورة اتصال مباشرة. نحن نختار " آخرين" بألفاظ تعطي معنى لإحساسنا بالهوية. وبهذا الصدد غالبا ما يتم تشخيص المجتمعات الأخرى بانها خارجية ليس بالنسبة لمجتمعها الخاص، بل لعنصرها البشري ككل ويكون بقية الناس ـ في أفضل الحالات ـ أعداء لابد من قتالهم أو التكيف معهم. والمجتمع في شكله الأساس يرغب في ان يكون مؤسساً لذاته ومكتفياً بها، لكن هذا مستحيل: فالبقاء يستدعي التفاعل مع المجتمعات الأخرى. ومع ذلك فان مثل هذا التفاعل ـ في شكله البدائي ـ تم الإبقاء عليه ضمن الحد الأدنى. ان السعي إلى إقامة جسر مع القيم الغريبة للمجتمعات الأخرى هو شيء من ظاهرة حديثة لم تنجم الا من الحاجة في العالم الحديث إلى زيادة التفاعل(من اجل التجارة بصورة خاصة) ويتطلب الفهم بين الثقافات جهداً واعياً: لكنه ليس معطىً، وقد يبدو غير طبيعي أحياناً لأن كل أشكال التنشئة الاجتماعية تتضمن منظوراً عالمياً هو في جوهره متمركز عرقياً، وان تشكل حسب ما يكون عليه الآخر. وبالطريقة ذاتها، مثلما ان الذات ذاتها منبنية ثقافياً وليست متأصلة، لهذا يسعى المجتمع نفسه إلى ترسيخ هويته بإنكار الآخر. المجتمع ـ بالضبط مثل الفرد ـ تحركه الرغبة بان يتصور نفسه ضمن تكامله. وسيتعطل هذا الإنكار للآخر تدريجياً حالما تضطر الذات إلى الاعتراف بواقع الآخر عبر سيرورات التفاعل خاصتها. ولهذا السبب ينظر هيغل إلى الاعتراف بوصفه ناتج عن الصراع من اجل السيادة: القدرة على رؤية الذات من منظور الآخر هي [قدرة] لا معطاة بل تنتج حينما تتصل مختلف الجماعات اتصالاً حسياً ببعضها وتضطر إلى إقامة علاقات إما عداوة أو صداقة.
عند القول ان المجتمعات هي في جوهرها متمركزة عرقياً، هل يعني ذلك ان بعض المجتمعات لا تملك تصوراً عن الآخرية ؟ لا، إطلاقاً، ثمة سبب لتخيل ان مفهوم الآخرية ضروري لتأسيس المجتمع. ومع ذلك، فان الطريقة التي تتركب بها هذه العلاقة تتخذ أشكالاً مختلفة في المجتمعات المتنوعة. فإذا كانت تقصي الاعتراف بآخرية المجتمعات المجاورة، فانها تُكِونها في مكان آخر. وفي المجتمعات التي تقصي المجتمعات الأخرى من مجال البشر فان الآخر هو ما يكون موجوداً بالضبط وراء نطاق البشر، فالآخر الذي إزاءه تقيس معظم المجتمعات البشرية نفسها يكون معطى في العلاقة المتأسسة مع الأسلاف والمعبودات الماورائية. وقد بين مارك اوغة Marc Auge كيفية ذلك: " تنبني كل هوية عبر التفاوض مع آخرية متنوعة وبالتالي تكون هناك دائما أزمة آخرية أكثر عمقاً، أي في قمة الظواهر الممثلة بوصفها تدل على أزمة هوية. يقول الأفراد أو الجماعات انهم في أزمة حينما لن يعود بمقدورهم امتلاك طريقة لتصور الآخر أو " التفكير " به، ونحن في الحقيقة في موقف طارئ اليوم "(اوغة، 1999 /ص91) وهذا يمثل، بحدة، مشكلة تؤثر في الثقافات ككل في عالم اليوم وبطرق عدة.
لدينا حنين إلى المجتمع [الأصغر] community، فالوجود الفردي لا يكفي لحاجات نوعنا، وان ما يعادل أهمية إحساسنا بأنفسنا هو اننا مسحوبون أيضاً إلى لحظات حينما يذوب فيها هذا الإحساس ـ هذا الوعي ـ في الكل الأعظم ومع انه وعي بفردانيتنا، لكنه اضطهاد أيضاً، لكنه يعد انتماء إلى الجماعات أيضاً. فالاحتفالات تعزز فكرة الجماعة. وهذه هي الأوقات حينما يعبر فيها الناس ككل عن اعتمادهم المتبادل [على بعض] وعن تصورهم لغرض مشترك يحقق تلاحمهم ويبجل الآخر الذي يحترمونه.
ما المجتمع، ما الثقافة، حقاً؟ يقدم لنا ماركس مسرداً مصاغاً بعناية شديدة للديناميك الذي هو في صميم أي بناء للمجتمع بحسب أجزاءه المكونة له:
"إن وعيي الكلي هو محض شكل نظري لذلك الوعي الذي يتمثل شكله الحي بالمجتمع [الأصغر] الحقيقي ـ المجتمع ـ في حين يكون وعيي الكلي الحالي منفصلاً عن الحياة الحقيقية وبذا يكون في تضاد عدائي معها. ولهذا فإن فاعلية وعيي الكلي هي وجودي النظري بوصفي كائناً من نوع البشر.
من الضروري جداً أن نتجنب مرة أخرى تأسيس " المجتمع " بوصفه تجريداً تجاه الفرد أو بالمقابلة معه ؛ فالفرد هو الكينونة الاجتماعية ولهذا السبب يكون تعبيره الفاعل ـ وان لم يظهر في شكل مباشر من التعبير المجتمعي الذي يتم تصوره مقترناً ببقية الناس ـ تعبيراً عن الحياة الاجتماعية نفسها وتأكيداً لها. فالفرد الإنسان وحياة نوعه ليسا شيئان متميزان لأن نمط وجود حياة الفرد هو نمط أكثر تعييناً أو أكثر عمومية من حياة النوع أو أن حياة النوع هي حياة الفرد بتعيين اكبر أو بعمومية اكبر. والإنسان بوصفه واعياً بنوعه فإنه يؤكد حياته الاجتماعية الحقيقية ولا يعمل سوى على تكرار وجوده الحقيقي في فكره، وعلى العكس من ذلك، كينونة النوع تؤكد نفسها في وعي النوع وتوجد من اجل نفسها في كليتها، بوصفها كينونة مفكرة " (ماركس، 1974: ص 350ـ 351).
يزودنا هذا القول ببصيرة قيّمة بصدد الطريقة التي يتخذ بها المجتمع شكله العضوي في التفاعل المستمر بين أجزائه المكونة له. وهنا يمكن رؤية المجتمع بوصفه جسداً يثبت في مركزه قيماً ومفاهيم معينة أساسية لوظيفته وبقاءه. انه ليس تجريداً، بل تشكلا ثقافياً معيناً يخضع للمقتضيات نفسها التي يواجهها الفرد عند تشكيله لهويته. كل تشكل ثقافي محتاج إلى صراع لتأسيس فرديته وتكامله، لتعريف ذاته في ذاته وإزاء الآخرين.
ومع ذلك لا تكون العوالم الثقافية موجودة في شكل فردي، بل غالباً لا تكون موجودة بصفة كيانات مميزة ومقيدة يمكن فصل الواحد منها عن الآخر ؛ كل كيان يكون موجوداً في عقدة علاقاته بالآخرين، وإن هذا الاتصال مع الآخرين هو أساس تكامله الثقافي. وإن تم تصوره بوصفه عدواً أو خارج فئة البشر التي تعترف بها ثقافة معينة، تبقى مع ذلك حاجة للتوافق مع ما موجود خارج الموقف الذي نجد أنفسنا فيه. وبغض النظر عن مقدار ما نحاوله لتأكيد فردية خبرتنا الثقافية الخاصة، فستقتحمنا صورة "الآخر "، وإن كانت هذه الصور مشوهة غالباً.
ولهذا السبب لا نتمادى إذا قلنا أن تصور الآخرية بأنها مشكلة بين الثقافات، أي بوصفها قضية تستدعي التأمل الفلسفي في العلاقة بين المجتمعات، هو رد فعل على التوسع الكولونيالي. فتأسيس مستعمرة ما يتطلب علاقة أكثر حميمية مع المجتمع المغاير الذي لا يسعى إلى التوسع في منطقة الآخرين، وهذا يكشف عن صعوبة الاعتراف بالاختلاف. وتقبل الآخرين بشروطهم الخاصة. ان القوة الكولونيالية لا تستطيع طرد المجتمعات التي هزمتها فقط بوصفها تضم غرباء وأعداء، بل هي مجبرة على التوصل إلى اتفاق من نوع ما معها. وإذا كان بالإمكان النظر إلى تاريخ الكولونيالية بوصفه محاولة فرض واقع الذات على بقية الناس فإن هذا، في الوقت نفسه، يفسح المجال أمام المقاومة ويضطر كلا المجتمعين إلى إعادة صياغة إحساسهما بالهوية بطريقة تكفل التعامل مع الموقف الجديد، وعلى نحو يؤسس لشكل من الحوار الذي سيؤثر في كلا المجتمعين.
وإذا كان الاعتراف بآخرية المجتمعات يأتي مصاحباً للإمبريالية وإذا كانت الكولونيالية الناجحة تتطلب شيئا من الفهم للثقافات الأخرى، فان الكولونيالية الغربية كانت ذات طبيعة تدفعها إلى جعل مثل هذه القضايا في بؤرة اهتمامها على نحو لم تفعله المغامرات الامبريالية السابقة. ويبدو ان الاختلاف الأساس هو ان الإمبراطوريات السابقة تمكنت من الاحتلال من خلال ذوبانها ثقافياً في ثقافة فطرية معينة وتوقعها من الثقافة المحلية ان تتكيف مع المستعمرين.وربما كان أوضح مثال على ذلك هو احتلال مانتشو Manchu للصين الذي أسس للسلالة تشينغ Chi’ng التي مكنت مانتشو من الهيمنة لكن من دون تغيير الملامح الأساسية للمجتمع الصيني. ويبدو ان الاهتمام الطاغي لأشكال الاحتلال السابقة كلها هو الحصول على المكانة prestige، وكانت تسير أمورها على أيدي قادة سياسيين بطوليين كتوسيع للقوة العسكرية. وهكذا لم يكن ثمة شك في تكامل الثقافة الأخرى (على الرغم من تغييرها نهائياً). ومن ناحية أخرى لم يكن القادة السياسيون أو العسكريون من استهل الكولونيالية الغربية ونفذها، بل المغامرون في بحثهم عن الثروة والشهرة، أي أنها لم تجرِ لأسباب سياسية بالدرجة الأساس، بل اقتصادية تماماً.
لقد أسست المجتمعات المختلفة ثقافات بالغة التعقيد والتمييز ومازال هذا التنوع ملحوظاً حتى يومنا هذا. ومع ذلك، يسود الآن تصور عن الغرب، ويتطلب ان يكون تنوع الثقافات مشروطاً بالعلاقة التي تأسست مع الهيمنة الغربية. من المشروع اليوم التحدث عن " فكرة الغرب " بوصفها نمطاً يحتل بداخله الناس كلهم، وبالأحرى الثقافات كلها، مكاناً بصفة موقع ينبغي ان ينتمي له الجميع، او يمرون من خلاله. لقد كان توسع الغرب عبر الكولونيالية ناجحاً إلى الحد الذي صار الناس فيه اليوم موجودون كجزء منه، او انهم على الأقل يرتبطون به بعلاقة لا يمكن التغافل عنها.
وانسجاماً مع ما ذكرنا بشأن بناء الهوية، بإمكاننا ان نحاول تأسيس مكونات ذلك البناء او هذه الأيديولوجية التي نطلق عليها اسم " الغرب ". منذ النهضة نستطيع رؤية الكيفية التي تشكلت بها " فكرة الغرب" ليس بوصفها وصفاً جغرافياً بل مفهوماً ثقافيا حددته الظروف التاريخية. وهو ليس بالمفهوم الستاتيكي أو المحدد المعالم، بل متقلب ومطواع بلا حدود.
ان مفهوم " الغرب " متجذر جداً في الوعي والخطاب المعاصرين حدّ ان هناك ميلاً إلى افتراض هويته بانها بينة بذاتها، او، من ناحية أخرى، التخلص منه بوصفه مربكاً. وكما هو الحال مع أي بناء ثقافي، فان تشكله وبنيته معقدين للغاية، كما انه ليس مشروعاً متروياً من جانب القوى الغربية. ومثلما ذكر جمي درهام Jimmie Durham: " أوروبا مشروع إنساني أسهمنا نحن كلنا به، وليست مشروعاً أوروبياً " (بلا تاريخ: 29). انه كيان يشترك فيه كل الذين يعيشون فيه اليوم، لا أحد يشعر بالانتماء له كلياً كما ان علاقات العالم المعاصر تفتح لنا مختلف طرق التفاعل معه.
وعند السعي وراء الإفاضة في ما يعنيه هذا الكيان، من المهم أولاً إيضاح الفرق بين " الغرب " بوصفه مفهوماً، و " أوروبا " بوصفها مكاناً جغرافيا، ومما لاشك فيه ان ثمة إمكانية لفصل فكرة الغرب عن فكرة أوروبا، وإن كان أحدهما ينبأ، بالتبادل، عن الآخر. وقد واصلت أوروبا، كونها أيديولوجيا موازية، أي جزءاً من الغرب، لكنها مفصلة على نحو مختلف ؛ فهي تختلف في كونها متمركزة في أوروبا نفسها لا في حواشيها. " أوروبا " مصطلح ألماني بالدرجة الأساس، يرجع تاريخه إلى زمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وتتجسد اليوم في الاتحاد الأوروبي أما فكرة الغرب فهي مفهوم لا متبلور ليس من السهل تعقب مساره لكنه مرتبط جوهرياً بتطور الكولونيالية الغربية وانتشار القيم والثقافة الغربية عن طريق التجارة.
وإذا رغبنا بتحديد موقع هذه الفكرة،علينا ان نتفحص الكثير من الاحتمالات. وبمقدورنا تعقب تشكله خلال حقبة تاريخية مطولة اكتسب فيها مختلف الجوانب التي تركت بصماتها الواضحة عليه. وعلى مدار القرون، كان مركز جاذبيته يتغير باستمرار. فان كانت جذوره تكمن، من دون شك، في روما وأثينا القديمتين أو بدقة أكثر في الطريقة التي تمكن بها عصر النهضة من تشكيلها بوصفهما أسطورته الأساسية،، فإن ديناميته ترسخت في شمال إيطاليا خلال القرن الخامس عشر وربما يقال ان جوهره انتقل إلى إسبانيا في القرن السادس عشر والتي بدورها تخلت عن هيمنتها لصالح إنكلترا ومن ثم فرنسا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وانتقل في قرننا الراهن [العشرين]، انتقالا كلياً من أوروبا وهو متجسد اليوم في الثقافة العالمية للولايات المتحدة. ٍمن المهم أن نعي هذه التحولات وحدودها. فعندما ننظر إلى الطريقة التي تعمل بها الثقافة، نحتاج إلى الالتفاف باستمرار إلى حقيقية ان ما نفحصه هو في حالة جريان مستمرة ولا يمكن مطلقاً إحكام قبضتنا عليه بأية صورة كانت. ولأن الثقافة مشروطة بأنشطة مختلف المجتمعات الفردية التي تؤلفها، تبقى عندئذ بناءً ثقافيا لا يمكن تحديده بفعل ذلك النشاط. بل هي كيان فردي يطيع متطلباته. ولهذا لا تتمتع الثقافة الإغريقية اليوم سوى بأهمية هامشية لما يمكن ان نطلق عليه تسمية " فكرة الغرب " مع ان الثقافة الإغريقية القديمة قد غرست بذورها فيها. وبالمثل نقول انه ربما كانت غالبية الثقافات الأوروبية (على الرغم من تراثها الثقافي الغني) لا تملك سوى تأثيراً هامشياً على اكتشافها وتعد في الكثير من الطرق هامشية بالنسبة لصيرورتها التاريخية، كالثقافة اليابانية عل سبيل المثال.ان هذه الثقافات مستبعدة كلياً من المجرى الرئيس الذي يشكل عموماً تراث إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة مع عناصر أخرى ـ بدرجات متفاوتة من الأهمية ـ مأخوذة من أزمان مختلفة وبطرق مختلفة من إسبانيا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا وروسيا وغيرها الكثير من الثقافات، ولهذا السبب ينبغي ان ننظر إلى " فكرة الغرب " بوصفها شكلاً من أشكال الهيمنة بالطريقة التي فسرها غرامشي: فهي تتبنى تلك الجوانب التي تسهم في هيمنتها وتقصي في الوقت نفسه أي شيء لا يحقق هذه الغاية. وبوصفه رومانيا، يتحدث ي.م. سيوران E M Cioranوبفصاحة عن الكيفية التي تعمل بها هذه الهيمنة في ممارستها عملية الإقصاء:" عليّ ان اعترف اني مرة وجدت الأمر مشيناً ان انتمي إلى دولة عادية، إلى تجمعاً من الضحايا، لا يسمح للأوهام أن تحوم حول اصلها. وقد اعتقدت، ولم اكن مخطئاً، باننا خرجنا من جحور البرابرة، من حثالة الغزوات الكبرى، من تلك القبائل التي، بسبب عجزها عن مواصلة سيرتها غرباً، انهارت على طول Carpathians والدانوب، جاثمين هناك بتكاسل ؛ حشد من الصحراويين عند حدود الإمبراطورية ملطخين بمسحة من اللاتينية.. مع ذلك الماضي وهذا الحاضر وذلك المستقبل، يالها من عقوبة أنزلت بكبرياء شبابي ! " كيف للمرء ان يكون رومانيا؟ "، كان هذا سؤالاً لا املك الإجابة عنه الا بشعور دائم بالخزي " (سيوران: 1978). إن هذا الشعور بالخزي هو ما يشعر به جميع ضحايا هيمنة الغرب.
أما النهضة، بوصفها " ولادة جديدة " ؛ " بعثاً"، فقد أعطت الثقافة الغربية سماتها المميزة التي أدامت تطورها التاريخي، وكانت نفسها مترسخة ضد الثقافة الأوروبية السائدة التي شجبتها وجعلت منها " آخر" من خلال الحقبة القروسطية التي سبقتها بصفة " العصور المظلمة ". وربما يمكن الشك في ما إذا كانت هذه الحقبة عصراً مظلماً حقاً، لكن تبقى الحقيقة هي ان حقبة النهضة أحدثت تحولاً قاطعاً في الوعي الذي اشترط، إن لم نقل حدد، حساسية العالم الحديث جوهرياً. ويعنى أكثر جوانب هذا التحول تجسداً بما يمكن ان نطلق عليه تسمية " العلاقات المكانية " بين الناس، الا اننا معنيون الآن بعلاقة ذلك بالإدراك الثقافي. لقد كان المجتمع الأوروبي القروسطي تراتبياً ويدعم الركود. كان منبنياً بوصفه كلاً مغلقاً على ذاته، لكل عنصر فيه مكان محدد. ولما كان تراتبيا في كل شي، كانت حركته تصاعدية مع ترك القمة للمعبود الأسمى في العقيدة المسيحية القروسطية. وقد ادامت النسيج الاجتماعي التزامات متبادلة كانت تعكس نظاماً كلياً: الفلاحين يوفرون الثروة لرجال الدين والارستقراطية العسكرية التي تمدهم، بالمقابل، بالحماية الروحية والعسكرية، واعتمد هذا التوازن على افتراض ان تراكم رأس المال يعدّ شراً، شيئاً مغلفاً بفكرة الربا ـ أي بعبارة أخرى دافع الربح ـ بوصفه من الخطايا في القانون الكنسي. وان الحركة ضد هذا التوازن كانت سمة تأسيسية بارزة في ما نطلق عليه الفكرة الغربية. وبدأ توازن المجتمع القروسطي ينهار بعد حام الشك حوله عند بروز مدينة البندقية بصفة مركز تجاري وما اعقبه من ظهور الطبقة التجار التي تعتمد على تراكم رأس المال. وبالتدريج اخذ دافع الربح يتمأسس ويصل في النهاية ليكون السمة الاقتصادية المعرِّفة للنسيج الاجتماعي. ومثلما اشار فيبر، فان الانقسامات التي حصلت في الكنيسة ونهضة البروتستانتية قد مكنت من التقاطع مع أيديولوجيا الكنيسة القروسطية وفكرة التراتبية التي جاءت بها والتي شجبت تراكم رأس المال والمشاريع الفردية.
لكنها النهضة هي التي أوجدت الشروط التي مكنت من حصول هذه التغيرات والاهم من ذلك انها التي هيأت الشروط لتحول جذري في العلاقات بين الفرد والمجتمع ؛ فقد ازداد نطاق المبادرة الفردية إلى حد كبير وما عاد الفرد بحاجة إلى الشعور بالتوحد التام مع نط الثقافة، وانه جزء من كل جمعي تعمل أجزاءه مرتبطة ببعضها البعض، بل افترض الفرد امتيازاً لنفسه. وبدأت مسؤولية الفرد إزاء المجتمع مبتعدة عن أنماط الالتزام المتبادل والأمن الذي يميز الإقطاعية. وبدلاً من ذلك تم تشجيع الفرد على اتخاذ مبادرته وان يعمل إلى حد ما، على ربحه الخاص. واقتضت دينامية الرأسمالية مبادرة الفرد وسعيه ولهذا فقد منحته القدرة على تحديد مصيره بطريقة لم تسمع عنها الحقب الماضية.
لقد ادى هذا الاحتفاء بالفرد إلى النزعة الإنسانية وإلى تصور جديد للبشرية. وقد يقال ان اكتشافات الغرب العلمية كانت متكهنة بسبب هذا التغير في الوعي. فبينما كان الفرد في السابق يحتل مكاناً ما في طبيعة الأشياء ويقبل العيش ضمن علاقة رمزية مع الطبيعة، كان على أيديولوجيا النهضة ان تدشن (او توجد الشروط التي تحقق) منظوراً للإنسان بوصفه اسمى من الطبيعة ولديه القدرة على السيطرة عليها.
وقد تجلى تصعيد قدرات البشرية في مجالات الحياة كافة مما أدى إلى إنجازات علمية ميزت المجتمع الغربي خلال السنوات الخمسمائة الماضية، كما قدمت الأسس اللازمة لاستكشاف أراض جديدة واحتلالها. وبهذا الصدد نقول انها مبنية على روح قروسطية أحيت الصليبيين. وقد استندت قناعة كولومبوس على هذه الحقيقة، اذ يشير تزفيتان تودوروف قائلا: " إن الأرباح التي " لابد من " ان تكون هناك لم تثر كولومبوس الا بالدرجة الثانية ؛ فما يهمه هو " الأراضي " واكتشافها. ويبدو هذا الاستكشاف في حقيقته خاضعاً لهدف هو سرد الرحلة البحرية: قد يقول افرد ان كولومبوس تولى هذه المهمة ليتمكن من سرد قصص لم يسمع بها أحد من قبل، مثل عوليس [يوليسيس] لكن، ألم يكن سرد الرحلة هو نقطة مغادرة ولا هو نقطة وصول، الرحلة البحرية الجديدة ؟ " (تودورف، 1984:13). لقد كان كولومبوس حداثيا بمعنى انه، بوصفه فرداًن كان يتوق إلى استكشاف الأراضي الجديدة وفتح الآفاق. ومع ان ارباح تلك المغامرات ربما أغوت كولومبوس بالدرجة الثانية، فانه من دون هذا الاهتمام الثانوي، الذي سرعان ما غلب وصار الاهتمام الرئيس، لعل مثل هذا الاستكشاف كان سيكون مستحيلاً.
ولابد أيضاً من ان ننظر إلى توسيع الآفاق في الفنون، وبالدرجة الأساس في اختلاف منظور ما يعمق الصورة التي يمكن خلقها داخل اطار محدد، بوصفه " احتلالا للواقع " الذي قدم نافذة على العالم تعكس الدافع الخارجي للمجتمع الغربي. وما عاد الدافع تصاعديا، بل خارجيا، وأشد، نحو الأفق الذي يتعرض لمزيد من الضغط. فإن كانت هذه هي سماته الأساسية، فانها لم تتطور تلقائيا من فراغ لتشكل، مرة وإلى الأبد، ما يمكن ان نطلق عليه تسمية " فكرة الغرب ". كما لايمكن القول ان أساس مثل هذه الأفكار لم يكن حاضراً أصلاً داخل المجتمع قبل النهضة. تعقب ادورنو وهوركهايمر الأفكار الأساسية لأثينا القديمة ووجداها حاضرة في الاوديسة تحديداً، ولهذا السبب فإننا عندما نتحدث عن " الثقافة الغربية " نحتاج إلى أن نعي كونها تطورت ببطء على مر السنوات، وبوصفها امكانية لتطور مجتمع بين كثير من المجتمعات ولا يمكن تصورها الا بوصفها كياناً حينما نتمعن فيها من زاويتنا نحن. انها لا تتمتع بواقع عيني عدا ما نجده في العلاقات التي أسستها، كما لا يمكن ادراكها عدا كونها خط تطور لا متبلور ينطوي في داخله على تناقضات لا تعد ولا تحصى. وربما تكون هناك توجهات معينة مرغوبة لها في اوقات معينة لكنها تنال الرفض في أوقات أخرى. ومع ذلك فهي حقيقية للاسباب كلها. انها تتخذ شكل " المسخ " ـ مثلما وصفها بيير مابيل Pierre Mabile ـ لأنها كتلة ذات وحدة ديالكتيكية تمسكها معاً اجزاءها المكونة لها لكنها تشكل شيئا هو ليس حاصل تلك الاجزاء. وإن تمتعت بالأهمية، فهذا سببه إحساس الموقف الحديث الذي يواصل تحديد وتوفير ارث مشترك يربط الثقافات كلها اليوم.
ان كياناً ثقافياً مثل " الغرب " يتطلب شيئا يمكن إزاءه إبراز نفسه بالطريقة ذاتها التي يفعلها الفرد مع نفسه: انه لا يكون موجوداً في ذاته ومن ذاته. وبالضبط مثلما ان النهضة ـ التي وفرت الاسس للأفكار التي يمكن تعريفها اليوم بانها ثقافة الغرب ومثلت بعثاً للوعي الكلاسيكي ـ لابد من تتبعها بطريقة تقارنها " بالظلام " المفترض للقرون الوسطى، لهذا فان فكرة الغرب " تتضمن افتراضاً عن " اللاغرب " Non-West: يتضح في الاصطلاحات الجغرافية انها محدودة إزاء الشرق، وإن كان يقصي ما يقابله من نقطتي " الشمال " و " الجنوب " الجغرافيين. " الشرق " هو الأهم لأنه مع آسيا أسست أوروبا لنفسها علاقة هي الأقوى تاريخياً. وبوصفه كياناً طارئاً يتم تعريف واقع " الغرب " على وجه الخصوص عبر مقابلته بكرة " الشرق ". وقد توطدت هذه العلاقة تاريخياً بالطريقة نفسها التي يصف فيها لاكان بناء الفرد: فالغرب لم يتولد ذاتيا، بل شكَّلَ نفسه من خلال خلق رغبة أسقطها عليه " الآخر "بصفة ارادة إلى بناء الذات وفي الوقت نفسه رغبته بأن يعترف به ذلك " الاخر ". وبالمقابل، لم يتشكل الشرق الا من خلال الاسقاط المرن من الغربي نفسه ولهذا السبب فانه بينما كان هناك القليل ليتم ازاءه تعريف الثقافة الصينية، مثلا، بالثقافة العربية بطريقة لها معنى (و العكس صحيح) فانهما اكتسبا هوية بوصفهما ثقافيتين " شرقيتين " بحكم علاقتهما بالغرب. وبالمقابل أيضاً، تشكل مفهوم " الغرب " بوصفه كياناً يتجاوز مكوناته ولهذا فان الثقافتين البريطانية والإسبانية، على سبيل المثال، صارتا مقترنتين معاً بسبب هذه التسمية. وبهذه الطريقة اكتسب " فكرة الغرب " شكلاً بوصفها كياناً ثقافيا قوياً له جذوره التاريخية.
وإن تعذر وجود " فكرة الشرق " مشابهة [لفكرة الغرب]، فهذا سببه أن شعوب آسيا لم تخض نوعاً من المغامرة الإمبريالية التي بدأت حينما شرع كولومبوس من اسبانيا باستكشاف طريق التجارة الغربية إلى الانديز. وقد كان " الشرق " متشكلاً، بسلبية، بوصفه ما هو غير غربي، وليس بما هو سمة واقع ثقافات آسيا. انه تعبير لا يعبر عن الذات، بل تعبيره انكسر [مثل الضوء] بفعل تعبير الآخر عن ذاته: ان الشرق (الذي يأتي بصفة انعكاس للغرب) لا يوجد الا كجزء من بناء الاول ولا توجد خصائص تعريفية له تكون مسؤولة عن تحديد هويته. فإذا كانت فكرة الغرب لا متبلورة، فان الأفكار التي تشكل " الشرق" هي كذلك، ان لم نقل انها ربما أكثر من ذلك.
ومثلما بين ادوارد سعيد، فان الغرب بنى " الشرق" في ضوء تمثله السلبي بوصفه وسيلة للسيطرة الثقافية والإمبريالية. واصبح الشرق بمجمله مكاناً يرغبه الغرب، مكاناً للرومانس، للاحداث المتميزة، للأديان الملغزة والأفكار الساحرة، وكذلك بوصفه ملاذاً من كل الضغوط المتشكلة مما هو غربي، ومما يبعث على المفارقة انه صار أيضاً موقعاً لكل ما يرفضه الغرب: فهو رجعي وبدائي ومتفسخ. كان لابد من أن يحمل الصفات كلها التي لا يريدها الغرب. وهذا حال التشكلات الثقافية كلها: فكل واحد منها يؤسس ما هو عليه من خلال سيرورة التضمين والاقصاء. انه يتبع مساراً كلاسيكياً لعلاقات الذات والموضوع التي ترسخ ايديولوجيا الهيمنة المتجذرة في العلاقة الكولونيالية. ويشرح سعيد ذلك بوصفه خطاباً منحرفاً تماماً ضروري لممارسة السلطة على الشرق. وهو يرى انه " توزيع للوعي الجغرافي إلى نصوص جمالية وبحثية واقتصادية وسوسيولوجية وتاريخية وفلسفية، انه توسيع للفرق الجغرافي الأساس (بين نصفين لا متساويين هما الشرق والغرب ولا ريب)، بل لسلسلة كاملة من المصالح. أي انها رغبة معينة او قصد لفهم، وأحياناً للسيطرة، وفبركة وحتى دمج عالم مختلف تماماً. لقد تشكل بوصفه خطاباً بلا واقع مادي بل كان " طرازاً غربياً للهيمنة على الشرق واعادة بنائه وفرض السيطرة عليه ".
الجدل الذي يقدمه سعيد سيئ، ومنهجيته مشتبه بها، كما ان معالجته للحقائق متعجرفة. وفي الوقت نفسه نجده يضرب على عصب مكشوف. وأن الكثير من النقد الذي تلقاه كان دافعه العواطف بقدر الجدل الفكري، كما افاد ـ سلبيا أم ايجابيا ـ في تعريف طبيعة واتجاه الجدل الذي أعقبه، وأفاد أيضاً في تزويدنا بمتاهة الدراسات ما بعد الكولونيالية التي مالت إلى إرساء مسار الجدالات الراهنة التي تخص العلاقة بين الثقافات. ومع احتمال ان تكون قضايا ما بعد الكولونيالية قد تطورت بطريقة ما حتى وان لم يكن سعيد قد نشر " الاستشراق "، لما كان له أن يتخذ الشكل الذي اتخذه من دون ذلك. لقد أفاد الكتاب بتشكيل خطاب مغلق يمكن تحليله باصطلاحي السلطة والمعرفة الفوكويين. ان الضعف الحقيقي للكتاب ليس منهجياً بل فلسفياً ؛ فقد تجاهل سعيد، وإلى حد بعيد، المحددات الفلسفية لعلاقات الأنا / الآخر في تركيزه على " الاستشراق بوصفه مثالا خاصاً عن الهيمنة الغربية، من دون فصل خصوصياته، بمعنى آخر انه لم يميز العناصر الأساسية المتشكلة حتماً في سيرورة أي اتصال بين الثقافات من عناصر معينة حددت الأفهام الغربية للشرق.أثار سعيد إشكالية علاقات الذات والموضوع من دون دراسة آلية العلاقة نفسها فأخفق في الاعتراف بانها علاقة مادية، وانهار تحليله لهذا السبب، ليتحول إلى مثالية. ان التصور الذي طرحه سعيد بوصفه " استشراقاً " كان ولا شك وسيلة هيمنة، الا ان هذه سمة ثانوية لا أولية.لم تكن بارزة بوعي ـ مثلما ظن سعيد ـ بل ظهرت كجزء من سياق طبيعي لعلاقة ظاهراتية يتفاعل فيها السيد والعبد بطريقة تتناغم مع تحليل هيغل لتطور الروح. ومع ذلك يغفل سعيد مثل هذا التحليل، ويفضل النظر إلى الاستشراق بوصفه شيئا مُقتلع من مناخه ليخدم السلطة الاستعمارية.
ويحط، في الكتاب، من قدر العلاقة، وبالتالي يقوده تحليله إلى طريق مسدود يصبح فيه الإدراك الحسي متحدداً بالاستشراق بدلاً من العكس. وهكذا نجده مضطراً إلى إنكار عنصريّ التبادل والتكافل اللذين لا ليس فيهما. واللذين ينبغي ان يكونا ضمن هكذا علاقة، كالتي بين الثقافتين الغربية والشرقية، ما جعله يحول خطابه الناتج إلى مستوى الإلغاء المنحط للاتصال: تصبح العبارات الصادقة مستحيلة، ويكون التمثل سوء تمثل دائما ولا شيء موجود خارج نطاق علاقات القوة. وهكذا لابد من الاعتراف ان هذا ضد مقاصده الشخصية لأنه يفيد في غفران الحاضر وتوجيه اللوم لماض تجريدي. لقد أفادت السيرورات العالمية ـ التي كانت في حالة حركة منذ صدور الكتاب ـ في التركز على أهمية هذه القضايا وسلطت الضوء على الإشكالية الخطيرة جداً في صميم الكتاب.
لقد أدى نقد سعيد في كتابه الاستشراق إلى المفهوم القائل اننا نعيش في مجتمع " ما بعد كولونيالي ". ان هذه الكلمة الطنانة ـ ما بعد الكولونيالية ـ اكتسبت تداولاً مع مفهوم العولمة واثارت اشكالية في ايحائها باننا في موقف هو وراء الكولونيالية. هل يمكن تأكيد ذلك حقاً في الوقت الذي يتضح فيه ان علاقات القوة التي دامت اثناء العصر الكولونيالي ومازالت راسخة في مكانها، بل هي أقوى تماماً مما كانت عليه اثناء العصر الكولونيالي، تستطيع تحديد الأشكال الثقافية في العالم اليوم ؟ فإذا ما وصلت الكولونيالية المباشرة إلى نهايتها لانها ما عادت قابلة للبقاء في مجتمع ما بعد الحرب، فان هذا يخفق في تحقيق تغيير أساسي في العلاقات بين المجتمعات في العالم المعاصر. فضلا عن ذلك، مع انهيار إطار الإمبراطوريات الكولونيالية الذي تم تشييده أساساً في القرن التاسع عشر انهياراً تاماً، فان هذا مرده ان مركز تلك الإمبراطوريات، أي أوروبا الغربية ـ ولا سيما انهيار أساس فرنسا وبريطانيا نفسه. ان مركز الثقافة الغربية، على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية، لم يكن القوة الأوربية بل الولايات المتحدة التي لم يكن لديها امبراطورية كولونيالية بالمعنى الرسمي. ولهذا السبب يبدو ان ثمة شيء غير سوي تماما، عند الحديث عن ما بعد الكولونيالية ما لم ينظر المرء من منظور كون الولايات المتحدة نفسها مجتمعاً ما بعد كولونيالي. وهو كذلك بالمعنى الدقيق، اما في الواقع فهو امر مضحك لان الولايات المتحدة قد سبقت، ومنذ زمن بعيد، أي إحساس كولونيالي بالتحول إلى مستودع لما يمكن ان نطلق عليه تسمية " فكرة الغرب ".
فهل بمقدور هذا المفهوم ان يتضمن واقع العالم الموجودون نحن فيه اليوم ؟ انه يثير سؤال عن ما تعنيه الهوية الثقافية في الزمن الذي نعيش فيه الآن. هل يهم اننا إنكلير او صينيون او أرجنتينيون ؟ إلى أي مدى ما زلنا نشعر بالانتماء إلى جماعات ثقافية محددة او اننا جميعنا صرنا جزءاً من النسق الثقافي نفسه ونشترك بالقيم الثقافية نفسها ؟ وإذا صرنا جزءاً من ثقافة واحدة، هل سيرضينا ذلك ؟ كان هدف الإنسان الأساس في الماضي هو تضييق الاختلاف. لقد عشنا في مجتمعات مغلقة ولا يسمح لنا بالاتصال خارج نطاق حدودها الا وفق شروط معينة. ربما تكون دينامية المجتمع قد انبنت على الاختلاف الجوهري في مستويات كثيرة مما تعطي المجتمعات الاقدم نسبة كبيرة من المغايرة على الصعيد المحلي لكن ذلك على حساب تضييق التطور الخارجي، والعكس يحصل تماماً في موقفنا الراهن: اذ يعمل تعزيز التنوع والاختلاف على المسرح العالمي على شحذ التماثل في الإطار العام، وقد ادى ذلك إلى تكاثر سياسات الهوية التي لا تؤكد كثيراً على الحق بان تكون مختلفاً، بل تؤكد تقريباً واجب الاحتفاء بالاختلاف وعلى حساب التراث الثقافي وثبات القيم التي تسمح بالتغاير الحقيقي. ان الهدف المحدد جليّ تماما: خدمة مصالح المجتمع المكرّس إلى نشر الاستهلاك وفتح الاسواق بطريقة كانت دائما ما تسم الرأسمالية والتي وصلت اليوم إلى ذروتها في الكوزموبوليتانية التي تهيمن على الخطاب الراهن.
وقد ذكر الأنثربولوجي جيمس فارس Jamis Faris ان من الضروري ان تتمثل مهمتنابـ " طمس الآخرية مع الإبقاء على الاختلاف ". ربما هذا هو الذي يعرف، بأفضل صورة، خلاصة العقيدة ما بعد الكولونيالية لكنه لا يمثل المهمة الحقيقية لأي شخص معني بالتكامل الثقافي بالطريقة المعكوسة: علينا ان نطمس الاختلاف مع الابقاء على الآخرية. وهذا ببساطة، لان الاختلاف الثقافي غير موجود. كل الثقافات متماثلة جوهرياً، وإن كونك إنساناً ينطوي على مشاركة ثقافية ثابتة نسبياً: جميعنا نحتاج الحب والجمال والمعرفة. ومع ذلك تعدّ أبنية الآخرية جوهرية لإحساسنا بالفردانية الثقافية. نحن نحتاج إلى المحافظة على المغايرة في الأشكال الثقافية، التي تكمن في جذور الإبداع الإنساني. وللقيام بذلك نحتاج إلى البقاء متيقظين إلى حقيقة ان الآخرية بناء يبرز من حاجاتنا المعيشة ولذلك تحتاج ان تتخذ لنفسها أشكالاً متعددة الأوجه. انها ليست ماهية. فكل بناء للآخر ـ حينما لا يكون مكرساً للتماهي المتحجر والنرجسي ـ يكون متقلباً، وخاضعاً لتحولات مستمرة ويتبنى نطاقاً واسعاً من مختلف الأقنعة التي لا تنفد مطلقا. ولابد من ان ننظر إلى هذه السيرورة بوصفها وسيلة إثراء، مكرسة لتوسيع الاتصال ولا تخدم مصالح السيطرة، الا انها لا تعني قبول الآخرية بوصفها مجرد ما هو مختلف مقبول بذاته. ان قبول الاختلاف بوصفه اختلافاً لا محض جانب لما هو متماثل يعني إنكار الاتصال والتباين الحقيقي.
يتضمن المجتمع المتغاير تحديداً لطبيعة الآخرية نفسها، ويعترف ان بمقدور المجتمع ان يكون موجوداً بوصفه كياناً ولا يحقق إحساساً بهويته الذاتية إلا بوساطة العلاقة بالآخر او ليس بالعلاقة بما هو مختلف (هذا الفرق بالغ الأهمية لأن ما هو مختلف يكون غير محدد ويتحدى الاتصال الحقيقي). لا نستطيع أن نعيش خبرة الآخر الا من خلال التمتع اولا بالهوية الذاتية ؛ فالآخر ـ بعلاقته الدينامية مع الذات ـ يشكل تهديداً للهوية الثقافية لابد من مواجهته. الآخر ليس ماهية بذاتها، بل هو ماهية الذات السلبية. العلاقة متطابقة هنا ؛ تأتي إلى الوجود ولا تتحقق الا ما دامت العلاقة مستمرة. يعتمد الذات والآخر أحدهما على الآخر ويرتبطان معاً: انهما منفصلان وسيكونان منفصلين دائما الا ان علاقتهما تخلق شرطاً ثالثاً لابد من مواجهته لغرض البقاء لكنه يحتفظ، مع ذلك، بثغرات وفجوات لا يمكن ردمها كلياً. ان اقصى ما يمكن فعله هو الاعتراف بالكيفية التي تتحرك بها الضرورات المنفصلة باستمرار ضمن سلسلة من التيارات المتغيرة. وهكذا يكون الآخر غير معروف جوهرياً وغير قابل للمعرفة، لكن حينذاك تكون الذات كذلك.
إن دينامية علاقات الذات والآخر مركزية لا لأنها تمكننا من معرفة احدنا الان، ولا لوجود شيء لابد من شجبه في هكذا معرفة، بل لان هويتنا ـ بوصفنا بشراًـ تعتمد على مثل هذه العلاقة كي تمنح حياتنا معنى وغرضاً عندما نعرف اننا كينونات غير كاملة محاصرة، بحدود تقرضها علينا الحياة بان لا نعرف في النهاية. الآخر قادر على رؤية تلك الأجزاء فينا التي لا نستطيع نحن رؤيتها طالما اننا قادرون أيضاً على رؤية جزء هو مغلق بالنسبة للآخر. ومن خلال تقصي هذه الفجوة التي لا تنفد ندرك ان ثمة غرض لما أعطته الحياة لنا، بل في الحقيقة سببٌ لنحيا.
ان سياسة ما بعد الكولونيالية تنكر هذه الدينامية. فمن خلال تحويل الآخرية إلى مستوى الاختلاف المحض، فانها تبدد مالا يوُصَف وتديم الكذبة القائلة ان الوسائل الإنسانية قادرة على معرفة الوجود. وهذا يواصل الاعتقاد التنويري بصدد امكانية معرفة الظواهر عموماً. وهكذا يمكن القول ان ما بعد الكولونيالية وسياسات الهوية هي محض انبعاث للإمبريالية العالمية الجديدة التي تعمل في النطاق الثقافي بطريقة تناظر ميكانزمات السيطرة السياسية التي كانت موجودة في الماضي وبعيداً عن مواجهة الإرث الكولونيالي، فانها تميل إلى تجاهلنا والتواصل من خلال افتراض حدوث توقف في العلاقة الكولونيالية. لم يفعل انهيار الإمبراطوريات الكولونيالية سوى القليل بشأن تقويض أركان بنى القوة التي أرست دعائمها وثمة إيحاء بان كل ما حدث منذ الحرب العالمية الثانية هو إزاحة إطار الكولونيالية من السيطرة السياسية الغربية للاقتصاد العالمي إلى السيطرة الثقافية له. لقد غيرت الإمبريالية شكلها بطريقة تعكس الحاجات البنيوية لمجتمع الولايات المتحدة ما دامت الولايات المتحدة هي المتفردة في التاريخ العالمي بصفة مجتمع تشكل، بالضبط، في ضوء القبول بالاختلاف والتعددية الثقافية بوصفهما متاريس ضد مواجهة الآخرية (الممثلة بهنود أميركا الأصليين، الذي كان إعدام ثقافتهم شرطاً ضرورياً لصيرورة الولايات المتحدة، على العكس من أي مكان آخر في الأمريكيتين حيث يتم قبول الآخرية الثقافية للسكان الأصليين).
ويلاحظ جيمي دورهام نفسه الكيفية التي استمرت بها هذه الضرورة اليوم في الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى الثقافات الأمريكية الأصلية والتي تتصور " بقاياها" بانها ما عادت تتضمن تهديداً للآخرية. ويذكر الفنان الآن ميكلسون Alan Michelson أنه كان في هيئة تضم أميركان بيض قال له أحد الكهنة المسيحيين" انتم الشعب الذي لابد ان يكون دليلنا الآن حول الكيفية التي نعيش بها في هذه البلاد ". وفكر ميكلسون " لقد استوليتم على كل شيء آخر وتريدون الآن استيلاء على حكمتنا أيضاً ". (درهام، 1993).
إن الاستيلاء على الحكمة الذي يتحدث عنه درهام عنه هو جوهر التبادل الثقافي اليوم. والحق ان دورفمن Dorfman وماتيلاردMatterlad وأثناء مراجعة نص كتابهما " كيف تقرأ البطة دونالد " في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تعد العدة للإطاحة بحكومة تشيلي (مما يكشف عن حدود الإمبريالية الثقافية) ـ شرعاً فعلاً بالمسألة الراهنة حينما كتبا:" انها الطريقة التي تحلم بها الولايات المتحدة وتجدد بها نفسها ومن ثم تقرض ذلك الحلم على الاخرين من اجل خلاصها الذي يثير خطر على الدول التابعة. انها تجبرنا على النظر إلى أنفسنا بالطريقة التي ينظرون بها لنا " (1975: 95).
ان حلم الحياة الأمريكي، مثلما يطلقون عليه هذه التسمية، والذي تم حقنه في فكرة الغرب أساساً وصار سمتها البارزة في العالم الحديث، يتضمن هذا الإنكار للآخرية نكون مضطرين بسببه إلى النظر إلى أنفسنا بالطريقة التي تنظر بها لنا الثقافة المهيمنة. وهذا يشتمل على إزاحة نفسية يتم من خلالها، بدلاً من بناء هويتنا الذاتية في إنكار الآخرين والتي ستنهار بفعل سيرورات الحياة، مما يسمح للاعتراف بالآخر، يؤسس الناس اليوم،وعلى نحو متزايد، هويتهم في اغتراب الذات الذي يُنظر فيه إلى الآخر بوصفه الذات ولا نستطيع، سوى تدريجياً، من الحصول على شعور بالاعتراف بالذات. ان ما ينقصنا هو أي إحساس بوجود مفترق طرق يمكن ان تلتقي عندها مختلف الواقعيات وتتبادل الأفكار قبل ان تفترق إلى طرقها المختلفة. لقد عمد أرباب التقاطع ـ مثل الإله Legba في التراث الودّوني voodoo، وهرمس Hermes في اليونان القديمة ـ إلى تغريبنا واننا نُسلّم باتباع الاتجاه نفسه. ولهذا السبب تصور اوغة، وهو مصيب في ذلك، وجود ازمة آخرية في صميم جدالنا المعاصر ؛ أزمة تتموقع في تاريخ علاقاتنا الكولونيالية. ان العالم ـ بوصفه شبكة اتصال دولية ـ لم يكن تصميماً واعياً للكولونيالية بل نتيجة حتمية لها. وكان الاعتراف بذلك مغروساً في نفوس الكولونياليين أنفسهم. ومثلما يلاحظ اوغة:" كان الناس الذين خضعوا للكولونيالية أول من عاش هذه التجربة (تجربة عالمية الكوكب) لأنهم أول من عانى منها. ان الكولونياليين المتشربين بالنموذج التطوري (والمتشربين قبل ذلك بالاعتقاد بأنهم حوامل الحضارة الكلية) نظروا إلى الآخرية بوصفها صورة بدائية وممسوخة عن هويتهم. وان حقيقة الارتباط بعلاقة مع التعددية والاختلاف لم تفسد طريقة تفكيرهم او علاقتهم بالعالم " (اوغة: 101).
ما زال لهذه التعددية والاختلاف تأثيراً في الكولونياليين. لانها تمكنت من دمج نفسها بها من دون ان تفسد نظرتها للعالم واصبح ذلك اليوم جوهر الكولونيالية الثقافية التي تهيمن اليوم على جميع العلاقات بين الثقافات وتحولهما إلى محض اوعية لاختلاف يخدم باراديم الهيمنة. ان الاختلافات المضاعفة لا تضيف إلى تجربة الآخرية بل تخدم الانفصال الحاصل في صميم مجتمع اليوم، المجتمع الذي يؤسس نفسه في كون تعددي من الأغراض المتنوعة بدلا من الارتكاز على أساس الأهداف والتطلعات المشتركة. ان هذا القبول بالاختلاف ـ بوصفه قابلاً للقبول بالآخرية ـ كان دائما شرط المجتمع المتأسس في الولايات المتحدة وأساس لبوتقة حساسيته، وصار اليوم مفروضاًـ وعلى نحو متزايد ـ على العالم كافة باسم العولمة. التحدي هنا هو في إرساء إطار الحوار الحقيقي واعادة بناء مفترق الطرق وإعادة تنشيط الأرباب القديمة للتبادل والتجديد للسماح للمغايرة بالتأثير في الاعتراف بالذات الذي يعترف أيضاً بالآخر داخل الذات وخارجها. وهذا يعني في الوقت نفسه الاحترام والإقرار بالخاصية التي لا توصف وهي السمة الأساسية لأي إحساس بالآخرية. ولكي نكون قادرين على رؤية ما يمكن ان يتضمنه ذلك، نحتاج إلى فهم شيء بخصوص الكيفية التي يترسخ بها الاتصال ويدوم وما الذي يجعل الاتصال الإنساني متميزاً.
======================================
*كان الموضوع قد نشر على موقع "ايلاف" بموافقة الكاتب السوريالي البريطاني مايكل ريتشاردسون Michael Richardson  عن كتابه "خبرة الثقافة" - The Experience of Culture

 

نحو إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي

نحو إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي "محاولة لفهم التراث وإرساء الوعي التاريخي"*

دراسة للمفكر العراقي: علاء الدين الأعرجي
"إن أعظم ثورة ذهنية عرفها العقل الإنساني هي الثورة التاريخية" - ف. مينكه F.Meinecke
"إن العالم يسقط إلى العدم إذا لم يُخلق ثانية في كل لحظة" - عطيات أبوالسعود
" العربي يعجب بماضيه وأسلافه، وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله" - جمال الدين الأفغاني
" العصابي يشيح عن الواقع لأنه يجده لا يطاق بتمامه أو في بعض أجزائه" - سيجموند فرويد

مقدمة 

لو أنعمنا النظر بما حولنا، بعقول مُشْرَعة، لوجدنا العالم، بل الكون، يتغير في كل لحظة. فوراء هذا السكون الظاهر والنظام الثابت، أكوان من نظام ثورات متفجرة، تتجلى في الصراعات المستمرة أو التفاعلات المتواصلة بين بلايين البلايين من القوى المتعارضة أو المتعاضدة.
ففي جسم الإنسان، مثلا، كما في جسد كل كائن حي، صراع محتدم ومتواصل، بين قوى الفناء وقوى البقاء. وفي الكون الشاسع بلايين النجوم المشتعلة المشعة وبلايين الكواكب التابعة، التي تظل في حركة دائمة وتغير مستمر. وكلها تتجاذب أو تتباعد عن بعضها وعن مركز الكون بسرعات هائلة. حتى الحجر الأصم الذي يبدو لنا ساكنا، تحتدم في داخله ثورة عظيمة وتغير أخرس، بالنسبة للناظر العادي، وتغير صارخ بالنسبة للناظر المتمعن، سواء بسبب التفاعلات التي تجري بين الذرات المتحركة فيه، أو داخل كل ذرة منها، حيث يبرز في كل واحدة منها كون آخر ينطوي على جسيمات متعددة، تتوالى بينها تجاذبات وتفاعلات متواصلة. وكل هذه الأحداث، الصغار الكبار، تفضي إلى تطور وتغير مستمر إلى حد يمكن القول فيه: أن اللحظة الراهنة تختلف عن اللحظة السابقة كما أنها تختلف عن الآتية، لأن كل ما في الوجود قد تغير وسيتغير بتوالي اللحظات. وما نقوله ليس فيه أي جديد، فقد أذاعه هيراقليطس قبل 2500 عام، في قولته الشهيرة:"لا أستطيع أن أنزل إلى النهر نفسه مرتين، ذاك أنني حين أستحم للمرة الثانية يكون النهر قد تغير، وأنا أيضا ". ويقول "غوته"Goethe:" من لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف عام الماضية، يبقى في العتمة".(1)
فإذا كان هذا شأن الحياة والمادة فما بالك بالمجتمع، الذي تتكون أجزاؤه من تجمع بعض البشر لتشكيل كيان متعاون لتحقيق البقاء؟ أليس حريّ به أن يتطور؟ كما أن التاريخ نفسه يشهد على هذا التغير والتطور، بل يثبته في كل فترة زمنية؛ تـُرى هل الحياة الاجتماعية والفكرية والمادية اليوم تشبه الحياة قبل ألف عام، بل قبل خمسين عاما، مثلا؟ والأكثر من ذلك، لا شك أن الجميع يلاحظون كيف تغير العالم منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 ، او بعد هذه الثورات والانتفاضات الجارية في العالم العربي!!
وعندما يتغير الناس، بمن فيهم نحن أنفسنا طبعا، وبالتالي المجتمع والمحيط الخاص والعام، تتغير نظرتنا إلى كل شيء، بما في ذلك نظرتنا إلى التاريخ نفسه، ومن هذه الحقيقة البسيطة جدا، والخطيرة إلى أقصى حد، يمكن أن تنطلق أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي بالإضافة إلى الأسباب الأخرى الواردة أدناه وفي الحلقة القادمة.
* * *
يحاول هذا البحث طرح مشروع شامل لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، بشروط علمية ونقدية محددة. ونحو التمهيد لتحقيق بعض من هذا الهدف، الواسع والطويل الأمد، سنحاول تحديد المفاهيم والمصطلحات بشكل جد مبدئي، في الحلقة الأولى، ثم سنشرح بعض الأسباب التي تدعو لتحقيق هذا المشروع، في الحلقة الثانية.
ونحن لن ندعي بأننا سنفي هذا الموضوع حقه، من خلال هذا البحث المقتضب. ولكننا نكتفي بطرحه على بساط البحث كاقتراح فجّ، بحاجة إلى تنضيج وتوسيع من خلال دراسة أوسع وأدق، من جانب الباحثين المتخصصين في مختلف الميادين ذات العلاقة.
وهكذا فإننا سنكتفي بتقديم لمحة سريعة، عن أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، وبالتالي إعادة النظر بالتراث نفسه، كمحاولة لخلق قدر من الوعي التاريخي الناضج، لدى معظم أفراد المجتمع، وفيهم متعلمون ومثقفون كثيرون.
ومع ذلك نحن لا يسعنا أن نعد القراء بأن ما قلناه، وما سنقوله، هو عين الصواب، بل هو مجرد رأي متواضع، خاضع لنقد القراء، الذي يرحب به الكاتب بكل سرور وامتنان، لأنه قد يـُغني البحث أو يـُعـَدِّلـُه، ليكون أكثر فائدة وجدوى.
تحديد بعض المفاهيم
ملاحظة: نحدد بحثنا في" التاريخ البشري"، بوجه خاص، أي نستبعد بذلك مثلا التاريخ الطبيعي المتعلق بالحيوان والنبات، وتاريخ طبقات الأرض، وتاريخ الكون والكواكب، وغير ذلك من التواريخ.
تعريفات التاريخ البشري كثيرة ومتشعبة نستعرض بعضها باختصار شديد:
لغة: من فعل "أرَخ َ"، الكتابَ حدد تاريخه ، وأرخ الحادث َ ونحوه: فصَّـل تاريخه وحدد وقته. وتأريخ الأمم وغيرها ( وتسهـَّـل الهمزة)، ذكر نشأتها وتطورها وآثارها. ("الوسيط ، مادة أرخ) . وقد تكون الكلمة عربية جنوبية اعتمادا على رواية تقول أن أول من أرخ التاريخ هو" يعلي بن أمية"حين كان باليمن. فكتب إلى الخليفة عمر كتابا مؤرخا. فاستحسنه عمر وقال "هذا حسن فأرِّخو". ويرى المستشرق جـِب(H.A.R. Gibb) أن لفظة تاريخ مشتقة من اللغة السامية القديمة التي تعني القمر أو الشهر، وقد وردت في اللغة العبرية بلفظة "ي رخ". (2)
اصطلاحا: يقول ابن خلدون إن التاريخ" فنٌّ من الفنون التي تتداولُه الأمَم والأجيال، وتُشَدُّ إليه الركائبُ والرحال... إذْ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل... ويؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، و اتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلمٌ بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدَّ في علومها وخليق." وهكذا افتتح ابنُ خلدون بوَّابة "علم التاريخ"، بالمعنى الحديث على مصراعيها، ولأوَّل مرَّة. (3)
وتدل كلمة التاريخ عند سقراط على المعرفة، وعند أرسطو على جمع الوثائق. وعند بيكون هو "البحث في أحوال تاريخ البشر ووقائعهم الماضية". وتطلق كلمة التاريخ في العصر الحديث على " العلم بما تـَعاقـَبَ على الشيء في الماضي من الأحوال المختلفة، سواء أكان ذلك الشيء ماديا أو معنويا: كتاريخ الشعب وتاريخ الأسرة وتاريخ القضاء وتاريخ العلم وتاريخ الفلسفة إلخ . . ." (4)
ويعرف قسطنطين زريق التاريخ بـأنه " السعي لإدراك الماضي البشري وإحيائه". ثم يُسهب ويُـجيد في تفسيره وتفصيله لهذا التعريف، بل يبرر، إلى حد بعيد، وبشكل عير مباشر، دعوتنا هذه لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي. (5)
ويعرفه ريمون أرون Raymond Aron، في كتابه " مدخل إلى فلسفة التاريخ" بمعناه الضيق، بأنه "علم الماضي البشري". وبمعناه الأوسع يقول إنه يعني "دراسة صيرورة le devenir الأرض والسماء والأجناس البشرية بالإضافة إلى الحضارة.(6)
ونقترح أن نميز بين مفهوم لفظة "التاريخ" باعتباره يدل مرة على الماضي البشري ذاته، وتارة على الجهد المبذول لمعرفة ذلك الماضي أو العلم المعني بهذا الموضوع. وقد حاول بعض الباحثين الفرنسيين التمييز بين المفهومين، بجعل لفظة Histoire تكتب بـحرف الـ H الكبير، لتدل على الماضي، بينما histoire تدل على العلم المعني بالتاريخ.(7)
* * *
كذلك نرى، خلافا للتعريف الوارد في "المعجم الوسيط " الذي لا يفرق بين "التاريخ" و"التأريخ"( بالهمز)، أنه يجب أن نفرق بين المصطلحين. فالأول اسم يطلق على مسمى يتعلق بماض أو أصل، فتقول تاريخ أوربا أو تاريخ الأمة العربية، أي ما كانت عليه أوروبا أو الأمة العربية من أحوال في ماضيها، القريب أو البعيد، أو تحديد أصلها وفصلها. أما لفظة "تأريخ"(بالهمز) أوروبا أو تأريخ الأمة العربية، فهي مصدر، وتعني عملية صناعة "التاريخ" المتعلقة بهما، بكل ما فيها من بحث في الوثائق ودراسة الآثار وتحقيقها ونقدها. كما يعني أيضا تحديد وقت الحدث أو زمانه، فتقول مثلا تأريخ الرسالة أو الكتاب أو تأريخ الوثيقة أو الأثر التاريخي ، أي عملية تحديد زمن الأثر أو صدور الرسالة أو الكتاب.
وهكذا، نقترح أن نميّز، ربما خلافا لكثير من المؤرخين المعروفين، حسب علمنا، بين أربعة معان للفظة التاريخ، بدل معنيـَيْـنِ فقط:
الأول، هو التاريخ المعروف، كخبر عن الماضي، بقدر كبير أو قليل من الدقة والتفصيل(المحكي أو المكتوب، أو المفترض أو المستخلص من الآثار المكتشفة ).
الثاني، هو التاريخ ذاته، أي الوقائع والأحداث كما حدثت فعلاً. وكل الدلائل تشير إلى تعذر معرفة أحوال الماضي، كلما بَعـُد. فمعظم أخبار الماضي ضائعة أو غير منقولة بتمامها أو بالدقة اللازمة، لأنها مستنتجة بقدر كبير من التخمين وقليل من الثقة. ونحن إذا أردنا الدقة، لا ندري فعلاً ما حدث بالضبط أمس أو اليوم في عالمنا بل في مدينتنا، لاسيما إذا كانت مدينة كبيرة، على الرغم من تطور وسائط الاتصال، فما بالك بما حدث فعلاً قبل آلاف الأعوام أو أكثر! ! ونحن لا نقصد بالطبع كل ما يحدث للأفراد من شؤون يومية عادية مألوفة، بل الأحداث الهامة التي تتضمن دلالات مجتمعية معينة، أو يمكن أن تؤدي إلى نتائج لها أهميتها. ومع ذلك يمكن أن تشكل هذه الأحداث اليومية العادية المألوفة مادة خصبة للدراسات التاريخية والسوسيولوجية، خصوصا بعد مرور فترة معينة من الزمن. فنحن مثلا، نهتم جدا اليوم بالعثور، على "رقيم" طيني، يقدر عمره بـ3000 عام، يوثــِّق صفقة عادية لبيع الناتج من القمح في حقل "ألف" من الناس، إلى "باء"من الناس، في موقع مدينة "أور"، في جنوب العراق. ذلك لأننا نستخلص من دراسة هذه الوثائق، التي كانت تعتبر عادية في وقتها، نتائج تلقي ضوءاً على العلاقات التجارية والاجتماعية، وطريقة حياة الناس وتعاملاتهم، في ذلك الزمن. خصوصا وإن المؤرخين القدماء لم يعتادوا التحدث عن أساليب حياة الناس العاديين، بينما درجت المناهج التاريخية الحديثة على دراسة أحوال المجتمعات، من خلال تعَقُب أخبار أفرادها وعلاقاتهم المتفاعلة، بُغية التعرف على أحوال المجتمع.
والثالث، هو التأريخ (بالهمز )، وهو "عملية" دراسة التاريخ، كما ذكرناها أعلاه. فنقول مثلا نحن نسعى لإعادة كتابة "التاريخ العربي الإسلامي"، عن طريق "التأريخ" له. أي من خلال ما نقوم بـه من "عمليات وإجراءات" متعددة لاستخلاص الحقائق التاريخية، بما في ذلك البحث في المصادر المعتمدة والتنقيب في الآثار الشاخصة والمطمورة إلخ . . . . لذلك يصح أن نقول، مثلا ،" نحن نقوم بـ "تأريخ التاريخ"،(الأول بالهمز والثاني بدونه) أي نؤرخ للتاريخ نفسه، فندرس كيف ومتى بدأت الدراسات التاريخية وجرت عمليات تدوين التاريخ أو تمحيص وقائعه، وكيف تطورت تلك الدراسات، فضلاً عن دراسة وسائل البحث التاريخي التي أفضت إلى اكتشاف تاريخ هذا المجتمع أو ذاك.
والرابع، هو التسمية التي تطلق على الأعمال المكتوبة المتعلقة بتدوين التاريخ، فنقول مثلا: تاريخ الطبري، ونقصد به كتاب "تاريخ الأمم والملوك"، الذي وضعه محمد بن جرير الطبري. كما نقول تاريخ المسعودي، لنعني كتاب" مروج الذهب ومعادن الجوهر"، لأبي الحسين علي المسعودي، أو تاريخ الجبرتي، لنعني "تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار" لمؤلفه عبد الرحمن الجبرتي، وهكذا.
وتعقيبا على المعنى الأول والثاني، نرى أن الحدث لا يصبح حدثا تاريخيا إلا إذا عُرف، ولا يُعرف إلا إذا شُهد، ثم نقل شفويا أو تحريريا، وهكذا يتحول إلى حدث تاريخيٍّ. ولكن مع ذلك، هناك وراء كل حدث ينقل شفويا ًأو تحريرياً، مئات بل ربما آلاف الأحداث الكبيرة أو الصغيرة التي لم تُنقل. وهذه الأحداث المطمورة تتزايد كلما ابتعدنا عن الزمن الحاضر. وذلك لا بسبب عدم أهميتها أو خطورتها كما أسلفنا، بل لأنها لم تـُشهد أصلاً أو شُهدتْ ولكن لم تدون، أو شُهدت ودُوِنت، ولكن وثيقتها ضاعتْ. وهكذا فالتاريخ الذي نقرأه يمثل، على الأرجح، جزءاً يسيراً من الحقيقة التاريخية التي حصلت بالفعل، أو جزءاً من حقيقة مشوهة أو معدلة.(8) وفي هذا السياق يقول عبد الله العروي :" كل حدث يصبح حدثاً عندما يوصف، حتى بالنسبة للمعاصر، المشاهد له. ولا يُتصور وصفٌ يطابق الواقع كامل المطابقة".(9)
من جهة أخرى- ونحن ما زلنا في إطار تحليل أو تفكيك التعريفين الأول والثاني- فان الخبر التاريخي يرتبط بالمؤرخ أو ناقل الخبر، أو الصحافي. وكل منهم بشر يتأثر به وبظروفه كحدث، وبظروفه الشخصية الخاصة، بدرجات وكيفيات مختلفة. كما يمكن أن ينقله بأشكال مختلفة تؤثر في فحواه أو مغزاه. لذلك تقع على المؤرخ المعاصر عامة والعربي خاصة، مسؤولية كبرى في تحقيق مختلف النصوص وتمحيصها ومقارنتها ونقدها، بل استقصاء نـيَّـة المؤرخ، الظاهرة أو الخفية، أو مصدره في نقل الخبر، فضلاً عن اتجاهاته وميوله ومعتقداته، لاكتشاف مدى موضوعيته وحيدته، وبالتالي، اكتشاف ما يمكن أن أهمله بوعي أو بغير وعي.
وكمثال على ذلك، نشير إلى نقطة معينة في كتاب التاريخ المعروف بـ"فتوح البلدان" للبلاذري. ذلك أن صلات هذا المؤرخ الوثيقة بالخلفاء العباسيين ووزرائهم، أثرت في كتابته للتاريخ المعروف في تلك الحقبة. فقد مدح المأمون وأصبح من ندماء المتوكل المقربين وتقرب من المستعين والمعتز، الذي عهد إليه بتثقيف ولده، كما يشير ياقوت الحموي في "معجم البلدان". وهكذا، مع أنه عاصر الثورة "البابكية"،بمبادئها التقدمية(إلغاء ملكية الأرض وتوزيعها على الفلاحين وتحرير المرأة إلخ)، وهي مبادئ تتعارض تماماً ومصالح الطبقة الحاكمة في الخلافة العباسية، فحاربتها مدة 22عاما؛ أقول: مع أن البلاذري عاش تلك الثورة منذ شبابه، إلا أنه أهملها في تاريخه تقريبا، ولم يشر إليها إلا إشارة قصيرة عابرة، وأطلق على زعيمها "الكافر الخرمي"، وذلك تقربا للعباسيين.(10)
ولزيادة التدليل على أهمية وخطورة تدخل ناقل الخبر(باعتبار أن الخبر هو المادة الأولية الخام التي تشكل معلومة المؤرخ) في حقيقة الحدث ذاته، يمكن أن نأتي بأمثلة عديدة تتعلق بطريقة نقل الأخبار في العصر الحديث، الذي من المفترض أن يكون أكثر العصور صراحة ومصداقية ودقة وموضوعية، انطلاقا من توفر الإمكانات المادية والتقنية، واختصار المسافات، وتقارب أصقاع المعمورة، التي أصبحت توصف بالقرية الصغيرة. لكننا نكتفي بإيراد مثال واحد، نـُذكـِّر فيه بالفروق، الصغيرة أو الكبيرة أحيانا، بين طريقة نقل الخبر من جانب فضائية "الجزيرة"، في قطر، ونقله من جانب محطة الـ"سي أين أين" CNN أو محطة "فوكس" Fox N، الأمريكيتين، لاسيما إذا تعلق الخبر بقضية الصراع العربي الإسرائيلي والمنطقة العربية عامة. وهنا تتدخل الخلافات السياسية والأيديولوجية والمصلحية، بين الأطراف التي تنقل الخبر. وهذا ما يحدث في الغالب.
وفي نفس السياق أيضا، يذهب الشاعر والمؤرخ العراقي معروف الرصافي، إلى الحد الأقصى، فيقول إنه بعد أن "كان يكتب للتاريخ ويحسب له حسابا ويجعل له منزلة. . . " يستحقها، أنضجته الأيام بحوادثها فأحالته من حال إلى حال. ويضيف:"وكذلك فعلت بي الأيام حتى أصبحت لا أقيم للتاريخ وزناً ولا أحسب له حساباً لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضَلال ومتشجم أهواء الناس، إذا نظرت فيه كنت كأني منه في كثبان من رمال الأباطيل قد تغلغلت فيه ذرات ضئيلة من شذور الحقيقة فيتعذر أو يتعسر على المرء أن يستخلص من طيس أباطيله ذرات شذور الحقيقة". وقد عـبَّر عن ذلك في قصيدة طويلة بعنوان "ضَلال ( بالفتح) التاريخ" قال فيها:
وما كـُـتـُب التاريخ في كل مـــا روت لقرائها إلا حديثٌ مُـلـَـفـَقُ
نظــــرنا لأمــر الحـــاضرين فرابنا فكيف بأمــــر الغابرين نـُصدِّقُ
وما صدَّقـتنا فــــي الحقائق أعينٌ فكيف إذن فيهن يصدق مُهْرَقُ ؟
(المهرق، بصيغة المفعول، الصحيفة، أي النص التاريخي)(11)
وهذه النقطة الأخيرة بالذات، حتى إذا بالغ في وصفها الرصافي، تشكل أحد الأسباب المهمة التي تبرر الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، كما تنقلنا إلى التساؤل التالي:
ماذا نعني بإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي؟
نقصد بإعادة كتابة ذلك التاريخ، في بحثنا هذا، السعي لإعادة النظر في ماضي المجتمع العربي الإسلامي وسبره، في مختلف مظاهره وتطوراته وملابساته، وعلاقات تلك المظاهر بعضها ببعض، بغية إدراك ذلك الماضي وتفهمه، لا كما نتوهم أنه كان أو كما يجب أن يكون، أو كما نأمل أن يكون، أو كما نقله المؤرخون العرب أو الأجانب؛ بل بغية السعي لتفهمه، أو التقرب منه، كما كان فعلا، قدر الإمكان. أو بالأحرى، نقصد بذلك النظر إلى ماضينا بعيوننا نحن الأحياء، لا بعيون الأموات، الذين قضوا قبل مئات الأعوام أو أكثر . على أن نحاول ذلك باستخدام أفضل المناهج البحثية والنقدية الحديثة ، للتعمق في اكتناه أقصى أبعاد الماضي وجميعها،قدر الإمكان، بغية الوصول إلى أرجح الحقائق المتعلقة بالأحداث والأشياء والأشخاص، البارزين والعاديين أو المهمَّـشين، وظروفهم المعيشية والبيئية، الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعلاقاتهم بين بعضهم والبعض الآخر، أو علاقاتهم بحكامهم ورؤسائهم، إلخ . . .، وذلك عن طريق استئناف النظر والتحقيق والتدقيق، في أكبر عدد ممكن من الوثائق والمحفوظات والآثار المتاحة. ونؤكد هنا على أهمية دراسة الفترات المهمَّـشة، أو المهملة، من التاريخ العربي الإسلامي.
ومن الفترات المهمة الجديرة بالعناية والتحليل، نذكر الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، التي لم تـُعْـنَ بها الدراسات التاريخية الإسلامية القديمة على نحو كاف، ولم تنظر إليها بنظرة موضوعية.وقد أشير إلى هذه الفترة في القرآن الكريم، حيث أطلق عليها مصطلح "الجاهلية"("أفحكم الجاهلية يبغون" المائدة 50). وذلك لأن ظهور الإسلام يعتبر ثورة على مفاهيم وقيم ومعايير ذلك العصر "الجاهلي". ويقصد بهذه الصفة بالإضافة إلى الجهل، الفوضى سياسيا، واجتماعيا، لعدم وجود سلطة مركزية.(12)
ولكن ذلك لا يمنع من دراسة تلك الفترة، بل يؤكد الحاجة إلى الإمعان في دراستها،لأننا نرى أن بعض جذور"العقل المجتمعي العربي المعاصر" كامنة فيها، إلى حد بعيد. بل نحن عرضنا رأياً مفاده أن العرب ما برحوا متمسكين بالعديد من القيم الجاهلية، وخصوصا العشائرية، التي حاربها الإسلام. ومن جملة المظاهر التي تؤيد هذا الرأي، التركيبة الاجتماعية السائدة في معظم البلدان العربية، وخصوصا في بلدان الخليج، فضلاً عن الصراع القائم اليوم في العراق وسورية،مثلاً، بين السنة والشيعة، الذي قد يتمدد إلى بقية البلدان العربية، الذي تعود جذوره البعيدة والعميقة، برأينا، إلى صراع قـَبَليٍّ، بين الهاشميين والأمويين، كان قائما قبل الإسلام، تجلى بعد وفاة الرسول في الصراع على الخلافة، لاسيما بعد مقتل الخليفة عثمان. وقد أطلق طه حسين على هذا الصراع بحق" الفتنة الكبرى".
هذا الصراع القبَليّ الذي تعود أصوله إلى ما يزيد على أربعة عشر قرناً، قد يُسفر الآن (منتصف 2013) عن صراع بين السنة والشيعة مما يؤدي إلى إشعال المنطقة العربية بكاملها. ولاسيما وهو قائم اليوم فعلاً، تحت مسميات مختلفة، في سورية مثلاً وقد يمتد إلى العراق. و بقية بلدان المشرق العربي.
وفي هذا السياق، طرحنا، في كتابنا" أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"،(أنظر الحاشية 8) فرضية مفادها أن العرب لم يمروا بمرحلة الزراعة على نحو يكفي لمحو القيم البدوية، التي كانت سائدة، إلى حد بعيد، في العصر الجاهلي. وقد شرحنا أهمية المرور بهذه المرحلة، ولماذا تخلف العرب بوجه عام عن المرور بها، في عدد من البحوث التكميلية .(13)
وفي إطار المقصود بإعادة بحث التاريخ العربي الإسلامي أيضا، نرى أهمية دراسة الفترة المظلمة الأخيرة التي استمرت قرابة ستة قرون. ومع توفر بعض الدراسات المهمة في تاريخ العرب قبل الإسلام، ولكن الدراسات المتعلقة بفترة الانحطاط تكاد تكون نادرة. بينما نحن نعتبر هذه الفترة ذات تأثير كبير في تكوين "العقل المجتمعي العربي" المعاصر. وفي هذا المجال، نرى أن العرب المعاصرين ليسوا ورثة الحضارة العربية الإسلامية، بقدر ما هم ورثة عصر الانحطاط الأخير هذا. ولهذا السبب لم نتمكن من التحرر من تأثير "العقل المنفعل"المقلـِد، إما للسلف، أو لـ" لآخر". الأمر الذي أدى إلى إخفاقنا في الوصول إلى تفعيل " العقل الفاعل" المبدع والمنتج، بغية الإسهام في إنتاج الحضارة، وليس مجرد استهلاك منتجاتها الجاهزة.
ونستدرك فنقول إن بعض النقاط التي وردت أعلاه تتداخل مع الأسباب التي تدعو لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، التي سنبحثه بالتفصيل في حلقة قادمة.
واعترافا بالفضل، لابد أن نشير أخيرا إلى بعض المحاولات التي أسهمت جزئيا في إعادة النظر في التاريخ العربي الإسلامي، بوجه عام. ونذكر منها، على سبيل المثال، العمل الفردي المتميز الذي قام به الأستاذ أحمد أمين في موسوعته التاريخية: "فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام". كذلك ننوه بالجهد القيم الذي قام به المفكر محمد عابد الجابري، في سلسلة أعماله المتعلقة بالتراث والحداثة، ورباعيته في "نقد العقل العربي"(تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي). كما لن نغفل سلسلة كتب حسن حنفي(من العقيدة إلى الثورة مثلا)، وسلسلة أعمال محمد أركون، في دراسة التاريخ العربي الإسلامي وتحليله ، ومجموعة "مفاهيم" عبد الله العروي، وبرهان الدين دلو، في كتابه"مساهمة في إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي"، وعبد العزيز الدوري في سلسلة كتبه عن التاريخ العربي الإسلامي، وغيرهم. كما يقدم لنا طه حسين مثالا جديرا بالاعتبار، فيما يتعلق بالنقد التاريخي، في كتابه"في الشعر الجاهلي". كذلك تقتضي الأمانة العلمية التنويه ببعض من دراسات المؤرخين الأجانب المنصفين،المحققين، والموضوعيين، في محاولاتهم كتابة التاريخ العربي الإسلامي، مما قد يشكل تحديا لكتابنا ومؤرخينا لإعادة كتابة تاريخنا بشكل أفضل.
كذلك ننوه بشكل خاص بالعمل العظيم الذي أنجزه المؤرخ العراقي جواد علي، في مؤلفه المتميز " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، في عشرة مجلدات ضخمة.
ومع تقديرنا لمختلف هذه المحاولات التي تتعرض للتاريخ العربي الإسلامي بكفاءة عالية أحيانا، فإن جميع هذه الدراسات الفردية القيمة لا ترقى إلى ما ندعو إليه. خصوصا وأن هذه الدراسات تتناول جوانب معينة فقط من التاريخ العربي الإسلامي. كما أنها تنطلق ابتداء، في الغالب، من الأعمال التاريخية التي وضعها المؤرخون المسلمون في عصر التدوين، الذي بدأ منذ منتصف القرن الهجري الثاني ، وهي أعمال يجب أن تخضع، هي نفسها، للنقد والتمحيص، لأنها كتبت بعقلية ذلك الزمن وخضعت لظروفه السياسية وموجباته الاجتماعية . ومن جهة أخرى، فإن معظم هذه الدراسات الحديثة، يتحاشى الدخول في مناقشة القضايا الحساسة المتعلقة بتاريخ الإسلام العقائدي، لأسباب ما تزال قاعلة بل قاهرة ومعطِلة، ترتبط بتكوين"العقل المجتمعي" للإسلام الأصولي السلفي التكفيري، مما أدى ويؤدي إلى تعطيل المسيرة النهضوية للأمة العربية والإسلامية. كما يتطرق القليل من الباحثين إلى مسألة نقد النصوص والوثائق بما فيها الآثار والرُقم المكتشفة، أو التي ما تزال بحاجة إلى بحث واستكشاف، خصوصا في مناطق كثيرة من شبه الجزيرة العربية، التي ما زالت بـِكرا لم تمس تقريبا.
وهكذا فإن هدفنا من هذا البحث، هو الدعوة لتأسيس عمل جماعي منظم، يقوم به فريق من المثقفين والمتخصصين العرب داخل الوطن العربي و/ أو خارجه. مع تحفظنا بشأن صعوبة تطبيق ذلك في مجتمع حافل بالقيود الرسمية والأدبية والأخلاقية، أي موجبات "العقل المجتمعي" ومسلماته العقائدية الثابتة، التي تعيق تطلعات المؤرخ الحر لاكتشاف الحقائق، مهما كانت قاسية، وتمنع استخدام"العقل الفاعل"، بدل الخضوع لـ "العقل المنفعل". وإذا أمكن التغلب على هذه العقبات، يمكن أن يقوم هذا الفريق بتحقيق ما يلي :
أولا، الاتفاق على وضع قواعد مناهج البحث الحديثة، الأكثر اتباعا أو اعتبارا، لتحديد إجراءات البحث والتنقيب ونقد النصوص التاريخية والآثار المتوفرة وتفسيرها.
ثانيا، وفي إطار نقد النصوص التاريخية وتفسيرها، يضطلع الفريق باستنطاق النصوص المتاحة لاستكشاف ما وراء المعنى الظاهر للنص أو المعنى المسكوت عنه، الذي ينبئ بدوره عن مغزى أعمق وأبعد وربما "حقائق" أنضج. ومن المؤكد أن تظل هذه "الحقائق" موضعا للنقاش واختلاف الآراء، ومع ذلك فإن إتاحتها للقارئ والباحث تشكل ثروة فكرية كبيرة.
ثالثا، وضع ِ تاريخ موثــَّق، أساسي شامل ومتكامل، لأربع فترات رئيسية: فترة ما قبل الإسلام، وفترة انبثاق الإسلام والحضارة العربية الإسلامية، والفترة المظلمة، وفترة النهضة العربية خلال القرنين الأخيرين. وسيشكل هذه التاريخ مرجعا جامعا ثرَّا للدارسين: الأساتذة والمفكرين والطلاب والباحثين.
وسيحتاج هذا الفريق، على ما أظن ، إلى جرد جميع، أو معظم، النصوص التاريخية المنشورة والمتعلقة بالتاريخ العربي الإسلامي، بمختلف اللغات. وربما سيحتاج أيضا إلى استكمالها بالمخطوطات العربية الكثيرة، غير المطبوعة، المنتشرة في مختلف أرجاء العالم . والتي ما زالت تنتظر الخروج إلى النور. ونؤكد بوجه خاص على تلك التي صورها ووثقها" معهد المخطوطات العربية"التابع لـ"المنظمة العربية للتربية الثقافة والعلوم"، فضلا عن المخطوطات الأخرى التي يقدرها الدكتور خالد عزب بثلاثة ملايين مخطوطة،(14) منتشرة في العديد من المكتبات العامة والخاصة والمساجد والمؤسسات الثقافية. كما نشير بكل أسف إلى المحفوظات والمخطوطات الثمينة التي كانت موجودة في "دور الوثائق العراقية" ومنها مكتبة المتحف العراقي والمكتبة الوطنية ومكتبة المجمع العلمي العراقي، والتي تعرضت للنهب والحرق بعد احتلال بغداد في عام 2003.(15) وأخيرا، وليس آخرا ، نشير إلى المجموعة التاريخية الكبيرة التي وفرها الدكتور نائل الشافعي في موسوعة المعرفةwww.marefa.org لقرائها والتي تقدر بقرابة مليوني صفحة من الكتب القديمة المخطوطة والمطبوعة.
وعودة إلى مسألة إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، نشير باهتمام إلى أن المفكر محمد عابد الجابري قد قام منذ فترة طويلة، ومن خلال مؤلفاته المتعددة في التراث والحداثة ونقد العقل العربي، وغيرها، بالدعوة إلى تدشين عصر تدوين جديد، أسوة بعصر التدوين العربي الإسلامي الذي بدأ في منتصف القرن الهجري الثاني، والذي أسس دعائم وقوائم العقل العربي حتى العصر الحديث. كما دعا إلى إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، في نفس الإطار.(16) وسنتحدث باختصار عن رأيه في هذه النقطة في الحلقة الثانية.
خلاصة
تعرضنا في مقدمة هذه الحلقة إلى أهمية الوعي بالتغيير والتطور، وذلك انطلاقا مما نلاحظه ونلمسه من تغيرات سريعة تجري في العالم، لاسيما على صعيد التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، وما يتبع كل ذلك من تغيرات على الصعيد الاجتماعي والفكري. وإذ تتوالى هذه التغيرات وتتزايد سرعة ووتيرة، نجد أنفسنا نحن العرب في حالة ركود أو جمود، أو بالأحرى في حالة نكوص إلى الماضي، نتوكأ عليه، لتبرير عجزنا عن مواكبة المسيرة الحضارية الصاعدة. لذلك لم تتغير نظرتنا إلى التاريخ، بسبب هذا الجمود. وهكذا نجد أنفسنا في وسط حلقة مفرغة. فالجمود يؤدي إلى نظرة جامدة في كل شيء، بما في ذلك تاريخنا. وهذه النظرة الجامدة تؤدي إلى زيادة جمودنا، وبالتالي تخلفنا.
وكمحاولة متواضعة لحلحلة هذا الحلقة(الدور) أو كسرها، رأينا أن يبدأ المثقفون العرب، بين أمور أخرى، بإعادة النظر في مفهومنا للتاريخ بوجه عام، من خلال إعادة النظر بتاريخنا، بعيوننا نحن الأحياء وليس بعيون الأموات. وذلك تمهيدا لخلق وعي تاريخي لدى عامة الناس، وبالتالي تغيير نظرتهم الجامدة للتاريخ، بغية تحريك هذه المياه الساكنة بل الآسنة، وتحويلها إلى مجار سائرة وشلالات هادرة.
وهكذا شرعنا في بحثنا هذا بتحديد مفهوم التاريخ وتعريفاته المتعددة ومفاهيمه الأربعة، ثم عرجنا على شرح ما نقصده بإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي. وسنفصل في الحلقة القادمة أهم الأسباب التي تدعونا لإعادة النظر بهذا التاريخ.
===============
* دراسة منشورة في مجلة الدوحة

المراجع والحواشي
1- نلاحظ ،بكل أسف، أن العرب، ليس فقط لم يتعلموا من القرون الأربعة عشر الماضية، بل لم يتعلموا من نصف القرن السابق أيضا. لذلك نحن كنا وما نزال نحاول معالجة أساس الإشكالية وجذورها العميقة، وليس مظاهرها السطحية. ويدخل هذا البحث في إطار هذه المحاولات.
2 -عبد الرحمن الشيخ،"المدخل إلى علم التاريخ"(الرياض : دار المريخ للنشر، 1984)، ص17.
3- عبد الرحمن بن خلدون، "مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" (بيروت: دار الفكر العربي ، 1997)، ص5.
4- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، مادة تاريخ.
5- قسطنطين زريق"نحن والتاريخ" في "الأعمال الكاملة"(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1996)، ص41 وما بعدها.
6- Raymond Aron,Introduction a la philosophie de l'histoire, P.17, Galimart. Paris,1986.
7- قسطنطين زريق" نحن والتاريخ"، المرجع السابق، ص13.
وثمة مفهوم آخر للتاريخ يتجاوز مفهوم الماضي إلى الحاضر والمستقبل. وينطلق هذا المفهوم من اعتبار التاريخ حركة(كما بينـَّـا في المقدمة):"حركة الكون وحركة الأرض وحركة الأحياء والناس على سطح الأرض وما تستتبعه هذه الحركة من تغير دائم. وإذ تعتبر الحركة تغيرا مستمرا منذ بدء الخليقة إلى نهايتها، فإن التاريخ أيضا متصل منذ الأزل إلى الأبد، وهو يشمل الماضي والحاضر والمستقبل جميعا، فكله تاريخ وكله ميدان عمل المؤرخ، وهو نهر الحياة المتدفق الجاري المتجدد دائما، بما تأتي منابعه وما تأتي به روافده" (عبد الرحمن الشيخ، المرجع الوارد في الفقرة 2 أعلاه، نقلا عن حسين مؤنس" الحضارة"،الكويت: المجلس الوطني للثقافة، عالم المعرفة 1 ، ص121.)
8- لذلك، اعتبرنا "العقل المجتمعي" لكل "وحدة مجتمعية"، مرآة يمكن من خلالها تخمين أحداث الماضي وملابساتها، التي ضاع معظمها بمرور الزمن، أو أهملت أو غُـيِّـبَت لأسباب متعددة. فنحن نتصور العقل المجتمعي الذاكرة التاريخية للمجتمع، أو الصيرورة التاريخية الحقيقية له، منذ أقدم العصور إلى اليوم. لهذا نعتبر"نظرية العقل المجتمعي" ذات أهمية أساسية ليس في فهم تاريخ المجتمع العربي الماضي، وحسب، بل في تفهم وضعه الحاضر وتفسير وتحليل إخفاقاته الراهنة، وعوامل تخلفه عن المسيرة الحضارية القائمة والمتفجرة. وقد فصَّلنا بعضا من هذا الموضوع في كتاب " أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل"(بيروت: دار كتابات، 2004)، ص76. كذلك أنظر كتاباتنا الأخرى المتعلقة بالعقل المجتمعي، المذكورة، مثلا، في الحاشية13 أدناه.
9- عبد الله العروي "العرب والفكر التاريخي"( الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي، بلا تاريخ )، ص77-78.
10- برهان الدين دلو"مساهمة في إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي"(بيروت:دار الفارابي، 1985)، ص13.
11- معروف الرصافي"كتاب الشخصية المحمدية"(كولن ، ألمانيا : منشورات الجمل، 2002)، ص15. نحذر القارئ من أن تلك الأبيات المذكورة في هذا الكتاب، تتضمن أخطاء تشوه الوزن الشعري والمعنى. لذلك ضبطناها من الأصل. أنظر "ديوان الرصافي"، تحقيق وشرح وتعليق مصطفى علي(بغداد:منشورات وزارة الإعلام العراقية، 1077)، ص 12.
12- يـُروى عن جعفر ابن أبي طالب، أحد أفراد فريق المسلمين، الذي هاجر إلى الحبشة، هربا من اضطهاد المشركين، أنه قال للنجاشي:" كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي بالفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي الضعيف . . ." ( السيرة النبوية لابن هشام(بغداد: مطبعة وأوفسيت منير، 1986)، الجزء الأول، ص 336).
13- بالإضافة إلى شرح بعض معالم هذه الفرضية في كتابنا المشار في الحاشية 8 أعلاه، شرعنا بشرح تفصيلاتها الهادفة إلى إثباتها، من خلال خمسة بحوث نشرت تباعا في مجلة"صوت داهش" الفصلية(نيويورك)، تحت العنوان الرئيسي"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"، وعناوين فرعية:"الصراع بين البداوة والحضارة من تجليات العقل المجتمعي العربي الغارق بالتراث"،"إحراق المراحل: عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة"، " الثورة الزراعية وأهمية العمل المنتج في إرساء دعائم الحضارة البشرية"،" نتائج الطفرة الخليجية؛ مقارنة بين حال العرب بعد الفتوح الإسلامية وحال عرب الخليج بعد الطفرة النفطية"، "محددات العقل السياسي العربي: القبيلة، الغنيمة، العقيدة؛ نظرية الجابري في قراءة التاريخ السياسي العربي"( أنظر أعداد ربيع وصيف وخريف 2004 وشتاء وربيع 2005 من المجلة المذكورة).
14- خالد عزب، "المخطوطات العربية ذاكرة الأمة في مخزن المستقبل"، إسلام أون لاين.
ويشير هذا الكاتب، بكل تقدير، إلى ما أنجزه "معهد المخطوطات العربية" التابع لـ" المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم"، التي صورت وحفظت 24 ألف مخطوطة. علما أن الدكتور نائل الشافعي حصل على 25ألف مخطوطة وكتب مطبوعة قديمة، يعود بعضها إلى بداية الطباعة في أوربا في مطلع القرن السادس عشر، من حكومة الهند، وضعها على موسوعة المعرفة التي أنشأها في مطلع عام 2007 . ولدى تحميلها ستكون كلها متاحة للجمهور.
15- وبهذه المناسبة أود الإشارة، بقلق وغضب، إلى الخسارة العظيمة التي مُنِيَ بها تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، بل الحضارة البشرية، بسبب النهب الذي تعرضت له مواقع الآثار والمتاحف والمكتبات ودور الوثائق، بعد احتلال بغداد في منتصف عام 2003، الذي يمكن مقارنته بالنهب والتدمير الذي تعرضت له الكتب والوثائق بعد سقوط بغداد على يد التـتار في عام 1258. علما أن هذه العمليات قد جرت، كما يبدو، بتنظيم دقيق مسبق، من قبل جهات متخصصة وعارفة بدقة مواضع الآثار والوثائق الأصلية الثمينة. لذلك نأمل أن يجري تحقيق جدي ومتقدم في هذه الحوادث، أكثر مما جرى حتى الآن، وعلى أعلى المستويات، لتتبع تلك المواد المسروقة واستعادتها، ومعاقبة الفاعلين. ومما يدعو إلى الأسف أن المواقع الأثرية، الإسلامية وغير الإسلامية الكثيرة المنتشرة في جميع أرجاء العراق، ما تزال، حسب علمنا، تتعرض للنهب اليومي سواء من جانب أفراد وحدات القوات الأجنبية، المستقرة مثلا في بعض المواقع الأثرية، كما في بابل، أو ربما من جانب عصابات دولية رسمية أو أهلية متخصصة، تمارس هذا النشاط المنظم.
16- محمد عابد الجابري"تكوين العقل العربي"( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،ط5، 1994)، ص 44- 46.

 

"سميرة الشاهبندر" وعطايا صدام

بعد بضع سنوات قضتها في تقليب أرشيف العديد من الطغاة الذين عرفهم العالم، اكتشفت الكاتبة الفرنسية ديان دوكريه أن رجالا مثل صدام حسين وهتلر وموسوليني وستالين، قضوا أغلب وقتهم في كتابة رسائل غرامية وليس برقيات سياسية، مما دفعها إلى الغوص في علاقات هؤلاء مع زوجاتهم وعشيقاتهم.
فقد اختارت دوكريه أن تتوغل في الحياة الخاصة لهتلر ولينين وموسوليني وستالين وسالازار وماو وتشاوسيسكو وبوكاسا في الجزء الأول من «نساء الطغاة» والذي ترجم إلى 18 لغة. أما الجزء الثاني فقد خصصته للحياة الغرامية لفيدل كاسترو وصدام حسين وكيم آيل سونغ وسلوبودان مولوسوفيتش.
تقول دوكريه إنه بينما كان صدام حسين يحاول حماية زوجته الثانية سميرة الشاهبندر من غيرة زوجته الأولى ساجدة، كان كيم آيل سونغ يواجه مشاكل كبيرة في إخفاء خياناته عن عشيقته المفضلة؛ النجمة الكورية هاي ريم.
وبينما كانت ميرا تصحح خطابات ميلوسوفيتش، حاول فيدل كاسترو مرارا تفادي اعتداءات عملية السي آي أي التي لم تكن سوى عشيقته ماريتا.
تخفي الحياة الخاصة لهؤلاء الرجال المعروفين بتسلطهم أو شخصياتهم الكاريزمية الكثير من المفاجآت التي تكشف عنها دوكريه، في تحقيقها الذي تضمن شهادات حية لعشيقات وأصدقاء وأطباء وحرس شخصيين.
كما تناولت الكاتبة أيضا الحياة الخاصة للإمام الراحل الخميني، الذي تميز بتعامله الإنساني والراقي مع زوجته، وخصصت فصلا كاملا لعلاقة أسامة بن لادن مع زوجاته الخمس.
وقد نشرت جريدة "القبس" الكويتية على حلقات قصص هؤلاء الرجال كما أوردتها دوكريه.

 سميرة الشاهبندر رفضت عطايا صدام... ثم استجابت..!
عندما رأى صدام سميرة الشهبندر لأول مرة برفقة زوجها، قرر التقرب من هذه الأربعينية التي لا يعرفها، أرسل لها العطور والملابس والمجوهرات والسيارات، غير أن سميرة رفضت في بادئ الأمر الهدايا، لكنها بعد بضعة أسابيع، وخلال رحلة لزوجها إلى الخارج، لم تقاوم جاذبية الرئيس "لقد كان أقوى رجل في العراق".
كانت سميرة أما لثلاثة أطفال حين كانت السيارات والهدايا الفخمة تتهاطل عليها، وقد لاحظها صدام جيدا، وأسره جمالها خلال نزهة نظمها لابنته حلا، ليست ملامحها فقط ما لفت انتباه الرئيس، الذي كان يحب النساء المتعلمات والمستقلات، فسميرة طبيبة عيون وكانت تُدرّس اختصاصها، ومن عائلة معروفة، وكان طموحاً لأن يرتبط بامرأة من الطبقة الأعلى.
كان صدام يرغب في أن يكون رجلا جديدا في حياته الخاصة، ولأن ساجدة تربت معه وكانت تعرف كل شيء عنه، لذا كان من الصعب عليه أن يعيش حياة حميمة مع هذه المرأة التي يعرفها منذ زمن بعيد.
◄ المعشوقة الجديدة
قدم صدام سميرة لأصدقائه ومساعديه المقربين، وبعد فترة من لقائه معها، تجرأ على اصطحاب صديقته لمنزل عائلة سلبي، وابنة العائلة زينب شاهدة على شجار عاصف حدث بين والدتها والرئيس: لقد كانت السيدة سلبي من الأوفياء لساجدة، لذلك رفضت دعوة هذه المرأة غير الشرعية "لقد سمعتها تقول سميرة (جرباء) وصوتها كان حادا وصداه يتردد في كل أرجاء البيت.."، "لقد قالت لي والدتي بأن سميرة هي صديقة العم صدام، وانه أراد أن نصبح أصدقاء لها، لكن والديّ لم يستطيعا تحمل سميرة".
◄ في أحضانه
أرسل صدام سميرة للاعتذار من عائلة سلبي، غير "أن أبي كان مضطربا للغاية، لدرجة انه لم يرغب بفتح الباب لها، لقد كان رافضا لفكرة أن تطأ قدما سميرة بيتنا"، لكن اتصالا من الرئيس ارجع الأمور إلى نصابها، وقبل الزوجان سلبي دعوة للعشاء في القصر، حيث كان الرئيس يعتزم استقبال سميرة.
كانت الكراسي موزعة على شكل دائري، وكان أمام كل ضيف خادم يرتدي زيا عسكريا، "كان العم صدام مبتهجا جدا تلك الليلة، وإلى جانبه سميرة، لقد كانت تضحك بتملق بين ذراعيه، وكلما نظرنا باتجاهها، داعبته مبرزة تفوقها على الحاضرين، وكانت تهمس في أذنه وتداعب بأصابعها ساقيه"، حسب رواية زينب سلبي.
بلغ انزعاج العائلة مداه، خاصة أن أبناء سميرة كانوا من الحضور: لقد كانت الوحيدة التي تنادي الرئيس باسمه، والوحيدة التي تشرب معه حين يكون في مجمع رجالي.
وفي أحد الأيام وبينما كانت تمزح معه، أسقطت سميرة قبعة الرئيس أرضا. هذا التصرف يعتبر مهينا عند العرب، لذلك تفاعل الرئيس مع الأمر، وتقول زينب: "بدأ بضربها بقبعته بقوة، مما دفعها إلى تقبيل يديه وقدميه، الأمر الذي أعجبه وأشعره بمتعة لا نظير لها، ودفعه إلى الاستمرار في ضربها، فيما واصلت هي بدورها تقبيله وكنا كلنا هناك".
كان صدام يحب ألعابها الرئيسة وكان يأخذها بعيدا عن عائلة التكريتي، ويقول مسؤول البروتوكول الخاص به: "لقد كان يردد غالبا بأنه يحب سلوكياتها كمراهقة وأحيانا كناضجة، كما كان يقول بأنه يشعر بالراحة معها".
كان صدام غارقا في حبه لسميرة، دون أن يعبأ بزوجها، وتقول سلمى ماسون: "كان على زوج سميرة أن يغادر البيت ويترك مكانه لصدام فور أن يأتي هذا الأخير"، وكان يقول بأنه "لا يرغب أبدا في أن يتزوج امرأة جميلة حتى لا تسرق منه".
◄ مخاوف صدام
كانت لصدام مخاوف عديدة من الهجمات البكتيرية، لذلك اهتم كثيرا بأن تخضع صديقته الجديدة لفحص شامل، ويقول مسؤول البروتوكول السابق "كان صدام يخرج مع العراقيات فقط، ولا يعاشر أبدا الغربيات أو العربيات المقيمات في البلدان الأجنبية، لقد كان يخاف كثيرا من السي أي ايه والكي جي بي، او أي جهاز استخباراتي آخر، يمكن أن يجند عميلة او امرأة حاملة لفيروس نقص المناعة المكتسبة، الذي كان يخاف منه خوفا شديدا".
تزوج صدام في عام 1986 بسميرة، التي كان من الممكن أن تبقى عشيقة عابرة. تقول سميرة ان عشيقها اجبرها على الطلاق واختطف زوجها واحتجزه لعدة أيام حتى يتمكن من طلاقها، لكنه في المقابل رقي إلى مدير الخطوط الجوية العراقية.
◄ ساجدة وغريمتها
كان أفراد عائلة التكريتي يساورهم الشك بشأن زواج صدام ثانية. وحدها أخت ساجدة، الهام التي تزوجت وطبان الأخ غير الشقيق لصدام، التي يبدو انها كانت مطلعة بشكل جيد على الموضوع. حاولت الهام لفت انتباه شقيقتها، لكن ساجدة رفضت الاستماع إليها وفق علاء بشير، فيما نفى صدام الأمر نهائيا.
اقتنعت ساجدة أخيرا أن لصدام علاقة بسميرة في عام 1986... وانه تزوجها، رغم انها لم تكن ترغب في تصديقه، مع أن بغداد كانت كلها تتحدث عن هذا الزواج.. تشجعت الهام وأخبرت شقيقتها "لقد قلت كل شيء لشقيقتي، لأن لا أحد من أشقائي تجرأ على إبلاغها.. بقيت ساجدة صامتة وهي تستمع إلى ما أقول، وفي النهاية قالت إن لا شيء يثبت بأن زوجها ارتبط بثانية، رغم أن سميرة وزعت دعوات موقعة باسم السيد صدام حسين".
رغم أن جلسات المساءلة الزوجية لم تفض إلى نتيجة، انتهى كل شيء بانكشاف الحقيقة، حيث شعرت ساجدة بالتهميش وأهملت صحتها ثم انعزلت، وفق المسؤول السابق للبروتوكول في احد القصور الرئاسية، التي تقع على بعد 160 كلم عن العاصمة بغداد.
◄ غرامة باهظة
كان على صدام بعد ذلك، أن يدفع غرامة باهظة، خاصة أنه لم يكن يرغب في خسارة المرأة التي كانت دوما إلى جانبه، كما كان بحاجة أيضا إلى الحفاظ على صورة العائلة المتماسكة، لذلك استدعى الصحافيين لالتقاط صور له ولساجدة، وهما يمشيان على الثلج ويرتديان معطفين من الفرو الأسود.
في تلك الفترة اشتعلت غيرة ساجدة فصبغت شعرها وغيرت قصته، فبدت في صورة مختلفة.. منذ ذلك الحين اندلعت الحرب بين الفريقين وبدأ التحدي.
◄ انتقام ساجدة
بعد فترة قليلة، قبل الزوجان سلبي مقابلة سميرة، وحين بلغ الخبر مسامع ساجدة، اتصلت بالسيدة سلبي وأبلغتها بأنها ستزورها برفقة بناتها.
قضت علياء طول اليوم بين الأفران لتحضر طبق «الشبزي»، وهو الطبق الذي كانت تفتخر بتحضيره دوما. وحين شرعت صاحبة البيت في تقديم الطعام للسيدة الاولى، قالت هذه الأخيرة «أوه علياء، حضرت لنا الشبزي وفق الطريقة الإيرانية»!
هذه الملاحظة جمدت الدم في عروق علياء، خاصة أنها في بلد يمكن أن يختفي فيه أي كان عن الوجود لأي سبب.. في الواقع كانت ساجدة تحاول تذكير علياء بأصولها الإيرانية، وتنتقم في الوقت نفسه من أصول ضرتها.
كانت ساجدة مجروحة لأنها كانت دوما السيدة الاولى دون منازع، كما كانت دوما أيضا جزءا مهما من دعاية صدام، لذلك كانت محل انتباهه وحمايته، كما كانت لا تتحمل أبدا أي هجوم يستهدفها.
تقول أمال المدرس «إن قريبتها صبيحة المدرس كانت في السبعين من عمرها، وهي من المحاميات السابقات، ومن أوائل المذيعات في البلاد، وكانت ساجدة تكلمها باستمرار لتقديم ملاحظاتها، حيث كانت نبرة صوتها تحمل توجيهات.. وفي أحد الأيام قالت المذيعة أمام زملائها، خلال حديث جانبي: ان ساجدة لا تستحق منصب السيدة الاولى».
نقلت زميلة مباشرة الخبر، وفي بضعة دقائق تم غلق كل مخارج الاستديو، وتم إيقاف المذيعة بتهمة انتقاد ساجدة، ثم تعذيبها، وخلال التحقيق معها لعنت ساجدة مجددا، فتم شنقها وقطع لسانها ثم أرسلت إلى عائلتي
◄ حرب العائلة
قررت الزوجة المغلوبة على أمرها أن تتوجه لخير الله والدها، حتى يشفع لها عند ابن اخته، لكن رفض صدام كان قاطعا، حيث قرر الاحتفاظ بزوجته الثانية وعدم الخضوع لضغوطات عائلته.. لقد وجد ملاذا للراحة بعيدا عن السياسة مع سميرة، ولا يرغب في أن تحطم الالتزامات البدوية ذلك.
نصح خير الله ابنته بمغادرة البيت الزوجي، ففعلت وذهبت للعيش بعيدا عن بناتها، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الحرب.
من جهته، عبّر عدنان شقيق ساجدة عن استنكاره لما بدر من صدام، الذي يعرفه جيدا منذ الطفولة، فالرجلان كانا قريبين من بعضهما، وقد تمكن صدام بفضل هذا الضابط اللامع من السيطرة على الجيش بعد خروجه من السجن قبل عشرين عاماً. وفي خضم الحرب بين العراق وإيران، تمت ترقية عدنان في القيادة العامة، وأثناء التسريح لاقت برامجه لإعادة إدماج الجرحى تأييدا كبيرا وجعلت منه بطلا وطنيا.
كان على عدنان مساعدة شقيقته، فأصبح يزورها يوميا، فيما لم تعد هي، أي ساجدة، ولا والدها، يحضران الاجتماعات العائلية التي تعقد أسبوعيا، وقد تأزم الوضع بعد أن أقدم عدي على قتل كامل حنا.
شعر صدام بخوف شديد على سلامة سميرة، وهو العارف بحماسة عائلته، فأرسلها إلى أوروبا حتى يبعدها عن تسوية الحسابات، وقرر مصادرة كل الشركات التي يملكها حماه خير الله.
بعد بضعة شهور من الحادثة، حضر جميع أفراد عائلة صدام احتفالات انتصار العراق على إيران، التي نظمت في منطقة الشمال، وقد استقلت كل مجموعة مروحية.
صوّر التلفزيون الحدث، لكن مروحية عدنان تحطمت على الأرض دون سبب ظاهر بعد دقائق فقط من إقلاعها، مما تسبب بمقتله على الفور، وانتهى التحقيق إلى أن سبب الحادث يعود إلى مشكل ميكانيكي.
كانت روح الانتقام جاثمة وراء الدموع خلال مراسم تشييع عدنان، وكان عدي أحد حملة النعش، ويقول لطيف يحي إن المراسم انتهت بفضيحة، حيث صرخ خير الله في وجه صدام قائلا: «لقد حطمت حياة ابنتي وقتلت ولدي، أعدك بانتقام دون حدود».. لكن كل شيء تغيّر بعد غزو الكويت.
====================
*مقاطع من كتاب الفرنسية ديان دوكريه - ترجمة وإعداد سليمة لوبال
 

دور الكاتب الريادي في المجتمع

مع أننا نبهر كثيرا بمبتكرات الحداثة المحيطة بنا والميسرة احتياجات حياتنا في هذا العصر، ونتخيل العصور الأولى عقيمة الابتكار، إلا أن نظرة أدق تبدي لنا أن ابتكارات هامةً نتجت في عصور ما قبل التاريخ المسجل، وأن ما استتبع من تقدم حثيث في المسيرة الإنسانية جاء تطويرا متنوعا ومتوسعا لتلك الابتكارات الأم.
من المكتشف، مثلا: في أفريقيا قرائن دالة على استعمال النار وعدة عمل ... في اليابان آثار مبان بدائية ... في أوروبا آثار أعمال فنية وآثار صناعة زوارق وأسلحة ... في الصين آثار صناعة الفخار... في فلسطين آثار صناعة النسيج ... في فينيقيا آثار صناعة الزجاج ... وفي مصر قرائن على صنع المزولة. أما في أرض ما بين النهرين، فقد عثرنا على آثار ابتكار الزراعة، وتربية الحيوان، واختراع العجلة، وصك النقود، وتصنيع آلات موسيقية. كل ذلك حفظتها لنا الأرض من عصور غابرة.
إلا أن ما وسم أرض الرافدين بمهد حضارة الإنسان كان ابتكار الكتابة. بظهور الكتابة يفارق المؤرخون بين عصر ما قبل التاريخ والعصر التاريخي. أيضا بظهور الكتابة يؤرخون البزوغ الحضاري. معالم جنسنا البشري تشكلت وضوحا قبل حوالي مائتي ألف عام. لكن، لمائتي ألف عام كنا ننطق دون أن نكتب. بابتكار الكتابة منذ حوالي خمسة آلاف عام فقط نشأت الحضارات الأول: في سومر وبابل ومصر والهند والصين. من هذه الحضارات الأم، الحضاراتان الهندية والصينية وحدهما احتفظتا بتواصل تاريخي منذ البزوغ حتى اليوم.
وإذا كانت الكتابة أول معلم حضاري، فالقانون من أولى الموضوعات التي تناولتها الكتابة عبر التطور الحضاري. فيما نزل من السماء، وفيما تبلور ضمن الاجتهاد الإنساني على الأرض، القانون كان أول نص نظم الشأن السياسي الاجتماعي البشري. قبل حوالي ثلاثة آلاف وثمانمائة عام، حفر حمورابي في بابل مدونته القانونية المؤلفة من مائتين واثنين وثمانين مادة على اثني عشر لوحة نصبت في ساحة عامة ليقرأها الناس فيعلموا ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات. أربعة قرون لاحقا نزلت التوراة، مواصلة التقنين والتنوير. بمثل ذلك، في أزمنة متقاربة، خُطت صحف تأصيلية في الهند والصين، منظمة باكورة حياة الأمتين، ومن ثم مؤذنة في كل منهما بانتهاض حضاري.
سقت هذه المقدمة الوجيزة بدءً لنتوضح حول التطور التاريخي المديد الذي نتحدث في نسقه عندما نتحدث عن الكتابة والكاتب. رُغم الفارق بين ما كانت عليه الأمور قديما وما هي عليه اليوم، الكتابة بقيت حافظة المعرفة ومستودع تراكمها عبر الأجيال، لذا العامل الأول في دفع المسيرة الحضارية. من هنا تواصل الاهتمام عالميا عبر التاريخ بالكتابة - الكتابة بحفر الرسوم ابتداء، ثم بحفر رموز الرسوم، ثم بالخط الأبجدي وتشكيل علامات رقمية بدائية. ورُغم صعوبة الكتابة والحساب بتلك الأساليب، واصلت المجتمعات الإنسانية عملية التدوين والتأليف والحساب بجهد جهيد، إلى أن اخترع الورق في الصين في مطلع القرن الثاني الميلادي، واقتبس صناعته المسلمون بسمرقند في القرن الثامن الميلادي، ثم اقتبس الغرب صناعة الورق من العالم الإسلامي في بغداد وسمرقند في القرن الثالث عشر، ثم اخترع الغرب – ألمانيا تحديدا - بعد قرنين آلة الطباعة. بتزاوج الورق وآلة الطباعة منذ القرن الخامس عشر قفزت عملية الكتابة وتأليف الكتب قفزة ضوئية. ومع مطلع القرن التاسع عشر، بإنشاء مدارس منظمة، عُمم التعليم الابتدائي، فنشطت الكتابة عامة منذئذ بوتيرة متسارعة.
من هنا تثمين دور الكاتب التنويري عبر التاريخ، إن كان في مجتمعه أو في إثراء المشهد الثقافي وتشييد الصرح المعرفي عبر العالم. كتابة الكتب كانت من أصعب الأعمال قبل عصر الطباعة، لذا اليوم نحن نثمن المخطوطات تثمينا خاصا لما استدعي تخطيطها من جهد وجلد - نثمنها بصرف النظر عما جاء فيها من محتوى سمين أو غث.

ومن يكون الكاتب؟ كان ولا يزال: قصاصا وروائيا وشاعرا وناقدا ومؤرخا ومفكرا وعالما متخصصا في علم طبيعي أو إنساني. هو اليوم أيضا إعلامي يكتب يوميا أو دوريا عن أحداث جارية في مختلف حقول الحراك الإنساني. هو اليوم أيضا شارح للناتج العلمي المتبلور من خلال مواصلة الدراسة والبحث من قبل المتصدرين الحركة العلمية عبر العالم. هو في عصرنا أيضا مدون إلكتروني. وهو في كل ذلك قد يكون كاتبا محترفا متفرغا للكتابة، أو مؤلفا في مجال تخصصه، أو ممارسا الكتابة كنشاط جانبي في حقل مأثور لديه، أو في مختلف الحقول.
أيا كان مجاله ونمطه، دور الكاتب لطالما تميز بالريادة، ومهمته لطالما اتسمت بالتنوير. مَن من الكتّاب اليوم هكذا يعي دوره ويثمن مهمته لا يعفى نفسه من أن يكون مجيدا فن الكتابة، دقيقا في النقل، منهجيا في العرض، بارعا في الشرح، وفي جميع الحالات مراعيا مطلبي صدقية النقل وسلامة ممارسة حرية التعبير. أما حيث يتهاون الكتاب في أيما مجتمع بمراعاة مواصفات مهنية راقية للكتابة، فهنالك يتدني مستوى الكتابة، فينصرف جمهور القراء، بالأخص منهم الأكثر وعيا وقابلية في التأثير، عن كتابات الكتاب في مجتمعهم إلى كتابات كتاب آخرين.
إلى جانب صقل مهني في الإخبار والشرح في مجال الإعلام السائر تتطلب الكتابة قدرة على التحليل والتقييم. لكي يمارس دوره في مجتمعه، رياديا وتنويريا، وعلى نحو مفيد وناجع، لا ينبغي للكاتب الإعلامي أن يكتفي بمجرد نقل حدث أو وصف حال سائد أو إيراد نص خطاب أو ترديد تصريح رسمي. هو مطالب أن يتناول أيضا ما قد يترتب على الحدث أو على استمرار الحال السائد أو على الخطاب الرسمي أو على السياسة المصرحة من آثار إيجابية أو سلبية حسب ما يستنبط ويقدر. هو مطالب بالتفنيد والتمحيص، وجلب ما يدعم زعمه ويرجح رأيه بموضوعية وعرض رصين. بذلك يمارس الكاتب دورا فاعلا في تبصير اجتهادات مجتمعه، أكان على صعيد تكون الرأي العام أو تشكل التوجهات الرسمية حول أيما موضوع مهم. كل ذلك بغية الوصول للأوفى والأمثل من المعالجات والحلول بمعيار خدمة الصالح الوطني في المؤدى الأخير. بذلك يغدو الكاتب ممارسا دورا رياديا وتنويريا في مجتمعه، ويغدو حقا أهلا لكل تقدير.
الريادة أداء متميز من موقع اعتيادي، وكونها كذلك، هي متاحة لأي أحد منا من موقع عمله وحسب قابليته. إلا أنها متاحة للكاتب بشكل أخص. هي متاحة له ليس في النقل والشرح والتقييم للأمور السائدة أو الجارية فحسب، بل أيضا في المجال الفكري المعني ببحث المفاهيم وتطوير الرؤى في اتجاه الأجدر والأوفق من الترجمات العملية في الواقع المعاش. بذلك ترتدف الريادة بمهمة التنوير – أي التبصير بالأوفى والأمثل وطنيا وإنسانيا باطراد. لا يتغير شيئ ما لا يتغير فهمنا له وتفكيرنا إزاءه. ولكي يأتي التغيير في اتجاه الأصلح لا بد من أن تشرح مبرراته معرفيا وتسند مقاصده أخلاقيا في جميع الحالات حتى يقتنع الناس بسلامة وصواب ما يُعرض. ولأن دور الكاتب ريادي وتنويري معا، لزم أن يحرص دأبا على أمانة النقل وصدقية الإخبار وموضوعية الرأي ورصانة العرض في كل ما يكتب. فللكلمة مسؤولية يجب أن تراعى في جميع الأحوال، أأطلقت الكلمة خطابا، أو سطرت مقالا، أو نظمت شعرا، أو حتى همست همسا خلف جدران. أما وظيفة القانون إزاء الكتابة والكاتب فالأحرى أن تكون تنظيمية في إطار ما يستوجب الضبط والانضباط لأجل حظر قذف أو تشهير، أو تحريض ذي مساس خطر بالشأن الوطني أو بالصالح الإنساني. أما حيث يتعدى أداء الرقابة القانونية ذلك إلى كبح أوقيد لحرية التعبير من خلال مساءلات غير قابلة للتبرير بمعيار ما ذكرت من محظورات محددة، فهنالك تنشأ إشكالية الأجدر أن يفصل فيها ليس بقرار سياسي أو إجراء إداري، وإنما بحكم قضائي.
نحن مجتمع متطور، ومن حولنا عالم يتطور بوتيرة متسارعة، واعدا بفرص ومتوعدا بتحديات. لذا وجب أن تتنامى قدراتنا العلمية والمعرفية طردا مع وتيرة التطور العالمي، كي نستطيع التعامل بنباهة ونجاعة مع المستجد من الفرص والمعترض من التحديات. طبعا للكاتب في مجتمعه إزاء هذا الحراك العالمي دور ريادي، فهو الناقل والشارح والمقيّم والناصح، ومن بعد ذلك هو يثري الثقافة الوطنية بعطاء أدبي، فكري، ومعرفي. مقابل ذلك، على المجتمع رعاية الكاتب وتشجيعه وتمكينه من أداء مهمته بحرية وطمأنينة. أما دور القانون إزاء الكتابة والكاتب، فالأحرى أن يكون موازنا بمعيار دقيق وأمين ومنصف بين حق الحرية وحد المساءلة، منطلقا من وعي راسخ أن الحرية هي الأصل وأن المساءلة هي العارض، ولا يجوز تغليب عارض على أصل.
نعم، نحن مجتمع متطور في وعيه، ولا يعقل أن يتطور الوعي في أيما مجتمع وطني ولا تتطور معه المدارك والمفاهيم، أو أن تتطور المدارك والمفاهيم ولا يتطور بتطورها الواقع المعاش، أو أن يتطور الواقع المعاش ولا يستولد ذلك تطلعات نحو الأوفى والأمثل من إيجابيات الحياة. الحرية – حرية الفكر والتعبير والتجمع لغرض مشروع – هي أولى تلك الإيجابيات. وهي أقواها استظهارا للنبوغ، وأصلبها ضمانا لعيش آمن كريم. للكاتب تحديدا، الحرية إكسير الإبداع