الثلاثاء 29 تموز/يوليو 2014
TEXT_SIZE

الفردية.. معضلة التجارب العربية و الإسلامية

... ها أنا بين أيديكم أتحدث بما أحسبه نافعا، وأعترف مسبقا بأنني لا أحيط بكل الموضوع خبرا، ولكني سأعطي ما عندي وعليكم تصحيح خطأ وجد، أو تصحيح يفيد، واعترف ان البحث عن الكشف عما في الزوايا المخبأة، والسراديب المظلمة، جهد لا يقدر عليه باحث واحد، وإذا تمكن من معرفة زاوية واحدة فأن ثمة زوايا كثيرة اجتماعية واقتصادية بحاجة إلى متخصصين.
قبل كل شيء علي أن اشير إلى نقطتين، هما من الأسباب التي تحول دون الرؤية للتغيير المطلوب.
الأولى: أن المعالجات للخروج مما نحن فيه، تتمحور حول التغيير السياسي ممثلا في شخص فرد، أو حزب فرد، بدون أن تسعى إلى تغيير البنية الفردية المتراكمة والمهيمنة على السلوك الجمعي. وبذلك نظل ونحن نحارب الفردية نحلق في أجوائها، وندور حول بنيانها، مع العلم إن الطريق إلى هذا التغيير يأتي من البنية التحتية، لا من البروج المحصنة بالتراث السياسي الفردي.
الثانية: أنني ضد فكرة ترك الحديث عن الماضي على ما كان عليه كشيء مقدس، لا يلمس بدعوى {تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يفعلون)، لأن هذا التحجج صناعة فقهية تداولها التمذهب دفاعا وتحصينا "لخلفاء الله" من أن ينالهم نقد لأعمالهم، وكشف لتصرفاتهم، وحتى لا نرى الينبوع الذي تفجر بكل الموبقات السياسية، والذي لايزال يتفجر باستمرار، وهذا التحجج مخالف للمنهج القرآني نفسه، حيث قص علينا {القرآن الكريم} أخبار الأمم الماضية، داعيا للاتعاظ من أخطاءها لتجنبها، أما أننا لسنا مسئولين عن أعمالها، ولا نحاسب عليها، فذلك صحيح ؛ فكل نفس بما كسبت رهينة، لكنا مدعوون إلى التفتيش الدقيق عن نقطة الخطأ الخفية حتى نتمكن من معالجتها. أما الذين يتمسكون بظاهر الآية فأنهم يسهمون في ستر سلبيات الدول الماضية من أجل حجب العلة والعلل التي تضخ وباءها السياسي الفردي لتبقى تكرارا مقيتا لنظام انقلابات فردية. إن عملهم هذا فعل من يضمد الجرح بوبائه، وإذا ما اغمضنا العين على رؤية البؤرة التي يتصاعد منها المرض، فإنها ستبقى ننفث وبائها، وتظل تحصن الماضي براوفد قوية ضد ما هو خير ومفيد، وتقفله على اوجاعه بضراوة، ومن ثم يبقي المرض يقاوم عوامل الصحة السياسية بنجاح. في اعتقادي أن الوباء السياسي ممثلا في الفردية هو البؤرة الذي يجب أن تجفف، ولن يتم ذلك إلا إذا تعرفنا عليها من بداية ينابيعها الى مصباتها، وإلا فسيظل إدماننا على الوباء السياسي حائلا دون الشفاء. لقد ادمنا على الوباء حتى اعتبرناه هو الصحة نفسها. لقد فتحت الفردية أوتوسترادا طوله 1404 عاما قابلا للتمدد والاتساع، مالم نغير مساره ونفتح أوسترادا جديدا، وإلا فسنظل نخب مئات السنين في أوتوستراد لن ينتهي.
بعد توضيح هاتين النقطتين أبدأ السلم من أعلاه، نزولا إلى آخره.
وفي البدء كان الحكم مدنيا يقوم على الانتخاب، والشورى، واستقلال القضاء، واستقلال بيت مال المسلمين- لا مال بيت الله ليستغله حليفة الله كما أصبح يسمى فيما بعد-، وبمدنية الحكم هذا قدم الإسلام نظاما جديدا كل الجدة لا يشبه النظامين العالميين آنذاك الكسروي والقيصري. إنه نظام الأمة {ولتكن منكم امه تأمر بالمغروف وتنهى عن المنكر} فهو اذا نظام مدني، ولأنه كذلك فقد لبث يتطور، ويحسن نفسه، خلال ثلاثين عاما فقط، وفي هذه الفترة القصيرة تطور العمل السياسي من انتخاب كان فلته، إلى ترشيح قبله الصحابة، إلى ستة مرشحين، إلى انتخاب تجاوز الصحابة إلى غيرهم من الوافدين اليها من بقية الأمصار ، ثم جاء "عمر بن العزيز"-الذي يمثل نظام الأمة- فكسر احتكار التعيين في أسرة واحدة، ووسع حصر الانتخاب من المدينة إلى الأمصار كلها، واصبح بهذا "خليفة المسلمين" بحق لا كما عمل "خلفاء الله" الضين اختزلوا النظام في انفسهم وقرروا هم من يحكم الأمة عن طريق التوريث و "ولاية العهد"، وما زال هذا النظام معمولا به حتى اليوم، سواء أكان خليفة، أم ملكا، أم سلطانا، أم رئيس جمهورية.
فما الذي حدث حتى انقلب النظام السياسي المدني، نظام حكم فردي قبلي؟ وقبل الجواب أريد أن اوضح أن الانحراف الذي تم قد تكرس فينا وتراكم حتى أصبح نظامه يجري في عروقنا مجرى الدم، وكأنه قدر ليس إلى التخلص منه سبيلا؟، وإلى درجة بلغت هيمنته أن اصبح الحاكم وليس نظامه هو هدف التغيير وأننا نظن عندما نستبدل فردا بفرد، او اسرة بأسرة فقد تخلصنا من الحكم الفردي، وفي الحقيقة فإننا ما نزال واقعين في قبضته الفردية، نطالب بتغيير الرئيس، ولا نطالب بتغيير نظامه، إننا نمثل دور من يعالج مرض الشعر بحلاقته، لا بمرضه الكامن تحته، وتتكرر الحلاقة وينتصر المرض فينهكه.
وأعود إلى طرح السؤال: ما الذي حدث حتى انقلب النظام السياسي المدني، نظام حكم فردي قبلي؟ هذا بالضبط موضوع هذه الحديث وقد سبق لي في مقالات وكتب أن تحدثت عن الحكم الفردي وأثره في النفس العربية والإسلامية ولن اعيد هنا تقريبا ما سبق وتحدثت عنه، وفي الوقت نفسه لا يمكن الإحاطة بها في الوقت المتاح لي في هذا المكان، بل ولا في استطاعة فرد واحد أن يحيط بها علما، لكن يمكن أن تتوزع دراسة العوائق على ذوي الخبرة، وعندئذ يمكن أن يتم وضع مجهر كشاف نتمكن من خلاله رؤية مكروباته الكبيرة والصغير، وطبيعته وأحجامه، ومن ثم وضع العلاج لاستئصال أضراره وأوجاعه. ذلك أنه لا يمكن أن يوضع علاج بدون تشخيص المرض.
سأحاول الإجابة على ضوء الآية الكريمة {وفي انفسكم أفلا تبصرون} إذ أن المانع الرئيسي للتطور كامن في النفس، يصد بكل ضراوة أي جديد مفيد.
وأبدأ بتعريف الديني والتديني حتى لا نبقى نتخبط في التيه، فما المراد بالديني؟. إن الدين في جوهره علم وتفكير و {القرآن} ملئ بالدعوة إلى العقل والتفكير، وعلى هذا الأساس قامت "المعتزلة" وقام "علم الكلام" وقامت "الفلسفة الإسلامية" وقامت "العلوم "الجغرافية" و "الفلكية" و "الطب" و"الكيمياء" و"الجبر" الخ فانتج الحضارة الإسلامية بكل فروعها وابداعاتها، وفي البدء كان القرآن كما قال أحد المستشرقين، وبما أن الإسلام دعوة عالمية فقد اسهمت في حضارته الفلسفة اليونانية والهندية والصينية والفارسية والمسيحة واليهودية والصابئة وحققت "صحيفة المدينة" المواطنة المتساوية التي اعتبرت المسلم واليهودي والوثني امة واحدة، ولعلي اعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى. أما التديني فباختصار قام على "الفقه السياسي" الذي تم اخراجه من مداره الاجتماعي إلى مدار سياسي بحه فاصبح مطية سهلة للقوة والغلبة.
والأن اسأل بعد هذا التوضيح هل يعني أن الحكم في الإسلام خلافة إلاهية نبوية؟، أو خلافة مسلمين؟ أو نظام حكم شوري؟ وعلى ضوء الجواب يتحدد المراد، وانا أذهب حسب دراساتي كما اثبت ذلك في أكثر من حديث أن النظام الذي قام عقب وفاة الرسول كان نظاما مدنيا، اقامه الصحابة بدون نص الهي، أو حديث نبوي، وإنما عن طريق حوار انتهى إلى انتخاب ومن خلال تطوره كتجربة جديدة فلا بد أن يكون ثمة نقاط ضعف، ومن الطبيعي الا يخلو منها وهو نظام بشري يجتاز تجربته الأولى، لكن المهم هو انه كلن يصحح اخطاءه، ومن المؤكد أنه لو كان نظاما الهيا لما كانت بيعة "أبي بكر" فلتة وقال الله المسلمين شرها- كما قال عمر- لكنها كانت مدنية بشرية يكون فيها الخطأ ويكون فيها الصواب، وقد اخطاء الصحابة مرات لكن الصحابة كانوا يصححون أخطائهم لصالح الأفضل لعلمهم انهم مسئولون امام أمتهم وامام الله أيضا، أما عند ما تدين الحكم فقد تضائل الأفضل أمام عملقة الأسواء. والمؤسف ان المدافعين عن الملك العضوض يبررون ذلك الانحراف بمقتضيات الظروف الواقعية التي تتعامل مع الواقع لا مع المثال، ونسوا ان التعامل الذي تمّ قد شكل انتكاسة رهيبة للحكم المدني، وجاء بالسيء والأسواء. جاء بحكم اختزل الأمة وانتخابها وقضائها ومال بيتها في شخص الحاكم الفرد.
كانت فترة النبوة مضيئة مشرقة، ومن هداها استمد الصحابة خطاهم المدنيّة، ثم ما لبث أن غطى الساحة ظلام سياسي منذ أن قام "معاوية" اول خلفاء الله- ونسج في خضم التمويه والمكايد، حيلا ماكرة دعمت حكمه الفردي الذي نتعامل به حتى اليوم، ومن المؤكد أننا لا نتعامل مع مبادئ الخلافة المدنية الراشدة وإنما بقوانين الملك العضوض وما نحن عليه من بؤس سياسي، والمراد بهذا الاستعراض هو محاولة كشفية داخلية نستضيء به ما بداخل أنفسنا من عتمة مانعة، ومن كثافة حاجبة تمنع تسلل أي اشعاع جديد او تستنجد باشعة ما قبل ظهور الدولة الدينيّة. ومتى عرفنا هذا سوف يسهل تفكيك المعضلة وعوائقها وأغلالها لينفتح الفكر على رحاب فساح، وبالتالي يكون الحل ميسورا من خلال وضع خارطة طريق للتخلص من العوائق حتى نتمكن من استئناف الحضارة التي فقدناها، من اجل استئناف العمل بمذخور كامن مع ايجابيات الحضارة المعاصرة.
سأكون صادقا مع نفسي وأن لامني الكثيرون. واستطيع بكل اطمئنان أن اقول أن أول عائق سياسي هو تحويل اسم الخالفة إلى اسم خليفة، وتغيير مفهومهما، ولو تأملنا وتعمقنا في النظر لوجدنا أن اسم "الخلافة والخليفة" يسهل ربطه بسرعة بحكم الله، وفي هذا الفخ وقعت المذاهب الكبرى كلها -بدون خلاف بينها وإن بتفاوت في تقديسها- فالخطأ اذن هو في مفهوم اسم "الخلافة" و "الخالفة" والفرق بين التسميتين أن "الخالفة" هو الذي يخلف السابق مجردا من صلاحياته، والثاني الخلافة وهوأن يخلف السابق مع صلاحياته. وقد قال "ابو بكر الصديق" أني "خالفة رسول الله"، ثم اضرب "الصحابة" عن استعمال لقب "الخليفة" أو "الخالفة" نهائيا، ولم يسم الخلفاء- باستثناء "ابي بكر" -إن سلمنا انه سمي خليفة وليس خالفة - باسم خليفة، بل بأمير المؤمنين.
وفي زحمة الأحداث اثر انقلاب الملك العضوض على النظام المدني، تم الغاء الخالفة وفم إعادة صياغة مفهوم الخلافة والخليفة من خليفة المسلمين، إلى الخلافة رسول الله إلى خليفة الله حيث توحي الكلمة بصلة إلى الصلاحيات النبوية، والإلهية؟ وجاء "الماوردي" -وهو يجسد رأي ما تعارف عليه بـ "أهل السنة" بتعريف يؤكد هذا المعنى فقال (الخلافة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)[1] وأكدت "الجعفرية" و "الإسماعيلية" بكل وضوح أن الإمام يقوم مقام النبي وهو معصوم. ومن المؤكد أن هذا التفسير للخلافة التدييني: خليفة الله وليعطي انقلابه العسكري شرعية دينية. وهكذا دفن المكرُ السياسي اسم الخالفة، وأحيا مفهم الخلافة والخليفة، واحتووا الاسمين، وافترسوا المعنيين، وكان احتفاظهما باسمهما لما توحيان من معنى ديني ليمرروا من خلاله حكمهم فرديا ظالما باسم الله واسم رسوله، واستهوى هذا الافتراس بقية الدول المتتابعة، فعمقوا التديين، وما من ثم اعتمدوا على التفسير المظلم والظالم في استباحة الدما والأعراض وأنزال المظالم بالناس كحق الهي من حقوقهم، وكلما جاء انقلاب مسلح عمق هذا التوجه وغرسه في الأعماق حتى أصبح ثقافة عامة ذات سلوك متحكم. روى "السيوطي" أن رجلا ذكر الوليد الأموي عند المهدي العباسي فقال عنه: كان زنديقا فقال المهدي: مه! خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق وضع ما شئت من خطوط تحت هذه الجملة. وحتى عندما تغلب البويهيون على العباسي واصبح خلفاءهم دمية بأيديهم احتفظ "عضد الدولة" بدينية الخليفة الأسمية ليتخذ منها وسيلة لفرديته . يقول الحافظ السيوطي: أن عضدُ الدولة لما قابل الطائعَ ليأخذ منه التفويض المطلق لإدارة الأمة عقد الطائع احتماعا رسميا حصره الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين؛ ثم أذن لـ «عضد الدولة» فدخل ثم رفعت الستارة وقبل «عضد الدولة» الأرض؛ فارتاع "زياد" القائد لذلك وقال لـ" عضد الدولة": ما هذا أيها الملك؟ أهذا هو الله؟ فالتفت إليه وقال: "هذا خليفة الله في الأرض" وخرج "عضد الدولة" مزودا بكل صلاحيات خليفة الله.
أصبح "الخليفة- القيصر" بحكم تديين خلافته وتقديسه –في الغالب- هو الإسلام، هو الذس يشرع وهو الذي يرشد، وباعتباره ممثل الإسلام فقد أصدر الخليفة "القادر العباسي" ما يسمى بالاعتقاد القادري فـ (قرر مذهب المرجئة في هذا الموضوع باعتباره "اعتقاد المسلمين" ومن خالفه فقد فسق وكفر) وحرّم قراء كتب "المعتزلة" و الفلسفة فانثالت العامة وراءه إلا قليلا، والمهم في الأمر أن الخليفة السلطان او مفتي السلطان- الذي اخذ مكان الحاكم الجاهل- أصبح هو الموجه وهو المرشد، فإن قال بالجبرية اتشرت الجبرية، وإن قال بالمعتزله تفتحت الأبواب للمعتزلة، وإن كره المعتزلة حارب الناس المعتزلة وان ايد أهل الحديث توسع أهل الحديث، ولأن هؤلاء "الخلفاء- القياصرة" رأوا في الجبرية والمرجئة ضمانة استمرار، فقد حاربوا بكل عنف حرية الإرادة، وتمكنوا من إضعاف دور الفكر لحساب الفقه- بدءا بحصرها في اربعة مذاهب بعد أن كانت21 مذهبا أو مدرسة متعاونة- فتضائل دور العقل حتى ضمر، وانتعش الفقه السياسي حتى ازدهر. صحيح أنه كان هناك مقاومة لهذا التوجه، وكان هناك استمرارية المقاومة، ولكن "الخلفاء- القياصر، تمكنوا- باعتبارهم يصدرون أوامرهم بأمر الله- من حصر تلك المقلومة الباسلة، في نطاق ضيق ودوائر محدودة.
إذا انتقلنا من هذه الناحية إلى الناحية الفكرية وجدنا كتب من يسمون بأهل السنة تطفح بالتأييد المطلق لخليفة الله حتى لو تغلب بالسيف، وأسال الدماء، وأزهق الأرواح مادام يقيم الصلاة، ووجدنا ما يسمى بالشيعة ترفع ائمتها إلى محل لا يبلغه البشر، ومن الغريب أن المذهبين مختلفان في نوع الإمام، ولكنهما متفقان على تديين خلافته، وعلى صلاحياته المطلقة، وتم سلب الحث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لصالح الحكم، وثبتوا القول بأن من قاتل الخليفة بسيفه فكافر ومن سبه بقلبه ففاسق أو بهذا المعنى . وإذا ما طبقنا هذه نظرية الفصق على معظم المسلمين نحدهم فسقة، لأن الغالبية العظمى تكره حكامها بسبب أنها- بكل بساطة- فقدت كل حقوقها، ودجنت، وتعودت على الصبر المذل، واللسان المقطوع، ولم يعد لها إلا ما يكنه القلب وتنطوي عليه الضمائر. وهو أضعف الإيمان.
عندما فقد الخليفة القرشي –التي تجمع عليه المذاهب باستثناء الخوارج- صلاحياته وأصبح دمية، يستخدمه "سلطان الله البويهي" أو السلجوقي ليتسلط السلطان كما تسط الخليفة على رعيته ويوجبون عليهم طاعته كما قال ابن طباطبا. ووبهذ التغلب انتقلت صلاحيات القرشي إلى البويهي والسلجوقي والأيوبي.
وفي عهد "المماليك" قال "ابن جماعة" (ت 733 هـ/ ) : (فإن خلى الوقت من إمام فتصدى لها من ليس من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو اختلاف انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقا في الأصل. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد، ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده انعزل الأول وصار الثاني إماما لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم)[2] وليت شعري ماذا بعد هذا الفسق السياسي إلاّ الضلال الكبير.
******
دعم هذا التوجه - إلى جانب مؤلفات علماء السلطة- إنشاء مدارس متمذهبة تصب في تعميق قداسة الحاكم خليفة كان أم سلطانا، وفي هذا الصدد أذكر اشهر المدارس في تاريخ الإسلام وهي "المدارس النظامية" التي أسسها وزير السلطان السلجوقي "نظام الملك الطوسي"(ت 408ه -485ه) عام 457ه/ لهذا الغرض، كان القصد منها محاربة المعتزلة والشيعة والإسماعيلية، وتكريس الفقه الأشعري- الحنبلي، وقد احيطت هذا المدارس بالحفاوة البالغة وبالضجيج المدوي، وقد ألف "نظام الدين" هذا كتابا سماه "سياسة نامة" فماذا نجد في هذا الكتاب؟. وما سنجده فيه هو مفهوم "نظلم الملك" السياسي نفسه الذي طبقه في "المدارس النظامية" في أكثر من مكان.
حلل المستشرق الكبير "جيب" في كتابه القيم "المجتمع الإسلامي والغرب" ما جاء في كتاب "نظام الملك" فقال: (حاول "نظام الملك" أن يوفق بين آراءه وما نادى به فقهاء الشريعة من مبادئ دستورية، إلا ان لم يوفق في محاولته هذه إلا في ظواهر الأمور فقط، أما في لباب الموضوع وروحه، فإن الباحث لن يجد أمرا أكثر تناقضا مع روح "الشرع الإسلامي" من هذا الخليط من التقاليد الملكية الفارسية، والموروثات العسكرية التركية التي جاء بها هذا الكتاب؛ فهنا لا نجد نظاما إلهيا مرسوما لخير العباد، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولا عقدا ثنائيا بين الحاكم والرعية، بل نجد نظرية "الحق للقوة" في نظام يقوم على الغصب والفتك والاستيلاء، فهذه دون غيرها وسائل اكتساب الحقوق، وبها تدوم وتستمر، فلا عجب إذا ما شاع الرعب والشك والريبة في كل مؤسسات الدولة، فـ "البادشاه" يخشى جيوشه التي يستمد منها سلطانه وقوته في إدارة البلاد والناس، ذلك لأن الإخلاص والولاء معدومان، ولا سبيل لاكتسابهما دوامهما إلا بحد السيف، أو خشية العقاب).( 68-69).
ولم تكن الحالة السياسية عند "العثمانيين" بأحسن مما كان عند "السلجوقيين"، يوضح "جيب" هذه النقطة ايضا: (باستثناء الالتزام بالحفاظ على شعائر "الشريعة"... فيمكن القول أن الفكرة العام السائدة عن وظائف الحكم وسلطانه في "الإمبراطورية العثمانية" لم تتأثر بالأفكار الإسلامية إلا قليلا، أما تأثرها الأهم والأوسع فكان بـ "السلجوقيين" الذين كانوا قد تشبعوا بالآراء والطقوس الفارسية التي لآمت آرائهم، ووافقت نزعتهم "التركية" المنبثقة عن التنظيم العسكري للقبيلة التركية القديمة، فأورثوا كل هذا إلى خلفهم "العثمانيين"، فلا عجب أن تكون "الوظيفة" الرئيسية لخالق الكون "خنكار" وهو اللقب للسلاطين العثمانيين) (صص 74-75).
أما الشيعة فقد اراحوا واستراحوا بعد أن غاب الإمام "المهدي" وغابت المعصومية معه، وانفتح الباب لوجود حكم سلطاني ملكي لا يختلف عن السلطاني الملكي "العثماني" بما يحمل من فردية شرسة، ولكنهم في الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني تخلصوا منه بولاية الفقيه غير المعصوم، وكانت نقلة هائلة من إمام معصوم إلى فقيه يحاسب ويعزل. وبالرغم من أنهم يسمون ما يجري في ايران حكما دينيا فأنا لا أرى هذا، وانما هو حكم يطبق مذهبا، على نحو ما من حزب يطبق مبادئه، إذ لا يمكن أن يكون حكم الفقيه معصوما ومنصوصا عليه من الله فالانفلات من معصومية الحاكم في حد ذاته ثورة، والحق يقال أنه متقدم على ديمقراطية العرب بمراحل فهو عمليا اقرب الى الحكم المدني منه إلى الديني. واتمني لو ان بقية المذاهب أدخلت أئمتها كلهم في سرداب لأراحوا واستراحوا، وعندئذ يمكن الحديث مع أناس ليسوا معصومين أو مقدسين من حاربهم بقلبه فباغ، وبلسانه ففاسق الخ السمفونية المضللة.
ثم جاءت حكاية البطل المحرر حكاية طويلة لتكرس الفردية، فلما بدأت الدواة الفردية القوية في الاضمحلال برز البطل، محمود الغزنوي فاتح الهند، نور الدين زنكي ، صلاح الدين الأيوبي. سيف الدولة الحمداني، فاسترجعوا اراضي اعتصبت، وقاتلوا واحسنوا، ولكن تم ذلك على حساب حقوق الأمة، ومظالم داخلية لا تنتهي. والحق أن اول تخلي عن الحقوق كان على يد الإمام "الحسن بن علي" عندما صحى بحقوق الأمة من أجل وخدة الأمة كانت النتيجة الا وحدة بقيت ولا حقوق حفظت، ومن السخرية بمكان ان يكون اول من سلخ الوحدة "أموي" فابتز الأندلس من جسم الوحدة.
ثم جاء المحتل الغربي ومعه نظامه الديمقراطي وتقابل مع حكم سياسي فردي ودخلا معا في معركة خرج منها الموروث منتصر بدعم من المحتل الذي وحد في بقاءه مع رتوش ديمقراطية، فلغم الديمقراطية بألغام ناسفة نسفها من داخلها و مهد للانقلابات العسكرية الفردية.
وأنا ازعم أن الديمقراطية" التي جاء بها "الغرب" لامست المظهر، واستبقت الجوهر، ولم تكن سوى صبغة براقة لنظام عتيق. ولأنها ابقت للسلطان فرديته في جل مجلس النواب المنتخب ومجلس الوزراء المنتخب، ومن ثم لم تتغلغل الديمقراطية في سلوك الناس ولا انظمتهم، فكان الملك الدستوري يملك اقالة الوزارات، وإلغاء البرلمانات، وكان الرئيس الجمهور يحكم مدى الحياة بفرديته، ثم استيقظت "القبيلة" في شكل العسكرية، فذففت على المظهر الديمقراطي أيضا، وبينا كان النظام القديم قائما على القوة- منذ "معاوية- جدد العسكريون هذا النظام، وبينما كان النظام القديم يقون على "بني" لم تخرج الديمقراطية من نظام "البني" هذا(ولبنان مثلا).
صحيح أن الوافد الديمقراطي شكل صداما بين موروث متأصل، وبين وافد متأمر، تغلب فيه المتأصل على الوافد بحكم رسوخه وتأمر الوافد أيضا، وعندما جاءت الديمقراطية الغربية حملت معها طلاء يخفي تآمرا، كانت المأساة السياسية حاضرة ففي ظلالها مزقت الوحدة العربية وضاعت فلسطين، فكان رد الفعل هو التطلع من جديد إلى البطل المحرر، لتوحيد الأمة واسترجاع فلسطين وكانت البداية العسكرية من دمشق غير أنها ظلت داخل محورها وحكمت بقبضة الزعيم والعقيد، ثم جاء البطل يحمل عسكريته، وتراثه الفردي معه، وكان عبد الناصر هو المحرر وهو الفردي، كان بطل مشروع القومية العربية القوي بلا شك، لكنه بحكم تراثه السياسي الطويل، وبحكم عسكريته الصارمة، وبحكم صعيدته المحافظة، كان فرديا مطلق الصلاحيات، لكنه تفوق على معاصريه بنظافة اليدين، وراحت الأمة بعد وفاة جمال تبحث عن بطل جديد فصفقت لـ "صدام حسين" زمنا ولكن "صدام" لم يكن صاحب مشروع وأنما صاحب أطماع، وكان حاكما فرديا، وهكذا بقيت الأمة على امتداد التاريخ الإسلامي تضحي بحقوقها لتصفق لكل بطل تخاله فاتحا فيعيد توحيدها.
أما ما يجري الآن في الساحة من حوار حول الخروج على الديمقراطية والانقلاب عليها فخارج عن ميدانه، لأننا -فيما أرى- لا نتعامل مع ديمقراطية حقيقية، وإنما مع شعارات حتى اعتلينا سدة الحكم انثينا فأكلناها، وإذن فلا توجد ديمقراطية عملية، وإنما وهم ديمقراطي، ولماذا بقي وهما؟ لأن الطريق الى تحقيقها لم يأخذ طريقه الصحيح، لعدة أسباب؛ أهمها أننا نتعامل معها بدون فقهها، وأننا لم نصل اليها عبر نضال فكري، واما جاء شكلها إلينا كمكرمة من حاكم جسور، أو محتل محتال.
بالنسبة للحاضر فمن السخف أولا بعد هذا كله أن نتحدث عن وجود ديمقراطي يُمارس، ثم نحِاكم على هذا الأساس، أي على اعتبار ما يجري في بلادنا هو نظام ديمقراطي. اننا بهذه الادعاءات نظلم الديمقراطية نفسها، ونحملها جريرة العبث بها وتشويهها،. وما بين أيدينا هو الحكم الفردي وإن تلبس وتزين بأسماء، وسواء أكان حكم" الإخوان" أم حكم "العسكر"؟ أم حكم "الطوائف"، ومن ثم علينا-وقد فقدنا أي أثر للنظام الشوري المتناغم مع الديمقراطية- أن نعترف بالموجود الفردي واستمراره لا من اجل استبقاءه، ولكن من اجل تبديله لأن القول بوجود ديمقراطية في الشعوب العربية والإسلامية وهم كبير يعيق الخطى نحو ديمقراطية صحيحة او شورى ملزمة.
إن الخطأ الذي وقعنا فيه هو أن "الديمقراطية" التي جاءت هبة حكومية هي اسم لديمقراطية لا فقه لها، ولا تعريف بها-كما سبق القول- وفي ظل ضجيج إعلامي ضخم لبّس الوهم ثيابا خادعة ، اعتقدنا أننا نمارسها، وما نمارسه في حقيقة الأمر هو وهم خلب، وهكذا بقي هذا الوهم يواصل خداعه بأننا نعيش عصرا ديمقراطيا. ونحن أبعد ما تكون عن "الديمراطية".
هذا هو "التراث السياسي" المثقل بقدسية نظامه المتمذهب، وبما طراء عليه من طلاء تتبعناه باختصار منذ أول انقلاب قام به "معاوية إلى أن غزته "الحضارة الأوربية" بأنظمتها الحديثة، مطعمة بعناصر تفجير من الداخل. وهذا التراث السياسي وهذه الطلاء- رغم جدته- يحمله كل فرد منا في البيت في المدرسة في أي تعامل.
فما هو الحل لهذه المعضلة؟
الحل هو مدنية الحكم. و لكي نصل إلى حكم مدني حقيقي فعلينا أن نبدأ رحلة العود بالسلم من أوله حتى اعلاه، كما كان عليه في البداية قبل تديينه، لا تكتفي به بل لنطوره وننطلق من مدنيته وصحيفته بحيث يتناغم الينبوع مع المصب فيستمر النماء والخصب، وبذلك سيخصب ويتطور كما كان يتطور في بدايته،
وللمزيد من البحث ثمة جملة عوامل ساعدت الحكم الفردي على تغلغله يجب الكشف عنها والتخلص منها عبر التحديق في النفس والتاريخ والفقه من أجل تنظيفها، ومن أجل اتضاحها حتى يمكن التعامل معها. وسأطرح جزءا منها في هذا الحديث:
1. أول خطوة هو الاعتراف بالكمية الهائلة من الانحرافات السياسية استوطنتا وملكت علينا أمرنا زمنا طويلا شقيا، وملأت أقطار أنفسنا حتى التخمة بحيث نظن ظنا متجذرا أن لا مكان فيها لجديد فما عندنا في غيبوبة اعتزاز متخاذل- خير وأبقى، وما يملأ القلوب والأسماع والبصائر في الحقيقة هو غثاء فقه سياسي محبط، من الصعب إذا ما استمر أن تتفتح النفس المقفلة لتقبل الجديد.
2. بما أن التمذهب كان داعما للفردية وعائقا للحضارة، قينبعي اعادة صياغته ليظل يعمل في صالح الأمة، وفي البدء كان "المذهب" مدرسة فكرية أو فقهية. كانت "مدرسة أبي حنيفة" تسمى مدرسة الرأي، ومدرسة مالك مدرسة الأثر، و مدرسة المعتزلة مدرسة الفكر، وكان بينها سباق إلى الأفضل، ولكن الساسة المقدسون تمكنوا من تحويل المدرسة إلى مذهب، والمذهب إلى تمذهب، والتمذهب إلى تعصب، وبدلا من الاتجاه إلى الإبداع انصرفت المذاهب إلى التجميد ومن الاجتهاد إلى التقليد، وغدن فيما بينها وبين السلطة محالفا مزرية مستنجدة بالسلطة السياسية في صفقة مغبونة تقر هي بفردية وقدسية الحاكم، في مقابل حمايتها ضد معارضيها من المذاهب، وانقسمت المذاهب بشكل رئيس إلى شيعة وسنة، وكان هذا الإقسام اوجع ضربة نزلت بالعرب والمسلمين. وإذن فنحن أما شرخ واضح علينا اعادة الالتحام بينهما، والطريق إلى تحقيق ذلك من ناحية هو الغاء كلمتي شيعة وسنة في أدبياتنا، والحديث عن مدارس حنفية مالكية جعفرية زيدية الخ ومتى اعادنا التمذهب إلى مذاهب- مدراس تكون قد جففنا جانبا من عوامل الفردية المهيمنة؟ لأن الفردية لم تدعم ولن تعش إلا من خلال المذاهب التديينية- السياسية، فتفكيكها إذن يسهل علينا النظر إلى باقي جوانبها، ومن ناحية أهم هو الإيمان بالحرية الكاملة، في التعامل مع الآخر، وعدم احتكار الصواب.
3. إن توضيح المصطلحات الكائدة يأتي على رأس القائمة فهي التي صاغت تاريخ الحكم الفردي، ومن ثم يجب تفكيكها واعادتها إلى حقيقتها، فالشورى أصبحت استشارة ذليلة، ولم تعد شورى ملزمة فعالة، والطاعة لولي الأمر أصبحت نوعا من العبادة، مع انها طاعة القانون لا الفرد. وولى الأمر حلت محل أولي الأمر، أي القيادة الجماعية التي أمرنا بها ، والصبر على الظلم حل محل الصبر على مقاومة المظالم لا على الرضوخ للمظالم
4. تصحيح مفهوم ما يسمى "إسلام سياسي" وحكم ديني، والتركيز عليهما في حين أنه لا وجود لحكم ديني ولا اسلام سياسي في العالم العربي والإسلامي، ولكن هناك وجود مكثف لحكم مذهبي يدعي تمثيل الإسلام البرئ ، وكل مذهب يدعي تمثيل الإسلام، وأنه الفرقة الناجية والبقية في النار.وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
5. إذا فهمنا ن ذلك فإن الطريق ينفتح امامنا وندل في البديل الفضل وهو:
§ العمل على قيام مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها الأساس لقيام حكم مدني رشيد، وهذه المؤسسات هي الطريق الصحيح الموصل إلى "ديمقراطية" حقيقية أولا، أي أن نبدأ من القاعدة لا من القمة، أي من مؤسسات المجتمع المدني، لا من عطاء رئيس دولة فردي، ومتى وجدت مؤسسات المجتمع المدني" ستصبح الديمقراطية سلوكا ثقافيا وسينفتح الطريق لاحبا نحو قمة السلم. وما ذلك على من أراد بعزيز.
§ وهنا تقع المسؤولية على عاتق "المثقف العربي" للخروج به من حالة التوصيف إلى حالة الإبداع، وعدم الاكتفاء بفهم ما يجري بل بوضع وسائل للخروج مما يجري. أي بوضع مشروع مستقبلي واضح القسمات والسمات. ومن ثم إنشاء مراكز للبحوث العلمية لإعادة النظر في قراءة التاريخ السياسي والفقه السياسي واستخراج برنامج مستقبلي على ضوء المستجد النافع.
وبهذا نكون قد تحللنا من عوائق ثقيلة وتفتح أمامنا أوستراد جديد يوصلنا إلى الحكم المدني الذي بدأ ذات يوم خطوته الأولى ثم توقف. وعليه فأنا اطرح كل هذا لنتبين طبيعة المعركة كما هي، حتى نركز عليها، ولا نتيه حولها كما يتيه الثور الهائج حول الخرقة الحمراء فتسيل الدماء الحمراء، وتنزع القلوب، وتقضم في مباهات فاقت أي تصور رهيب، وفاقت وصف امرئ القيس لمصرع أباءه:
فلو في يوم معركة أصيبوا ولكن في ديار بني أبينا(الأصل :بني مرينا)
ولم تُغسل جماجمهم بغسل ولكن في الدماء مرملينا
تظل الطير عاكفةً عليهم وتنتزع الحواجب و العيونا
والسلام عليكم، وغفرانا من أي تقصير في هذا الحديث
=================================
* نص محاضرة القاها الكاتب والمفكر اليمني زيد الوزير في "مركز الحوار العربي" في واشنطن بتاريخ 30-10-2013.
 

مشروع الثقافة العلمية

ثقافة البحث العلمي
ملخص
تنطلق هذه الورقة من فكرة أن هناك شروطاً ثقافية لا بد من وجودها وتوافرها في مجتمع ما حتى يتمكن من بناء صناعة فاعلة ومؤثرة للمعرفة، أي ماكنة وطنية للبحث العلمي. وفي مقدمة هذه الشروط بناء وعي علمي جمعي بمشروع للثقافة العلمية. ولكي تحدد الورقة معالم هذا المشروع، تبدأ بتحديد معنى العلم بوصفه مشروعاً ثقافياً تاريخياً. ثم تستخلص معالم مشروع الثقافة العلمية من هذا التوصيف، مؤكدة على أن مشروع الثقافة العلمية هو في جوهره عملية ترجمة إدراك العلم بوصفه مشروعا ثقافياً تاريخياً إلى وعي جمعي وطني.

مقدمة

عند تناول مشكلة ضعف البحث العلمي في الوطن العربي، يتم التركيز عادة على البعد الاقتصادي للمشكلة، فتختزل المشكلة إلى مشكلة اقتصادية بحتة تتمثل في تدني المخصصات الحكومية العربية الموجهة صوب البحث العلمي وضعف مساهمة القطاع الخاص العربي في رفد قطاع البحث العلمي. وقد تلمح بعض الدراسات المعنية بهذا الأمر إلى بعض العناصر السياًسية، كانعدام أجواء الحرية وضعف الآليات الديموقراطية واستشراء أنماط الإدارة ما قبل الحداثوية في مؤسساتنا العلمية. لكن هذه الدراسات قلما تتطرق إلى المشكل الثقافي في الوطن العربي، المتمثل في سيادة أنماط الوعي ما قبل العلمي في المجتمع العربي على جميع الصعد، بما في ذلك صعيد النخب السياسية والأكاديمية والثقافية والاقتصادية، وقلما تتطرق إلى سبل حل هذا المشكل بتحديث الوعي السائد وعقلنته وتفكيك لا عقل الثورة المضادة، الذي هيمن على الثقافة العربية منذ العصر الوسيط (هشام غصيب، 2010)، مع أن هذا المشكل يلقي بضلاله الكثيفة على جميع البنى الاجتماعية، بما في ذلك البيئة الاقتصادية والبنية السياسية والبنية الإدارية. فضعف مخصصات البحث العلمي العربية وانعدام المؤسسية والحرية والإدارة غير الرشيدة لا تنبع من فراغ، وإنما تنبثق من غابة خانقة من الإشكالات الثقافية المتشابكة. وتعد هذه الورقة مدخلاً أولياً لهذا الموضوع المتشابك والمعقد ومحاولة أولية للنفاذ إلى مجاهله وفضاءاته الضبابية والمعكرة. وهي تؤكد على محورية مشكلة الوعي، المشكل الثقافي الرئيسي، في وطننا العربي. كما إنها تفصل المعالم الرئيسية لمشروع الثقافة العلمية الهادف إلى بناء الوعي العلمي العربي في سياق تفكيك لا عقل الثورة المضادة، والذي ناء بكلكله على الثقافة العربية ردحاً طويلاً من الزمن، أي ذلك المشروع الهادف إلى بناء ثقافة البحث العلمي قاعدة لصناعة معرفة عربية فاعلة ومؤثرة عربياً وعالمياً. وستعمد هذه الورقة إلى استخلاص معالم هذا المشروع من تصور تاريخاني معين للعلم بوصفه مشروعا ثقافياً تاريخياً.

ونأمل في أن تشكل هذه الدراسة خطوة على درب فهم أعمق للأساس الثقافي للتخلف العربي في سياق تجاوز هذا التخلف وعودة امتنا إلى التاريخ.

العلم بوصفه ثقافة

لكي أتكلم عن الثقافة العلمية، فلا بد أن أتكلم أولاً عن العلم بوصفه ثقافة، بوصفه مشروعاً ثقافياً تاريخياً. وعندما أقول إنه مشروع ثقافي، فإني أعني أنه لا يعرف بدلالة معرفة موضوعه فقط، وإنما يعرف أيضا بوصفه وعياً اجتماعياً وقوة محركة للمجتمع والتاريخ. وعندما أقول إنه مشروع تاريخي، فإني أعني أنه نشأ أو ولد في لحظة أو لحظات تاريخية معينة، ونما وتطور في سيرورة أو سيرورات معينة، وتراجع في لحظات أخرى، وربما ذبل ومات أو اندثر في حقب بكاملها. إن العلم عضوية ثقافية تاريخية تنبع من قلب التاريخ بوصفها قوة تغيير رئيسية.(هشام غصيب، 1993؛ هشام غصيب،2004).

وسأركز في هذه المداخلة على علم الطبيعة أو ما يسمى أحياًنا العلم الدقيق Exact Science . وأعني بذلك ذلك العلم الذي يبني المعرفة بصدد الطبيعة بنمط معين من التنظير المريّض، تدخل الرياضيات في جوهر تعريفاته وآلياته وعلائقه، ويكون قابلاً لأن يترجم إلى قياسات وتجارب دقيقة. إنه العلم الذي يشتغل بالكميات الفيزيائية الدقيقة وعليها ويرتبط فيه التنظير المريّض بالقياس المقداري الدقيق.

وبهذا المعنى، فقد نشأ أول علم طبيعي دقيق في التاريخ في بابل العراقية حوالي عام 500 ق.م. ((Neugebauer,1969;Aaboe,2001. إنه علم الفلك البابلي الذي اقترن فيه التحليل الرقمي المحكم بالرصد المنهجي الدقيق. وقد دام هذا العلم بضعة قرون ثم تلاشى واندثر. وفي القرن الثاني قبل الميلاد، نشأ تقليد علمي دقيق آخر في علم الفلك لدى الإغريق كان عماده طرائق الهندسة البرهانيةGeometry . (Neugebauer,2004;Aaboe,2001; Sarton,1987). وقد وصل هذا التقليد أوجه في الفلكي المصري اليوناني بطلميوس في القرن الثاني الميلادي. (Ptolemy, 1978). وقد تراجع هذا العلم في العالم الإغريقي، إلا أنه انتقل إلى الحضارة العربية الإسلامية، فوجد هناك تربة خصبة لاستئناف مسيرته. .(Saliba, 2007)بل إنه حقق انعطافة جديدة أوصلته إلى ذرى جديدة على أيدي الحسن بن الهيثم ومؤيد الدين العرضي وقطب الدين الشيرازي والطوسي وابن الشاطر وغيرهم. (Saliba, 1994). ومن جهة أخرى، فقد حول الكندي وابن سهل والحسن بن الهيثم دراسة الضوء إلى علم دقيق بالمعنى الذي سبق طرحه. (راشد،2003).

وهذا يعني أن العلم الدقيق لم يبدأ في الحضارة الأوروبية الحديثة، وإنما بدأ في حضارات شرقي المتوسط والحضارات الشرقية القديمة. لكنه نشأ هناك على شكل جيوب في بحر متلاطم من المناهج العرفانية والغنوصية والفلسفية. وظلت هذه الجيوب معزولة ومهمشة وعرضة للانكماش والزوال. وترك ذلك أثره البين على وضع العلم وطبيعته وحجم قطاعه وأثره العام. فقد ظل القطاع العلمي محدوداً جداً وصغيراً من حيث عدد العاملين وحجم الاستثمار فيه وأثره على الاقتصاد والوعي والثقافة مقارنة بالقطاعات الأخرى العسكرية والتجارية والزراعية والملاحية والحرفية. وكان تنظيمه أقرب إلى تنظيم الحرف. كما إنه كان ملحقا بالمؤسسة الدينية والسياسية. (غصيب،2010).

ولئن أطفئت هذه البؤر العلمية في الشرق وصفي العقل النظري في حضارتنا، فإن مضمونها انتقل إلى أوروبا، ووجد هناك التربة المناسبة في القرنين السادس عشر والسابع عشر لكي تنمو هذه البؤر وتتسع أسياً فتقوض أركان المناهج المعرفية القديمة الفلسفية والعرفانية وتحل محلها تماماً على صورة تيار حضاري عارم وجارف. (Barbour, 2001). وقد أثمرت هذه الأحداث الساخنة، في القرن السابع عشر تحديداً، مشروعاً حضارياً جديداً، ارتبط بصورة خاصة باسم غاليليو غاليلي الإيطالي،

(Machamer,1999)، واسحق نيوتن الإنجليزي،(Cohen, 1983)، وانطلق هادراً مذاك لكي يحتل مركز الصدارة في الثقافة الحديثة، بل وفي الاقتصاد الحديث. فما هو جوهر هذا المشروع الغاليلي النيوتني؟ وكيف غير من شكل العلم ومكانته وتنظيمه؟

إن أساس هذا المشروع هو النظر إلى الطبيعة على أنها نظام فيزيائي لانهائي يتكون من عدد لانهائي من الأنظمة الفيزيائية التي تتفاعل معاً داخلياً وخارجياً بطرائق متنوعة. وتحكم هذه التفاعلات والأنظمة علائق خاصة بين الكميات الفيزيائية تسمى قوانين الطبيعة. وتتحدد هذه الكميات بالتمثيلات الرياضية والقياس الدقيق. بذلك دشن غاليليو مشروع العلم الحديث والذي يتمثل في البحث عن الكمياًت الفيزييائية اللازمة لوصف الأنظمة الفيزيائية وتحديدها بالرياضيات والقياس الدقيق واكتشاف شبكة العلائق الرياضية بينها. وحقن نيوتن هذه الشبكة بعلم الحسبان Calculus محولا إياها إلى ماكنة فعالة لإنتاج المعرفة من عدد محدود من البيانات. (Cohen, 1983).وقد أعطى هذا المشروع زخما هائلاً لإنتاج المعرفة والتقانة المتسارعة التطور والحاجات الجديدة المحركة للاقتصاد والاجتماع، الأمر الذي حول إنتاج المعرفة في الحقبة الحديثة إلى أكبر صناعة في العالم الحديث من حيث عدد العاملين وحجم الاستثمارات فيها.(غصيب،2010). فلئن كان العلم في الحضارات القديمة مجرد جيوب معزولة مهمشة اقتصادياً وثقافياً وملحقة بغيرها وحرفية التنظيم، أضحى صناعة كبرى ذات استقلالية ذاتية وذات فاعلية فائقة في تحريك الاقتصاد والثقافة العالمين.

لقد أضحى هذا المشروع الثقافي الكبير قوة جبارة طاغية ومحوراً جوهرياً من محاور الحياًة المعاصرة. وسواء أعجبتنا طرائقه وأسسه ونتائجه أو لم تعجبنا، فإنه لا مجال لإغفاله أو صرف النظر عنه، وإلا فاتنا قطار التاريخ ودب الوهن في أوصال أمتنا وعرضها إلى الهزيمة والاستغلال والعبودية والتفكيك. لذلك فلا مفرّ للأمم المفوتة، كالأمة العربية، من السعي إلى تملك العلم بوصفه مشروعا ثقافياً بركانياً، إلى تملك مشروع العلم الحديث، الذي دشنه غاليليو ونيوتن. لكن لهذا التملك استحقاقاته السياسية والاقتصادية والثقافية. إن تملكه لهو مشروع تغييري شامل على جميع الصعد. والسؤال هو: كيف نتملك هذا المشروع ؟ كيف ننشئ صناعة معرفة عربية ترفد المجتمع العربي وصناعة المعرفة العالمية بزخم واقتدار؟

مشروع الثقافة العلمية
إن نقطة الانطلاق في تملك هذا المشروع لهي تملكه فكرياً، أي إدراك كنهه وأرضيته ومنطقه وآلياته وبناء وعي جمعي مدرك لذلك كله. علينا أن نستوعب هذه الظاهرة التاريخية الخطيرة إدراكا معمقاً وأن نحول هذا الإدراك إلى ثقافة ووعي جمعي. علينا أن نحدث الوعي الجمعي العربي بهذا الإدراك وهذه الثقافة وأن نعده من أجل تنمية المجتمع العربي على أساس مشروع العلم الحديث. إن التنمية الاجتماعية من دون وعي جمعي محدث كالجسد من دون روح. فكل الموارد والرساميل والوصفات الاقتصادية الجاهزة لا تجدي نفعا من دون تحديث الوعي على أساس العلم. إن إدراك المشروع العلمي بوصفه مشروعا ثقافياً تنموياً شاملاً يرتكز إلى قواعد صلبة وتحويله إلى ثقافة ووعي جمعي لهو نقطة البداية. وهذا بالضبط ما نعنيه بمشروع الثقافة العلمية.

وقد جرت محاولات متعددة لكن متفرقة لتدشين هذا المشروع في عصر النهضة العربية، لكنها ظلت محاولات فردية متفرقة فتبددت من دون أن تتحول إلى تيار مؤسسي جارف. واستمرت هذه المحاولات من جانب بعض الأنظمة القومية وبعض جماعات المجتمع الأهلي، ولكن بصورة متناقضة ومتقطعة. وما زالت الأمة تتخبط في سعيها إلى تحقيقه. إننا لم نشهد حتى الآن جدية منهجية متنامية في تنفيذه على جميع صعد حياًتنا. ولا شك أن هذا الإخفاق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإخفاقنا التاريخي في تملك الحداثة وتحقيق التنمية والعودة إلى التاريخ.(غصيب،أكتوبر 2010). ذلك أني أعتبر مشروع الثقافة العلمية كما وصفته لتوي مهمة أساسية من مهمات النهوض العربي المرغوب.

وفي ضوء هذا التحليل أتساءل عن الغايات التفصيلية لهذا المشروع. وارتكازاً إليه وإلى تجربتي الشخصية في مجال الثقافة العلمية،(غصيب،1992)، أجمل هذه الغايات كالآتي:

1- تفجير الكوامن التعبيرية الثرة في لغتنا العريقة، لغة الضاد. (غصيب،1992).

2- إتقان فن الاستعمال المعبر الدقيق للغتنا العربية وإزالة ما علق فيها من غبار الركود والتخلف التاريخي والاستبداد والسبات الحضاري.

3- إبراز العلم بوصفه فكراً وثقافة وإنتاجاً اجتماعياً رفيعا، أي إبراز المنطويات الاجتماعية والفكرية للعلم والكيفية التي تركب بها النظرياًت والمفهومات العلمية وتختبر بها الأفكار العلمية.(غصيب،1993؛غصيب 2004).

4- إبراز العقلانية العلمية التي تشكل المرجعية الأساسية للممارسات العلمية، وبياًن جوهرها المتمثل في العلاقة الجدلية بين النظرية المريّضة والقياًس المقداري الدقيق، وبيان أن العلم لا يعتمد أساساً له سوى العقل العلمي. (غصيب،2010).

5- إبراز أدوات الممارسة العلمية ومعناها وشرعيتها، مثل الاستنتاج والاستقراء والاشتقاق والتركيب الجدلي والاختبار العملي والاختبار المخيالي والنقد والملاحظة الذكية. وأعني بالاستقراء فن التعميم السليم. أما التركيب الجدلي فهو بناء المفهومات الجديدة عبر حل التناقضات القائمة بين المفهومات القديمة. وأعني بالاختبار المخيالي تصور حالات تجريدية مثالية لاختبار الأفكار ومعقوليتها. وأعني بالنقد تفكيك الأفكار وبيان حدودها وتناقضاتها وبناها الداخلية وعلائقها. وأعني بالملاحظة الذكية قراءة الحقائق الكبرى في الفروق المقدارية الصغيرة، مثل قراءة حقيقة كروية الأرض ومقدار محيطها من ملاحظة الفرق الصغير في زاوية الظل بين الإسكندرية وأسوان في مصر، وملاحظة أن الحركة الدائرية هي نوع من السقوط الحر. (غصيب،2010).

6- إبراز الأفكار العلمية الثورية وتحدياتها الفكرية وأصولها الفكرية والتجريبية، كفكرة التطور في البيولوجيا وفكرة الزمكان في النسبية وفكرة اللاتحديد في ميكانيك الكم.

7- إبراز المنطوياًت الفلسفية للممارسة العلمية . (غصيب،2004).

8- إبراز طبيعة الإنتاج العلمي وكيف يشتغل العلماء إبداعياً على موروثهم العلمي وبه من أجل تطويره، وأن عملية الخلق العلمي تفترض تأهيلا صارما للعالم مثل: إلمامه العميق بمورثه العلمي وأدواته ومواكبة آخر التطورات في الإنتاج العلمي والالتزام الأخلاقي والوجداني بالعمل العلمي. (غصيب،1993؛غصيب،2010).

خاتمة
ولعل المثال الأكبر في التاريخ على مشروع الثقافة العلمية بالمعنى المفصل أعلاه هو المشروع الذي نفذه فلاسفة التنوير في فرنسا في القرن الثامن عشر. وأخص بالذكر فولتير، الذي فرنس فيزياء نيوتن، ولامتري، وديدرو، صاحب الموسوعة العلمية الشهيرة. إذ أدرك أولئك الفلاسفة الأفذاذ التحدي الذي فرضه عليهم مشروع غاليليو – نيوتن، فابتكروا مشروع الثقافة العلمية من أجل تملكه، الأمر الذي ساهم لاحقا في تكوين وعي الثورة الفرنسية الكبرى.

إني أدعو القوى النهضوية الحية في أمتنا إلى تبنى مشروع الثقافة العلمية بوصفه مهمة أساسية من مهمات النهوض العربي وأداة في تملك العلم بوصفه صناعة وثقافة.
===========================

المراجع

Aaboe, A. (2001). Episodes from the early history of astronomy. Springer. 1.
Barbour, J. (2001). The discovery of dynamics. Oxford. 2.
Cohen, I.B.(1983). The Newtonian revolution. Cambridge, England. 3.
Ghassib, H. , (2010). Where does creativity fit into a productivist industrial model of knowledge production? Gifted and Talented Education international, 25(1), 13-19. 4.
Machamer, P(ed.)(1998). Galileo. Cambridge, England.

5. Neugebauer, O. (1969). The exact sciences in antiquity. Dover.

6. Ptolemy, (1978). The Almajest. (Translator: Taliaferro,R.). Great books of the western world, vol.16, Chicago. 7.
Saliba, G. (1994). A history of Arabic astronomy. New York. 8.
Saliba, G. (2007). Islamic science and the making of the European Renaissance. MIT press. 9.
Sarton, G.(1987). Hellensitic science and culture in the last three centuries BC. Dover. 10. رشدي راشد (2003). علم المناظر وعلم انعكاس الضوء. بيروت. 11.
هشام غصيب (1992). جدل الوعي العلمي. عمان ، الأردن. 12.
هشام غصيب (1993). دراسات في تاريخية العلم. عمان ، الأردن. 13.
هشام غصيب (2004). نقد العقل الجدلي. عمان ، الأردن. 14.
هشام غصيب (أكتوبر 2010). نحن وتملك الحداثة. المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية. العدد (78). 38-43. 15.
هشام غصيب (2010). الإبداع في صناعة المعرفة. محاضرة بدعوة من مؤتمر ” التميز في التعليم”، الجامعة الأردنية. 16.
===================

* باحث ومفكر أردني
 

رحلة مع تاريخ المدارس الفكرية العربية والإسلامية

(مدرسة الاعتزال ومدرسة أخوان الصفا نموذجا)
نص محاضرة في أمسية خاصة أقيمت يوم 23-10-2013 في "مكتبة الحكمة"
نناقش في هذه الأمسية موضوعاً خاصاً، لذلك كانت الدعوة خاصة. فإذا لم يكن المدعو من ذوي الاهتمام بالموضوع في التاريخ وفي الفلسفة، فإنّه يعتبره مملاً وجافّاً أيضاً. أمّا بالنسبة للمهتمّين به، فيعتبرونه محطةً للتأمّل وإعادة الحسابات مع رحلة مهمة في تاريخنا والبعد الفكري والفلسفي الذي تمرّ به أمّتنا. وأني، في الوقت الذي لا أدّعي فيه بأني متخصّص في التاريخ أو الشريعة أو الفلسفة أو اللغة، أستميحكم عذراً فيما إذا أخطأت، حيث أنّ تخصّصي الجامعي هو في الفيزياء، لكن كقارئ في مكتبة غنية بمصادر المعرفة، استطعت من خلال قراءاتي أن أدوّن بعض الصفحات من التاريخ، وأحب أن تشاركوني في الإطلاع عليها لما لها من أهمّية، ليس في اجترار الماضي، بل في التبصّر فيما لدينا عبر نظرة نقدية موضوعية، فيما كنّا عليه وما نحن الآن فيه. كما لا أخفيكم سراً أني مؤمن بمدرسة العقل والتفكر والمنهج العلمي في قراءة التاريخ والأفكار والحكم عليها من خلال ذلك... نعم أنا مؤمن بمدرسة العقل لا النقل، لأني مؤمنٌ أن بها وحدها نستطيع أن نخرج من واقعنا المزري ومن النفق الذي نحن فيه منذ العديد من القرون، والذي وجدنا أنفسنا فيه أسرى دون إرادتنا في الولادة، ولكننا مسؤولون بما وهبنا الله من عقل في إيجاد مخرج منه نحو جادّة الصواب والحياة مع باقي الأمم، كأقران متساوين كبشر بما وهبنا الله من عقل وإنسانية، كما أنها كانت محاولة مني في استفزاز المحب للعديد من الأخوة والأصدقاء الذين أعتبرهم أكثر خبرة مني في هذا الموضوع حيث طلبت من معظهم الكتابة والتحدث فيه لأهميته، ولكن ربما لأسباب عديدة جعلتهم يتريثون الخوض فيه حتّى الآن، وبالتالي كان هذا الموضوع، متمنياً بكل صدق تحفيزاً إيجابياً للأخوة للخوض في مثل هذا الموضوع، والتوقّع منهم البدء في الكتابة والطرح فيه، لتنويرنا نحو الهدف الصحيح في البحث عن الحقيقة.
رحلة مع تاريخ المدارس الفكرية العربية والإسلامية (مدرسة الاعتزال و مدرسة أخوان الصفا نموذجا) ... و أين نحن منها اليوم
في نهج البلاغة، سئل الامام علي، رضي الله عنه، في المسير إلى الشام، هل هو بقضاء الله وقدره.؟ فأجاب بلا. لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، حيث ورد في القرآن الكريم "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". (أذن فهو مخير وليس مسيراً) أما بشأن الصفات والذات الآلهية حيث الصفات الحسية مثل اليد والعين، ومعنوية كالعلم والقدرة كما في قول الله تعالى "يد الله فوق أيديهم" أو "وعين الله ترعاكم" و "على العرش استوى"، حيث أصبح موضوع جدل ونقاش، فانقسم المفكّرون إلى جماعة مؤمنة بالحَرفية؛ عُرفوا بالمُشبِهَة والمُجَسِمَة، وإلى مؤولين يحملونها على المَجاز المطلق، فيعتبرون اليد رمز القوة والعين رمز العناية والإرشاد، والاستواء رمز السيطرة والسلطان. كما عُرف المعتدلون بين المدرستين بالصفائية والمُتنَزِهة.
فرق الكلام:
مدرسة القَدَرية (من القُدرة): ونادى بها (معبد الجهني وأتباعه)، وتقوم تعاليمها على أن الانسان مُخيّر، قادر على عمل الخير والشر، مسؤول عمّا يفعله يوم الحساب، وأن الايمان يقوم على المعرفة. ولكنهم ينظرون إلى صاحب الكبيرة مذهب الجبرية بإرجاء الحكم عليه لله. وإن الصفات الذاتية الحسية بالتأويل كاليد والعين، ولكن الصفات المعنوية كالعلم والقدرة بنفي الصفات عن الذات الالهية باعتبارها واحدة مع الذات الآلهية حيث أن الله عالم بذاته لا بعلم وقادر بذاته لا بقدرة "وليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
مدرسة الجبرية: نادي بها (جهم بن صفوان) لذا سمّوا بالجهمية، حيث يقول إن العبد مسير بالارادة تسييراً مطلقاً، و كما نرى إن مصطلح الجبر هو الإستبداد و أطلقوه أسلاف العرب و المسلمين بالحكم على الإنسان (بإنه بمنزلة الجماد) لا إرادة له و لا إختيار..حيث كانوا يسمون الحكم الجائر المستبد بالجبرية أو الجبارية و الحاكم فيه بالجبار و يشهد على ذلك قول رسول الله (ص) للرجل الذي أرتعد في حضرته (هون عليك فما أنا بملك ولا جبار؟!) حيث يظهر ذلك كنهج و فكر و مدرسة من خلال معاوية الذي أؤرخت بإسمه وانه أول من قال فيها، حيث كل ما يفعله إنما هو بقضاء الله و من خلقه ليجعله عذراً له فيما يفعل و ليوهم العامة بإنه مصيب فيه وان الله جعله إماماً وولياً للأمر و بذلك أنشأ نهجه و من جاء بعده من ملوك بني أمية فيما عدى الخليفة الزاهد العادل عمر بن عبد العزيز الذي عُرف عنه زهده و عدله وبتصحيحه مسار الفساد و عدم العدل الذي عم الدولة الأموية ولبعض الأخطاء التاريخية التي لُصقت بالإسلام و السُنّة لمن سبقه في الحكم و لكن مع الأسف ان هذه الصحوة لم تستمر بعد وفاته المشكوك في اسبابها تاريخياً و تحميل الفاسدين بذلك. ومما يعزز ذلك عدم إستمرار نهجه بعد وفاته. وأهم تعاليمها:
القول بأن العبد مجبر ومسيَّر بفعل الارادة الآلهية ولا اختيار له في شيء ولا قدرة له على اختيار. واتفقوا مع الأمويين في منهج الجبر ولكنهم أختلفوا معهم عندما نادوا بالارجاء لذا سموا بالمرجئة بعد أن رفض الأمويون الإعتراف بإسلام الموالي من أهل البلدان التي فتحها المسلمون...بإعتبار إن إسلامهم ناقص وغير خالص لله ليبرروا ولأسباب إقتصادية أخذهم الجزية من هؤلاء المسلمين حاكمين على نواياهم وليس الإقرار والشهادة كما كان يفعل رسول الله (ص). في حين كان الأمويون يطالبون بإرجاء الدولة الأموية ولمصلحة الطبقة الحاكمة بعدم حكم العامة على أعمالهم وافعالهم وترك ذلك لله في حين لا يطبقون ذلك على الأقوام الذين أسلموا ولذا أوجبوا عليهم الجزية. وهذا ما لم يرتأيه المرجئة في الحكم عليهم في النوايا. وعلى العموم سميت هذه المنهجية بالفرقة الجبرية الخالصة تمييزاً لها عن الجبرية المتوسطة والتي نشأت على يد الأشعري.
مدرسة الصفائية: وأول من أهتم بها (عبد الله بن سعيد الكلابي)، وأهم تعاليمها إثبات الصفات ومدلولها الظاهر لله عز وجل والإمساك عن البحث في ماهيتها، ومنعوا التشبه وأوجبوا التنزيه؛ فقالوا يد الله ... إن الله له يد لكنها ليست كيد الانسان، وإن الله يعلم ولكن ليس كعلم الانسان. وفي موضوع القضاء والقدر، جروا مَجرى الجبرية في نفي القُدرة والارادة عند العبد، واعتبروه مسيراً بقضاء وقَدر في كل ما يفعله وما يَترُك، حيث نرى الاختلاف يظهر في اعتماد القَدرية على العقل والتأويل في حين حافظت الصفائية على النص والجبرية بنفي الاختيار عند العبد. ونرى مما تقدم أن معظم المدارس اشتركت بآراء واختلفت في أخرى، وأن هذه البدايات كانت منطلقا إلى مدارس أخرى كما سنرى ذلك لاحقاً. حيث أن مدرسة القَدرية ترى أن "العبد له المَقدِرة"، وتطورت بعض أفكارها إلى مدرسة جديدة هي مدرسة الاعتزال، بينما تطورت مدرسة الجبرية إلى العديد من المدارس منها السلفية وبعدها مدارس متطرفة أخرى.
ومدارس أخرى من يعتقد بالاعتدال، وأخذ من المدرستين، ومنها المدرسة الأشعرية. من خلال ذلك كله نلاحظ أن هذه الحركة الفكرية ونهضتها من جمود إلى انطلاق، خلق منهجاً جديداً في الحياة في ذلك الوقت، وآلية التعاطي معها في ذلك الزمان، وأن صراعاً فكرياً تمّ بآلية الدليل والحوار في فترة ازدهار الأمّة، وإلى الكبت والقهر والانغلاق وباطنية في فترة ضعف الأمّة كما آل إليه حال مفكرّي الأمّة وفلاسفتها، كمدرسة الاعتزال وانتهاء بالانكفاء والباطنية كما هو حال مدرسة أخوان الصفا والتي تمثل النخبة.
علم الكلام والحركة الكلامية والنهضة الفكرية
الفلسفة عند العرب والمسلمين هي معرفة الأسباب الحقيقة للأشياء عن طريق العقل وأطلق مؤرخو العرب لفظ الفلاسفة أو الحكماء على أرباب الفلسفة الذين لم تتقيد آرائهم بقيود الدين و قصروا لفظة (متكلمين) أو أهل الكلام على أولئك الذين أخضعوا تفكيرهم لنظم الدين ويقابل أهل الكلام في الإسلام (الكتّاب المدرسين) في أوروبا المسيحية. وعلم الكلام إلى علم اللاهوت ... والمتكلم بالعالم اللاهوتي ...فالغزالي متكلم واقطاب الفلسفة العربية مثل الكندي والفارابي وأبن سينا وغيرهم وهم الذين وفقوا بين فلسفة الأغريق والإسلام حيث بدأها الكندي وتابعها الفارابي وأكملها أبن سينا كما هنالك بعض أعلام الأمة العربية والإسلامية من أمثال الجاحظ وأبو حامد الغزالي وأبن رشد وأبن عربي الذين لابد من الإشارة لهم ودورهم في هذه الرحلة التاريخية وسنحاول الإشارة لهم بشكل موجز لاحقاً.
مدرسة المعتزلة: وهي لغة التنحي والانفراد، نشأت على يد واصل ابن عطاء وعمرو ابن عبيد، أإثَر الخلاف بينهما وبين الحسن البصري حول مرتكب الكبيرة.
والمعتزلة هي من أهم الفرق الكلامية حيث جمعت وناقشت الآراء التي دار حولها الجدل بين الجبرية والقدرية والمرجئة والصفائية. والمبدأ الأساسي الذي اعتمده المعتزلة هو النظرة العقلية في المسائل الدينية واعتماد العقل إطلاقاً في فهم المشاكل وحلّها. و تعد من أنصع الصفحات في تاريخنا العربي والإسلامي إشراقاً بعد فجر النبوة و مرحلة الخلفاء الراشدين، حيث أن العقل و المنهج العقلاني و العلمي في الحكم على الأمور من خلال الإختيار و الحرية لا من خلال الجبر والإستبداد و التي تعد واحدة من اخطر القضايا الفكرية و الدينية و الأخلاقية و السياسية التي لا تزال تواجهنا إلى يومنا هذا و لما كان خلو مكتباتنا العربية و الإسلامية و ندرة المصادر إلى وقت قريب في التعرف على هذا المنهج في تاريخنا الا ما ندر من خلال ما كتبه المستشرقون و الذي ربما لا يخلو من تحيز و إجحاف ضذ الإبداع والأصالة في تراثنا هذا كله جعل من هذه المدرسة مغيبة عن طبقات كثيرة من مجتمعنا حتى مرحلة الخمسينات حيث أُكتشفت بعض المخطوطات التي تعد كنوزاً والتي تكشف لنا أفكارهم من خلال أعلامهم و مفكريهم و الذي حفظ أئمة الزيدية بعض آثارهم الفكرية و المخطوطات في اليمن حيث أن مشكلة الحرية كانت واضحة في آيات عديدة من كتاب الله العزيز القرآن الكريم و كذلك في نهج الخلفاء الراشدين و منهم الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) (متى أستعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) و كذلك عبر المنهج الفقهي للخليفة الراشد الأمام علي (رضى الله عنه) أو من خلال فترة حكمه.
وأهم المبادئ التي عالجتها:
أولا: التوحيد، حيث أنهم نفوا الصفات عن الذات الآلهية لأنها تؤدي إلى الشرك، وكذلك التشبيه، وبحثوا في مسألة خلق القرآن، ورأوا أن القرآن "جسم وعرض" وبالتالي هو مخلوق ومحدث، ولما كان القرآن كلام الله والكلام محدث، لذا فالقرآن محدث، إذن فالله متكلم بكلام محدث وبالتالي خلق القرآن حتى لا يكون هنالك قديم الأزل غير الله عز وجل.
ثانيا: العدل ونفيهم الظلم عن الله، حيث قسّموا الأفعال إلى إرادية وغير إرادية، وأن الحرية هي هبة من الله ومَثلَها الإرادة، ولما كان الانسان حراً فيما يريد، صح حسابه.
ثالثاً: الوعد والوعيد. صدق الله في وعده لأهل الطاعة بالجنة ووعيده لأهل المعاصي بالنار.
رابعاً: المنزلة بين منزلتين. وفيها الحكم على مرتكبي الذنوب الكبائر كالقتل بجهنم عقاباً وتسميتهم بالفسقة وجعلوهم بمرتبة بين المؤمنين والكفار.
خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما تعني المشاركة الإيجابية لتقويم الخطأ وإصلاح المجتمع.
لقد مرت مدرسة الاعتزال بأزهى عصرها في فترة الخليفة العباسي المأمون. حيث فتح المأمون باب العقل على مصراعيه في كل مطلب وشأن. وقد كان للنهضة الفكرية، سواء كانت عربية المنشأ أو مترجمة من لغات أخرى، أكبر الأثر في شخصية المأمون عبر مراحل عمره كتلميذ وولي للعهد ثم كخليفة حاكم وأديب وعالم وسياسي وباحث ديني وفيلسوف ومؤلف.
وكان المأمون يعطي لكل صاحب كتاب أصيل أو مترجم الى العربية وزنه ذهباً، وكان يبذل كل جهد في الاتصال بكل الأمم وملوكها للتعرف على ما لديهم من علم وتطويره لاحقاً، كان يحث الناس على طلب العلم والقراءة، وكان يختلي بالحكماء ويناظرهم، كان حبه للفلسفة وتأثره بأرسطو واتساع دائرة المعارف العامة لديه، ورغبته بالقياس العقلي في الحكم على أي شأن، هذا كله جعله يتأثر بمذهب الاعتزال، ويتبناه كمذهب رسمي للدولة التي يقوم مبدأها بالاعتماد على العقل في فهم أي شيء والحكم عليه. إن التزاوج الفكري بين فلسفة الاعتزال والمأمون، وما يمتَّع به من شخصية العالم الفيلسوف مع نفوذ الحاكم وتأثيره، خير مكسب في تصالح مع الزمن لرفد الحضارة الإنسانية والعرب والمسلمين في بغداد والعالم في ذلك الزمان بأهم شعلة حضارية حرمنا منها القدر بوفاة المأمون وانحسار منهج مدرسة الاعتزال لاحقاً، وبالتالي خسارة المسلمين والعرب وبغداد أهم فرصة في التاريخ للتواصل مع المستقبل، حيث نرى أن الأمم الأخرى استفادت من هذا التلاقح الحضاري والذي أدّى إلى الحضارة العلمانية الغربية في يومنا هذا.
ونكاد أن نزعم أن فترة المأمون، وخلفه مدرسة الاعتزال، هي أول من أنتهج التفكير العلمي، وهو الآن في مضامين المنهج العقلاني في المدارس العلمانية. ففي تلك الفترة "المأمونية" كانوا يؤمنون بالاحتكام للعقل والعلم والمنطق في الحكم على الأمور، حيث لم تكن لدى المأمون عقدة من طلب العلم والمعرفة من أي أمّة، ونشر العلم الذي لديه إلى الجميع، لأنه كان يؤمن بأن العلم والمعرفة من حق جميع الناس، وبأن النظرة إلى الدين يجب أن تكون من خلال العقل والتفكر، وبأن الإنسان مسؤول ومخيَّر في أعماله وليس مسيّراً في تصرفاته وأعماله. و لكننا كنا نتمنى أن المأمون و مدرسة الإعتزال بالرغم من قناعاتهم بصواب منهجهم وعظم المسؤولية التاريخية في بناء منهج العقل و العلم أن لا يقعوا في شبهة إستخدام أسلوب فرض أفكارهم على الأخرين و إعطاء الزمن فرصته لتقبل هذا المنهج من قبل العامة من الناس من خلال الصبر و المزيد من الحوار و خصوصاً ما حدث مع الأمام أحمد و مدرسة الجبرية و الذي كان ذلك من أحد الأسباب التي لم تستمر هذه المدرسة بعد وفاة المأمون في حين لا ندعي أننا أمام حالة المأمون و مدرسته الإعتزال بالمثالية لأنها حالة إنسانية لها حسناتها و عيوبها و لكن المقارنة بين المدرستين و ما أفرزته هو المحصلة النهائية للحكم عليهما و ذلك في الوقت الذي أكتفى المأمون بعزل الأمام أحمد عن العامة و إحتجازه لكونه يتمتع بالكثير من الصفات التي يستطيع بها أن يؤثر على العامة بسهولة مما يعيق مشروعه و منهج مدرسة الإعتزال..نرى بعد ذلك والى يومنا هذا من خرج من عباءة المدرسة الجبرية من تكفير و قتل للمخالف لها و العمليات الأرهابية في يومنا هذا كشاهد على ذلك. وتكرر ذلك في الأمس القريب مع جمال عبد الناصر وموقفه من سيد قطب حيث كنا نتمنى كذلك أن يكون أكثر صبراً في التعامل مع حالته... ولكن النتيجة واحدة بالنسبة إلى اتباع مدرسة البنا الذين هم إمتداد لمدرسة الجبرية ومنهجها. لذلك نلاحظ أن ملامح الفكر الجبري كانت له السيادة والغلبة في كثير من عصور تاريخنا وأدوار حضارتنا حيث أن فكرة الإعتزال ومدرستها لم تحظى بذلك من إزدهار وإستمرار إلى عدة أسباب منها ما ذُكر سابقاً ومنها الزواج الغير مقدس ما بين السلطة الجبرية الإستبدادية وفقهاء الظلام ووعاظ السلاطين إضافة إلى الغاء مبدأ الإجتهاد وحصر الفقه بمدارس محددة لإسباب سياسية من دون وجود سند شرعي في الأصول أو تطبيقاً لنص قرآني أو منهج السنة النبوية و سيرة الخلفاء الراشدين بشيء و بذلك تحويل الفكر الإسلامي و العقيدة و الفقه الى مذاهب و تمذهب و تعصب و من الابداع الى الجمود و من الاجتهاد الى التقليد في حين كانت المدارس فقهية و فكرية واجتهادية للرأي كمدرسة أبي حنيفة النعمان والأثر كمدرسة مالك والفكر كمدرسة المعتزلة وبالتالي كانت هذه الخطوة هي بداية النفق المظلم الذي دخلت فيه الأمة في حالة السبات العميق و الذي لا زلنا فيه منذ العديد من القرون مقترناً بالمرض المزمن عند الحاكم و العامة في عدم إستطاعتهم تجاوز حالة البداوة و عاطفة القبيلة السلبية بدلاً من استخدام العقل و الحضارة المدنية منهجاً و طريقة. وبالرغم من ذلك كله نرى إنّ النهضة الفكرية التي بدأها المأمون ومدرسة الاعتزال أعطت ثمارها في القرن العاشر الميلادي، حيث تحوّلت المدن العربية الكبرى إلى مراكز علمية، وأصبحت هنالك بيوت للحكمة في معظم المدن، كما كان هنالك بيوت للحكمة لمعظم الأمراء والوزراء والعلماء.
وكما أسلفنا عن الخسارة الكبيرة للعلم والإسلام والحضارة الإنسانية في انحسار هذه المدرسة "المأمونية" التي لو استمرّت حتى يومنا هذا، لما رأينا اليوم تيار الانغلاق الفكري المتحجر، ليس في فهم الدين فقط، بل بالوقوف ضد كل علم وحضارة وتقدم، وما ولّده لنا هذا التيار من فرق تكفيرية وموجات همجية إرهابية بحق المخالف لمنهجه.
إنّ من المحزن الآن ليس فقط التراجع عمّا كنا عليه في زمن المأمون وعاصمته بغداد، من سبقٍ لباقي الأمم بقرون، بل أيضاً توقفت لدينا عجلة الزمن، حيث يريد الانغلاقيون أن تعود إلى الوراء بشكل سلبي، في حين نرى باقي الأمم قد استفادت من المنهج العلمي الذي انتهجته بغداد ومدرسة المعتزلة والمأمون، ووصلت إلى ما وصلت اليه في يومنا هذا من عطاء أثرى الحضارة الإنسانية.
طبعاً يجب أن نحترم انتقال شعلة العلم من العرب والمسلمين إلى أوروبا التي حققت نهضتها، وبعدها انتقال هذه الشعلة إلى اميركا حيث نرى أن هذه الأمّة الأمريكية قدمت خلال المائة عام الماضية ما لم تقدمه الإنسانية عبر ألف عام من تقدم علمي وحضاري في كافة مجالات العلوم العلمية والطبية والإنسانية عبر عشرات الألوف من الاختراعات العلمية التي استفادت منها الإنسانية في الطب والهندسة والفضاء والصناعة والكمبيوتر والاتصالات والآداب والعلوم الإنسانية والنظم الديمقراطية، والدستور الأمريكي كشاهد أو نموذج لها. حيث أن ما ميّز نجاح التجربة الأمريكية في يومنا هذا حيث ينظر الدستور الأمريكي إلى الدين بإحترام ويدعم وجوده في المجتمع، لكنه يفصل الدين عن الحكم والسياسة، في حين نرى أن المنهج الأوروبي اختار الابتعاد عن الدين تماماً.
المدرسة الأشعرية: وهي فرقة حاولت أن تسلك الوسطية بين المدرستين، الجبرية ومبالغتها في النص ومدرسة الاعتزال التي أعتمدت الفلسفة وأساليبها في الفهم. وأخذوا بالإدراك العقلي لكنهم لم يستسلموا للعقل، فقدموا النص الديني على التعليم الفلسفي حيث يتعارضان وكان رائدها أبو الحسن الأشعري وهو تلميذ علي الحياني رأس المعتزلة في البصرة. وقد عارضت الأشعرية مدرسة الاعتزال في الصفات والذات ومنها بأن رؤية الله في اليوم الآخر ليست مستحيلة، وكذلك مسألة خلق القرآن، وحاولوا أن يكونوا وسط المدرستين وكذلك في مسألة الجَبر والاختيار، وهنا نرى أن هنالك الكثير من الآراء والحقائق والتي لا يمكن أن يكون الرأي فيها بالوسط والاعتدال وخصوصاً في موضوع الحق والباطل.
نماذج من بعض أعلام الأمة العربية والأسلامية – متكلمين أو فلاسفة:
وكما أشرنا سابقاً ان لبعض اعلام الأمة من دور كبير في هذه النهضة سواء من خلال أفكارهم أو اجتهاداتهم أو كتبهم في كافة مجالات العلوم والمعارف العلمية والفقهية والفلسفية والأدبية حيث سوف نذكر البعض كمثال لذلك لما كان لإسهاماتهم من دور في تشكيل هذه المرحلة آملين أن تتاح فرصة اخرى للتحدث عن الأخرين منهم الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجه وابن طفيل وابن رشد وابن خلدون وأبو العلاء المعري والجاحظ وأبو حامد الغزالي وغيرهم بالعشرات وبشكل مختصر بما له علاقة بالموضوع ويسمح به هذا البحث، وسوف نذكر البعض كمثال لذلك:
1. الجاحظ. الجاحظ المتكلم والباحث في الفلسفة والحكيم الموسوعي. ويعد متكلماً جدلاً ومن شيوخ المعتزلة وهو أول من أستخدم مصطلح علم الكلام والكلام إصطلاح لعلم يبحث في الدين والفلسفة ويتناولهما من كل معالم الحياة (جماد، حيوان وإنسان) ومنهج المتكلمين هو الجدل والمناظرة (الحوار) حيث أتفق الجاحظ مع ارسطو إن علم الكلام والفلسفة هي معرفة الأسباب والعلل. وأثرى الجاحظ أبحاثه حول القرآن تفسيراً وتأويلاً ومقارنة وتنزيلاً ومعجزة حيث ليس كل عالم في اللغة بالضرورة عالم بالكلام ويرى الجاحظ الأعتزال هو التوسط والاعتدال بين التقصير والافراط والذي وقعت فيه جميع الفرق وآمن الجاحظ بمبادئ المعتزلة الخمس حيث ان العدل (هو قدرة العبد على الفعل والتوحيد بنفي الصفات عن الله و الوعد الوعيد هو صدق الله بوعده في الثواب و العقاب والمنزلة بين منزلتين لمرتكب الكبيرة بإعتباره فاسق و ليس بمؤمن و لاكافر والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالفعل الإيجابي للعبد في المساهمة في تقويم المجتمع). وان الله مثال الكمال في العدل والجود والصدق والحلم وان الله شيء لا ينقسم وهو ليس جسم ذو ابعاد كسائر الاجسام (ليس كمثله شيء)، أما صفات الله كالسمع والبصر والعلم...هي عين الذات الآلهية لا تتجزأ حي لا بحياة وعالم بلا علم وان الانسان يستطيع ان يعقل الله عقل إقرار لا إحاطة. وأمتاز الجاحظ بغزارة وكثرة الكتب والمؤلفات له والتي تجاوز عددها 200 كتاب ورسالة شملت مواضيع في الفلسفة والآداب والتاريخ واللغة والطبيعة والجغرافية والاجتماع بالرغم من ضياع قسم كبير من مؤلفاته والباقي منها حوالي الثلث بعضها ناقص والآخر منحول والبعض تام وصحيح بحدود 30 كتاب وقد وردت اسماؤها في كتب التراجم القديمة من إشارات. أهم الكتب التي عثر عليها كتاب الحيوان بسبع أجزاء وهو ليس فقط يتحدث عن الحيوان وطباعه وانما يحتوي على الكثير من الأفكار الفلسفية والديانات وآراء في التطور وأقسام العالم وتأثير البيئة و المعرفة والاجتماع وغيرها..اما كتاب البخلاء وهو اظرف كتبه ولكنه يحتوي على فلسفة اجتماعية و أخلاقية عميقة و تحليل نفسي واقتصادي أما كتابه البيان و التبيين و الذي يعد الثاني من حيث الأهمية في أربعة أجزاء يشمل أساس نظريته الجمالية و البيانية وفيه آراءه في الزهد و التصوف. أما الرسائل التي تناهز الثلاثين موزعة الى طابع سياسي واجتماعي واخلاقي وطابع كلامي وحكمي وأدبي.
2. ابن رشد. ولد ابن رشد عام 520 هجرية في مدينة قرطبة بالاندلس وتوفي عام 595 هجرية. وهو من أسرة توارثت الفقه و القضاء و كان جده و أبوه من أئمة المذهب المالكي، درس الشريعة الإسلامية على الطريقة الأشعرية و تخرج في الفقه على مذهب الامام مالك و درس الفلسفة والطب و رعاه الوزير الفيلسوف ابن طفيل و قدمه الى البلاط والسلطان يعقوب ابن يوسف ليشرح له الفلسفة و كتب أرسطو وهكذا تقلد مناصب مهمة و حظي بكل اكرام و تقدير وأصبح له تأثير كبير على العقول والأفكار والرأي والقول و لكن هذا النجاح سبب له الحسد و الغيرة من المنافسين الذين أتهموه بالكفر والزندقة و لتهدأة العامة و الغوغاء تم التضحية به وأبعد و كانت كتبه الضحية حيث تم احراقها و كانت في الفلسفة و الطب والرياضيات و الكثير من العلوم الأخرى والتي تعد كنوزاً بحق و ما توفر لنا الآن فقط ما كان قد تسرب الى أوربا أو أماكن أخرى و هي قليلة نسبياً. حيث شاع أسمه في الغرب بالشارح الكبير كما أسماه دانتي في الكوميديا الآلهية وألف أبن رشد كتب في الطب منها الكليات في الشرع ومنها بداية المجتهد و نهاية المقتصد و فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الأتصال و هو يبحث في الدين و الفلسفة وأبرز ما ترك لنا في الفلسفة كتاب تهافت التهافت حيث بلغ به العقل العربي الفلسفي قمته و كما أسلفنا سابقاً الذي رد فيه على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي و دحض آرائه بحق الفلسفة ورجالها حيث نرى أن من أهم المشاكل التي شغلت الفكر البشري هو الوفاق ما بين الدين والفلسفة وبين النقل و العقل و كانت هذه المعضلة قبل الإسلام في مكتبة الأسكندرية حيث حاول (فيلون التوفيق بين شريعة موسى و الفلسفة). وتصدى لها مفكروا الإسلام ومدارسها ... حيث من كان منهم من يخضع الدين الى الفلسفة او العكس. وظل هذا الخلاف حتى قام أبن رشد لحل هذه المشكلة في كتابه فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من إتصال وكان ذو قيمة كبيرة فيما دار من خلاف وتكفير بين الفقهاء والفلاسفة. وكما نلاحظ آراءه في تأييد النظر الفلسفي واباحته في الشرع داعماً ذلك بالاستناد الى آيات قرآنية.. وكلما أبحرنا في فكر هذا الصرح نلمس عمقه الفكري في كافة المجالات و التي ربما لاتتسع هذه الورقة بها الآن بل نتمنى ان يأخذ شكل محاضرة خاصة مستقبلاً. وخصوصاً الآراء القريبة من منهج العقل عند المعتزلة في الظاهر والباطن والتأويل ووحدة الحقيقة وسببية المحسوسات وروحانية النفس و الادراك بدون آلة جسدية واستمرار النفس وتبدل البدن والجمهورية الفاضلة والمساواة ما بين الرجل والمرأة.
3. أبن عربي. ولد سنة 559 هجرية بالأندلس و كان والده من أئمة الفقه و الحديث مما أثر ذلك فيه حيث درس الحديث و الفقه على يد أبرز اعلامها و لكن مالت نفسه الى التصوف. تنقل في جميع البلاد من المغرب الى مصر و مكة و حلب و الموصل و بلاد الروم حتى أستقر في دمشق و توفي سنة 638 هجرية. أهم مؤلفاته: كتاب الفتوحات المكية الذي يعد موسوعة صوفية وكتاب فصوص الحكم ويبحث في قلب الأنسان وكتاب ترجمان الأشواق وهو مجموعة من الشعر أزدحمت فيها معاني الغزل. خلاصة فلسفته الله واحد وهو مصدر الوجود والكون أزلي ومخلوق معاً ويمتاز الله عما خلق وانفصال الانسان عن الله خاضع للإرادة الآلهية ويعي المتصوفة الله ولديهم طرق للتواصل والحقيقة المحمدية هي المبدأ الخلاق ولكل نبي كلمة من كلمات الله. أما عناصر الفلسفة لديه متعددة منها الحب ثلاث درجات هي حب الطبيعة وحب الروح والحب الآلهي والانسان الكامل يرى الحقيقة تارة هي الروح الأعظم وتلك الحياة والعرش والعقل الأول و المظاهر والأسماء تتنوع و تبقى الحقيقة واحدة و هي كاملة و تكتمل في صورة الانسان الكامل وعلاقة الأنبياء بالحقيقة كعلاقة الجزء بالكل و الحلول وحدة الوجود بتفاوت نعمة العقل في الكائنات بتفاوت استعدادها للقبول و كان الانسان الأكثر قبولاً لنعمة العقل ولذا كان خليفة الله و المرآة والصورة. ويرى ابن عربي الكون خمس طبقات و هي انعكاس لبعض و هي الحضرات و الحس والأرواح و الذات و قلب المتصوف يرى الفناء مقامات منها الفناء عن المعاصي و العالم المحسوس والذات الجسمانية و العالم و التأمل كما يرى ابن عربي حقيقة الدين ان الأديان متفرعة كل منها يحوي قسم من الحقيقة و لذا على المتصوف جمع أجزاء الحقيقة لا بالتنازع ما بين الأديان وابتعادها لذا كان عمله في التآلف بين المسيحية والإسلام واتخذ لذلك أساساً منها مثل الثالوث المسيحي يقابلها في القرآن الله و الرحمن و الرب وان المسيحية قائمة على مبدأ المحبة والتي هي أساس الايمان في الإسلام. أما في التخيير والتسيير يرى ان الانسان مسؤول عن اعماله لانها صادرة عنه ولكنه يناقض موقفه بعدم الإقرار بحرية العبد مما وضعه في خانة الغموض.
4. أبو حامد الغزالي. نشأ في حالة اليتم وهو صغير وكفله أحد أصدقاء والده من الصوفية والذي ألقى بذور الصوفية فيه الا أنه كان يحس بفضول عقلي غريب يدفعه الى التصدي على كل مشكلة والتفحص في كل عقيدة ولكل فرد. وكان الغزالي تلميذاً متفوقاً دفعه الى التعجب بالنفس والمباهاة مما جعل إستاذه أمام الحرمين يمتعض من ذلك دون أن ينكر عليه فطنته وذكائه و رافقه ذلك حتى أصبح شاباً ناضجاً و اختلط بأهل العلم و مجالسهم و ناظر الأئمة وأهل العلم بفصاحة وبلاغة حيث دخل المدرسة النظامية ببغداد سنة 484 هجرية وكانت المدرسة النظامية هي وسيلة أهل السنة لتأييد موقفهم في منافسة الأزهر في مصر الذي أسسه الفاطميون، وكان مع تأييد السلطان القائم ضد كل دعوى علوية و لكن حالة القلق و الشك و عدم الاستقرار النفسي لديه دعته الى ترك بغداد و الدراسة و التدريس و التجول من بلاد الى أخرى مؤثراً الخلوة والاعتزال والاعتكاف من مسجد الى اخر وحتى بلغ الخمسين من العمر سنة 500 هجرية وبها خلال هذه المدة الف كتاب المنقذ و ترك التدريس واعتزل نهائياً سنة 501 هجرية حتى توفى سنة 505 هجرية.
آرائه – شخصية غنية الروح واسعة الاطلاع كثيرة الإنتاج متشعب المناحي، في حياته شطران متباينان ووجوه مشتركة في أشياء يفصلهما انقلاب عميق... وأهتدى الى الصوفية عقله كثير التطلع، نفور من الانقياد ونزعته الى اليقين عرضته لعدم الاستقرار وهذه النزعة هي مهلكة لكل الأذكياء حيث ليس من اليسير الجمع بين المتناقضات وعدم الاستقرار. وبالرغم من تفهمنا واحترامنا الى نهج البحث عن الحقيقة وعدم المكابرة والعناد في التمسك بالخطأ ولكنه شكك في الحس و العقل ورأى أن الحق لابد أن يكون في أربعة حالات و فرق هي: 1) الكلام: حيث رآه لا يحتوي على الحق الشافي. 2) الفلسفة: رآها هي كفر و بدع و قسمهم الى: أ) دهريون كفرة ب)طبيعيون آمنوا في بعض و كفروا في البعض الآخر كخلود النفس ج) آلهيون آمنوا بالله و خلود النفس ولكنهم كفروا وبدعوا في أمور أخرى. 3) الباطنية: الذين أعتقدوا لابد من أمام معصوم للبت في الخلاف و توضيح الحق أتفق معهم بعجز العقل وضرورة الأمام المعصوم و لكنه يجب أن يكون النبي محمد (ص) فقط. 4) الصوفية: حيث رأى أنهم السالكون لطريق الحق و الله و أن سيرتهم وأخلاقهم الأحسن لأنها مقتبسة من نور النبوة...فأعتنقها مذهباً له وقد نقد و سفّه غيرها من مدارس. وكما نرى ذلك في كتبه و منها كتاب المنقذ وكتاب أحياء علوم الدين و كتاب تهافت الفلاسفة الذي كفّر فيه الفلسفة و الفلاسفة و حّط من قدرة العقل و رفع من قدر الغيبيات و بالتالي تجاوز النقد لمن أختلف معهم الى هدم منهج العقل و الفلسفة كما أنتقد الباطنية و لكنه كان يمارسها وكفّر الفلاسفة و منهجهم ولكن كان يستخدمها بكل آلياتها ومناهجها لإيصال أفكاره مما يضعه في خانة جاحد الجميل لها و لهم. ونرى انه في الوقت الذي رفض الفلسفة و الكثير من المناهج العلمية العقلانية الا انه أحتفظ بأضعف حلقة لدى علوم اللاهوت الكنسي قبل الثورة الصناعية عن المرأة و النظرة الدونية الناقصة و السلبية تجاهها وكان المسؤول الأول على فرضها على الشرع الاسلامي كمسلمات وبأنها رمز الخطيئة ونقصها العقلي و المعرفي وما ترتب ذلك من اهدار الى حقوق المرأة و تُرجم ذلك بفتاوى و قوانين شرعية حددت من كرامتها و اصالتها كشقيقة وأم للرجل وبانها نصف المجتمع و مربية للنصف الآخر ونرى اليوم الكثير من رجال الدين أو العامة من يرى هذا الاجحاف بحق المرأة بأنه مسلمات ثابتة من أصول الاسلام و هذا ما يتناقض كلياً مع جوهر الاسلام الذي جاء بكلام الله في القرآن الكريم او في السنة النبوية او سيرة الخلفاء الراشدين والحادث الذي دونه لنا التاريخ أثناء خطبة الخليفة الراشد عمر (رض) و عندما جادلته امرأة فأقر لها ذلك حيث قال الحمدلله الذي جعل امرأة مسلمة تصوب لعمر أبن الخطاب...ولكن مع ذلك كله لا يمنع ذلك ان هذا العالم كان يتمتع بموهبة الذكاء والرغبة في البحث عن الحقيقة أصاب احياناً وأخفق في احياة أخرى كان غزير الانتاج بنزعته الصوفية أبدع بحق في كتابه أحياء علوم الدين الذي يعد دائرة معارف في العلوم الاسلامية في العقائد والاخلاق والعبادات والعادات و المهلكات و المنجيات كما له كتب أخرى منها أربعين في أصول الدين، كيمياء السعادة، أيها الولد، رسالة الطير، ميزان العمل، المنقذ من الظلال و الذي يعبر عن ترجمة لحياته و بحثه عن الحقيقة و ما جرى له من مراحل وحالات نفسية و فكرية.
5. أبن خلدون. ولد في تونس عام 732 هجرية و توفي في مصر عام 808 هجرية من أسرة علم و مكانة سياسية. نبغ باللغة والأدب و في الفقه المالكي وقد تولى عدة وظائف في القضاء و الفقه و الحكم و السياسة و كان ذو طموح كبير لذا كان كثير التنقل والأسفار وانخرط في كافة دهاليز السياسة وعيوبها من مكر و دهاء وغدر من أجل الحصول على المنصب، وقد أستثمر خبرته تلك في كتبه في التاريخ و المقدمة التي موضوعها في العمران البشري ونشوءه و أسباب انحلاله. لذلك فقد وضع خلاصة خبرته وعلمه وفلسفته فيها وانتهج ابن خلدون العقل والمعرفة ورأى في العقل والغيبيات لابد من الفصل بينهما وجعل بينهما المجتمع و شؤنه و تطوره تاريخياً وقد أخذ على المؤرخين وأعمدته من أمثال الطبري والمسعودي وأبن الأثير في كتابة التاريخ عدم الدقة و مراعاة الهوى و العاطفة و قوة السلطان. وطالب بالمؤرخ الصالح ان يكون ذكياً ونزيهاً ودقيقاً وبارعاً في القياس والوقوف على الأسباب ويكون ذو اطلاع واسع في كل علم و فن وثقافة وفقه و سياسة واخلاق. وقد أبدع في مقدمته الفريدة والتي هي مثار الاعجاز والدراسة لسبقها والى يومنا هذا من الغرب والشرق في تعليل ظاهرة تطور الحياة الاجتماعية بتشخيصه المجتمع كائن حي، والمجتمع قاعدة للعمران، و السببية الاجتماعية وضرورة التعاون و العوامل المؤثرة في المجتمع هي الجغرافيا و المناخ و التربة وان المجتمع البشري يتطور باستمرار كحياة كل حي طفولة فشباب فكهولة فهرم وعندما يصل الى هذه المرحلة يكتسحه و يحل محله مجتمع ناشئ جديد ضمن هذه الخطى من نشئاً في البداوة فالزراع و الصناعة منتهياً بالحضارة.
أخوان الصفا
كان القرن الرابع للهجرة حافلاً بالمتناقضات والأحداث والمفاجآت والضعف ما أدى إلى تفكك الدولة العباسية إلى عدة دول وإمارات، كما نشطت الحركات الفكرية المختلفة ومنها المعتزلة بعد أن بطش المتوكل برجالها، وشوّه وعتّم الأشعري على تعاليمها، وساد التعميم في النظرة السلبية وأخذ الكل بجريرة البعض، مما سبب الظلم وعدم العدل الذي هو مبدأ إلهي وأخلاقي وديني، ويعتبر من الثوابت والأصول. وبالتالي خسر العرب والمسلمون والانسانية الكثير من العلم والمعرفة للعديد من العلماء والفلاسفة الذين كانوا ثروة هامة للأمة العربية والاسلامية وللإنسانية، فهم كانوا مصابيح العلم والمعرفة التي بها ازدهرت المجتمعات وتطورت، ونرى ذلك جلياً عند مقاربتنا على إسقاطات الواقع المظلم والانغلاقي الذي تعيشه هذه الأمّة الآن سواء بطبقات السياسيين الفاسدة أو فقهاء الظلام ووعاظ السلاطين أو من خلال تخبط وجهل العامة وانقيادهم العاطفي إلى الأخرين دون أن يحكّموا أهم نعمة أنعمها الله على الانسان، ألا وهي العقل والاحتكام به على الأمور، وتمييز ما يطرح عليهم من زاد، وهل هو غثٌّ أم سمين. ونستخلص ممّا سبق، أن الصراع الأزلي بين مدرسة الانغلاق والفساد ومدرسة العلم والعدل ليس بجديد حيث استثمر أصحاب السلطة ذلك في تزاوج غير مقدس مع فقهاء الظلام، مستغلين أحيانا جهل العامة وبراءتهم العاطفية تجاه الدين، والعصبية القبلية أحيانا أخرى، إضافةً إلى القسوة والبطش الذي وصل إلى الإجرام والابادة بالطرف الآخر في حال عدم الإذعان. هذا كلّه، وغيره من أسباب جعل البعض يدجَّن، والبعض الاخر يستسلم، لكن هنالك من فضّل أن يُبطن كلمة الحق في قلبه كي لا ينتحر او يُنحر، مقتدين بالحديث الصحيح "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي مفارقة عجيبة، نرى ما أشبه اليوم بالبارحة...! ذلك كله مهَّد إلى ظهور حركات مثل حركة أخوان الصفا. فالمؤسسون لهذه الحركة ألفّوا جمعيتهم، على أن تكون سرية، ولذا لم يكن من السهل أن نعلم عن زمان ظهورها وملابسات تكوينها الشيء الكثير. وكما يذكر أبو حيان التوحيدي عمّا ورد في كتاب (أخبار الحكماء) للقفطي، أن المؤسسين هم زيد بن رفاعة وأبو سلمان المقدسي وأبو حسن الزنجاني والمهرجاني والعرفي، ويظهر أن زيد بن رافعة كان المتقدم بينهم والموجّه والمرشد، وكان مركز الجماعة هو مدينة البصرة، وأن هذه الجمعية استكملت نظامها سنة 387 هجرية.
والأهداف التي تأسست من أجلها جمعيتهم، أن الشريعة قد تدنّست بالجهالات والضلالات ولا سبيل لتطهيرها إلا بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة، ومتى ما انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال، حيث أن تعدّد الفرق وكثرة البدع واختلاف المفاهيم أدّى إلى البلبلة والشكوك، فضعف سلطان الدين على النفوس وتراجعت الثقة بالمفاهيم، وإحياء الايمان لن يكون إلا عن طريق إبطال المزاعم بالدليل، وتأييد الحق بالبرهان، لذلك عمدوا إلى العلوم العقلية لتحقيق تلك الأهداف.
وفي رسائلهم ما يشهد بذلك، حيث اتخذوا العلم وسيلة لتهذيب النفس وترسيخ الايمان، ويذكرون في رسائلهم أيضا، أن أخلاق الناس قد انحطت وكثر بينهم الخداع والغدر وشاع الظلم والتعدي (فصار ذلك سبباً لاختفاء أخوان الصفا)، فانقطاع الوفاء والسبيل للخلاص من شرور الدنيا والفوز بسعادة الآخرة لا يكون إلا بالتعاون، وفي النهاية الهدف الذي ينشدونه يتحقق بالتعاون التام في بناء مدينة روحانية فاضلة تزدهر فيها الحياة، كما نلاحظ أن خصومهم طعنوا بهم، بأن لديهم هدفاً هو إسقاط الدولة العباسية وتصحيح بعض الأخطاء التاريخية لتحقيق العدل. ونرى من يرميهم بالقرب من الإسماعيلية، ولكن هذا لا يتلاءم مع طبيعة الأشياء، فالإسماعيليون تاريخياً هم فرقة سياسية عنيفة، في حين أنّ منهج أخوان الصفا هو العلم والفكر والحجة والبرهان في مقارعة الطرف الآخر، ويسعون كما نرى من اسمهم إلى صفوَة الأخوّة.
نظام أخوان الصفا ورسائلهم.
المبادئ الأساسية:
أولا: التستّر والتكتّم (كما نصّت رسائلهم)، اعتقاداً منهم أن في ذلك حمايةً لهم بالأخذ بمبدأ التقية.
ثانيا: التوسع والانتشار، فإنهم يسعون إلى نشر أفكارهم بتأسيس فروع لجمعيتهم في جميع الأقطار للاتصال بجميع طبقات الناس لزيادة عددهم، ولكنهم كانوا حريصين على الانتقاء والاختيار الدقيق وليس ذلك على العموم، حيث حرصوا على التعرف على أخلاق المرشح وأحواله، كما آثروا الاتصال بالشباب من ذوي القابلية والمرونة والذكاء والابتعاد عن المشايخ الهرمة الذين تجمدت لديهم آراء وعادات فاسدة ورديئة يصعب تغييرها، حيث أن الشباب سليمي الفطرة والنفوس الشغوفين للعلوم والمعرفة يريدون طريق الحق، وقرنوا ذلك بتصديق المبدأ وفهمه بوضوح، واتخاذه رأياً وعقيدة والعمل المخلص بموجبه.
ثالثا: التعاون، يوصي أخوان الصفا بالعطف الشديد على الأخ وإيثاره حتى على أدنى قريب لأن صلة الأخوة روحية في حين صلة القرابة مادية ومصلحة.

مراتب أخوان الصفا
قسّموا أعضاء الجمعية حسب نظامهم إلى أربعة مراتب، رمزوا لها:
أولا: مرتبة ذوي الضائع، وهم الأبرار الرحماء. ثانيا: مرتبة الرؤساء ذوي البأس والسياسة، وهم الأخيار الفضلاء. ثالثا: مرتبة الملوك ذوي السلطان، وهم الفضلاء الكرام. رابعا: مرتبة أرباب التسليم ومشاهدة الحق.
وسائل أخوان الصفا
إن المصدر الأول في دراسة أخوان الصفا هو الرسائل التي خلفوها، وفيها دوّنوا علومهم والكثير من آراء وأفكار جمعيتهم، وقد بلغت إحدى وخمسين رسالة، تقع في أربعة أجزاء:
1.في الرياضيات، منها أبحاث في العدد والهندسة والنجوم والموسيقى والجغرافيا والمنطق وتهذيب الأخلاق.
2. في العلوم الطبيعية، تناولوا فيها عناصر الموجودات وأصناف المعادن وأنواع النبات والحيوان.
3. في الشؤون الخلقية والمدركات العقلية، يعالجون فيها منشأ الأخلاق ونواميس الكون.
4. في الأمور الإلهية والغيبية، وفيها تفصيل نظام أخوان الصفا وخلاصة أرائهم.
علوم أخوان الصفا و آراؤهم
ليس لتفكيرهم طابع واضح، فقد غرفوا من كل بحر، ونهلوا من كل مورد، وامتازوا بالشمولية في بحوثهم المعرفية، كما امتازوا بنزعتهم الروحية التي تقترب من الزهد، إنهم يشدّدون على الفضائل الخلقية والقيم الإنسانية والمبادئ الروحية والتذكير بمخافة الله، ولكنهم يعتقدون بصحّة السحر وصدق التنجيم، و يرونه أجّل العلوم ، فعظموه من أجل استخدامه في فرض آرائهم على الشباب الخام الملتحقين بهم، إذ لا يمكننا أن نتفهم في يومنا هذا، ذلك سوى من باب التأثير النفسي على الأخرين من خلال الإيحاء وغسل الأدمغة الذي يمارسه الإعلام ورجال الدين وبعض علوم الباراسيكولوجي والتنويم المغناطيسي وغسل الدماغ في يومنا هذا كمثال لذلك.
مصادر علومهم: أعتمد أخوان الصفا لعلومهم مصادر مختلفة أهمها:
الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيين والطبيعيين. الكتب المنزّلة التي جاء بها الأنبياء كالتوراة والأنجيل والقرآن. الكتب الطبيعية التي تتحدّث عن الأفلاك والبروج. الكتب الإلهية التي هي (جواهر النفوس). وقد اعتمد أخوان الصفا على نظرية الفيثاغورسيين في العدد وفلسفة أرسطو في الطبيعة ونظام إفلاطون السياسي ومذهب الإفلاطونيين الإشرافي، وفي فلسفتهم أيضا أصول هندية في احتقار الجسد وتفضيل إحراق الجثة والرفق بالحيوان، ومن الأصول المسيحية عامل المحبة والتسامح. أما طريقتهم إلى معرفة الحق، فبالبرهان العقلي والاستدلال النظري والشعور الباطني.
1. النظام الكوني. إن عالم الطبيعة لم يُخلق دفعة واحدة، وقد دعموا، وعللوا ذلك مستمدين مذهب فلسفة إفلاطون وفيثاغورس في الانبثاق وطبيعة العدد وهبة العقل وتكرار الواحد.
2. السلم الطبيعي. لهم آراؤهم في ترتيب السلم الطبيعي من الأدنى إلى الأعلى وهو الجماد فالنبات والحيوان وهكذا.
3. التعليم الخُلقي. يعطون الأخلاق أهمية كبرى، ويشيرون إليها، ويعتبرون الأخلاق الفاضلة هي السبيل إلى السعادة واليوم الآخر. الأخلاق في رأيهم نوعان: مولود بالفطرة البشرية، ومكتسب بالعادات الجارية. أما الأخلاق الفطرية والمكتسبة فتقع تحت تأثير الجسم البشري وتأثير المحيط الطبيعي أو الخارجي وتأثير التعامل وعلومه، وكذلك تحت تأثير التربية وعامل العشرة والمعاملة.
4. المنحى الاجتماعي. تقوم فلسفتهم على مبدأ التعاون، إذ لا بدّ من نجاح التعاون بوجود عوامل اتفاق الفكر وانسجام الآراء والروح، إنه ضرورة اجتماعية وروحية. فالفرد لا يستطيع أن يستوفي حاجاته من دون تعاون مع أقرانه، ولن ينجو من الشر إلا بالتعاون، وبالتالي فالتعاون قائم على التفاهم في الرأي والمذهب.
5. المنحى الروحي. يزعمون بأنهم لا يتعصبون إلى مذهب معين، لأن مذهبهم يتجاوز المذاهب، وأن منهجهم يعتمد على كتب الأنبياء كلهم، ولأنهم على الرغم من تفاوت أزمان الأنبياء، يهدفون إلى غرض واحد هو الحث على الأخلاق والفضيلة والتذكير بالله ويوم المعاد وبعدالة الله يوم الحساب، كما يؤمنون بالله، وينفون الصفات عن ذاته شأنهم شأن المعتزلة، ويشدّدون على وجوده بالدليل العقلي.
نماذج من رسائل أخوان الصفا
1. قيام دولة الشر ونظرتهم إليها، حيث لكل دولة سلم (أو خط بياني) تبتدأ منه ولغاية ترتقي إليها وحد تنتهي إليه. فإذا بلغت الدولة أقصى مدى في غاياتها أخذت في النقصان والانحطاط والتدهور، وبدأ في أهلها الشؤم والخذلان. وهكذا حُكم الزمان في دولة الخير والشر، فتارة تكون القوة والنجاح لدولة أهل الخير، وتارة تكون القوة والنجاح لأهل الشر. وكما جاء في القرآن "وتلك الأيام نداولها بين الناس".
2. قيام دولة الخير، حيث رأيهم برغم أن أهل الشر هم الظاهرون في هذا الزمان، ولكن دولة الخير تبدأ بتعاون أهل الخير واجتماعهم على رأي ودين واحد حيث يجب أن يتفقوا على عهود ومواثيق لا يتناحرون أو يتخاذلون عن نصرة بعضهم البعض، ويكونوا كرجل واحد وكنفس واحدة.
3. المدينة الروحانية (المدينة الفاضلة)، وبها يؤمنون بالسعي والتعاون وتجميع القوة لبناء هذه المدينة، ويكون بها الله هو الذي يملك النفوس والأجساد، ويجب أن يكون أهلها قوة، ويكونوا أخيرا حكماء وفضلاء عالمين بأمور النفوس والأجساد وحالاتها، ويجب أن يكون لأهلها سيرة جميلة وحسنة يتعاملون بها فيما بينهم، وسيرة للمدن الأخرى وحسب أخلاقهم حيث أساس هذه المدينة هو تقوى الله، وأن بناءها على الصدق والوفاء والأمانة، وأن يكون الكمال غايتها.
4. مجالس أخوان الصفا، أن يكون لهم مجالسهم الخاصة بأوقات معلومة لا يدخلها غيرهم، يتذاكرون في علومهم ويتحاورون في إسرارهم.
5. إخفاء العلوم، يجب أن تكون مذكراتهم في علم النفس والحس والمحسوس والعقل والمعقول، والبحث في أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية، وكذلك في علوم الرياضيات ومنها العدد والهندسة والتنجيم والتأليف. إن غايتهم في كتم أسرارهم عن عامة الناس خوفاً من سطوة الملوك لا حذراً من جمهور العوام، وإنهم بذلك يصونون مواهب وهبها الله في العلوم والفلسفة.
6. التوسع، وكما يدعون أن لهم أخواناً وأصدقاء من كرام الناس وفضائلهم في مختلف أرجاء الأرض، ومنهم طائفة من الملوك والأمراء وأبنائهم والوزراء والولاة والكتاب والعلماء والأدباء والشعراء والفقهاء وحملة الدين والصناع حتى يكونوا مندوبين عنهم للإصلاح في أمور الدنيا والدين.
7. أختيار الأخوان، يتم التدقيق والتمحيص بما يحمله الأخ من هبة الله من فضل وحكمة وفهم ليكون مساعداً لهم.
8. الحفاظ على صفاء الأخوة، ومنها شروط اختيار الصديق بالتعرف عليه وأحواله وأخباره وأخلاقه ومذهبه واعتقاده، وهل يصلح للصداقة وصفاء المودة وحقيقة الأخوة أم لا...؟ فإن ظفرت بواحد فيجب تفضيله على جميع الأهل والأقارب لأن وحدة الفكر هي وحدة الروح.
9. تفضيل الشباب، حيث يرون أن أفكارالنفوس قبل أن تُشغل بأي اعتقاد وعلم ولأن مثلُها كمثل الورق الأبيض النقي الذي لم يُكتب به شيء، فإذا كُتبَ فيها شيء حقاً كان ذلك أم باطلا، فقد شغل مكاناً فيه منع الكتابة فيه، ويصعب مسحه، ولذا يرون الاهتمام بالشباب سليمي الصدر الراغبين في العلم والأدب، الراغبين بطريق الحق والدار الآخرة والمؤمنين بالله وغير المتعصبين إلى مذهب، والابتعاد عن المشايخ الهرمة الذين تحجرت أفكارهم وملئت ورقتهم بما يصعب مسحها. يرون أن الله ما بعث نبياً أو اختاره إلا وهو شاب، وأن الحكمة أعطاها لعبده الصالح الشاب، وأن كل أنبياء الله أوّل من كذبهم مشايخ قومهم المتعاطون في الفلسفة غير الهادفة والنظر والجدل العقيم من دون هدف.
وأخيراً، وعبر هذه الرحلة والاستعراض، حاولت كل جهدي أن أختزل ما استطعت دون تشويه الفكرة.
إن تاريخنا حافل وغني بما يعتبر في حينه سابقاً للأمم المجاورة، بما وفر لنا قاعدة للإنطلاق نحو الأمام لا الرجوع نحو الخلف عكس عجلة الحياة والتاريخ والتقدم.
ومهما كان في التاريخ من رموز نجلّها ونحترمها في كافة مجالات العلوم والشريعة، لكن ذلك لا يعني أن نكون أسرى الماضي وعبدة لإشخاص هم كانوا متقدمين على غيرهم في ذلك الزمان، لأن الحياة في تقدم والعقل البشري في نمو، بل أكثر قابلية للاستيعاب والفهم، وأن مبدأ الاجتهاد والتبصر والعقل يوفر لنا مساحة كبيرة للتطور، مع تطور الحياة، واستيعاب المزيد من الفهم للحقيقة، ومنها حقيقة خلق الإنسان من قبل الله عز وجل، لأن يكون خليفة الله في الأرض للإعمار والبناء لا الهدم والتخريب والإرهاب.
اننا عندما ننظر الى "صحيفة المدينة" التي خطها الرسول محمد (ص) نرى خلالها بداية ملامح المجتمع المدني ونجد فيها احترام حقوق الفرد والجماعة وحرية الفكر والتعبد الديني، خصوصا لباقي الأديان مثل اليهودية والمسيحية، ثمّ ما تبع ذلك من فترة الحكم الرشيد للخلفاء الراشدين والتي تعتبر فترة النقاء الايماني والمثل والقيم الأخلاقية بعد فترة حياة الرسول (ص)، ثمّ ما نراه حدث من تطور في آلية قيادة تلك الأمة الإسلامية ضمن مدة قصيرة نسبياً نتيجة عدم وجود مؤسسات دولة لدى العرب آنذاك او خبرة سابقة إدارية او مؤسساتية.. حيث نرى الخليفة الراشد عمر(رضي الله عنه) استفاد كثيراً في بناء الجيش الإسلامي وأسلوب بيت المال و توزيعه والبريد والمراسلات ... وأمور أخرى، من نظم الدول المجاورة للعرب في ذلك الزمان إضافة الى عمل الخلفاء في مبدأ الاجتهاد بالعديد من المشكلات والمعضلات التي ظهرت أمامهم، كما نرى عندما أجتهد الخليفة الراشد عمر في تجميد العمل بنصوص واضحة.. كل ذلك كان نابعاً من فهم صحيح لتطور المجتمع ومن الحاجة لأستخدام العقل في مواجهة معضلات ومشاكل وجب الاجتهاد فيها. لكن مع الأسف الشديد، هذا النهج الراشد باستخدام العقل والاجتهاد، في مواجهة المعضلات والتطور في المجتمعات، لم يستمر ويتواصل بعد هذه المرحلة الراشدة حيث غاب الرشد بعدها. ولو أستمر هذا النهج لوصلنا الى صيغ الحكم القائمة اليوم في المجتمعات الحديثة المتقدمة من حيث وجود آلية شرعية للانتخاب وتحديد لفترة الحاكم وسحب هذا التفويض عندما تقتضي المصلحة العامة. لكن كما قلنا فإنّ حداثة التجربة الإسلامية آنذاك، من ناحية، وقصر الفترة الزمنية لعهد الخلفاء الراشدين، من ناحية أخرى، أوجد خللاً كبيراً لاحقاً في كيفية الحكم وفي سؤ التصرف ببيت مال المسلمين وفي ظهور الفساد الإداري والمالي والسياسي، بداية مع تأسيس الدولة الأموية ثم وصولاً إلى العهود التي تبعتها حتى مطلع القرن العشرين، حيث أصبح الحكم وراثياً والأفضلية فيه وفي المغانم هي للعائلة أو القبيلة الحاكمة. وقد جرى، للأسف، ربط ذلك كله بقدر الله ومشيئته وبعدم جواز الاعتراض عليه وفق منهج الجبر كما أسلفنا سابقاً.
ان السلف الصالح واعمدة الفقه والحكمة والفلسفة العربية كانوا محطات للانطلاق للامام وكانوا العتبة الأولى والاساس لسلم الرقي والارتقاء نحو الأعلى، ولم تكن اجتهاداتهم من أجل البقاء سجناء مسمرين عند هذه المحطة او تلك، كما هو معظم الحال السائد الآن في العالمين العربي والإسلامي.
رحم الله شاعرنا الكبير ابي القاسم الشابي، وانا أقرأ هنا بعض الابيات المختارة من قصيدته العصماء، "أرادة الحياة":
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر
ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
أذا طمحت للحياة النفوس فلا بد أن يستجيب القدر
==========================
المراجع و المصادر التي يمكن الرجوع اليها للحصول على المزيد من المعلومات و تفاصيل أكثر عن الموضوع:
أسم الكتاب/ المؤلف
كتاب الفلسفة الاسلامية واعلامها/د.يوسف فرحات
سلسلة فلسفة العرب/يوحنا امير
اعلام الحضارة العربية الاسلامية/زهيرحمدان
موسوعة عباقرة الاسلام/د.محمد أمين
رسائل أخوان الصفا/أخوان الصفا
مروج الذهب/المسعودي
بداية المجتهم ونهاية المقتصد/ابن رشد
فتاوى ابن رشد/ابن رشد
مقدمة ابن رشد/ابن رشد
رسائل ابن عربي
آثار ابن المقفع/ابن المقفع
عصر المأمون/أحمد فريد
العدل الالهي بين الجبر والاختيار/محمد حسين
تاريخ علماء بغداد/ابي المعالي
أزمة العقل المسلم/عبدالحميد ابو سليمان
فقه الفلسفة و القول الفلسفي/د.طه عبدالرحمن
ابن النفيس، الطبيب و الفقيه و الفيلسوف/ابن النفيس
اصلاح الفكر الاسلامي/د.طه جابر
اجتهاد في الشريعة الاسلامية/د.محمد فوزي
ابن رشد فيلسوف عربي بروح غربية/د.عاطف العراقي
الوجه الاخر لحداثة ابن رشد/د.محمد المصباحي
التعليقات/ الفارابي
الواحد و الوحدة/الفارابي
المعتزلة و مشكلة الحرية الانسانية/د.محمد عمار
ديوان ابي القاسم الشابي/ابي القاسم الشابي
الكامل في التاريخ/أبن الأثير
الخصائص/أبن جني
تهذيب التهذيب/أبن حجر العسقلاني
الفصل في الملل والأهوال والمحن/أبن حزم
تهافت التهافت/أبن رشد
الطبقات الكبير/أبن سعد
فصوص الحكم/أبن عربي
المعارف/أبن قتيبة
الفهرست/أبن النديم
مقالات الاسلاميين/الأشعري
فلسفة المعتزلة/د.البير نصري
الحيوان/الجاحظ
البيان و التبيين/الجاحظ
رسائل الجاحظ/الجاحظ
البخلاء/الجاحظ
المحاسن و الأضداد/الجاحظ
المناحي الفلسفية عند الجاحظ/د.علي بو ملحم
تاريخ الجهمية و المعتزلة/جمال الدين قاسم
رسائل العدل و التوحيد/الحسن البصري
اعتقاد فرق المسلمين و المشركين/الرازي
أساس البلاغة/ الزمخشري
أمالي المرتضى/الشريف المرتضي
تهافت الفلاسفة/أبو حامد الغزالي
أحياء علوم الدين/ أبو حامد الغزالي
رسائل الكندي/الكندي
نظرية المعرفة عند أبن رشد/د.محمود قاسم
الفلسفة الاسلامية وعلم الكلام/مونتجمري أن
بحوث في المعتزلة/نلينو (كرلوالفونسو)
المعجم الفلسفي/يوسف كرم
النظريات السياسية الاسلامية/د.محمد ضياء

=======================
*ضياء السعداوي- كاتب عراقي يقيم في الولايات المتحدة، صاحب مكتبة الحكمة في احدى ضواحي العاصمة الأمريكية - واشنطن.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

www.alhikmabookstore.com

تعليقات على مسودة قانون الإصلاح الإقتصادي الاتحادي

مصلح النقدي*
أسهاما في النقاش بشأن مسودة قانون الإصلاح الاقتصادي الاتحادي الذي بدأه الزميل الدكتور رائد فهمي من خلال شبكة الاقتصاديين العراقيين، أطرح تاليا تعليقاتي على تلك المسودة، والتي تتناول الشكل والمضمون والنص والتطبيق وليس المفاهيم النظرية التي اشبعها نقاشا الدكتور ياسر صالح في سلسلة مقالات نشرت على موقع الحزب الشيوعي العراقي على الشبكة العنكبوتية.
- هل يكون الإصلاح الاقتصادي بقانون؟
بغض النظر عن مدى توافق مع مفاهيم الاصلاح الاقتصادي ومدارسه، تعرف المسودة (المادة 1 - أولا) الاصلاح الإقتصادي بأنه "إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وفقا لمباديء الاقتصاد الحديثة ومتطلبات التحول لاقتصاد السوق...". والسؤال هنا: ما الرؤية والسياسة والستراتيجيات الاقتصادية التي إستندت إليها مسودة القانون؟ وما المفهوم أو المفاهيم الاقتصادية التي سينفذ وفقها الإصلاح الاقتصادي؟ هل لدى الحكومة العراقية سياسات مالية ونقدية وإستثمارية تندرج تحت مظلة سياسة اقتصادية كلية معتمدة وطنيا؟ لا شيء من ذلك عدا إشارة يتيمة إلى "برنامج الإصلاح الاقتصادي المعتمد من مجلس الوزراء..." (المادة 15) الذي لا يعرف مضمونه ولا متى أقُر! لو كانت المسودة عن "مجلس إصلاح اقتصادي" لكانت مقبولة بإعتبار أن مهمة وضع الرؤية والسياسة والستراتيجيات ستناط بمجلس الإصلاح الاقتصادي، لكن أن يصار إلى إعداد مسودة قانون إصلاح اقتصادي قبل وضع رؤية وسياسة إصلاح اقتصادي والتوافق عليها، فذلك أشبه بوضع العربة أمام الحصان!
وفي هذا السياق، لا علم لي، على قدر معرفتي المتواضعة، وأرجو من الزملاء الأعزاء أن يصححوا قولي هذا إن إخطأت، بأن دولة ما إعتمدت قانونا مشابها...! ثم، هل تصلح مسودة قانون في 9 صفحات و18 مادة، بغض النظر عن محتواها، أن تكون الإطار التشريعي والقانوني لمهمة جسيمة وشائكة مثل الإصلاح الاقتصادي في بلد مثل العراق؟
- "قانون إصلاح اقتصادي" أم " قانون مجلس إصلاح اقتصادي"
أول ما يلفت الإنتباه في المسودة عدم توافق التسمية مع المضمون. فالمسودة تقع في 18 مادة مبوبة كما يأتي:
الفصل الأول التعاريف والأهداف والسريان
المادة 1 تعاريف
المادة 2 أهداف القانون
المادة 3 السريان
الفصل الثاني وسائل الإصلاح الإقتصادي
المادة 4 وسائل تحقيق أهداف القانون
الفصل الثالث مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 5 تأسيس مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 6 مهام مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 7 نشكيلات مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 8 مجلس إدارة مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 9 إجتماعات مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 10 مهام مجلس إدارة مجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 11 مجالس الإصلاح الإقتصادي في الأقاليم والمحافظات
المادة 12 أقسام الإصلاح الإقتصادي في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة
الفصل الرابع أحكام مالية
المادة 13 الموارد المالية لمجلس الإصلاح الإقتصادي
المادة 14 تدقيق حسابات مجلس الإصلاح الإقتصادي
الفصل الخامس أحكام عامة وختامية
المادة 15 التنسيق بين مجلس الإصلاح الإقتصادي والوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة
المادة 16 لا يعمل بأي نص يتعارض مع أحكام هذا القانون
المادة 17 لمجلس الوزراء أصدار أنظمة وتعليمات لتسهيل تنفيذ هذا القانون
المادة 18 إنفاذ القانون
أي أنه بإستبعاد المادة - 1 (التعاريف) والفصل الخامس (أحكام عامة وختامية)، فإن أغلب مواد المسودة تخص "مجلس الإصلاح الاقتصادي" وليس "الإصلاح الاقتصادي" تحديدا. لذا فإن تسمية مسودة القانون لا تدل على المضمون، وكان من الأجدر تسميته " قانون مجلس الإصلاح الاقتصادي الاتحادي".
1. بين "السلطة الاتحادية" وسلطات "الإقليم" "والمحافظة غير المنتظمة في إقليم": خلط وتناقض في الإختصاصات
نصت المادة (110) من الدستور على ما بأتي:
"تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية الاتية:
اولا: رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وابرامها ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية.
أي أن رسم السياسة الإقتصادية، وبضمنها الإصلاح الإقتصادي، من الإختصاصات الحصرية للسلطات الإتحادية. لذا فإن حشر كلمة "إتحادي" في تسمية مسودة القانون يوحي بأنه يمكن أن تكون هنالك "إصلاحات إقتصادية" على مستويات الإقليم والمحافظة أيضا. ويتعزز هذا الإيحاء بنص المادة 11 التي تتيح للإقليم والمحافظة تشكيل "مجالس إصلاح إقتصادي". وهذا مخالف لنص المادة 110 من الدستور ومجاف للمنطق أيضا. إذ أنه من غير المعقول أن يكون هنالك 16 مسودة القانون في إقليم كردستان والمحافظات الـ 15 تتولى مهاما من طلب الإختصاصات الحصرية للسلطات الإتحادية. فالإصلاح الإقتصادي ليس مثل الإستثمار لتنشأ له "مجالس إصلاح إقتصادي" في الإقليم وكل المحافظات.
وفيا يخص المحافظات تحديدا، كيف يمكن تحقيق الهدف الذي نصت عليه المادة 2 - خامسا "الإنتقال من الإدارة المركزية للإقتصاد إلى الإدارة اللامركزية من خلال منح دور أكبر للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في التخطيط الإقتصادي..." إذا كانت المحافظات تفتقد إلى سلطات تشريعية كافية، لاسيما مع إنعدام تحديد واضح لإختصاصات السلطات المركزية والمحلية؟ أيضا، ومما يثير الإستغراب، أن هدف "منح دور أكبر للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في التخطيط الإقتصادي" مناقض لنص المادة 11 من المسودة التي تتيح لمجالس الإصلاح الإقتصادي في الإقليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم "تنفيذ خطط وبرامج وسياسات الإصلاح الإقتصادي التي يقررها مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" وحسب!
إخيرا، إذا كان لا بد، على وفق ما يراه معدوا مسودة القانون، من حشر كلمة "إتحادي" في تسمية مسودة القانون و"مجلس الإصلاح الإقتصادي" الذي سينشأ بموجبها، فلماذا لا يطبق الشيء نفسه على كل التشكيلات المماثلة في الحكومة الإتحادية، كأن يقال مثلا "هيئة الإستثمار الإتحادية" بدل "هيئة الإستثمار الوطنية"؟ الأصل في صياغة القوانين الاتساق في إستخدام التسميات...
1. وماذا عن المادة 25 من الدستور؟
نصت المادة 25 من الدستور على ما يأتي:
تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته.
ورغم أن عبارة "اسس اقتصادية حديثة" حمالة أوجه، لكن المسودة لا تشير مطلقا إلى هذه المادة من الدستور كما تفرضه أبسط مباديء صياغة القوانين وإعدادها. وربما يعود ذلك إلى أن التعريفات (المادة 1) والأهداف (المادة 2) تجاوزت بعيدا النص الدستوري عندما أوردت "التحول إلى إقتصاد السوق" (المادة 1 - أولا) و"وفقا لمباديء إقتصاد السوق الحر" (المادة 2 - ثانيا) و"الإنتقال من الإدارة المركزية للإقتصاد إلى الإدارة اللامركزية من خلال منح دور أكبر للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في التخطيط الإقتصادي" (المادة 2 – خامسا).
1. التعريفات
‌أ. وحدة القطاع العام (المادة 1 – ثانيا)
[1] "كل تشكيل مملوك للدولة توفر..." والصحيح "يوفر".
[2] جرى تعريف وحدة القطاع العام قبل تعريف القطاع العام نفسه (المادة 1 - خامسا)، وهذا لا يجوز. لذا، لا بد من إيراد هذه الفقرة إلى ما بعد المادة 1 - خامسا.
‌ب. الوحدة الإقتصادية (المادة 1 – ثالثا)
"كل تشكيل يمارس نشاطات إقتصادية، كالتصنيع والخدمات والتجارة ويكون مملوك..." والصحيح "مملوكا".
‌ج. تعريفا "القطاع الخاص" والقطاع المختلط"
[1] يستند تعريف القطاع الخاص في المسودة (المادة 1 - رابعا) إلى المادة 8 - ثانيا (2) من قانون الشركات ذي العدد 21 لسنة 1997 المعدل، لكن المسودة لا تشير إلى ذلك!
[2] يستند تعريف القطاع المختلط في المسودة (المادة 1 - سادسا) إلى المادة 7 - أولا من قانون الشركات ذي العدد 21 لسنة 1997 المعدل، لكن المسودة لا تشير إلى ذلك أيضا!
‌د. "الحوكمة الرشيدة" (المادة 1 – ثامنا)
نص التعريف لا يطابق المعرف به ولا مضمون المسودة يشكل عام. ومن المرجح أن المقصود بهذا التعريف "حوكمة الشركات".
‌ه. "الشركاء الإجتماعيين" (المادة 1 – تاسعا)
[1] الصحيح "الشركاء الإجتماعيون"!
[2] ولماذا "الإتحادات المهنية المؤسسة وفق القوانين العراقية" فقط؟ ماذا بشأن منظمات االمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والتي لا تعد "إتحادات مهنية"؟
‌و. "الشراكة" (المادة 1 – عاشرا)
يستحسن إستخدام مصطلح "الشراكة العامة - الخاصة" الأكثر دقة وتحديدا.
1. الأهداف
‌أ. المادة 2 - ثانيا
"... وتحسين الكفاءة في إدارة الموارد الطبيعية وفقا لمباديء إقتصاد السوق الحر...". تشمل الموارد الطبيعية النفط والغاز، والثروات المعدنية، والمياه السطحية والجوفية، والغابات والمراعي الطبيعية، فكيف تدار موارد طبيعية حيوية مثل النفط والغاز والمياه السطحية والجوفية وفقا لمباديء إقتصاد السوق الحر؟ وكيف يستقيم ذلك مع نص المادة 110 - ثامنا من الدستور التي عدت "تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق وضمان مناسيب تدفق المياه و توزيعها العادل داخل العراق وفقا للقوانين والاعراف الدولية" من السلطات الحصرية للحكومة الإتحادية؟ وكيف يستقيم ذلك مع المادة 112 - أولا من الدستور التي نصت على "تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة..."؟ أيعني ذلك خصخصة تلك الموارد الطبيعية؟ وكيف يستقبيم ذلك ومضمون المادة 29 من قانون اٍلاستثمار التي نصت على "تخضع جميع مجالات الاستثمار لأحكام هذا القانون باستثناء ما يأتي: اولا - الاستثمار في مجالي استخراج وانتاج النفط والغاز"؟
‌ب. المادة 2 - رابعا
"تسهيل الدخول في شراكات بين القطاع العام والخاص وضمان المنافسة العادلة بينهما":
[1] الصحيح أن يقال "بين القطاعين...".
[2] تخلط هذه الفقرة بين الشراكات العامة - الخاصة والمنافسة بين القطاعين العام والخاص، وهما أمران مختلفان تماما لا بد من الفصل بينهما في فقرتين.
1. المادة 3
"تسري أحكام هذا القانون على القطاع العام والخاص والمختلط" والصحيح أن يقال "القطاعات: العام والخاص والمختلط".
1. وسائل الإصلاح الإقتصادي (المادة 4)
‌أ. المادة 4 - خامسا
"تنظيم العلاقة بين ملكية وإدارة الموارد الطبيعية..."، راجع الفقرة 6 - آ.
‌ب. المادة 4 - سادسا
التعبير "... خصخصة الشركات العامة" لا يتوافق مع الوثائق التي نشرتها الحكومة العراقية في هذا المجال والتي تتحدث عن "إعادة هيكلة الشركات العامة". ولا يخفى الفرق بين التعبيرين على القراء الكرام.
‌ج. المادة 4 - تاسعا
[1] "توفير شبكات الحماية الإجتماعية ونزاهتها" والصحيح "إستحداث شبكات الحماية الإجتماعية وضمان نزاهتها".
[2] وتنظيم سوق العمل والتعليمات المنظمة لسوق العمل" تكرار لا مبرر له!
‌د. المادة 4 - عاشرا
[1] من خلال إنشاء صناديق الإقراض أو التمويل من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص".
[2] صياغة ركيكة، لاسيما مع تكرار "من خلال".
[3] الإقراض نوع من التمويل ولا داعي، بالتالي، للتفصيل الذي لا يضيف جديدا في صياغة مسودة قانون.
[4] ولماذا تحصر هذه المادة التمويل "بالشراكة بين القطاعين العام والخاص"؟ الأجدر أن يقال "من قبل القطاعين العام والخاص أو بالشراكة بينهما".
‌ه. المادة 4 - حادي عشر
"خلق بيئة قانونية..." والصحيح أن يقال "خلق بيئة تشريعية...". وينطبق ذلك على المادة 4 - ثاني عشر أيضا.
‌و. المادة 4 - ثالث عشر
"ذات الصلة بالأراضي وطرق إستخدامها". هل المعني هنا الأراضي الزراعية فقط؟ إذا صح ذلك، وجب حذف "وطرق إستخدامها" لأن الأراضي الزراعية يجب أن تستخدم للزراعة! وتتكرر في المادة 4 - سابع عشر عبارة "تنظيم إستخدام الأراضي..." في ميدان التنمية الحضرية والتخطيط. لذا، من المستحسن أن يضم إستخدام الأرض بكل أشكاله في بند واحد.
‌ز. المادة 4 - سابع عشر
"إعتماد مباديء التنمية الحضرية والتخطيط..." والصحيح أن يقال "إعتماد مباديء التخطيط والتنمية الحضرية.".
1. تأسيس مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي ومهامه وتشكيلاته
‌أ. المادة 5
"يرتبط بمجلس الوزراء..." (المادة 5 - أولا)، سيضاف "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" إلى نحو 27 تشكيل دون مستوى وزارة ترتبط إرتباطا مباشرا أو غير مباشر بمجلس الوزراء فضلا عن عشرات اللجان الدائمة والمؤقتة والمكاتب تشكل عبئا أخر على مجلس الوزراء المثقل أصلا. و"يرأس المجلس موظف بدرجة وزير..." (المادة 5 - ثانيا) و"يكون لرئيس المجلس نائب بدرجة خاصة..." (المادة 5 - ثالثا). وسؤالنا هنا: هل يتوافق هذا التوجه في إستحداث تشكيلات موازية ترتبط بمجلس الوزراء وإستحداث المزيد من الدرجات الوظيفية العليا مع متطلبات الإصلاح الإداري الذي يعد أحد أبرز مقومات الإصلاح الإقتصادي؟ وما مبرر أن يكون الرئيس بدرجة وزير ونائبه بدرجة خاصة في حين أن "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" له مهام تخطيطية وتنسيقية وإستشارية وداعمة (المادة 6) وحسب وليست تنفيذية تتطلب هذين المستويين من الدرجات الوظيفية.
وينطبق الشيء نفسه على تشكيلات "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" (المادة 7) التي تتضمن 5 دوائر يديرها مدراء عامون، حيث أن مهام تلك الدوائر ستكون تخطيطية وتنسيقية وإستشارية أيضا، ما عدا دائرة الشؤون القانونية والإدارية، وليس هناك من داع، تبعا لذلك، لأن تتولاها دوائر يديرها مدراء عامون، بل أن أقساما تكفي، في تقديرنا، لتولى تلك المهام. والعبرة، في النهاية، في إختيار المؤهلين لتولي تلك المناصب وليس الدرجة الوظيفية.
أما دائرة الشؤون القانونية والإدارية فالعرف السائد أن تستحدث في وزارة أو هيئة، اما في "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" فلا داع لوجودها أصلا ويمكن لتشكيل بمستوى قسم أن يقوم مقامها.
‌ب. مهام "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي"
تحدد المادة 6 مهام "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" والتي تندرج في مجالات التخطيط والتنسيق والدعم والإستشارات. لكن ما دور نائب رئيس الوزراء للشؤون الإقتصادية ولجنة الشؤون الإقتصادية في مجلس الوزراء ومهامهما في الإصلاح الإقتصادي؟ إن مسودة القانون أغفلت أية إشارة إلى ذلك. علاوة على ذلك، فإن أغلب هذه المهام تتداخل، بل وتتضارب، مع مهام وزارات وهيئات عديدة:
[1] مع مهام وزارة التخطيط المحددة بقانون وزارة التخطيط ذي العدد 19 (2009) في مجالات "تطوير مسيرة التنمية الإدارية بما يرفع كفاءة أداء الجهاز الحكومي" (المادة 2 - ثانياً)، و"تطوير مسيرة التنمية الإدارية بما يرفع كفاءة أداء الجهاز الحكومي (المادة 3 - ثانياً)، "اقتراح وتطوير السياسات الاقتصادية والاجتماعية لمختلف القطاعات لتحقيق التنمية الوطنية" (المادة 3 - أولا)، و"دعم ورعاية القطاع الخاص والتنسيق بينه وبين أجهزة الدولة بما يؤمن تفعيل دوره ضمن عملية التنمية الوطنية (المادة 3 - رابع عشر). وتتولى دائرة السياسات الاقتصادية والمالية هذه المهام على وفق تعليمات تشكيلات ومهام دوائر وأقسام وزارة التخطيط المرقمة (1) لسنة 2012.
[2] مع أهداف ومهام وزارة الصناعة والمعادن المحددة بالقانون ذي العدد 38 (2011) في مجالات "وضع الإستراتيجيات والسياسات الصناعية للعمل في بيئة إقتصاد السوق بما ينسجم والسياسة العامة للدولة" (المادة 3 - أولا)، وتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية الصناعية وفي النشاط الاقتصادي الصناعي..." (المادة 3 - خامساً)، و"إعداد وتنفيذ الإستراتيجيات والخطط والسياسات الصناعية الجديدة للعراق" (المادة 4 - خامسا)، و"إقتراح مشاريع القوانين وإصدار الأنظمة والتعليمات ذات العلاقة والتي تنظم عمل القطاعات الصناعية المختلفة" (المادة 4 - تاسعاً)، و"تنظيم أسس التعاون والتنسيق للشراكة فيما بين القطاعين العام والخاص بما ينسجم والسياسة العامة للدولة" (المادة 4 - عاشر)، و"تشجيع قيام المشاريع الصغيرة والمتوسطة ووضع الآليات اللازمة لتمويلها" (المادة 4 - ثالث عشر)، و"اعداد الدراسات الخاصة والسعي لتحويل شركات القطاع العام التي يتقرر تحويلها الى القطاع الخاص او جعلها شركات مساهمة..." (المادة 4 - رابع عشر).
[3] مع أهداف ومهام وزارة المالية المحددة بالقانون ذي العدد 92 (1981) في مجالات "المساهمة في وضع اسس واتجاهات التخطيط المالي في القطر، وفي تحديد الاطار العام والتفصيلي لعناصر الخطة المالية ضمن اطار السياسة العامة للدولة" (المادة 1 - اولا)، و"ادارة وتنظيم وتطوير النظام الضريبي" (المادة - ثانيا د).
[4] مع أهداف ومهام وزارة التجارة المحددة بالقانون ذي العدد 37 (2011) في مجالات "المساهمة في تطوير القطاع الخاص وتوفير البيئة الملائمة له من خلال تحويل شركات القطاع العام الى القطاع الخاص في ضوء التوجه الجديد بالانتقال بالدولة من الاقتصاد الموجه الى الاقتصاد الحر" (المادة 2 - ثانياً)، و" تنظيم ومعالجة الشؤون الاقتصادية والتجارية بالتنسيق مع مختلف القطاعات ذات العلاقة" (المادة 3 - سادساً)، و"إيجاد البيئة الملائمة لتطوير القطاع الخاص وتنمية الاستثمار من خلال دعم النشاط التجاري الخاص بمختلف حقول التجارة الداخلية والخارجية (المادة 3 – تاسعاً).
[5] مع مهام هيئة المستشارين في مجلس الوزراء والتي تضم مكتبا للشؤون الإقتصادية.
‌ج. مجلس الإدارة
يتكون مجلس الإدارة على وفق المادة 8 - أولا من رئيس مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي (رئيسا) ونائبه (نائبا للرئيس) والمدراء العامون (أعضاءا) و4 أعضاء منتخبين يمثلون القطاع الخاص والإتحادات المهنية والغرف التجارية، أي ما مجموعه 11، أكثر من ثلثهم بقليل من القطاع الخاص. لكن طبيعة مهام مجلس الإدلرة المحددة في المادة 10 - أولا والمقيدة بالمادة 10 - رابعا تجعل منه، واقعا، مجلسا إستشاريا لا مجلس إدارة مخول بإتخاذ القرارات وتنفيذها.
من جانب آخر، فإن طبيعة مهام "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" التخطيطية والتنسيقية والإستشارية والداعمة لا تتطلب "مجلس إدارة" بل هيئة إستشارية تتكون، فضلا عن رئيس مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي ونائبه والمدراء العامين فيه وممثلي القطاع الخاص، من ممثلين عن مجلس النواب، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الإقتصادية والوزارات المعنية بالشأن الإقتصادي والبنك المركزي العراقي وحكومة إقليم كردستان وخبراء مستقلين لضمان أعلى مستوى من االتنسيق والتكامل ومراقبة التنفيذ. وفي هذا الصدد، نرى أن يعاد النظر بمهام "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" جذريا بحيث تتولى هذه الهيئة الإستشارية مهام "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" وأن يتحول الأخير، بهيكله التنظيمي المعدل، إلى سكرتارية تنفيذية للهيئة الإستشارية.
‌د. مجالس الإصلاح الإقتصادي في المحافظات وأقسام الإصلاح الإقتصادي في الوزارات المعنية
بالرغم من تعدد مفاهيم الإصلاح الاقتصادي إلا إنه يعني عموما، تصحيح أسس الاقتصاد الكلي وإعادة رسم الأولويات لتوفير الظروف الملائمة لتحقيق نمو الاقتصادي مستدام وتحسين مستويات المعيشة في بيئة اقتصادية كلية مستقرة واتباع سياسات مالية ونقدية تهدف إلى سيادة نظام السوق وتحسين وضع ميزان المدفوعات. لذا، فإن الإصلاح الإقتصادي بما ينطوي عليه من سياسات وإستراتيجيات وخطط وإصلاحات تشريعية وإدارية، لا بد أن تقوده، تخطيطا وإشرافا وتنفيذا، السلطات المركزية أو الإتحادية. لذا فإن أستحداث تشكيلات فرعية لـ "مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" على مستويات الأقاليم والمحافظات (المادة 11 - أولا) والوزارات المعنية (المادة 12 - أولا) أمر سابق لأوانه ولا بد من تأجيله إلى حين وضع إطار وأسس وسياسات وستراتيجيات الإصلاح الإقتصادي وإقرارها.
1. الأحكام العامة والختامية
نصت المادة 16 - أولا على ما يأتي: "لا يعمل بأي نص يتعارض مع أحكام هذا القانون". وهذا النص الذي جرت العادة على إقحامه في أغلب التشريعات الصادرة أبان عهد النظام السابق، لاسيما في قرارات مجلس قيادة الثورة، وإستمر الأخذ به حتى الآن، تقلل من مصداقية وموثوقية التشريعات. فمن غير المقبول والمعقول أن تلغى مفاعيل قوانين وأنظمة وتعليمات وقرارات بموجب عبارة مبهمة مثل "لا يعمل بأي نص يتعارض مع أحكام هذا القانون" تكون، بغياب التحديد، عرضة لتفسيرات وتأويلات وآراء شتى!
1. الأسباب الموجبة
نصت مسودة القانون على أنه "إنسجاما مع الدستور، ولغرض تحويل الإقتصاد العراقي إلى إقتصاد السوق..."، لكن المشكلة في هذا النص أن الدستور في المادة 25 لا يتحدث مطلقا عن إقتصاد السوق بل عن "... اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسس اقتصادية حديثة"، وشتان بين النصين!
إستنتاج وإقتراح
حسنا فعل مجلس النواب برد مسودة "قانون الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" إلى مجلس الوزراء رغم عدم تبيان الأسباب للعموم، ونرجو أن لا تكون المناكفة السياسية أحدها. إن مسودة "قانون الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" و"مجلس الإصلاح الإقتصادي الإتحادي" بتشكيلاته المقترحة لن تفلح في تحقيق الإصلاح الإقتصادي في غياب الإرادة السياسية والإفتقار إلى رؤية وسياسات إقتصادية وإختلال آليات وسياقات الدولة وسوء الإدارة، لاسيما الترهل الإداري وإستحداث المزيد من التشكيلات الموازية.
والحل الذي نراه: لا لمزيد من التشكيلات الفوقية والموازية. إلغوا وزارة التجارة وحولوا مهامها إلى القطاع الخاص وأستحدثوا وزارة الإقتصاد وإمنحوها صلاحيات كافية لتتولى مهام الإصلاح الإقتصادي وإحرصوا على أن يديرها خبراء أكفاء مستقلون، بدءا من الوزير!
========================
* خبير عراقي في مجال التنمية الادارية، والمقال نشر على موقع شبكة الإقتصاديين العراقيين تشرين ثاني / نوفمبر 2013.
 

الإسلام السياسي بعد الثورات العربية

قراءة في التفكير السياسي لسسيولوجيا المعرفة الإسلامية!

بقلم : د.عبد الحسين شعبان

مدخل
دفعت الثورات العربية منذ مطلع العام 2011 بالتيار الإسلامي عموماً، والأخواني بشكل خاص، إلى ساحة العمل السياسي وخوض غمار التجربة الحزبية العلنية، بعد أن كانت الحركات الإسلامية في العديد من البلدان العربية محرومة من العمل السياسي العلني والقانوني، وقد ظلّ العمل الإسلامي أو لنَقُلْ طيفه الأكبر مهتماً بالعمل الخيري، الإنساني، إضافة إلى العمل التربوي- التبشيري والدعوي، فضلاً عن العمل الاجتماعي.
وإذا كانت الثورة الإيرانية، التي نجحت في شباط (فبراير)1979 قد وفّرت فرصة للتيار الإسلامي لتولي إدارة البلاد، فإن الانتخابات في تركيا هي التي جاءت بحزب العدالة والتنمية إلى السلطة. وبغضّ النظر عن تقييم المشروعين الإسلاميين الإيراني والتركي وأبعادهما الآيديولوجية- القومية، فضلاً عن غطائهما المذهبي، فإن دخولاً جديداً ومؤثراً بدأ لمرحلة جديدة من الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر ليست بعيدة عن الحضور المؤثر للتيار الإسلامي بشكل عام، الأول تحت عنوان حزب النهضة التونسي1 المعارض الذي يقوده راشد الغنوشي والذي هو امتداد لحركة الإخوان المسلمين، وإنْ كان له خصوصيته، لا سيّما بعض مقارباته القريبة من حزب العدالة والتنمية التركي، والثاني المتمثّل بالجماعة الإسلامية في مصر بشقيها الأول الذي عبّر عنه الكيان الجديد الذي سمّي بحزب الحرية والعدالة، والثاني أخذ يطلق على نفسه إسم الحركة السلفية، ولعل مرجعياتهما التاريخية كانت قد استمدت أصولها من الإخوان المسلمين التي تأسست في العام 1928 2.
ولعلّ هاتين التجربتين جاءتا بعد انتخابات ديمقراطية فازت بها الحركة الإسلامية، وشكّلت حكومة باعتبارها أغلبية بالتعاون مع قوى سياسية، لا تزال مستمرة في حالة تونس، على الرغم من مصاعبها الكثيرة والتحدّيات التي تواجهها، في حين انفضّ عقد توافق بدا مهلهلاً منذ اللحظة الأولى في مصر حين ترك التيار شبه العلماني، شبه الليبرالي، إضافة إلى اليساريين والعروبيين "لجنة صياغة الدستور" التي كانت مغادرتها أشبه بطلاق بائن لا رجعة فيه بينهم وبين الإخوان، لا سيّما عندما تصاعدت الخلافات في ظل تشدّد حكومة الرئيس محمد مرسي مقابل مطالبة المعارضة إيّاه بالتنحي.
وشهد المسرح السياسي المصري احتداماً وصراعاً حاداً بين خصمين إئتلفا في ميدان التحرير قبل عامين ونصف، وتناحرا بعد انتصار الثورة، في يناير العام 2011، لكن كلا التيارين، لم يستطع، أحدهما الانتصار على الآخر، ولكل جماهيره وحججه، ففي حين يقول التيار شبه العلماني أن مرسي اتجه بالدولة نحو " الأخونة" وأنه منح نفسه صلاحيات كبيرة بحيث تعفيه من المسؤولية بموجب إعلان دستوري صيغ على مقاساته، يقول مرسي وحزب الحرية والعدالة وحركة الاخوان، إن حجج المعارضة غير مقبولة لمطالبة مرسي بالتنحي وهو الذي حاز على رأي الشعب، وأن الدستور صوّت عليه الشعب بنسبة زادت على 63% وسيعني " التنازل" أقرب إلى تخلّي عن المسؤولية والأمانة التي منحها الشعب للإسلاميين ولمرسي تحديداً.
بحلول 30 حزيران (يونيو) 2013 وبمناسبة مرور عام على انتخاب الرئيس مرسي، توجّهت جموع غفيرة لم تشهد مصر لها مثيلاً من قبل(مليونية) إلى الشوارع والساحات تلبية لنداء المعارضة للاطاحة بحكومة مرسي، واستمرّت التظاهرات والاعتصامات في ميدان التحرير في القاهرة وفي العديد من محافظات مصر، ثلاثة أيام وواجهتها تظاهرات واعتصامات مضادّة في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وكذلك العديد من المدن المصرية، وقبل هذا التاريخ سفكت دماء في مذبحة "طريق النصر" وحدثت صدامات مسلحة إلى أن حسم الجيش الأمر، حين أعلن عن اعتقال مرسي في 3 تموز (يوليو) 2013 وعزله وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئيساً للجمهورية على نحو مؤقت، وطلب من الشعب الخروج لمبايعة خطواته تلك، وأوكل الرئيس الجديد مهمة تشكيل الوزارة إلى حازم البيبلاوي وعيّن نائباً له محمد البرادعي وشخصيات أخرى أيّدتها المعارضة، بل شعرت أن تدخّل الجيش جاء لصالحها وليضع حدّاً لطغيان الإخوان.
وعلى الرغم من أن قوى المعارضة بأجنحتها المعروفة العروبية واليسارية والليبرالية كانت بعد مرحلة التخلّص من الرئيس محمد حسني مبارك ضد استمرار الجيش في السلطة، بل أنها شكّكت بوجود المشير حسين طنطاوي وطموح الجيش للاستمرار في إدارة البلاد، لدرجة أن هناك من هتف ضد وجود العسكر، محذّراً من استمرار حكمه من العام 1952 ولغاية العام 2011، الاّ أن النظرة إلى الجيش لدى هذه الأوساط اختلفت بعد أن استعصي عليها أمر الإطاحة بمرسي أو اجباره على الاستقالة، علماً بأن تدخّل الجيش لإجبار الرئيس مبارك على التنحّي كان حاسماً، مثلما هو تدخل الجيش التونسي كان كذلك، مما اضطر الرئيس زين العابدين بن علي إلى الرحيل.
ومن المفارقة أن يكون من طالب بانسحاب العسكر من المسرح السياسي والعودة إلى الثكنات هو من قام بمناشدته للتدخل بأشكال مختلفة، للعودة للعب دور " المخلّص"، أو "المنقذ" وعندما بادر وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي بحسم الموضوع، استبشر التيار شبه العلماني، العروبي والليبرالي واليساري، خيراً بتدخل الجيش، وذلك في سابقة خطيرة، لا تُعرف أبعادها المستقبلية حتى الآن، خصوصاً وأن المجتمع الدولي لا يزال يترنّح بين التحفّظ على الانقلاب العسكري، وبين تأييد تنحية مرسي، وذلك بالدعوة بحذر إلى مشاركة الأخوان، وهو ما عبّرت عنه الممثلة الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي كاترين آشتون عند زيارتها لمصر ولقاءاتها مع القوى السياسية، وهو ما تدعو إليه الولايات المتحدة الأمريكية.
وبقدر ما تتعامل واشنطن مع الوضع الجديد، فإنها ظلّت تصرّ على مشاركة الإخوان وإطلاق سراح مرسي، خصوصاً وإن علاقاتها معهم كانت قد تطوّرت خلال العام المنصرم، سواءً فيما يتعلق بعدم تغيير في الموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي أو من طبيعة العلاقات المصرية- الأمريكية، وهما الأساسان اللذان تقيم عليهما واشنطن تقييماتها السياسية الاستراتيجية.
أما في الحالة التونسية فإن صعود حزب النهضة الإسلامي وتحالفه مع قوتين معتدلتين في إطار الوسط واليسار، جعل تونس أقرب إلى توافق حتى وإن بدى قلقاً وبطيئاً، خصوصاً وبعد مرور أكثر من سنتين ونصف لم تنجز صيغة مناسبة لكتابة دستور توافقي للبلاد، لكن هذا الجو الكثير الترقب والشديد الحذر والعالي التوتر مع دعوات متشددة من جانب أصوليين وسلفيين، انكسر عندما بدأ مسلسل الاغتيال، فخلال نحو عام قتل زعيمان سياسيان يساريان الأول شكري بلعيد والثاني محمد البراهيمي مما قد ينسف العملية السياسية أو يعاظم التحدّيات التي تقف أمامها، ويجعل فرصة التيار الإسلامي" حزب النهضة ومن يؤيده من الإسلاميين" في حكم البلاد محفوفة بالمخاطر، بل أن العملية السياسية كلّها ستكون أمام تهديدات جدّية.
الحالة التونسية والحالة المصرية تطرح مقاربة جديدة لعلاقة الإسلام السياسي بالدولة، ومن ثم علاقة الدين بالديمقراطية في السياسة الشرق أوسطية، خصوصاً وأن تيار الإسلام السياسي يحكم إيران وتركيا والعراق والسودان والمغرب وتونس ومصر، ويقارب المسألة في الباكستان وأفغانستان مع تعقيداتهما، وله نفوذ واسع في ليبيا وحضوره مؤثر في الجزائر وموريتانيا، وله دور بارز في الأردن ووجوده قوي في اليمن، وبدأ دوره يكبر في الخليج، لا سيّما في الكويت، فضلاً عن البحرين حيث كان يشكّل نحو نصف برلمانها، وهو الذي يشارك في قيادة حركة الاحتجاج منذ سنتين ونيّف، كما أن له القيادة في نصف فلسطين (غزّة) ونصف لبنان فعلياً (حزب الله)، وفي سوريا يشكل ركناً أساسياً في أركان معارضة النظام ومن الحركة المسلحة، بل أن التيار الإسلامي امتدّ إلى تشاد ومالي، الأمر الذي أثار الانتباه إليه دولياً.
وإذا كان التيار الإسلامي بجميع ألوانه السني والشيعي، المعتدل والمتطرف، الوسطي والسلفي قد أخذ يلفت الانتباه إليه، كقوة مؤثرة، وقد دفعته الثورات إلى مواقع متقدمة، ولكن هذا الأمر سيكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرته على التكيّف مع المتغيّرات أو عكس ذلك، بالسير خارج سياقاتها ومساراتها، وعندئذ فإن التجربة في نهاية المطاف، ستكون برهاناً على صحة أو خطأ الممارسة ووصول الآيديولوجيا إلى غاياتها عبر تكيّفها وبراغماتيتها أو أن طريقها سيكون مسدوداً ووعراً وقاسياً.

الإسلام السياسي بين الماضي والحاضر!
إذا أردنا قراءة التيار الإسلامي الحركي، ممثلاً بعدد من التنظيمات الإسلامية الموزّعة والمنتشرة عربياً، لا سيّما في تونس ومصر، التي انطلقت منهما شرارة التغيير وفي عدد من البلدان الإسلامية، لا سيّما التي تقودها حركات إسلامية مثل تركيا وإيران، فإن هذه القراءة تحتاج إلى عودة إلى أرضية الفكر الإسلامي نفسه وفي سياق تفاعله مع الواقع الذي يتحرك فيه 3.
وبالطبع فإن لكل حركة إسلامية مشروعاً سياسياً، يستند أساساً إلى التاريخ، وهي كظاهرة قائمة، جزء من التاريخ العربي المعاصر، ولا يمكن لأية حركة ثورية إهمال الدين كظاهرة اجتماعية تاريخية متأصلة في مجتمعاتنا 4 وإحدى تجلياته لأنها تعبّر عن واقع اجتماعي، اقتصادي وثقافي في مرحلة سياسية معينة، لا سيّما وهي تستند إلى نص ديني "إلهي" في مقاربتها للظواهر الأخرى وفي تحليلها وتفسيرها وتأويلها، ضمن خطاب يستند في الكثير من حيثياته على شرعية ماضوية معترف بها، خصوصاً بربطها بين العصبية والدعوة الدينية، وما بين الدين والسياسة، تلك التي وجدت تعبيراتها في صيغة الدولة العثمانية، خصوصاً علاقة الفقيه بالسلطان، وقد لعبت المؤسسة الدينية الرسمية دوراً وظيفياً مهماً لتأمين التوافق بين المجتمع والدين والسلطة في إطار تناسق آيديولوجي،حيث ساهم رجال الدين بشكل عام في مهادنة السلطان 5.
وبغضّ النظر عمّا لعبته المؤسسة الدينية في دعم الحاكم فقد ظهرت عدّة حركات إصلاحية في العالم العربي والإسلامي حملت مشروعاً إحيائياً لنهضة الأمة، لكنها جوبهت في الكثير من الأحيان من جانب المؤسسة الدينية التقليدية، سواءً من مركز الخلافة استانبول أو من فروعها في القاهرة ودمشق وغيرها. وظهرت الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية بقيادة محمد عبد الوهاب بهدف " الإحياء والإصلاح"، وفي المغرب العربي كانت ثورة ودعوة، لا سيّما بانطلاق الحركة السنوسية بقيادة محمد بن علي السنوسي.
أما في السودان فكانت الحركة المهدية قد تبلورت باعتبارها دعوة ومقاومة، لا سيّما بقطع صلتها بالدولة العثمانية، لكن تلك الحركات جميعها ظلّت تدور في فلك الحركات التقليدية أو استقرت في إطارها أما الحركة الجذرية للتنوير فقد وجدت طريقها عبر مفكرين وفقهاء تأثروا بفكرة الدولة المدنية تلك التي بدأت في الغرب، وحاولوا الاستفادة مما وصل إليه الفكر القانوني والسياسي في العالم المتقدّم ليتمثلوا اتجاهاته الحديثة التي تبلورت بفكرة الدولة والمواطنة والحرية والمساواة. وجاءت المرحلة الجديدة للتفكير الإسلامي التي تمتد منذ القرن التاسع عشر إلى وقتنا الراهن، خصوصاً بعد اندلاع الثورات العربية وما رافقها من تغييرات جيوبوليتيكية.
إن الدول التي استندت شرعيتها على الدين سواءً "الدولة الثيوقراطية" ونموذجها دولة الحق الالهي أو الإكليروس أو دولة السلطان أو الدولة التي أطلق عليها الدكتور عبدالاله بلقزيز: "المتأدينة"6 فإنها جميعها تعكّزت على اكتساب شرعيتها من خلال علاقتها بالدين، ويمكن ذكر نموذج الدولة الصفوية التي قامت على "تواطؤ" بين "شرعيتين" إذا جاز لي القول، حيث كان من مصلحة الحاكم ومن مصلحة رجل الدين تقاسم السلطة، فالدولة حق مطلق للحاكم في إدارة شؤون الحكم التي يؤيدها رجال الدين دون أي تحفظ، وهي حق لرجال الدين بإضفاء نوع من القدسية على مقاماتهم وقبول تعاليمهم إزاء المحكومين في الدولة، الأمر الذي يمنحهم حقوقاً تتعلق بشؤون العبادات، وما يسمى بالحقوق الشرعية عند الشيعة.
هكذا حصل نوع من المساومة التي تمت بين السلطان ورجال الدين، فالسلطان يمنح الفقيه سلطات واسعة لإدارة العمل الأهلي ويضعه في مكانة مقدسة، مقابل منح الفقيه، الشاه، التأييد الكامل ودعم سياساته بلا حدود. وبموجب تلك الصفقة ارتسمت شكل علاقة جديدة بين السياسي والديني وبين الحاكم والمقدس، دون أي اعتبار لشروط المواطنة المعبّر عنها آنذاك" بالرعية". ولعل هذا النموذج يستحق الدراسة حسب تقديري، بغض النظر عن المدارس الفقهية المختلفة والاجتهادات المذهبية.
ولا بدّ من التوقف عند موضوع ولاية الفقيه بعد الثورة الإيرانية العام 1979 وعلاقته بما سمّي "مجلس تشخيص مصلحة النظام" ودور ما يسمى بالمرجعية الدينية في التحالف بين السياسي والديني، وإذا كانت فكرة ولاية الفقيه حدثية نسبياً، ولم تستقر في الفقه الشيعي، وهناك جدل بشأن ولاية الأمة وولاية الفقيه واختلاف وتباين بين الولاية الكبرى والولاية الصغرى، مع وجود اعتراضات ضدها، لكن هناك طبعات جديدة لها.
فالطبعة الخمينية لولاية الفقيه ذهبت إلى ولاية الفقيه عبر السياسة، وهو ما قام به السيد الخميني عملياً، وهو ما شرحه مطوّلاً في كتابه "الحكومة الاسلامية" 7 الذي هو سلسلة محاضرات ألقاها في النجف في الستينيات من القرن الماضي واستندت إليها الثورة الإسلامية في السبعينيات وصدرت منذ العام 1979 عدّة طبعات من الكتاب الذي اعتبر مرجعاً يكاد يعلو على الدستور الإيراني، أو يشكل منطلقاً نظرياً له.
وقد أخذ الدستور الإيراني الإسلامي ذلك من روح رسالة الخميني، وإنْ حاول إضفاء أشكال جديدة على تطبيقاتها، ومع ذلك ظلّ الفقيه الولي فوق القانون وفوق ارادة "الأمة" المعبّر عنها بالانتخابات، وصلاحياته تكاد تكون مطلقة.
وفي حين يعتبر الخميني ولاية الفقيه دستورية، وليست مطلقة، بل مقيّدة بمجموعة الشروط والقواعد المبيّنة بالقرآن والسنّة، وحيث يقوم الولي الفقيه العادل والعالِم بتطبيق القانون الإلهي حين يتولى صلاحيات النبي وصلاحيات الأئمة المعصومين الإثني عشرية، من دون أن يتمتع بفضائلهم الشخصية.
وقد شرح السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية نظرية ولاية الفقيه في إيران وفكرة الحكومة الإسلامية في كتابه " الحكومة في الإسلام" حيث يقول: إن صلاحيات ولاية الفقيه دستورياً هي الإشراف والتدخل والتأثير في كل سلطات الدولة التنفيذية والقضائية والعسكرية والتشريعية، ولا يصبح الرئيس رئيساً حتى لو انتخبه الشعب ما لم يصادق عليه الإمام، أي تكون للفقيه العالِم الولاية العامة والمطلقة.8
أما في الطبعة السيستانية 9 لولاية الفقيه، فهي غير معلنة، وربما هناك تحفظ " ما " من جانب المرجع " نظرياً" حول قبولها، لكن واقع الحال يعطي انطباعاً آخر، حتى وإن حاول السيستاني بعد الانتخابات العراقية الأولى 2005، أن ينأى بنفسه عنها 10 ، ولكن السياسيين ظلّوا يتوافدون عليه ليطلبوا مباركته على خطواتهم أو على نهجهم، حتى أصبح الأمر عُرفاً، ولم يعد السياسيون الشيعة يفعلونه فحسب، بل ذهبت إليه القيادات الأخرى في كل منعطف أو أزمة أو خلاف، وعلى الرغم من أنه نادراً ما كان يعطي رأياً صريحاً أو واضحاً، لكنه استمرأ هذا الأمر بصمت وهدوء، حين جاءت إليه ولاية الفقيه على طبق من ذهب، دون أن يبذل جهداً بالذهاب إليها.
وتطرح اليوم في العراق مسألة ما يسمى "حكم الفقهاء" في إطار مناقشات البرلمان لقانون المحكمة الاتحادية العليا، باقتراح منح أربعة فقهاء إسلاميين حق النقض " الفيتو" ضد أي قرار يعتبرونه لا يتطابق مع الشريعة الإسلامية، ولعلّ في ذلك سعي من أصحاب الاتجاه المتنفذ لقضم تدريجي لبقايا الدولة المدنية أو محاولة لتديينها، أو لمذهبتها.
مثل هذا الأمر سيجعل المحكمة الاتحادية العليا، باختصاصاتها الواسعة، عرضة لتحكّم فئة رجال الدين والقوى الدينية. أما خطورة المسألة ناجمة عن الدور المنوط بالمحكمة الاتحادية، فهي المختصة بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور، والبت في التنازع بين القوانين الاتحادية، وكذلك البت في التنازع بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية، كما أن مهمتها هي البت في نزاع حكومات الأقاليم والمحافظات، ناهيكم عن البت في الاتهامات التي توجّه إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء. ومن جهة أخرى تصادق على نتائج الانتخابات وتفصل في النزاع بين القضاء الاتحادي وقضاء الأقاليم والمحافظات، وذلك بحسب المادة الرقم (93) من الدستور العراقي الدائم (النافذ)11.
وإذا كانت ثمة خشية لدى البعض على الإسلام، حيث راح يتشبث بموقع متميّز للفقهاء يمنحهم بموجبه حق الفيتو، فمثل هذه الخشية غير واردة، بل وغير واقعية. فالدولة شبه المدنية العراقية أو المصرية أو السورية أو التونسية، وبغض النظر عمّن يحكمها، لم تشرّع أي قانون يتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي يبدو أن التعكز عليه هو بمثابة شمّاعة بوجه أي قرار أو قانون لا يتوافق مع بعض المصالح الحزبية أو السياسية أو الطائفية الخاصة. وإذا كان البعض في العراق يحاجج بقانون رقم 188 بشأن الأحوال الشخصية وحقوق المرأة في العهد الجمهوري الأول (حكم عبد الكريم قاسم) الصادر عام 1959 أو بقانون الأسرة الذي شرّعه الحبيب بورقيبة في العام 1956 فإن المسألة خضعت للتفسير والتأويل أيضاً، ناهيكم عن محاولات التسييس والإغراض.
من حق المحكمة أن تستشير خبراء بصفة دائمة أو مؤقتة أو في حالات معينة، وعندها سيكون رأي الخبير ليس كرأي القاضي، وهذا الأخير هو صاحب القرار. وهكذا فإن رأي الخبير (في الفقه الإسلامي أو في القانون) سيكون غير ملزم حتى وإذا أخذنا بنص المادة 92 (من الدستور العراقي) التي اعتبرت المحكمة تتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، وسنحاول تسليط الضوء على هذه المسألة عند حديثنا عن الدستور المصري الذي يحتاج إلى وقفة خاصة، خصوصاً وأن ما يجري في مصر يمكن أن ينعكس على العالم العربي بهذا الشكل أو ذاك، بحكم دورها وتاريخها ووزنها العربي والأفريقي والدولي، إضافة إلى ثقلها البشري والحضاري.
إن استقلال القضاء وفصل السلطات وتداولية السلطة سلمياً هو المدماك الأساس الذي لا غنى عنه للدولة العصرية، ولا يمكن تحت أي حجة أو ذريعة إعطاء رجال الدين سلطات فوق سلطات القضاء أو تعطيل سير عمله واختصاصه، لتكييفه مع رأي هذا الفقيه أو ذاك، مهما أوتي من علم ومقدرة ودراية وخبرة، سواء كانت باسم " تشخيص مصلحة النظام" أو "ولاية الفقيه" أو "مجلس قيادة الثورة " أو " الشرعية الثورية" أو غيرها، فالأمر ليس سوى التغوّل على دور القضاء واستقلاله، فالقضاء هو أحد أهم أعمدة الدولة القانونية وحصنها الأمين، وستكون محاولة مثل تلك التي تريد اعطاء حق الفيتو للفقهاء مجاراة لفرض توجه سياسي أو مذهبي على مفاصل الدولة الأساسية، أقرب إلى اغتصابها من أي شيء آخر.
إن مثل هذا التوجّه إلى تديين الدولة، سواءً في العراق أو السودان أو مصر أو تونس أو ليبيا أو اليمن أو حماس في غزة أو غيرها، سيجعل تناول موضوع التجارب الإسلامية، خصوصاً بعد الربيع العربي أمراً لا مناص منه، بل وضروري، بضمّه إلى تجارب إسلامية أخرى، وأعتقد أن علاقة الدين بالدولة، في عالمنا العربي والإسلامي ستطرح الإشكاليات التالية: مساواة المرأة بالرجل، وموضوع المواطنة والمساواة التامة، ومسألة المشاركة السياسية، والحق في تولّي الوظائف العليا وعدم التمييز، خصوصاً إزاء الجماعات الدينية والإثنية في الدول المتعددة الثقافات، وموقع المسيحيين بالذات سواء في مصر أو سوريا أو العراق أو حتى لبنان، فضلاًَ عن الموقف من الأكراد والتركمان والأمازيغ وغيرهم من الإثنيات أو الأديان، والموقف من قضايا التقدم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.
ومثل هذه القضايا لا تزال مطروحة أمام التجربة الإيرانية والتجربة التركية منذ سنوات طويلة، قومياً ودينياً وطائفياً، ففي إيران فإن الأمر له علاقة بالموقف من الأكراد الذين يزيد عددهم عن عشر ملايين إنسان والمجاميع الثقافية الأخرى مثل البهائية والمسيحيين، إضافة إلى السنّة، وفي تركيا فالمسألة تخصّ الأكراد الذي يؤلفون نحو 18 مليون إنسان وهم أغلبية رسمية في نحو 13 محافظة وكذلك مسألة العرب ولا سيّما في الاسكندرونة، إضافة إلى العلويين وغيرهم.
وستصطدم دول الربيع العربي بهذه الإشكاليات انطلاقاً من التناقض الحاد بين الفرقاء، إسلاميين أو علمانيين، بخصوص علاقة الدين بالدولة، ولا بدّ من حوار وطني عام وشامل بين المتدينين والحركات الدينية من جهة، وغير المتدينين والحركات شبه العلمانية من جهة أخرى، للتوصّل إلى ما هو مشترك، ولا سيّما بعد تحديد نوع الدولة المطلوبة وهويتها في إطار مرجعية تقوم عليها الدولة العصرية الدستورية ومبادئ سيادة القانون، وهو الأمر الذي لا بدّ من اعتماده في الدساتير الجديدة وصياغاتها الأساسية، كي لا تأتي وهي مملوءة بالألغام أو التناقضات التي قد تنفجر في أية لحظة.
وإذا كان الحديث عن إصلاح الخطاب الديني دارجاً، فلا بدّ من تناول موضوع تحرير الدين من رجال الدين، فالدين حاجة إنسانية ما دام البشر يعيشون قلقاً يتعلق بالمجهول، ولا سيّما عدم قدرتهم في فك لغز الحياة والموت والخلق والوجود وغير ذلك، فضلاً عما تمثله الأديان من قيم ومثل إنسانية، وهكذا فإن الدين حقيقة، في حين أن تفسير رجال الدين أو تأويلهم يختلف تبعاً لمصالحهم وثقافتهم ورؤيتهم وموقعهم بالقرب أو البعد من السلطة. أما الحديث عن استقلالية الدين عن الدولة، فهي لا تستهدف العداء للدين، الذي هو علاقة خاصة بين الإنسان والسماء، لكن المسألة تتعلق بدور رجال الدين وموقعهم في الدولة.12
إن قضايا الإيمان والحرّية، ولا سيّما حرّية الاعتقاد، تواجه مجتمعاتنا اليوم على نحو واسع، سواء على مستوى التشريع أو المستوى المفاهيمي أو المستوى العملي، بما فيها تفسيرات المؤلين والمفسّرين، وهو ما يدخل في موضوع الكفر والتكفير وموضوع الردّة، الذي له علاقة بحق الاعتقاد، واستبداله، والموقف من أهل الذمة في الدولة المعاصرة، والموقف من حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، وحقوق المرأة في الولاية، ولاسيما لرئاسة الدولة، والموقف من حقوق الجماعات الثقافية الدينية والإثنية، ولعلّي أفضل مصطلح " التنوّع الثقافي" على مصطلح الأقليات. وإذا كانت هذه المواضيع تشغلني فهي تشغل جمهوراً واسعاً، لأنها تتعلق بصلب الموقف من قضية علاقة الدين بالدولة.

في صلب التفكير الإسلامي
أجد نفسي أقف على الأرضية نفسها التي حاول د. رضوان السيد الوقوف عليها عند مناقشته لعلاقة الدين بالدولة من خلال التفكير الإسلامي13 ، في التاريخ الإسلامي المعاصر، خصوصاً وأن الفكر النهضوي هو من يستحق أن يكون مقياساً للتفكير الإسلامي في الدولة الحديثة أو المعاصرة ومتطلباتها ومستلزماتها، وذلك أقرب إلى الفقه الإسلامي الاجتهادي، مقاربة بتطوّر مشروع الدولة على المستوى الكوني، مع أن التفكير الإسلامي لا يزال يترنح بين " حاكمية الله" و"حاكمية الأمة" على الرغم من تطور تفسيراته قياساً للخمسينيات من القرن الماضي.
ومن المشروع النهضوي القائم على التحرر والحريات والمساواة والمشاركة والعدالة، نحاول أن نجلي بعض غبار الزمن عمّا حلّ بالعالم العربي والإسلامي من انكماش وركود وسبات، في رؤية انبعاثية جديدة، حيث لا مشروع نهضوياً من دون انبعاث حقيقي لبناء الدولة بمعناها العصري.
وعلى الرغم من أن عنوان ورقة رضوان السيد: "الدين والدولة في المنظور الإسلامي العصري"، لكنه حاول تجاوزه حين خصص مبحثه الأساسي للتفكير الإسلامي في الدولة منذ القرن التاسع عشر، وصولاً إلى مشارف الثورات العربية، حيث قسّمه إلى مراحل أربع أعتبرها محطات في إطار تكوّن فهم جديد لنظرية الدولة، بل هي أقرب إلى ارهاصات للوصول إلى الفهم العصري لما استقرّ عليه الفقه الدستوري المعاصر، وما تراكم من معرفة على هذا الصعيد، هي 14:
المرحلة الأولى مرحلة رفاعه الطهطاوي 1801-1873، وكتابه الشهير "تلخيص الأبريز في تلخيص باريز" 15 ، وخير الدين التونسي وكتابه الشهير " أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك".16 وإذا كان الأول قد ركّز على المصالح العمومية، فإن الثاني ركّز على المؤسسات.
أما المرحلة الثانية فهي تمتد من محمد عبده (مفتي مصر) الذي تحدّث عن الإصلاح وفكرة السّنن البانية أو الهادمة، ومجابهة التقليد بفتح باب الاجتهاد، وذلك استناداً إلى القرآن الكريم، وصولاً إلى علي عبد الرازق وكتابه الذي ذاع صيته وجرت محاولات لتكفيره بسببه وهو "الإسلام وأصول الحكم" 17 الصادر في فترة قريبة من تأسيس حركة الإخوان المسلمين في العام 1928 في مقاربة مع فكرة الدولة الحديثة ومؤسساتها.
وكانت المرحلة الثالثة مرحلة محمد رشيد رضا صاحب "مجلة المنار"، ولعلّ من المفيد هنا التوقف عند الشيخ محمد حسين النائيني وكتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملّة"،18 وصدر في فترة لصيقة بما حصل من تأثّر بالفكر الغربي تحت باب الصراع بين "المشروطة" و"المستبدّة"، العام 1906 أي بين الحركة الدستورية، وبين الملكية المطلقة، وهي الحركة التي انقسم فيها رجال الدين في إيران والعراق بين مؤيد للفريق الأول ومندّد بالفريق الثاني والعكس صحيح. ولعلّ الجدل ازداد احتداماً بعد الحركة الدستورية في تركيا العام 1908 وصدور الدستور المتأثر بعدد من القواعد الدستورية التي وجدت طريقها إلى الفضاء العام في الغرب.
أما المرحلة الرابعة فتبدأ من مطلع الخمسينيات، وتستمر إلى قيام الثورات العربية ووصول الإسلام السياسي إلى مقاليد السلطة عبر صندوق الاقتراع.
وكان حسن البنّا هو من قال: الإسلام دين ودنيا ومصحف وسيف 19 ، وعلى خطاه قال سيد قطب: "الدين في الدولة هو حكم في الأرض" 20 وذلك في كتابه " معالم في الطريق". وإذا صحّ هذا القول على مصر، فأظنّه لا ينطبق على بلدان أخرى الاّ إذا اعتبرنا الثمانينيات تأسيساً جديداً لانبعاث تيار إسلامي واسع بعد الثورة الإيرانية، العام 1979، لا سيّما في العراق ولبنان وفلسطين والخليج، وكذلك في المغرب العربي، وهو انبعاث عالمي وليس محلي، كما أنه لا يتعلّق بالإسلام السياسي فحسب بل كان جزءًا من ظاهرة كونية، حيث انتعش لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وكان للكنيسة دور بارز في ذلك، وكذلك تعاظم نفوذ حركات مسيحية في أوروبا، فضلاً عن حركات دينية ومذهبية في أفريقيا وآسيا، بعضها شهد حروباً ونزاعات وأعمال عنف.
التيار الإسلامي اليوم، بحكم المستجدات والمتغيّرات على المستوى العالمي، يحاول تكييف أفكاره لتقبّل الديمقراطية ويعتبرها آليات أو ميكانيزمات، وبعضهم يعتبرها تاكتيكات يمكن الوصول بواسطتها إلى السلطة، أي عدم الإيمان بفكرة التداولية والانتقال السلمي للسلطة وبفلسفة الديمقراطية كمنهج للحكم.
وقد كان رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي في طليعة المفكرين التنويرين العرب ضد الاستبداد والحكم المطلق، مثلما اعتقد عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا أن سبب تأخّر الأمة هو الاستبداد ورأيا أن الحل يكمن في سنّ دستور يحدد صلاحيات الحاكم ويشترك فيه الشعب، في حين كان رأي الشيخ حسين النائيني أكثر وضوحاً بتعبيره عن الديمقراطية باعتبارها النقيض للاستبداد، واضعاً الشورى رديفاً للديمقراطية 21.
ويرى النائيني أن الإستبداد يقوم على شعبتين: الاولى من السلطان (سياساته التحكيمية) والعبودية هنا تستند الى القهر والغلبة، والثانية خضوع رؤساء المذاهب والملل له والعبودية هنا تستند إلى الخدعة والتدليس.
ولكن تلك الحركة التنويرية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خصوصاً بصدور كتاب علي عبد الرزاق " أصول الحكم" العام 1925 لم توازيها أو تتواصل معها الحركة الإسلامية الإخوانية أو غيرها من الحركات السياسية الدينية سواء السنّية أو الشيعية، تلك التي اعتبرت الأنظمة القائمة فاسدة وكافرة في حين هي تدعو إلى إقامة حاكمية الله، وقد رفض حسن البنا على الرغم من دفاعه عن الدستور والتمثيلية النيابية فكرة الديمقراطية، ومثله فعل أبو الأعلى المودوي المفكر الباكستاني في حين أن المفكر التونسي راشد الغنوشي إنحاز إلى الديمقراطية باعتبارها تقدّم آليات فضلى لجهاز الحكم ويمكن للمواطنين استخدامها في ممارسة الحريات الأساسية، لا سيّما السياسية، وبذلك يربط الديمقراطية مضموناً بالشكل أيضاً، وهو ما ذهب إليه حسن الترابي، لكن الكثير من الأطروحات النظرية سرعان ما خفت بريقها من خلال تطبيقات سعت للهيمنة والاستقواء تحت باب الأغلبية والفوز في الانتخابات، سواءً في مصر أو في تونس أو في العراق أو في الجزائر أو السودان أو غيرها.
إن علم سسيولوجيا المعرفة الديني، ولا سيّما للفقه الديني الإسلامي بشقيه السني والشيعي شيء، أما الواقع العملي، خصوصاً بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة فهو شيء آخر، وهي التجربة ذاتها التي عرفتها الأحزاب الشمولية، مهما ادّعت أنها تريد التساوق مع الديمقراطية والدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم، لكنّها كلها جميعاً اتّجهت إلى الاستبدادية والدكتاتورية والفردية، سواء الأنظمة الاشتراكية السابقة أو طبعتها لما سمي "بلدان التحرر الوطني". وحتى لو حقّقت بعض النجاحات وشيئاً من التنمية، لكنها بعد حين وصلت إلى طريق مسدود، سواءً بلدان الأصل أو بلدان الفرع (مثلها مثل التجربة الناصرية والبومدينية واليمن الجنوبية والقذافية والبعثية العراقية والسورية) وغيرها.
وحتى لو حصل اليوم بعض التطور في مستوى تفكير بعض المفكّرين الإسلاميين ونظرتهم إلى الآخر وإقرارهم بالتعددية والتنوّع الثقافي، مثل محمد مهدي شمس الدين الذي تحدث عن "ولاية الأمة" وسليم العوا وطارق البشري ومحمد حسين فضل الله وراشد الغنوشي، إلاّ أن الحزبية الحركية ظلّت هي المؤثرة في السواد الأعظم من الإسلاميين ولا تزال هذه الحركية سواء الإخوان في مصر أو النهضة في تونس أو حزب الدعوة في العراق أو حماس في غزة أو لنقل بعض أطرافها تنظر إلى بعض ما جرى مجرد جسر للوصول للسلطة ليس الاّ، حتى وإن اضطرّ إلى تقديم تنازلات وتعامل بشكل براغماتي مع الواقع، بل وخفّض بعض مطالبه، وتجربتي مصر وتونس مثالين مثيرين للجدل والنقاش، الذي بدأ ولم ينقطع حول حدود قبولهما بالآخر، والسعي للوصول إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، والقفز على الفكرة الديمقراطية بمحاولة أسلمة أو أخونة أو نهوضة الدولة، مثلما هي تجربة الجزائر حين فاز الإسلاميون بالانتخابات، ولكنهم حاولوا الانقلاب على الديمقراطية.
حسبي هنا أن أذكر تجربتين أخريتين ناجزتين هما: التجربة السودانية والتجربة الإيرانية، وإلى حدود معينة التجربة العراقية، وبقدر أو آخر تجربة حماس وتجربة الجهاد وتجربة حزب الله، فهذه القوى وإن كان موقفها إيجابياً ورافضاً للصهيونية وضد العدوان الإسرائيلي، الاّ أنها لا ترتضي أن يشاركها أحد، ولاسيّما في المناطق التي تحكم سيطرتها عليها وتفرض منهجها السياسي فيها، سواء اعتبرتها جزءًا من الشريعة أو استندت في ذلك إلى قراءة خاصة أو جزء من قانون أو غير ذلك من الاعتبارات الأمنية، لكنها ستحمل معنى الإكراه أرادت ذلك أو لم ترد، وذلك بفرض نمط الحياة الاجتماعية وشكل الحرية الشخصية التي تعتقد أنها الأنسب، في حين أن مسار التجربة التركية كان أكثر نعومة، لا سيّما وقد جاء حزب العدالة والتنمية بعد نحو ثمانية عقود من الإقرار بعلمانية الدولة دستورياً، ومع ذلك فقد حاول قضم بعض المواقع، وإجراء بعد التعديلات الدستورية لضمان إمكانية عودته إلى حكم البلاد. ولم يترك حتى الجيش الذين يحظى بمكانة كبيرة ومؤثرة في مسيرة تركيا من بعض تدخلاته تحت باب وجود مؤامرة تحاك ضد الإسلاميين ومنها غذّت المطامع التركية بالتمدد الخارجي، للعب دور إقليمي، سواء في دول الربيع الرعبي أو إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي أو في العراق أو غيره.
وإذا كان القانون وضعياً ومصادره متنوّعة دينية وفلسفية وسياسية، فهذه كلّها مصادر قيمية، في حين أن له جانباً إجرائياً، أي قواعد ناظمة ومحددة للسلوك وضعها برلمان عبر انتخابات حرّة ونزيهة وبموجب قضاء مستقل، أي هناك ضمانات حقوقية للقانون الوضعي، في حين أن الدين يمرّ عبر فضاءات الإيمان وهي علاقة خاصة بين الإنسان والسماء، أما الحياة العامة والدولة أو السلطة والسياسة، فتختلف كثيراً، خصوصاً بالموقف من الحقوق والحريات، وهي المنظومة الدستورية التي تعرفها الدولة العصرية. 22
إن سسيولوجيا المعرفة للتفكير الإسلامي تحتاج اليوم، وبعد الثورات العربية، إلى اختبار حقيقي وتدقيق لمدى التزام الإسلاميين بها قبل غيرهم، وأظن أن المرحلة القادمة ستشهد صراعاً ليس بين الإسلاميين والعلمانيين فحسب، بل بين إسلاميين معتدلين وإسلاميين متطرفين ومتعصبين، وهو ما ظهر في تونس ومصر إلى حدود غير قليلة وكذلك في إيران بين إصلاحيين ومحافظين في حين أن في تركيا لا يزال صراعاً أساسياً بعد الإسلاميين والعلمانيين، وقد يتطوّر الصراع الإسلامي- الإسلامي في العالم العربي إلى قبول فريق منهم بالدولة المدنية، مثلما هو في تركيا، وفريق آخر يواصل مشواره الماضوي، بل يرتّد على الحاضر، بحجة الأصول، وسيكون ثمن هذا الصدام باهظاً.

الدستور المصري: نموذج جاذب أم طارد؟
أفرد هذه القفرة لمناقشة الدستور المصري وإشكالياته لما له من تأثير على مجمل الحركة الإسلامية العربية والشرق أوسطية فقد ظلّت الأنظار تتطلّع إلى مصر بعد موجة التغيير التي شهدتها العديد من البلدان العربية، ابتداءً من تونس، وذلك لما تمثّله من ثقل وتأثير كبيرين على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، ناهيكم عن دورها الحضاري والثقافي الإبداعي، لا سيّما وهي تمتلك طاقات بشرية وقدرات علمية كبيرة، فضلاً عن موقعها الجيوبوليتيكي ومساحتها وعدد سكانها.
ولهذا كان ولا يزال العالم العربي وغيره مشدوداً إلى مصر ومستقبلها، خصوصاً في ظلّ الصراع القائم بين الإسلاميين ( الإخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم) الذين فازوا بالأغلبية في البرلمان، وبين شبه العلمانيين (اليساريون والعروبيون والليبراليون وغيرهم) حيث كان للطرفين أحلاماً سياسية مؤتلفة، بالتخلص من النظام السابق، وأخرى مختلفة في مشروعين فكريين متعارضين.
بعد نجاح الثورة، كان الفريق الأول "الإسلامي" يسعى لقيام دولة دينية محكومة بالشريعة، على الرغم من التطمينات التي حاول تقديمها للآخرين، مبرّراً ما تعرّض له من تحريم وتجريم لعقود من السنين تارة، وتارة أخرى لكونه أغلبية في مجلس الشعب، في حين كان الفريق الثاني "العلماني" أو "دعاة الدولة المدنية"، يأمل في ترسيخ كيانية الدولة وتعزيز طابعها المدني من خلال حكم القانون والمساواة والتعددية وإقرار مبادئ المواطنة واحترام حقوق الإنسان، وهو ما افتقده في ظل النظام الشمولي، لاسيّما في عهد محمد حسني مبارك الذي دام 30 عاماً، كما افتقد إليه أيضاً الإسلاميون.
كلا التيارين اصطدما بصخرة الواقع، الأمر الذي أبقى صرح الدولة المنشودة "منزلة بين المنزلتين"، فلا هي دولة مدنية كما أراد العلمانيون، ولا هي دولة دينية ، كما أرادها الإخوان والسلفيون، ولهذا يحتدم الجدل على نحو شديد في المرحلة الانتقالية، خصوصاً وقد حقّق الفريقان ومن موقعين متعارضين خطوات تنسجم مع اتجاه كل منهما، وفشلاً أو تراجعاً في خطوات أخرى في الوقت نفسه.
وإذا كان وجود جمعية تأسيسية اختارها مجلس الشعب المنتخب، مؤلفة من 100 عضو لصياغة الدستور أمراً حميداً، لكن إصرار الإسلاميين على التمتع بأغلبية أعضائها أضعف من جديتها ومن قدرتها على إحداث نوع من التوافق، بل صعّد من لهجة الشك والارتياب، وزاد الأمر إلتباساً وإشكالاً، اعتماد دستور العام 1971 كخلفية للدستور الجديد، وهو الأمر الذي تجاوزه الدستور العراقي على الرغم من أن إعداده كان في ظلّ الاحتلال، فضلاً عن الألغام الكثيرة التي احتواها، لكنه أطاح بدستور العام 1970 المؤقت الذي حكم العراق لغاية العام 2003، مثلما فعل المجلس التأسيسي التونسي، الذي نحّى دستور العام 1959 جانباً.
وهكذا دبّ الخلاف بين الاتجاهين، ففي حين رأت القوى غير الإسلامية في الجمعية التأسيسية، أن الأغلبية النيابية في مجلس الشعب مؤقتة، وينبغي اختيار جمعية تأسيسية متوازنة تمثل التيارات المصرية المتنوّعة، بغضّ النظر عن حجمها وعددها في البرلمان أو خارجه، أصرّت الجماعة الإسلامية على " أغلبيتها" فيها.
وعندما شعرت الجماعة شبه العلمانية، أن الدستور الذي يريده الإسلاميون سيمرّ على الرغم من البحث المضني لبضعة شهور، قرّرت الانسحاب لترك الإسلاميين يواجهون الموقف لوحدهم، وذلك بإعلان التنصّل عن دستور لا ترتضيه، حتى وإن ساهمت في إعداد مواده الأساسية.
ولعلّ الجماعة شبه العلمانية أو غير الدينية ظنّت أن الإسلاميين قد لا يكملوا المشوار، وإن واصلوا ذلك، فهم وحدهم من سيتحمّل مسؤولية دستور لم يحظ " بالشرعية الشعبية" أو "التوافقية" الديمقراطية القائمة على التعدّدية والتنوّع، لكن الإسلاميين صمموا على استكمال المهمّة بانجاز الدستور لوحدهم ومن معهم، وعرضوه على الاستفتاء في أواخر العام 2012.
صحيح أن نسبة التصويت (الإقبال) لم تصل إلى الثلث من عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت، وإن نسبة ما حصلوا عليه هو 63.8 من عدد المصوتين، لكن الدستور أصبح نافذاً بعد الاستفتاء.
لقد وقعت الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور عند تشكيلها في خطأ أول عندما وافقت على قبول دستور العام 1971 قاعدة للنقاش والانطلاق، بما فيه تكييف بعض مواده، وهو دستور كما هو معروف تمت صياغته مثل غيره من الدساتير المصرية هيئات غير منتخبة، ونشأ في ظروف ملتبسة، فمثلاً تم وضع دستور العام 1923 في ظل الاحتلال والانتداب البريطاني لمصر.
أما الاعلان الدستوري ما بعد ثورة يوليو (تموز) العام 1952، فقد صدر في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1952، وتلاه إعلان دستوري ثاني صدر في 10 شباط (فبراير) 1953 واستمرّ لغاية العام 1956، حيث صدر اعلان دستوري جديد في 16 كانون الثاني (يناير) 1956، استمرّ حتى اعلان الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة، حيث أعلن دستور الوحدة في آذار (مارس) 1958، ولعلّ هذه الاعلانات بما فيها دستور الوحدة نشأت في رحم الاستبداد وسياسة احتكار العمل السياسي، وصاغها فريق معيّن فوقياً وغير منتخب.
وكأن خطأها الثاني هو الموافقة على الإعلان الدستوري الصادر في آذار (مارس) 2011 من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك حين تمّ تحديد فترة زمنية (أمدها ستة أشهر) لصياغة الدستور، وهو أمرٌ في غاية الصعوبة في ظل التحدّيات التي تواجه مصر وتجاذباتها السياسية، وكان على الرئيس محمد مرسي إلغاءه، خصوصاً وأن المهلة تلك تشبه المهلة التي حدّدها الرئيس بوش الابن لصياغة الدستور العراقي الدائم.
وعندما توتّر الموقف في مصر وشعر المرشحون لصياغة الدستور من غير الإسلاميين، أن غلبة ستحدث في نهاية المطاف خارج نطاق التوافق، لجأوا إلى الانسحاب من الجمعية التأسيسية لكي لا يبصموا على "شرعية" اعترضوا عليها، خصوصاً إذا بقيت الجمعية التأسيسية تمثّل لوناً واحداً، الأمر الذي سيضعف من شرعية المرحلة التوافقية، أو ما يطلق عليه " الديمقراطية التوافقية" 23.
وبغضّ النظر عن جميع النواقص والعيوب التي احتواها دستور مصر ولعلّ أهمها هي إعفاء الرئيس من المساءلة بأثر رجعي لأية قرارات اتخذها سابقاً وسيتخذها لاحقاً، فإنه ذهب إلى تحديد سلطات الرئيس بوضع فترتين للرئاسة فقط وهو النقاش الذي استغرقه نحو عقد من الزمان بخصوص المادة 76 من دستور العام 1971، كما تم منح صلاحيات للبرلمان، وعلى الرئيس التعاون الوثيق مع البرلمان أثناء تشكيل الحكومة، وعلى هذه الأخيرة تقديم برنامجها إلى البرلمان للموافقة عليه، وللبرلمان سلطة إقالة الحكومة بما فيها رئيس الوزراء بمجرد موافقة أغلبية بسيطة من أعضائه 24 ، وكان ذلك بفعل الضغوط التي مارسها الأعضاء غير الإسلاميين قبل انسحابهم.
ووفّر الدستور آليات للأقلية البرلمانية، بما فيها حق الأعضاء الفردي تقديم طلب إحاطة بالمعلومات أو طلب أي بيان من الحكومة أو حتى استجواب رئيس الوزراء بشأن القضايا الطارئة، مثلما وضع قيوداً على سلطات الرئيس بإعلان حالة الطوارئ 25 وهي أمور لم يتضمنّها دستور العام 1971.
ومع ذلك فقد ظلّت صلاحيات الرئيس واسعة، منها الحق في تعيين عُشر أعضاء مجلس الشورى وتعيين رؤساء المؤسسات المستقلة 26 مثلما هناك اختلالات بشأن تعيين القضاة أو إقالتهم وتحديد مرتباتهم، وهي أمور تتعلق باستقلالية السلطة القضائية واستقلالية القضاة أنفسهم، كما وردت إشارة غير واضحة في ثلاث مواضع للمجلس القضائي الأعلى المشرف على أعمال القطاع القضائي، لكن تعريفه ظلّ عائماً.
كما استمرّ موضوع الدين وعلاقته بالدستور والدولة موضوع نقاش ومحاذير، لاسيما بخصوص وجهة الدولة. وإذا كانت الدولة المصرية الحديثة منذ ولادتها في العشرينيات لم تكن دولة دينية، فإنها لم تكن دولة مدنية تماماً، وضمّت في السابق والحاضر، ومن خلال قديم وجديد الدساتير المصرية، هذه الصفة، ذات الطبيعة الهجينة أو المختلطة والأقرب إلى التوافقية، إنْ صحّ التعبير، وقد حدث نوع من التعشيق بين بعض الدساتير المصرية والعربية وأصولها الغربية، لا سيما الفرنسية والبلجيكية، بمبادئ الشريعة الإسلامية، أو حتى ببعض أحكامها، وكان ذلك جزءًا من سعي فكري منهجي اختطّه الفقيه الكبير عبد الرزاق السنهوري، الذي كانت بصمته واضحة مباشرة أو غير مباشرة على العديد من الدساتير العربية في المشرق 27.
كما بقيت قضايا الزواج والطلاق وكل ما له علاقة بقانون الأحوال الشخصية على المستوى العربي خاضعة بصورة محددة للتعاليم الإسلامية، وأحياناً لبعض التفسيرات والتأويلات، شذّ عنها الدستور التونسي أواخر الخمسينيات والدستور اليمني الجنوبي في السبعينيات وقانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لعام 1959، في حين كانت غالبية الدساتير العربية بشكل عام تتم في إطار البيئة الإسلامية أو لقراءات خاصة فيها، مع مراعاة التطور التدريجي في هذا الميدان.
ومع أن موقع رجال الدين في مصر ظلّ بعيداً عن مناصب رسمية مباشرة، مثل المرشد الأعلى أو ولي الفقيه أو غير ذلك أو دور المرجعية العليا في النجف على سبيل المثال وخصوصاً ما بعد احتلال العراق في العام 2003، الأمر الذي عزّز من التوجّه الإسلامي على حساب القرب من الهوّية المدنية للدولة، وهو ما يجعلنا نقول أن مصر "منزلة بين منزلتين"، فلا هي دولة دينية ولا هي دولة مدنية بالكامل، وكان طموح ثوار 25 يناير أن يحظى الطابع المدني بمكانة أكبر بعد التغيير، ولهذا فإن مجرد فوز الإخوان المسلمين تولّد شعور عام لدى الطرفين أن الدولة يمكن أن "تتأخون" ببطئ وهو ما يفكر به البعض سواءً من الإخوان أو خصومهم في الوقت نفسه، وإن كان هناك من يريد الإسراع بحسم الأمور، من خلال الهيمنة والإقصاء من جانب التيار الإسلامي والأصولي، في حين ذهب التيار المعارض لمنع حدوث ذلك مبكراً برفض قبول الدستور والانسحاب من الجمعية التأسيسية لصياغته، وهو ما حصل لاحقاً على يد الفريق عبد الفتاح السيسي.
يستدلّ على ذلك ما جرى الحديث عنه بخصوص التفسير والتأويل لنص المادة الثانية الخاصة بالشريعة الإسلامية والتي تقول إن " مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"، ومثل هذا النص اقتبس من دستور العام 1971، وقد كان الإبقاء عليها مساومة قبلها الطرفان، بهدف تهدئة الأمور، لكن الإسلاميين وضعوا إضافة على النسخة الأخيرة 28 من الدستور بعد انسحاب الأعضاء من غير التيار الإسلامي، لتحديد مبادئ الشريعة والمسؤول عن تفسير اللفظ، وذلك باعتبار قواعد الفقه والمصادر الموثوق بها والمقبولة في المذهب السني من ضمن جملة أمور أخرى. (وهذه كلّها موضع خلاف شديد)، ولعلّ مثل هذه النصوص يمكن أن تطبق على قضايا العقوبات وإقامة الحدود وغيرها.
وذهب الدستور لوجوب طلب رأي الأزهر، وحتى وإنْ لم يكن رأيه ملزماً، لكن الكثير من القضاة سيتحرّجون من مخالفة رأيه، وهو ما ذهب إليه قانون المحكمة الاتحادية المعروض للمناقشة في العراق، وبطبيعة الحال فإن إخضاع المحكمة الاتحادية باختصاصاتها المذكورة، لحكم الفقهاء سيعني وضع الدولة العراقية بكيانياتها وسلطاتها الثلاث تحت تصرّفهم ومن ورائهم الحركة الدينية.
وعلى الرغم من اضطرار التوجّه السائد في العراق لتخفيض سقف مطالبه باقتراح أربعة فقهاء بدلاً من ستة، حيث كان توزيعهم على النحو الآتي(4 شيعة تختارهم مرجعية النجف و2 سنّة يختارهم الوقف السنّي). لكنه تم الاحتفاظ بدورهم السامي " العِلوي"، حيث سيكون قرارهم نافذاً بأغلبية 3 فقهاء لإبطال وتعطيل قرار المحكمة الاتحادية.
وإذا افترضنا حسن النية، وأن الأمر ليس مُبيّتاً من لدن الأطراف السياسية الدينية، فلماذا الإصرار على وجود الفقهاء، في محكمة قضائية عليا؟ علماً بأن غالبية المنازعات التي تعرض على المحكمة الاتحادية العليا، تخصّ القانون العام ومبادئ القانون الدستوري، وهي غير معنيّة بالقانون المدني أو قانون الأحوال الشخصية، لكي تتذرع هذه القوى التمسّك بمقاعد الفقهاء الاسلاميين.
وفي العديد من البلدان هناك ما يطلق عليه القضاة الجالسون والقضاة الواقفون، الأولون هم من لهم الولاية الحصرية في إصدار الأحكام، أي أنهم مجازون وحصلوا على شهادات أكاديمية ولديهم تأهيل (خريجو معاهد قضائية أو تمرسوا في هذا المجال) ومارسوا القضاء وعُرفوا بحيادهم ونزاهتهم وغير ذلك، في حين أن مهمة القضاة الواقفين هي تعضيد وتعزيز الحكم القضائي بتقديم المشورة، ولا يحقّ لهؤلاء الاعتراض على الأحكام أو اتخاذ قرار بالفيتو أو ما شابه ذلك، لأن الولاية هي للقضاة الجالسين وليس لغيرهم.
إن المشكلة الأولى والأساسية في دستور مصر أو العراق أو الارهاصات والمناقشات التي شهدتها الساحة التونسية بخصوص الدستور، هي التناقض وإن كانت في تونس أقل حدّة، ففي حين تضمنت بعض المبادئ الديمقراطية الخاصة بالمساواة والمواطنة واحترام حقوق الانسان، الاّ أن كوابحاً تعترضها وتحول دون تفعيلها، وأعتقد أن جوهر المشكلة يكمن في إقامة نوع من "التوازن غير المتوازن"، وسبق لنا أن أطلقنا على الدستور العراقي خلال مناقشتنا لحيثياته "الدستور غير الممكن دستورياً"، فمن جهة اعتبر الشريعة مصدراً أساسياً للتشريع وعدم سنّ أي قانون يخالف أحكامها (المادة الثانية). ولكن من جهة أخرى وفي المادة نفسها، أكدّ على عدم جواز سنّ قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، وكذلك عدم جواز تعارض أي قانون مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الدستور ( وهو تناقض صارخ، لاسيما لو حصل الخلاف بينهما في التأويل أو التفسير)29 .
وإذا كانت ثمة خشية لدى البعض على الإسلام حيث راح يتشبث بموقع متميّز للفقهاء يمنحهم بموجبه حق الفيتو أو الاستشارة الأقرب إلى الإلزام، فمثل هذه الخشية غير واردة، بل وغير واقعية، فالدولة شبه المدنية في مصر أو العراق أو تونس، وبغضّ النظر عمّن حكمها طيلة نحو قرن من الزمان، لم تشرّع أي قانون يتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي يبدو أن التعكّز عليه، بمثابة شماعة بوجه أي قرار أو قانون لا يتوافق مع بعض المصالح الحزبية أو الدينية أو الطائفية الخاصة.
من حق المحكمة أن تستشير خبراء بصفة دائمة أو مؤقتة أو في حالات معينة، وعندها سيكون رأي الخبير ليس كرأي القاضي، وهذا الأخير هو صاحب القرار، وهكذا فإن رأي الخبير (في الفقه الإسلامي أو في القانون) سيكون غير ملزم .
الدستور المصري النافذ ليس هو ما يحلم به الإسلاميون، لقيام دولتهم الإسلامية بسبب أن ميزان القوى وإن مال لصالحهم، لكنهم لم يستطيعوا من القضاء على مقاومة المعارضة التي ظلّت ممانعة ومتماسكة. وعلى الرغم من جميع التحفظات وهي كثيرة، والثغرات وهي عميقة، فإنه لم يكن دستوراً إسلامياً بالمعنى الذي يطمح إليه الأخوان، والمطلوب اليوم وبعد عاصفة الصراعات والتظاهرات البحث عن صيغة توافقية لدستور يعبّر عن الجميع وإنْ كان لا يمثلهم بالكامل! وتلك مهمة مضنية، لكنها ستكون صمام أمان لنزع صاعق التفجير ولكي لا يتكرر ما حصل مع الرئيس المعزول مرسي، بالعودة إلى تدخل للجيش!

المصادر والهوامش

1- تأسس حزب النهضة العام 1981 على يد زعيمه الحالي راشد الغنوشي ومعه مجموعة من المثقفين الإسلاميين ورجال الدين المعارضين، بقدر ما كان يسمح به من معارضة في ذلك الوقت في تونس واضطّر زعيمه وأعداد كبيرة من كادره إلى الهجرة بعد حظره وملاحقة الآلاف من أعضائه في أواخر الثمانينيات، وعاد الغنوشي الذي عاش في المنفى (لندن) بعد الثورة التونسية في مطلع العام 2011، وعند إجراء أول انتخابات في تونس بعد الثورة حصل الحزب على أغلبية مقاعد البرلمان، فشكّل الحكومة بالتعاون مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بقيادة منصف المرزوقي (الذي أصبح رئيساً للجمهورية) وحزب التكتل بقيادة مصطفى بن جعفر (الذي أصبح رئيساً للبرلمان) في حين أصبح علي العريضي من حزب النهضة رئيساً للوزراء، بعد استقالة د. حمادي الجبالي .
2 - تأسست حركة الإخوان المسلمين في آذار (مارس) 1928 في مدينة الاسماعيلية بمصر على يد حسن البنّا (1906-1949) وظلّت الحركة محظورة تقريباً طيلة أكثر من ثمانين عاماً من عمرها وتعرّضت إلى الملاحقة واعتقل الآلاف من أعضائها، ولكنها في التسعينيات تخلّت عن العمل المسلح وانتقلت إلى العمل السياسي بقوة وحيوية واستطاعت الفوز في العديد من النقابات والاتحادات المهنية، كما عملت في الميدان الخيري والإنساني وكسبت جمهوراً واسعاً من خلال العمل الدعوي والتبشيري. وعند أول انتخابات مصرية حصلت على الأغلبية في مجلس النواب، كما فاز الرئيس محمد مرسي في أول انتخابات ديمقراطية لرئاسة الجمهورية. انظر: البنّا، حسن مذكرات الدعوة والداعية، تقديم أبو الحسن علي الندوي، ص 36- 39 نقلاً عن محمد جمال باروت في " موسوعة" : الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، مجلدان، المجلد الأول، بيروت، 2013، ص 119.
3- انظر: عماد، عبد الغني وآخرون - (المشرف) الحركات الإسلامية في الوطن العربي مجلدان، مصدر سابق، المجلد الأول، المقدمة، ص 25.
4- انظر: شعبان، عبد الحسين- الحبر الأحمر والحبر الأسود- من ماركس إلى الماركسية، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية ، بيروت، 2013 (الفقرة الخاصة بالماركسية والدين) ص 89-158 (الفصل الثاني).
5- انظر: كوثراني، وجيه- مشروع النهوض العربي: أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني، بيروت، دار الطليعة، 1995، ص 54.
6- انظر: بلقزيز، عبدالاله ، ندوة في تونس بعنوان الدين والدولة تونس ،10-14/ تشرين الأول/2012، ومداخلتنا التي هي بعنوان : تديين الدولة أم " دولنة" الدين، انظر: صحيفة الخليج ، الإماراتية ، الاربعاء 8/5/2013.
7- انظر: الخميني، روح الله- الحكومة الإسلامية، دار عمار للنشر والتوزيع السلسلة: العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، 1988.
8- انظر: الخامنئي، علي – الحكومة في الإسلام ، دار الروضة، بيروت، 1995، ص 26-27 وما بعدها.
9- انظر: شعبان، عبد الحسين- السيستاني أو ولاية الفقيه غير المعلنة، صحيفة النهار ، 3 تشرين الأول (اكتوبر)، 2006.
10- كانت العديد من الأصوات الشعبية ومنذ وقت مبكّر وبشكل خاص المدرسة النجفية تعارض فكرة نائب الإمام وهو المصطلح الذي شاع لاحقاً ويوازي فكرة " ولاية الفقيه" المطلقة، خصوصاً بطرح سؤال مهم يتجاوز دور نائب الإمام حقل العبادات والمعاملات، ليطال حقل السياسة، أي حقل الحكم والسلطات على حد تعبير المفكر وجيه كوثراني بما فيها قضايا الحرب والسلام .
انظر : كوثراني، وجيه – بين فقه الإصلاح الشيعي وولاثة الفقيه، الدولة والمواطن، دار النهار، بيروت، 2007، ص 60-61.
11- انظر: نصوص الدستور المُستفتى عليه يوم 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005.
12- انظر: شعبان ، عبد الحسين- الحبر الأحمر والحبر الأسود، من ماركس إلى الماركسية، مصدر سابق.
13- انظر: شعبان، عبد الحسين- مداخلة وتعقيب على بحث رضوان السيد في ، ندوة تونس في 14-18/10/2012- نشرت هذه المداخلة في كتاب جماعي بعنوان " الدين والدولة في الوطن العربي" مركز دراسات الوحدة العربية، والمعهد السويدي بالإسكندرية، آذار (مارس) 2013، وهي بعنوان " التفكير الديني وسسيولوجيا المعرفة"

14- انظر : السيد ، رضوان- ندوة تونس ،المصدر السابق.
15- انظر: الطهطاوي، رفاعة - تخليص الأبريز في تلخيص باريز، القاهرة 1834.
16- انظر: التونسي ، خيرالدين ، أقوام المسالك في معرفة الممالك"، المطبعة الرسمية ، تونس، 1868.
17- قارن: علي عبد الرازق - " الاسلام و اصول الحكم " ، القاهرة، 1925.
18- ولد الشيخ محمد حسين النائيني في اصفهان عام 1273 هـ في أسرة علمية معروفة وهاجر إلى العراق واستقر في مدينة سامراء سنة 1303، ثم انتقل بعد ذلك إلى النجف ، وشارك في حركة الجهاد ضد بريطانيا في العام 1920 ونتيجة لمواقفه الرافضة لمشاريع الاستعمار ووقوفه في وجه مخططاته الهادفة الى تكريس الاحتلال أمرت الحكومة العراقية بتسفيره إلى إيران نهاية العام 1923، ويعتبر كتابه " تنبيه الأمة وتنزيه الملّة " الذي صدر عام 1909 أحد الكتب الريادية في الفكر الإسلامي الذي وقف ضد الاستبداد منتصراً للحركة الدستورية وللأسف أن محيط الجهل الذي عمّ المجتمع الإسلامي آنذاك وما تعرّض له النائيني من ضغوط هي التي أجبرته على السكوت والصمت بعد نشر كتابه، توفي النائيني في النجف سنة 1355 هـ ودفن فيها. أنظر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة من الانترنيت.
19- انظر: البنّا، حسن- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنّا، القاهرة، دار التوزيع، 1992، ص 144.
20- ولد سيد قطب في قرية موشيه في محافظة أسيوط في 9 تشرين الأول (اكتوير) 1906 وأعدم في 29 آب /اغسطس عام 1966 وهو كاتب وأديب ومنظّر إسلامي وعضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين وقد اعتقل لأول مرة عام 1954 ثم بعد حادثة المنشية في العام ذاته حيث حكم عليه لمدة 15 عاماً وصدر بعفو صحي في العام 1964 بتوسط من الرئيس العراقي عبد السلام محمد عارف، ولكنه اعتقل مرة ثالثة في العام 1965 ، وصدر الحكم بإعدامه في شهر آب /اغسطس .
قارن: سيد، قطب - معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة ، سنة الاصدار بلا. وكان الكتاب قد صدر أيضا في المملكة العربية السعودية من وزارة المعارف.
21- انظر: عماد، عبد الغني- الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مصدر سابق، ج1، ص 102.
22- انظر: مسرّة، انطوان – مداخلة في ندوة تونس
23- انظر: ورقة خلفية: العلي، زيد- الدستور المصري الجديد: تقييم أولي لمزاياه وعيوبه، مخطوطة خاصة.
24- انظر: المواد 133 و 139 و 126.
25- انظر: المواد 123 – 125 ثم المادة 148.
26- انظر: المادة 128.قارن كذلك: العلي، زيد، مصدر سابق.
27- ارتبط اسم السنهوري في الثقافة العربية المعاصرة ، بالقانون المدني، وقد حجبت شهرته هذه،الحقول الأخرى التي أبدع فيها مثل " القانون الإسلامي" والإسلام الحضاري والوحدة العربية وغيرها، أو أنها لم تنل ذات الاهتمام الذي اكتسبته شهرته الفقهية في القانون المدني.
للاطلاع على نشاط السنهوري الإبداعي في الميادين المختلفة، انظر: عبده، محمود – عبد الرزاق السنهوري: أبو القانون وابن الشريعة- مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2011.
28- لم يتضمن دستور العام 1923 أو الاعلانات الدستورية بعد الثورة، بما فيها دستور الوحدة ، نصوصاً تشير إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، باستثناء دستور العام 1971 الذي أبرم في عهد السادات وكل ما ورد فيها أن "الإسلام دين الدولة"، وهو النص الذي ورد أيضاً في دستور العراق الأول " القانون الأساسي" العام 1925. قارن، شعبان ، عبد الحسين – الدستور العراقي المؤقت، كرّاسات ستراتيجية ، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 2004. وبخصوص الدستور المصري الجديد،انظر: المادة 219.
29- انظر: شعبان، عبد الحسين- العراق : الدولة والدستور من الاحتلال إلى الاحتلال، دار المحروسة، القاهرة، 2004.
=======================
*كاتب ومفكر عراقي-استاذ فلسفة اللاعنف في جامعة أونور(بيروت)