الثلاثاء 2 أيلول/سبتمبر 2014
TEXT_SIZE

نحو إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي

نحو إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي "محاولة لفهم التراث وإرساء الوعي التاريخي"*

دراسة للمفكر العراقي: علاء الدين الأعرجي
"إن أعظم ثورة ذهنية عرفها العقل الإنساني هي الثورة التاريخية" - ف. مينكه F.Meinecke
"إن العالم يسقط إلى العدم إذا لم يُخلق ثانية في كل لحظة" - عطيات أبوالسعود
" العربي يعجب بماضيه وأسلافه، وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله" - جمال الدين الأفغاني
" العصابي يشيح عن الواقع لأنه يجده لا يطاق بتمامه أو في بعض أجزائه" - سيجموند فرويد

مقدمة 

لو أنعمنا النظر بما حولنا، بعقول مُشْرَعة، لوجدنا العالم، بل الكون، يتغير في كل لحظة. فوراء هذا السكون الظاهر والنظام الثابت، أكوان من نظام ثورات متفجرة، تتجلى في الصراعات المستمرة أو التفاعلات المتواصلة بين بلايين البلايين من القوى المتعارضة أو المتعاضدة.
ففي جسم الإنسان، مثلا، كما في جسد كل كائن حي، صراع محتدم ومتواصل، بين قوى الفناء وقوى البقاء. وفي الكون الشاسع بلايين النجوم المشتعلة المشعة وبلايين الكواكب التابعة، التي تظل في حركة دائمة وتغير مستمر. وكلها تتجاذب أو تتباعد عن بعضها وعن مركز الكون بسرعات هائلة. حتى الحجر الأصم الذي يبدو لنا ساكنا، تحتدم في داخله ثورة عظيمة وتغير أخرس، بالنسبة للناظر العادي، وتغير صارخ بالنسبة للناظر المتمعن، سواء بسبب التفاعلات التي تجري بين الذرات المتحركة فيه، أو داخل كل ذرة منها، حيث يبرز في كل واحدة منها كون آخر ينطوي على جسيمات متعددة، تتوالى بينها تجاذبات وتفاعلات متواصلة. وكل هذه الأحداث، الصغار الكبار، تفضي إلى تطور وتغير مستمر إلى حد يمكن القول فيه: أن اللحظة الراهنة تختلف عن اللحظة السابقة كما أنها تختلف عن الآتية، لأن كل ما في الوجود قد تغير وسيتغير بتوالي اللحظات. وما نقوله ليس فيه أي جديد، فقد أذاعه هيراقليطس قبل 2500 عام، في قولته الشهيرة:"لا أستطيع أن أنزل إلى النهر نفسه مرتين، ذاك أنني حين أستحم للمرة الثانية يكون النهر قد تغير، وأنا أيضا ". ويقول "غوته"Goethe:" من لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف عام الماضية، يبقى في العتمة".(1)
فإذا كان هذا شأن الحياة والمادة فما بالك بالمجتمع، الذي تتكون أجزاؤه من تجمع بعض البشر لتشكيل كيان متعاون لتحقيق البقاء؟ أليس حريّ به أن يتطور؟ كما أن التاريخ نفسه يشهد على هذا التغير والتطور، بل يثبته في كل فترة زمنية؛ تـُرى هل الحياة الاجتماعية والفكرية والمادية اليوم تشبه الحياة قبل ألف عام، بل قبل خمسين عاما، مثلا؟ والأكثر من ذلك، لا شك أن الجميع يلاحظون كيف تغير العالم منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 ، او بعد هذه الثورات والانتفاضات الجارية في العالم العربي!!
وعندما يتغير الناس، بمن فيهم نحن أنفسنا طبعا، وبالتالي المجتمع والمحيط الخاص والعام، تتغير نظرتنا إلى كل شيء، بما في ذلك نظرتنا إلى التاريخ نفسه، ومن هذه الحقيقة البسيطة جدا، والخطيرة إلى أقصى حد، يمكن أن تنطلق أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي بالإضافة إلى الأسباب الأخرى الواردة أدناه وفي الحلقة القادمة.
* * *
يحاول هذا البحث طرح مشروع شامل لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، بشروط علمية ونقدية محددة. ونحو التمهيد لتحقيق بعض من هذا الهدف، الواسع والطويل الأمد، سنحاول تحديد المفاهيم والمصطلحات بشكل جد مبدئي، في الحلقة الأولى، ثم سنشرح بعض الأسباب التي تدعو لتحقيق هذا المشروع، في الحلقة الثانية.
ونحن لن ندعي بأننا سنفي هذا الموضوع حقه، من خلال هذا البحث المقتضب. ولكننا نكتفي بطرحه على بساط البحث كاقتراح فجّ، بحاجة إلى تنضيج وتوسيع من خلال دراسة أوسع وأدق، من جانب الباحثين المتخصصين في مختلف الميادين ذات العلاقة.
وهكذا فإننا سنكتفي بتقديم لمحة سريعة، عن أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، وبالتالي إعادة النظر بالتراث نفسه، كمحاولة لخلق قدر من الوعي التاريخي الناضج، لدى معظم أفراد المجتمع، وفيهم متعلمون ومثقفون كثيرون.
ومع ذلك نحن لا يسعنا أن نعد القراء بأن ما قلناه، وما سنقوله، هو عين الصواب، بل هو مجرد رأي متواضع، خاضع لنقد القراء، الذي يرحب به الكاتب بكل سرور وامتنان، لأنه قد يـُغني البحث أو يـُعـَدِّلـُه، ليكون أكثر فائدة وجدوى.
تحديد بعض المفاهيم
ملاحظة: نحدد بحثنا في" التاريخ البشري"، بوجه خاص، أي نستبعد بذلك مثلا التاريخ الطبيعي المتعلق بالحيوان والنبات، وتاريخ طبقات الأرض، وتاريخ الكون والكواكب، وغير ذلك من التواريخ.
تعريفات التاريخ البشري كثيرة ومتشعبة نستعرض بعضها باختصار شديد:
لغة: من فعل "أرَخ َ"، الكتابَ حدد تاريخه ، وأرخ الحادث َ ونحوه: فصَّـل تاريخه وحدد وقته. وتأريخ الأمم وغيرها ( وتسهـَّـل الهمزة)، ذكر نشأتها وتطورها وآثارها. ("الوسيط ، مادة أرخ) . وقد تكون الكلمة عربية جنوبية اعتمادا على رواية تقول أن أول من أرخ التاريخ هو" يعلي بن أمية"حين كان باليمن. فكتب إلى الخليفة عمر كتابا مؤرخا. فاستحسنه عمر وقال "هذا حسن فأرِّخو". ويرى المستشرق جـِب(H.A.R. Gibb) أن لفظة تاريخ مشتقة من اللغة السامية القديمة التي تعني القمر أو الشهر، وقد وردت في اللغة العبرية بلفظة "ي رخ". (2)
اصطلاحا: يقول ابن خلدون إن التاريخ" فنٌّ من الفنون التي تتداولُه الأمَم والأجيال، وتُشَدُّ إليه الركائبُ والرحال... إذْ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل... ويؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، و اتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلمٌ بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدَّ في علومها وخليق." وهكذا افتتح ابنُ خلدون بوَّابة "علم التاريخ"، بالمعنى الحديث على مصراعيها، ولأوَّل مرَّة. (3)
وتدل كلمة التاريخ عند سقراط على المعرفة، وعند أرسطو على جمع الوثائق. وعند بيكون هو "البحث في أحوال تاريخ البشر ووقائعهم الماضية". وتطلق كلمة التاريخ في العصر الحديث على " العلم بما تـَعاقـَبَ على الشيء في الماضي من الأحوال المختلفة، سواء أكان ذلك الشيء ماديا أو معنويا: كتاريخ الشعب وتاريخ الأسرة وتاريخ القضاء وتاريخ العلم وتاريخ الفلسفة إلخ . . ." (4)
ويعرف قسطنطين زريق التاريخ بـأنه " السعي لإدراك الماضي البشري وإحيائه". ثم يُسهب ويُـجيد في تفسيره وتفصيله لهذا التعريف، بل يبرر، إلى حد بعيد، وبشكل عير مباشر، دعوتنا هذه لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي. (5)
ويعرفه ريمون أرون Raymond Aron، في كتابه " مدخل إلى فلسفة التاريخ" بمعناه الضيق، بأنه "علم الماضي البشري". وبمعناه الأوسع يقول إنه يعني "دراسة صيرورة le devenir الأرض والسماء والأجناس البشرية بالإضافة إلى الحضارة.(6)
ونقترح أن نميز بين مفهوم لفظة "التاريخ" باعتباره يدل مرة على الماضي البشري ذاته، وتارة على الجهد المبذول لمعرفة ذلك الماضي أو العلم المعني بهذا الموضوع. وقد حاول بعض الباحثين الفرنسيين التمييز بين المفهومين، بجعل لفظة Histoire تكتب بـحرف الـ H الكبير، لتدل على الماضي، بينما histoire تدل على العلم المعني بالتاريخ.(7)
* * *
كذلك نرى، خلافا للتعريف الوارد في "المعجم الوسيط " الذي لا يفرق بين "التاريخ" و"التأريخ"( بالهمز)، أنه يجب أن نفرق بين المصطلحين. فالأول اسم يطلق على مسمى يتعلق بماض أو أصل، فتقول تاريخ أوربا أو تاريخ الأمة العربية، أي ما كانت عليه أوروبا أو الأمة العربية من أحوال في ماضيها، القريب أو البعيد، أو تحديد أصلها وفصلها. أما لفظة "تأريخ"(بالهمز) أوروبا أو تأريخ الأمة العربية، فهي مصدر، وتعني عملية صناعة "التاريخ" المتعلقة بهما، بكل ما فيها من بحث في الوثائق ودراسة الآثار وتحقيقها ونقدها. كما يعني أيضا تحديد وقت الحدث أو زمانه، فتقول مثلا تأريخ الرسالة أو الكتاب أو تأريخ الوثيقة أو الأثر التاريخي ، أي عملية تحديد زمن الأثر أو صدور الرسالة أو الكتاب.
وهكذا، نقترح أن نميّز، ربما خلافا لكثير من المؤرخين المعروفين، حسب علمنا، بين أربعة معان للفظة التاريخ، بدل معنيـَيْـنِ فقط:
الأول، هو التاريخ المعروف، كخبر عن الماضي، بقدر كبير أو قليل من الدقة والتفصيل(المحكي أو المكتوب، أو المفترض أو المستخلص من الآثار المكتشفة ).
الثاني، هو التاريخ ذاته، أي الوقائع والأحداث كما حدثت فعلاً. وكل الدلائل تشير إلى تعذر معرفة أحوال الماضي، كلما بَعـُد. فمعظم أخبار الماضي ضائعة أو غير منقولة بتمامها أو بالدقة اللازمة، لأنها مستنتجة بقدر كبير من التخمين وقليل من الثقة. ونحن إذا أردنا الدقة، لا ندري فعلاً ما حدث بالضبط أمس أو اليوم في عالمنا بل في مدينتنا، لاسيما إذا كانت مدينة كبيرة، على الرغم من تطور وسائط الاتصال، فما بالك بما حدث فعلاً قبل آلاف الأعوام أو أكثر! ! ونحن لا نقصد بالطبع كل ما يحدث للأفراد من شؤون يومية عادية مألوفة، بل الأحداث الهامة التي تتضمن دلالات مجتمعية معينة، أو يمكن أن تؤدي إلى نتائج لها أهميتها. ومع ذلك يمكن أن تشكل هذه الأحداث اليومية العادية المألوفة مادة خصبة للدراسات التاريخية والسوسيولوجية، خصوصا بعد مرور فترة معينة من الزمن. فنحن مثلا، نهتم جدا اليوم بالعثور، على "رقيم" طيني، يقدر عمره بـ3000 عام، يوثــِّق صفقة عادية لبيع الناتج من القمح في حقل "ألف" من الناس، إلى "باء"من الناس، في موقع مدينة "أور"، في جنوب العراق. ذلك لأننا نستخلص من دراسة هذه الوثائق، التي كانت تعتبر عادية في وقتها، نتائج تلقي ضوءاً على العلاقات التجارية والاجتماعية، وطريقة حياة الناس وتعاملاتهم، في ذلك الزمن. خصوصا وإن المؤرخين القدماء لم يعتادوا التحدث عن أساليب حياة الناس العاديين، بينما درجت المناهج التاريخية الحديثة على دراسة أحوال المجتمعات، من خلال تعَقُب أخبار أفرادها وعلاقاتهم المتفاعلة، بُغية التعرف على أحوال المجتمع.
والثالث، هو التأريخ (بالهمز )، وهو "عملية" دراسة التاريخ، كما ذكرناها أعلاه. فنقول مثلا نحن نسعى لإعادة كتابة "التاريخ العربي الإسلامي"، عن طريق "التأريخ" له. أي من خلال ما نقوم بـه من "عمليات وإجراءات" متعددة لاستخلاص الحقائق التاريخية، بما في ذلك البحث في المصادر المعتمدة والتنقيب في الآثار الشاخصة والمطمورة إلخ . . . . لذلك يصح أن نقول، مثلا ،" نحن نقوم بـ "تأريخ التاريخ"،(الأول بالهمز والثاني بدونه) أي نؤرخ للتاريخ نفسه، فندرس كيف ومتى بدأت الدراسات التاريخية وجرت عمليات تدوين التاريخ أو تمحيص وقائعه، وكيف تطورت تلك الدراسات، فضلاً عن دراسة وسائل البحث التاريخي التي أفضت إلى اكتشاف تاريخ هذا المجتمع أو ذاك.
والرابع، هو التسمية التي تطلق على الأعمال المكتوبة المتعلقة بتدوين التاريخ، فنقول مثلا: تاريخ الطبري، ونقصد به كتاب "تاريخ الأمم والملوك"، الذي وضعه محمد بن جرير الطبري. كما نقول تاريخ المسعودي، لنعني كتاب" مروج الذهب ومعادن الجوهر"، لأبي الحسين علي المسعودي، أو تاريخ الجبرتي، لنعني "تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار" لمؤلفه عبد الرحمن الجبرتي، وهكذا.
وتعقيبا على المعنى الأول والثاني، نرى أن الحدث لا يصبح حدثا تاريخيا إلا إذا عُرف، ولا يُعرف إلا إذا شُهد، ثم نقل شفويا أو تحريريا، وهكذا يتحول إلى حدث تاريخيٍّ. ولكن مع ذلك، هناك وراء كل حدث ينقل شفويا ًأو تحريرياً، مئات بل ربما آلاف الأحداث الكبيرة أو الصغيرة التي لم تُنقل. وهذه الأحداث المطمورة تتزايد كلما ابتعدنا عن الزمن الحاضر. وذلك لا بسبب عدم أهميتها أو خطورتها كما أسلفنا، بل لأنها لم تـُشهد أصلاً أو شُهدتْ ولكن لم تدون، أو شُهدت ودُوِنت، ولكن وثيقتها ضاعتْ. وهكذا فالتاريخ الذي نقرأه يمثل، على الأرجح، جزءاً يسيراً من الحقيقة التاريخية التي حصلت بالفعل، أو جزءاً من حقيقة مشوهة أو معدلة.(8) وفي هذا السياق يقول عبد الله العروي :" كل حدث يصبح حدثاً عندما يوصف، حتى بالنسبة للمعاصر، المشاهد له. ولا يُتصور وصفٌ يطابق الواقع كامل المطابقة".(9)
من جهة أخرى- ونحن ما زلنا في إطار تحليل أو تفكيك التعريفين الأول والثاني- فان الخبر التاريخي يرتبط بالمؤرخ أو ناقل الخبر، أو الصحافي. وكل منهم بشر يتأثر به وبظروفه كحدث، وبظروفه الشخصية الخاصة، بدرجات وكيفيات مختلفة. كما يمكن أن ينقله بأشكال مختلفة تؤثر في فحواه أو مغزاه. لذلك تقع على المؤرخ المعاصر عامة والعربي خاصة، مسؤولية كبرى في تحقيق مختلف النصوص وتمحيصها ومقارنتها ونقدها، بل استقصاء نـيَّـة المؤرخ، الظاهرة أو الخفية، أو مصدره في نقل الخبر، فضلاً عن اتجاهاته وميوله ومعتقداته، لاكتشاف مدى موضوعيته وحيدته، وبالتالي، اكتشاف ما يمكن أن أهمله بوعي أو بغير وعي.
وكمثال على ذلك، نشير إلى نقطة معينة في كتاب التاريخ المعروف بـ"فتوح البلدان" للبلاذري. ذلك أن صلات هذا المؤرخ الوثيقة بالخلفاء العباسيين ووزرائهم، أثرت في كتابته للتاريخ المعروف في تلك الحقبة. فقد مدح المأمون وأصبح من ندماء المتوكل المقربين وتقرب من المستعين والمعتز، الذي عهد إليه بتثقيف ولده، كما يشير ياقوت الحموي في "معجم البلدان". وهكذا، مع أنه عاصر الثورة "البابكية"،بمبادئها التقدمية(إلغاء ملكية الأرض وتوزيعها على الفلاحين وتحرير المرأة إلخ)، وهي مبادئ تتعارض تماماً ومصالح الطبقة الحاكمة في الخلافة العباسية، فحاربتها مدة 22عاما؛ أقول: مع أن البلاذري عاش تلك الثورة منذ شبابه، إلا أنه أهملها في تاريخه تقريبا، ولم يشر إليها إلا إشارة قصيرة عابرة، وأطلق على زعيمها "الكافر الخرمي"، وذلك تقربا للعباسيين.(10)
ولزيادة التدليل على أهمية وخطورة تدخل ناقل الخبر(باعتبار أن الخبر هو المادة الأولية الخام التي تشكل معلومة المؤرخ) في حقيقة الحدث ذاته، يمكن أن نأتي بأمثلة عديدة تتعلق بطريقة نقل الأخبار في العصر الحديث، الذي من المفترض أن يكون أكثر العصور صراحة ومصداقية ودقة وموضوعية، انطلاقا من توفر الإمكانات المادية والتقنية، واختصار المسافات، وتقارب أصقاع المعمورة، التي أصبحت توصف بالقرية الصغيرة. لكننا نكتفي بإيراد مثال واحد، نـُذكـِّر فيه بالفروق، الصغيرة أو الكبيرة أحيانا، بين طريقة نقل الخبر من جانب فضائية "الجزيرة"، في قطر، ونقله من جانب محطة الـ"سي أين أين" CNN أو محطة "فوكس" Fox N، الأمريكيتين، لاسيما إذا تعلق الخبر بقضية الصراع العربي الإسرائيلي والمنطقة العربية عامة. وهنا تتدخل الخلافات السياسية والأيديولوجية والمصلحية، بين الأطراف التي تنقل الخبر. وهذا ما يحدث في الغالب.
وفي نفس السياق أيضا، يذهب الشاعر والمؤرخ العراقي معروف الرصافي، إلى الحد الأقصى، فيقول إنه بعد أن "كان يكتب للتاريخ ويحسب له حسابا ويجعل له منزلة. . . " يستحقها، أنضجته الأيام بحوادثها فأحالته من حال إلى حال. ويضيف:"وكذلك فعلت بي الأيام حتى أصبحت لا أقيم للتاريخ وزناً ولا أحسب له حساباً لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضَلال ومتشجم أهواء الناس، إذا نظرت فيه كنت كأني منه في كثبان من رمال الأباطيل قد تغلغلت فيه ذرات ضئيلة من شذور الحقيقة فيتعذر أو يتعسر على المرء أن يستخلص من طيس أباطيله ذرات شذور الحقيقة". وقد عـبَّر عن ذلك في قصيدة طويلة بعنوان "ضَلال ( بالفتح) التاريخ" قال فيها:
وما كـُـتـُب التاريخ في كل مـــا روت لقرائها إلا حديثٌ مُـلـَـفـَقُ
نظــــرنا لأمــر الحـــاضرين فرابنا فكيف بأمــــر الغابرين نـُصدِّقُ
وما صدَّقـتنا فــــي الحقائق أعينٌ فكيف إذن فيهن يصدق مُهْرَقُ ؟
(المهرق، بصيغة المفعول، الصحيفة، أي النص التاريخي)(11)
وهذه النقطة الأخيرة بالذات، حتى إذا بالغ في وصفها الرصافي، تشكل أحد الأسباب المهمة التي تبرر الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، كما تنقلنا إلى التساؤل التالي:
ماذا نعني بإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي؟
نقصد بإعادة كتابة ذلك التاريخ، في بحثنا هذا، السعي لإعادة النظر في ماضي المجتمع العربي الإسلامي وسبره، في مختلف مظاهره وتطوراته وملابساته، وعلاقات تلك المظاهر بعضها ببعض، بغية إدراك ذلك الماضي وتفهمه، لا كما نتوهم أنه كان أو كما يجب أن يكون، أو كما نأمل أن يكون، أو كما نقله المؤرخون العرب أو الأجانب؛ بل بغية السعي لتفهمه، أو التقرب منه، كما كان فعلا، قدر الإمكان. أو بالأحرى، نقصد بذلك النظر إلى ماضينا بعيوننا نحن الأحياء، لا بعيون الأموات، الذين قضوا قبل مئات الأعوام أو أكثر . على أن نحاول ذلك باستخدام أفضل المناهج البحثية والنقدية الحديثة ، للتعمق في اكتناه أقصى أبعاد الماضي وجميعها،قدر الإمكان، بغية الوصول إلى أرجح الحقائق المتعلقة بالأحداث والأشياء والأشخاص، البارزين والعاديين أو المهمَّـشين، وظروفهم المعيشية والبيئية، الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعلاقاتهم بين بعضهم والبعض الآخر، أو علاقاتهم بحكامهم ورؤسائهم، إلخ . . .، وذلك عن طريق استئناف النظر والتحقيق والتدقيق، في أكبر عدد ممكن من الوثائق والمحفوظات والآثار المتاحة. ونؤكد هنا على أهمية دراسة الفترات المهمَّـشة، أو المهملة، من التاريخ العربي الإسلامي.
ومن الفترات المهمة الجديرة بالعناية والتحليل، نذكر الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، التي لم تـُعْـنَ بها الدراسات التاريخية الإسلامية القديمة على نحو كاف، ولم تنظر إليها بنظرة موضوعية.وقد أشير إلى هذه الفترة في القرآن الكريم، حيث أطلق عليها مصطلح "الجاهلية"("أفحكم الجاهلية يبغون" المائدة 50). وذلك لأن ظهور الإسلام يعتبر ثورة على مفاهيم وقيم ومعايير ذلك العصر "الجاهلي". ويقصد بهذه الصفة بالإضافة إلى الجهل، الفوضى سياسيا، واجتماعيا، لعدم وجود سلطة مركزية.(12)
ولكن ذلك لا يمنع من دراسة تلك الفترة، بل يؤكد الحاجة إلى الإمعان في دراستها،لأننا نرى أن بعض جذور"العقل المجتمعي العربي المعاصر" كامنة فيها، إلى حد بعيد. بل نحن عرضنا رأياً مفاده أن العرب ما برحوا متمسكين بالعديد من القيم الجاهلية، وخصوصا العشائرية، التي حاربها الإسلام. ومن جملة المظاهر التي تؤيد هذا الرأي، التركيبة الاجتماعية السائدة في معظم البلدان العربية، وخصوصا في بلدان الخليج، فضلاً عن الصراع القائم اليوم في العراق وسورية،مثلاً، بين السنة والشيعة، الذي قد يتمدد إلى بقية البلدان العربية، الذي تعود جذوره البعيدة والعميقة، برأينا، إلى صراع قـَبَليٍّ، بين الهاشميين والأمويين، كان قائما قبل الإسلام، تجلى بعد وفاة الرسول في الصراع على الخلافة، لاسيما بعد مقتل الخليفة عثمان. وقد أطلق طه حسين على هذا الصراع بحق" الفتنة الكبرى".
هذا الصراع القبَليّ الذي تعود أصوله إلى ما يزيد على أربعة عشر قرناً، قد يُسفر الآن (منتصف 2013) عن صراع بين السنة والشيعة مما يؤدي إلى إشعال المنطقة العربية بكاملها. ولاسيما وهو قائم اليوم فعلاً، تحت مسميات مختلفة، في سورية مثلاً وقد يمتد إلى العراق. و بقية بلدان المشرق العربي.
وفي هذا السياق، طرحنا، في كتابنا" أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"،(أنظر الحاشية 8) فرضية مفادها أن العرب لم يمروا بمرحلة الزراعة على نحو يكفي لمحو القيم البدوية، التي كانت سائدة، إلى حد بعيد، في العصر الجاهلي. وقد شرحنا أهمية المرور بهذه المرحلة، ولماذا تخلف العرب بوجه عام عن المرور بها، في عدد من البحوث التكميلية .(13)
وفي إطار المقصود بإعادة بحث التاريخ العربي الإسلامي أيضا، نرى أهمية دراسة الفترة المظلمة الأخيرة التي استمرت قرابة ستة قرون. ومع توفر بعض الدراسات المهمة في تاريخ العرب قبل الإسلام، ولكن الدراسات المتعلقة بفترة الانحطاط تكاد تكون نادرة. بينما نحن نعتبر هذه الفترة ذات تأثير كبير في تكوين "العقل المجتمعي العربي" المعاصر. وفي هذا المجال، نرى أن العرب المعاصرين ليسوا ورثة الحضارة العربية الإسلامية، بقدر ما هم ورثة عصر الانحطاط الأخير هذا. ولهذا السبب لم نتمكن من التحرر من تأثير "العقل المنفعل"المقلـِد، إما للسلف، أو لـ" لآخر". الأمر الذي أدى إلى إخفاقنا في الوصول إلى تفعيل " العقل الفاعل" المبدع والمنتج، بغية الإسهام في إنتاج الحضارة، وليس مجرد استهلاك منتجاتها الجاهزة.
ونستدرك فنقول إن بعض النقاط التي وردت أعلاه تتداخل مع الأسباب التي تدعو لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، التي سنبحثه بالتفصيل في حلقة قادمة.
واعترافا بالفضل، لابد أن نشير أخيرا إلى بعض المحاولات التي أسهمت جزئيا في إعادة النظر في التاريخ العربي الإسلامي، بوجه عام. ونذكر منها، على سبيل المثال، العمل الفردي المتميز الذي قام به الأستاذ أحمد أمين في موسوعته التاريخية: "فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام". كذلك ننوه بالجهد القيم الذي قام به المفكر محمد عابد الجابري، في سلسلة أعماله المتعلقة بالتراث والحداثة، ورباعيته في "نقد العقل العربي"(تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي). كما لن نغفل سلسلة كتب حسن حنفي(من العقيدة إلى الثورة مثلا)، وسلسلة أعمال محمد أركون، في دراسة التاريخ العربي الإسلامي وتحليله ، ومجموعة "مفاهيم" عبد الله العروي، وبرهان الدين دلو، في كتابه"مساهمة في إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي"، وعبد العزيز الدوري في سلسلة كتبه عن التاريخ العربي الإسلامي، وغيرهم. كما يقدم لنا طه حسين مثالا جديرا بالاعتبار، فيما يتعلق بالنقد التاريخي، في كتابه"في الشعر الجاهلي". كذلك تقتضي الأمانة العلمية التنويه ببعض من دراسات المؤرخين الأجانب المنصفين،المحققين، والموضوعيين، في محاولاتهم كتابة التاريخ العربي الإسلامي، مما قد يشكل تحديا لكتابنا ومؤرخينا لإعادة كتابة تاريخنا بشكل أفضل.
كذلك ننوه بشكل خاص بالعمل العظيم الذي أنجزه المؤرخ العراقي جواد علي، في مؤلفه المتميز " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، في عشرة مجلدات ضخمة.
ومع تقديرنا لمختلف هذه المحاولات التي تتعرض للتاريخ العربي الإسلامي بكفاءة عالية أحيانا، فإن جميع هذه الدراسات الفردية القيمة لا ترقى إلى ما ندعو إليه. خصوصا وأن هذه الدراسات تتناول جوانب معينة فقط من التاريخ العربي الإسلامي. كما أنها تنطلق ابتداء، في الغالب، من الأعمال التاريخية التي وضعها المؤرخون المسلمون في عصر التدوين، الذي بدأ منذ منتصف القرن الهجري الثاني ، وهي أعمال يجب أن تخضع، هي نفسها، للنقد والتمحيص، لأنها كتبت بعقلية ذلك الزمن وخضعت لظروفه السياسية وموجباته الاجتماعية . ومن جهة أخرى، فإن معظم هذه الدراسات الحديثة، يتحاشى الدخول في مناقشة القضايا الحساسة المتعلقة بتاريخ الإسلام العقائدي، لأسباب ما تزال قاعلة بل قاهرة ومعطِلة، ترتبط بتكوين"العقل المجتمعي" للإسلام الأصولي السلفي التكفيري، مما أدى ويؤدي إلى تعطيل المسيرة النهضوية للأمة العربية والإسلامية. كما يتطرق القليل من الباحثين إلى مسألة نقد النصوص والوثائق بما فيها الآثار والرُقم المكتشفة، أو التي ما تزال بحاجة إلى بحث واستكشاف، خصوصا في مناطق كثيرة من شبه الجزيرة العربية، التي ما زالت بـِكرا لم تمس تقريبا.
وهكذا فإن هدفنا من هذا البحث، هو الدعوة لتأسيس عمل جماعي منظم، يقوم به فريق من المثقفين والمتخصصين العرب داخل الوطن العربي و/ أو خارجه. مع تحفظنا بشأن صعوبة تطبيق ذلك في مجتمع حافل بالقيود الرسمية والأدبية والأخلاقية، أي موجبات "العقل المجتمعي" ومسلماته العقائدية الثابتة، التي تعيق تطلعات المؤرخ الحر لاكتشاف الحقائق، مهما كانت قاسية، وتمنع استخدام"العقل الفاعل"، بدل الخضوع لـ "العقل المنفعل". وإذا أمكن التغلب على هذه العقبات، يمكن أن يقوم هذا الفريق بتحقيق ما يلي :
أولا، الاتفاق على وضع قواعد مناهج البحث الحديثة، الأكثر اتباعا أو اعتبارا، لتحديد إجراءات البحث والتنقيب ونقد النصوص التاريخية والآثار المتوفرة وتفسيرها.
ثانيا، وفي إطار نقد النصوص التاريخية وتفسيرها، يضطلع الفريق باستنطاق النصوص المتاحة لاستكشاف ما وراء المعنى الظاهر للنص أو المعنى المسكوت عنه، الذي ينبئ بدوره عن مغزى أعمق وأبعد وربما "حقائق" أنضج. ومن المؤكد أن تظل هذه "الحقائق" موضعا للنقاش واختلاف الآراء، ومع ذلك فإن إتاحتها للقارئ والباحث تشكل ثروة فكرية كبيرة.
ثالثا، وضع ِ تاريخ موثــَّق، أساسي شامل ومتكامل، لأربع فترات رئيسية: فترة ما قبل الإسلام، وفترة انبثاق الإسلام والحضارة العربية الإسلامية، والفترة المظلمة، وفترة النهضة العربية خلال القرنين الأخيرين. وسيشكل هذه التاريخ مرجعا جامعا ثرَّا للدارسين: الأساتذة والمفكرين والطلاب والباحثين.
وسيحتاج هذا الفريق، على ما أظن ، إلى جرد جميع، أو معظم، النصوص التاريخية المنشورة والمتعلقة بالتاريخ العربي الإسلامي، بمختلف اللغات. وربما سيحتاج أيضا إلى استكمالها بالمخطوطات العربية الكثيرة، غير المطبوعة، المنتشرة في مختلف أرجاء العالم . والتي ما زالت تنتظر الخروج إلى النور. ونؤكد بوجه خاص على تلك التي صورها ووثقها" معهد المخطوطات العربية"التابع لـ"المنظمة العربية للتربية الثقافة والعلوم"، فضلا عن المخطوطات الأخرى التي يقدرها الدكتور خالد عزب بثلاثة ملايين مخطوطة،(14) منتشرة في العديد من المكتبات العامة والخاصة والمساجد والمؤسسات الثقافية. كما نشير بكل أسف إلى المحفوظات والمخطوطات الثمينة التي كانت موجودة في "دور الوثائق العراقية" ومنها مكتبة المتحف العراقي والمكتبة الوطنية ومكتبة المجمع العلمي العراقي، والتي تعرضت للنهب والحرق بعد احتلال بغداد في عام 2003.(15) وأخيرا، وليس آخرا ، نشير إلى المجموعة التاريخية الكبيرة التي وفرها الدكتور نائل الشافعي في موسوعة المعرفةwww.marefa.org لقرائها والتي تقدر بقرابة مليوني صفحة من الكتب القديمة المخطوطة والمطبوعة.
وعودة إلى مسألة إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، نشير باهتمام إلى أن المفكر محمد عابد الجابري قد قام منذ فترة طويلة، ومن خلال مؤلفاته المتعددة في التراث والحداثة ونقد العقل العربي، وغيرها، بالدعوة إلى تدشين عصر تدوين جديد، أسوة بعصر التدوين العربي الإسلامي الذي بدأ في منتصف القرن الهجري الثاني، والذي أسس دعائم وقوائم العقل العربي حتى العصر الحديث. كما دعا إلى إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، في نفس الإطار.(16) وسنتحدث باختصار عن رأيه في هذه النقطة في الحلقة الثانية.
خلاصة
تعرضنا في مقدمة هذه الحلقة إلى أهمية الوعي بالتغيير والتطور، وذلك انطلاقا مما نلاحظه ونلمسه من تغيرات سريعة تجري في العالم، لاسيما على صعيد التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، وما يتبع كل ذلك من تغيرات على الصعيد الاجتماعي والفكري. وإذ تتوالى هذه التغيرات وتتزايد سرعة ووتيرة، نجد أنفسنا نحن العرب في حالة ركود أو جمود، أو بالأحرى في حالة نكوص إلى الماضي، نتوكأ عليه، لتبرير عجزنا عن مواكبة المسيرة الحضارية الصاعدة. لذلك لم تتغير نظرتنا إلى التاريخ، بسبب هذا الجمود. وهكذا نجد أنفسنا في وسط حلقة مفرغة. فالجمود يؤدي إلى نظرة جامدة في كل شيء، بما في ذلك تاريخنا. وهذه النظرة الجامدة تؤدي إلى زيادة جمودنا، وبالتالي تخلفنا.
وكمحاولة متواضعة لحلحلة هذا الحلقة(الدور) أو كسرها، رأينا أن يبدأ المثقفون العرب، بين أمور أخرى، بإعادة النظر في مفهومنا للتاريخ بوجه عام، من خلال إعادة النظر بتاريخنا، بعيوننا نحن الأحياء وليس بعيون الأموات. وذلك تمهيدا لخلق وعي تاريخي لدى عامة الناس، وبالتالي تغيير نظرتهم الجامدة للتاريخ، بغية تحريك هذه المياه الساكنة بل الآسنة، وتحويلها إلى مجار سائرة وشلالات هادرة.
وهكذا شرعنا في بحثنا هذا بتحديد مفهوم التاريخ وتعريفاته المتعددة ومفاهيمه الأربعة، ثم عرجنا على شرح ما نقصده بإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي. وسنفصل في الحلقة القادمة أهم الأسباب التي تدعونا لإعادة النظر بهذا التاريخ.
===============
* دراسة منشورة في مجلة الدوحة

المراجع والحواشي
1- نلاحظ ،بكل أسف، أن العرب، ليس فقط لم يتعلموا من القرون الأربعة عشر الماضية، بل لم يتعلموا من نصف القرن السابق أيضا. لذلك نحن كنا وما نزال نحاول معالجة أساس الإشكالية وجذورها العميقة، وليس مظاهرها السطحية. ويدخل هذا البحث في إطار هذه المحاولات.
2 -عبد الرحمن الشيخ،"المدخل إلى علم التاريخ"(الرياض : دار المريخ للنشر، 1984)، ص17.
3- عبد الرحمن بن خلدون، "مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" (بيروت: دار الفكر العربي ، 1997)، ص5.
4- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، مادة تاريخ.
5- قسطنطين زريق"نحن والتاريخ" في "الأعمال الكاملة"(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1996)، ص41 وما بعدها.
6- Raymond Aron,Introduction a la philosophie de l'histoire, P.17, Galimart. Paris,1986.
7- قسطنطين زريق" نحن والتاريخ"، المرجع السابق، ص13.
وثمة مفهوم آخر للتاريخ يتجاوز مفهوم الماضي إلى الحاضر والمستقبل. وينطلق هذا المفهوم من اعتبار التاريخ حركة(كما بينـَّـا في المقدمة):"حركة الكون وحركة الأرض وحركة الأحياء والناس على سطح الأرض وما تستتبعه هذه الحركة من تغير دائم. وإذ تعتبر الحركة تغيرا مستمرا منذ بدء الخليقة إلى نهايتها، فإن التاريخ أيضا متصل منذ الأزل إلى الأبد، وهو يشمل الماضي والحاضر والمستقبل جميعا، فكله تاريخ وكله ميدان عمل المؤرخ، وهو نهر الحياة المتدفق الجاري المتجدد دائما، بما تأتي منابعه وما تأتي به روافده" (عبد الرحمن الشيخ، المرجع الوارد في الفقرة 2 أعلاه، نقلا عن حسين مؤنس" الحضارة"،الكويت: المجلس الوطني للثقافة، عالم المعرفة 1 ، ص121.)
8- لذلك، اعتبرنا "العقل المجتمعي" لكل "وحدة مجتمعية"، مرآة يمكن من خلالها تخمين أحداث الماضي وملابساتها، التي ضاع معظمها بمرور الزمن، أو أهملت أو غُـيِّـبَت لأسباب متعددة. فنحن نتصور العقل المجتمعي الذاكرة التاريخية للمجتمع، أو الصيرورة التاريخية الحقيقية له، منذ أقدم العصور إلى اليوم. لهذا نعتبر"نظرية العقل المجتمعي" ذات أهمية أساسية ليس في فهم تاريخ المجتمع العربي الماضي، وحسب، بل في تفهم وضعه الحاضر وتفسير وتحليل إخفاقاته الراهنة، وعوامل تخلفه عن المسيرة الحضارية القائمة والمتفجرة. وقد فصَّلنا بعضا من هذا الموضوع في كتاب " أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل"(بيروت: دار كتابات، 2004)، ص76. كذلك أنظر كتاباتنا الأخرى المتعلقة بالعقل المجتمعي، المذكورة، مثلا، في الحاشية13 أدناه.
9- عبد الله العروي "العرب والفكر التاريخي"( الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي، بلا تاريخ )، ص77-78.
10- برهان الدين دلو"مساهمة في إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي"(بيروت:دار الفارابي، 1985)، ص13.
11- معروف الرصافي"كتاب الشخصية المحمدية"(كولن ، ألمانيا : منشورات الجمل، 2002)، ص15. نحذر القارئ من أن تلك الأبيات المذكورة في هذا الكتاب، تتضمن أخطاء تشوه الوزن الشعري والمعنى. لذلك ضبطناها من الأصل. أنظر "ديوان الرصافي"، تحقيق وشرح وتعليق مصطفى علي(بغداد:منشورات وزارة الإعلام العراقية، 1077)، ص 12.
12- يـُروى عن جعفر ابن أبي طالب، أحد أفراد فريق المسلمين، الذي هاجر إلى الحبشة، هربا من اضطهاد المشركين، أنه قال للنجاشي:" كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي بالفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي الضعيف . . ." ( السيرة النبوية لابن هشام(بغداد: مطبعة وأوفسيت منير، 1986)، الجزء الأول، ص 336).
13- بالإضافة إلى شرح بعض معالم هذه الفرضية في كتابنا المشار في الحاشية 8 أعلاه، شرعنا بشرح تفصيلاتها الهادفة إلى إثباتها، من خلال خمسة بحوث نشرت تباعا في مجلة"صوت داهش" الفصلية(نيويورك)، تحت العنوان الرئيسي"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"، وعناوين فرعية:"الصراع بين البداوة والحضارة من تجليات العقل المجتمعي العربي الغارق بالتراث"،"إحراق المراحل: عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة"، " الثورة الزراعية وأهمية العمل المنتج في إرساء دعائم الحضارة البشرية"،" نتائج الطفرة الخليجية؛ مقارنة بين حال العرب بعد الفتوح الإسلامية وحال عرب الخليج بعد الطفرة النفطية"، "محددات العقل السياسي العربي: القبيلة، الغنيمة، العقيدة؛ نظرية الجابري في قراءة التاريخ السياسي العربي"( أنظر أعداد ربيع وصيف وخريف 2004 وشتاء وربيع 2005 من المجلة المذكورة).
14- خالد عزب، "المخطوطات العربية ذاكرة الأمة في مخزن المستقبل"، إسلام أون لاين.
ويشير هذا الكاتب، بكل تقدير، إلى ما أنجزه "معهد المخطوطات العربية" التابع لـ" المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم"، التي صورت وحفظت 24 ألف مخطوطة. علما أن الدكتور نائل الشافعي حصل على 25ألف مخطوطة وكتب مطبوعة قديمة، يعود بعضها إلى بداية الطباعة في أوربا في مطلع القرن السادس عشر، من حكومة الهند، وضعها على موسوعة المعرفة التي أنشأها في مطلع عام 2007 . ولدى تحميلها ستكون كلها متاحة للجمهور.
15- وبهذه المناسبة أود الإشارة، بقلق وغضب، إلى الخسارة العظيمة التي مُنِيَ بها تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، بل الحضارة البشرية، بسبب النهب الذي تعرضت له مواقع الآثار والمتاحف والمكتبات ودور الوثائق، بعد احتلال بغداد في منتصف عام 2003، الذي يمكن مقارنته بالنهب والتدمير الذي تعرضت له الكتب والوثائق بعد سقوط بغداد على يد التـتار في عام 1258. علما أن هذه العمليات قد جرت، كما يبدو، بتنظيم دقيق مسبق، من قبل جهات متخصصة وعارفة بدقة مواضع الآثار والوثائق الأصلية الثمينة. لذلك نأمل أن يجري تحقيق جدي ومتقدم في هذه الحوادث، أكثر مما جرى حتى الآن، وعلى أعلى المستويات، لتتبع تلك المواد المسروقة واستعادتها، ومعاقبة الفاعلين. ومما يدعو إلى الأسف أن المواقع الأثرية، الإسلامية وغير الإسلامية الكثيرة المنتشرة في جميع أرجاء العراق، ما تزال، حسب علمنا، تتعرض للنهب اليومي سواء من جانب أفراد وحدات القوات الأجنبية، المستقرة مثلا في بعض المواقع الأثرية، كما في بابل، أو ربما من جانب عصابات دولية رسمية أو أهلية متخصصة، تمارس هذا النشاط المنظم.
16- محمد عابد الجابري"تكوين العقل العربي"( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،ط5، 1994)، ص 44- 46.

 

"سميرة الشاهبندر" وعطايا صدام

بعد بضع سنوات قضتها في تقليب أرشيف العديد من الطغاة الذين عرفهم العالم، اكتشفت الكاتبة الفرنسية ديان دوكريه أن رجالا مثل صدام حسين وهتلر وموسوليني وستالين، قضوا أغلب وقتهم في كتابة رسائل غرامية وليس برقيات سياسية، مما دفعها إلى الغوص في علاقات هؤلاء مع زوجاتهم وعشيقاتهم.
فقد اختارت دوكريه أن تتوغل في الحياة الخاصة لهتلر ولينين وموسوليني وستالين وسالازار وماو وتشاوسيسكو وبوكاسا في الجزء الأول من «نساء الطغاة» والذي ترجم إلى 18 لغة. أما الجزء الثاني فقد خصصته للحياة الغرامية لفيدل كاسترو وصدام حسين وكيم آيل سونغ وسلوبودان مولوسوفيتش.
تقول دوكريه إنه بينما كان صدام حسين يحاول حماية زوجته الثانية سميرة الشاهبندر من غيرة زوجته الأولى ساجدة، كان كيم آيل سونغ يواجه مشاكل كبيرة في إخفاء خياناته عن عشيقته المفضلة؛ النجمة الكورية هاي ريم.
وبينما كانت ميرا تصحح خطابات ميلوسوفيتش، حاول فيدل كاسترو مرارا تفادي اعتداءات عملية السي آي أي التي لم تكن سوى عشيقته ماريتا.
تخفي الحياة الخاصة لهؤلاء الرجال المعروفين بتسلطهم أو شخصياتهم الكاريزمية الكثير من المفاجآت التي تكشف عنها دوكريه، في تحقيقها الذي تضمن شهادات حية لعشيقات وأصدقاء وأطباء وحرس شخصيين.
كما تناولت الكاتبة أيضا الحياة الخاصة للإمام الراحل الخميني، الذي تميز بتعامله الإنساني والراقي مع زوجته، وخصصت فصلا كاملا لعلاقة أسامة بن لادن مع زوجاته الخمس.
وقد نشرت جريدة "القبس" الكويتية على حلقات قصص هؤلاء الرجال كما أوردتها دوكريه.

 سميرة الشاهبندر رفضت عطايا صدام... ثم استجابت..!
عندما رأى صدام سميرة الشهبندر لأول مرة برفقة زوجها، قرر التقرب من هذه الأربعينية التي لا يعرفها، أرسل لها العطور والملابس والمجوهرات والسيارات، غير أن سميرة رفضت في بادئ الأمر الهدايا، لكنها بعد بضعة أسابيع، وخلال رحلة لزوجها إلى الخارج، لم تقاوم جاذبية الرئيس "لقد كان أقوى رجل في العراق".
كانت سميرة أما لثلاثة أطفال حين كانت السيارات والهدايا الفخمة تتهاطل عليها، وقد لاحظها صدام جيدا، وأسره جمالها خلال نزهة نظمها لابنته حلا، ليست ملامحها فقط ما لفت انتباه الرئيس، الذي كان يحب النساء المتعلمات والمستقلات، فسميرة طبيبة عيون وكانت تُدرّس اختصاصها، ومن عائلة معروفة، وكان طموحاً لأن يرتبط بامرأة من الطبقة الأعلى.
كان صدام يرغب في أن يكون رجلا جديدا في حياته الخاصة، ولأن ساجدة تربت معه وكانت تعرف كل شيء عنه، لذا كان من الصعب عليه أن يعيش حياة حميمة مع هذه المرأة التي يعرفها منذ زمن بعيد.
◄ المعشوقة الجديدة
قدم صدام سميرة لأصدقائه ومساعديه المقربين، وبعد فترة من لقائه معها، تجرأ على اصطحاب صديقته لمنزل عائلة سلبي، وابنة العائلة زينب شاهدة على شجار عاصف حدث بين والدتها والرئيس: لقد كانت السيدة سلبي من الأوفياء لساجدة، لذلك رفضت دعوة هذه المرأة غير الشرعية "لقد سمعتها تقول سميرة (جرباء) وصوتها كان حادا وصداه يتردد في كل أرجاء البيت.."، "لقد قالت لي والدتي بأن سميرة هي صديقة العم صدام، وانه أراد أن نصبح أصدقاء لها، لكن والديّ لم يستطيعا تحمل سميرة".
◄ في أحضانه
أرسل صدام سميرة للاعتذار من عائلة سلبي، غير "أن أبي كان مضطربا للغاية، لدرجة انه لم يرغب بفتح الباب لها، لقد كان رافضا لفكرة أن تطأ قدما سميرة بيتنا"، لكن اتصالا من الرئيس ارجع الأمور إلى نصابها، وقبل الزوجان سلبي دعوة للعشاء في القصر، حيث كان الرئيس يعتزم استقبال سميرة.
كانت الكراسي موزعة على شكل دائري، وكان أمام كل ضيف خادم يرتدي زيا عسكريا، "كان العم صدام مبتهجا جدا تلك الليلة، وإلى جانبه سميرة، لقد كانت تضحك بتملق بين ذراعيه، وكلما نظرنا باتجاهها، داعبته مبرزة تفوقها على الحاضرين، وكانت تهمس في أذنه وتداعب بأصابعها ساقيه"، حسب رواية زينب سلبي.
بلغ انزعاج العائلة مداه، خاصة أن أبناء سميرة كانوا من الحضور: لقد كانت الوحيدة التي تنادي الرئيس باسمه، والوحيدة التي تشرب معه حين يكون في مجمع رجالي.
وفي أحد الأيام وبينما كانت تمزح معه، أسقطت سميرة قبعة الرئيس أرضا. هذا التصرف يعتبر مهينا عند العرب، لذلك تفاعل الرئيس مع الأمر، وتقول زينب: "بدأ بضربها بقبعته بقوة، مما دفعها إلى تقبيل يديه وقدميه، الأمر الذي أعجبه وأشعره بمتعة لا نظير لها، ودفعه إلى الاستمرار في ضربها، فيما واصلت هي بدورها تقبيله وكنا كلنا هناك".
كان صدام يحب ألعابها الرئيسة وكان يأخذها بعيدا عن عائلة التكريتي، ويقول مسؤول البروتوكول الخاص به: "لقد كان يردد غالبا بأنه يحب سلوكياتها كمراهقة وأحيانا كناضجة، كما كان يقول بأنه يشعر بالراحة معها".
كان صدام غارقا في حبه لسميرة، دون أن يعبأ بزوجها، وتقول سلمى ماسون: "كان على زوج سميرة أن يغادر البيت ويترك مكانه لصدام فور أن يأتي هذا الأخير"، وكان يقول بأنه "لا يرغب أبدا في أن يتزوج امرأة جميلة حتى لا تسرق منه".
◄ مخاوف صدام
كانت لصدام مخاوف عديدة من الهجمات البكتيرية، لذلك اهتم كثيرا بأن تخضع صديقته الجديدة لفحص شامل، ويقول مسؤول البروتوكول السابق "كان صدام يخرج مع العراقيات فقط، ولا يعاشر أبدا الغربيات أو العربيات المقيمات في البلدان الأجنبية، لقد كان يخاف كثيرا من السي أي ايه والكي جي بي، او أي جهاز استخباراتي آخر، يمكن أن يجند عميلة او امرأة حاملة لفيروس نقص المناعة المكتسبة، الذي كان يخاف منه خوفا شديدا".
تزوج صدام في عام 1986 بسميرة، التي كان من الممكن أن تبقى عشيقة عابرة. تقول سميرة ان عشيقها اجبرها على الطلاق واختطف زوجها واحتجزه لعدة أيام حتى يتمكن من طلاقها، لكنه في المقابل رقي إلى مدير الخطوط الجوية العراقية.
◄ ساجدة وغريمتها
كان أفراد عائلة التكريتي يساورهم الشك بشأن زواج صدام ثانية. وحدها أخت ساجدة، الهام التي تزوجت وطبان الأخ غير الشقيق لصدام، التي يبدو انها كانت مطلعة بشكل جيد على الموضوع. حاولت الهام لفت انتباه شقيقتها، لكن ساجدة رفضت الاستماع إليها وفق علاء بشير، فيما نفى صدام الأمر نهائيا.
اقتنعت ساجدة أخيرا أن لصدام علاقة بسميرة في عام 1986... وانه تزوجها، رغم انها لم تكن ترغب في تصديقه، مع أن بغداد كانت كلها تتحدث عن هذا الزواج.. تشجعت الهام وأخبرت شقيقتها "لقد قلت كل شيء لشقيقتي، لأن لا أحد من أشقائي تجرأ على إبلاغها.. بقيت ساجدة صامتة وهي تستمع إلى ما أقول، وفي النهاية قالت إن لا شيء يثبت بأن زوجها ارتبط بثانية، رغم أن سميرة وزعت دعوات موقعة باسم السيد صدام حسين".
رغم أن جلسات المساءلة الزوجية لم تفض إلى نتيجة، انتهى كل شيء بانكشاف الحقيقة، حيث شعرت ساجدة بالتهميش وأهملت صحتها ثم انعزلت، وفق المسؤول السابق للبروتوكول في احد القصور الرئاسية، التي تقع على بعد 160 كلم عن العاصمة بغداد.
◄ غرامة باهظة
كان على صدام بعد ذلك، أن يدفع غرامة باهظة، خاصة أنه لم يكن يرغب في خسارة المرأة التي كانت دوما إلى جانبه، كما كان بحاجة أيضا إلى الحفاظ على صورة العائلة المتماسكة، لذلك استدعى الصحافيين لالتقاط صور له ولساجدة، وهما يمشيان على الثلج ويرتديان معطفين من الفرو الأسود.
في تلك الفترة اشتعلت غيرة ساجدة فصبغت شعرها وغيرت قصته، فبدت في صورة مختلفة.. منذ ذلك الحين اندلعت الحرب بين الفريقين وبدأ التحدي.
◄ انتقام ساجدة
بعد فترة قليلة، قبل الزوجان سلبي مقابلة سميرة، وحين بلغ الخبر مسامع ساجدة، اتصلت بالسيدة سلبي وأبلغتها بأنها ستزورها برفقة بناتها.
قضت علياء طول اليوم بين الأفران لتحضر طبق «الشبزي»، وهو الطبق الذي كانت تفتخر بتحضيره دوما. وحين شرعت صاحبة البيت في تقديم الطعام للسيدة الاولى، قالت هذه الأخيرة «أوه علياء، حضرت لنا الشبزي وفق الطريقة الإيرانية»!
هذه الملاحظة جمدت الدم في عروق علياء، خاصة أنها في بلد يمكن أن يختفي فيه أي كان عن الوجود لأي سبب.. في الواقع كانت ساجدة تحاول تذكير علياء بأصولها الإيرانية، وتنتقم في الوقت نفسه من أصول ضرتها.
كانت ساجدة مجروحة لأنها كانت دوما السيدة الاولى دون منازع، كما كانت دوما أيضا جزءا مهما من دعاية صدام، لذلك كانت محل انتباهه وحمايته، كما كانت لا تتحمل أبدا أي هجوم يستهدفها.
تقول أمال المدرس «إن قريبتها صبيحة المدرس كانت في السبعين من عمرها، وهي من المحاميات السابقات، ومن أوائل المذيعات في البلاد، وكانت ساجدة تكلمها باستمرار لتقديم ملاحظاتها، حيث كانت نبرة صوتها تحمل توجيهات.. وفي أحد الأيام قالت المذيعة أمام زملائها، خلال حديث جانبي: ان ساجدة لا تستحق منصب السيدة الاولى».
نقلت زميلة مباشرة الخبر، وفي بضعة دقائق تم غلق كل مخارج الاستديو، وتم إيقاف المذيعة بتهمة انتقاد ساجدة، ثم تعذيبها، وخلال التحقيق معها لعنت ساجدة مجددا، فتم شنقها وقطع لسانها ثم أرسلت إلى عائلتي
◄ حرب العائلة
قررت الزوجة المغلوبة على أمرها أن تتوجه لخير الله والدها، حتى يشفع لها عند ابن اخته، لكن رفض صدام كان قاطعا، حيث قرر الاحتفاظ بزوجته الثانية وعدم الخضوع لضغوطات عائلته.. لقد وجد ملاذا للراحة بعيدا عن السياسة مع سميرة، ولا يرغب في أن تحطم الالتزامات البدوية ذلك.
نصح خير الله ابنته بمغادرة البيت الزوجي، ففعلت وذهبت للعيش بعيدا عن بناتها، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الحرب.
من جهته، عبّر عدنان شقيق ساجدة عن استنكاره لما بدر من صدام، الذي يعرفه جيدا منذ الطفولة، فالرجلان كانا قريبين من بعضهما، وقد تمكن صدام بفضل هذا الضابط اللامع من السيطرة على الجيش بعد خروجه من السجن قبل عشرين عاماً. وفي خضم الحرب بين العراق وإيران، تمت ترقية عدنان في القيادة العامة، وأثناء التسريح لاقت برامجه لإعادة إدماج الجرحى تأييدا كبيرا وجعلت منه بطلا وطنيا.
كان على عدنان مساعدة شقيقته، فأصبح يزورها يوميا، فيما لم تعد هي، أي ساجدة، ولا والدها، يحضران الاجتماعات العائلية التي تعقد أسبوعيا، وقد تأزم الوضع بعد أن أقدم عدي على قتل كامل حنا.
شعر صدام بخوف شديد على سلامة سميرة، وهو العارف بحماسة عائلته، فأرسلها إلى أوروبا حتى يبعدها عن تسوية الحسابات، وقرر مصادرة كل الشركات التي يملكها حماه خير الله.
بعد بضعة شهور من الحادثة، حضر جميع أفراد عائلة صدام احتفالات انتصار العراق على إيران، التي نظمت في منطقة الشمال، وقد استقلت كل مجموعة مروحية.
صوّر التلفزيون الحدث، لكن مروحية عدنان تحطمت على الأرض دون سبب ظاهر بعد دقائق فقط من إقلاعها، مما تسبب بمقتله على الفور، وانتهى التحقيق إلى أن سبب الحادث يعود إلى مشكل ميكانيكي.
كانت روح الانتقام جاثمة وراء الدموع خلال مراسم تشييع عدنان، وكان عدي أحد حملة النعش، ويقول لطيف يحي إن المراسم انتهت بفضيحة، حيث صرخ خير الله في وجه صدام قائلا: «لقد حطمت حياة ابنتي وقتلت ولدي، أعدك بانتقام دون حدود».. لكن كل شيء تغيّر بعد غزو الكويت.
====================
*مقاطع من كتاب الفرنسية ديان دوكريه - ترجمة وإعداد سليمة لوبال
 

دور الكاتب الريادي في المجتمع

مع أننا نبهر كثيرا بمبتكرات الحداثة المحيطة بنا والميسرة احتياجات حياتنا في هذا العصر، ونتخيل العصور الأولى عقيمة الابتكار، إلا أن نظرة أدق تبدي لنا أن ابتكارات هامةً نتجت في عصور ما قبل التاريخ المسجل، وأن ما استتبع من تقدم حثيث في المسيرة الإنسانية جاء تطويرا متنوعا ومتوسعا لتلك الابتكارات الأم.
من المكتشف، مثلا: في أفريقيا قرائن دالة على استعمال النار وعدة عمل ... في اليابان آثار مبان بدائية ... في أوروبا آثار أعمال فنية وآثار صناعة زوارق وأسلحة ... في الصين آثار صناعة الفخار... في فلسطين آثار صناعة النسيج ... في فينيقيا آثار صناعة الزجاج ... وفي مصر قرائن على صنع المزولة. أما في أرض ما بين النهرين، فقد عثرنا على آثار ابتكار الزراعة، وتربية الحيوان، واختراع العجلة، وصك النقود، وتصنيع آلات موسيقية. كل ذلك حفظتها لنا الأرض من عصور غابرة.
إلا أن ما وسم أرض الرافدين بمهد حضارة الإنسان كان ابتكار الكتابة. بظهور الكتابة يفارق المؤرخون بين عصر ما قبل التاريخ والعصر التاريخي. أيضا بظهور الكتابة يؤرخون البزوغ الحضاري. معالم جنسنا البشري تشكلت وضوحا قبل حوالي مائتي ألف عام. لكن، لمائتي ألف عام كنا ننطق دون أن نكتب. بابتكار الكتابة منذ حوالي خمسة آلاف عام فقط نشأت الحضارات الأول: في سومر وبابل ومصر والهند والصين. من هذه الحضارات الأم، الحضاراتان الهندية والصينية وحدهما احتفظتا بتواصل تاريخي منذ البزوغ حتى اليوم.
وإذا كانت الكتابة أول معلم حضاري، فالقانون من أولى الموضوعات التي تناولتها الكتابة عبر التطور الحضاري. فيما نزل من السماء، وفيما تبلور ضمن الاجتهاد الإنساني على الأرض، القانون كان أول نص نظم الشأن السياسي الاجتماعي البشري. قبل حوالي ثلاثة آلاف وثمانمائة عام، حفر حمورابي في بابل مدونته القانونية المؤلفة من مائتين واثنين وثمانين مادة على اثني عشر لوحة نصبت في ساحة عامة ليقرأها الناس فيعلموا ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات. أربعة قرون لاحقا نزلت التوراة، مواصلة التقنين والتنوير. بمثل ذلك، في أزمنة متقاربة، خُطت صحف تأصيلية في الهند والصين، منظمة باكورة حياة الأمتين، ومن ثم مؤذنة في كل منهما بانتهاض حضاري.
سقت هذه المقدمة الوجيزة بدءً لنتوضح حول التطور التاريخي المديد الذي نتحدث في نسقه عندما نتحدث عن الكتابة والكاتب. رُغم الفارق بين ما كانت عليه الأمور قديما وما هي عليه اليوم، الكتابة بقيت حافظة المعرفة ومستودع تراكمها عبر الأجيال، لذا العامل الأول في دفع المسيرة الحضارية. من هنا تواصل الاهتمام عالميا عبر التاريخ بالكتابة - الكتابة بحفر الرسوم ابتداء، ثم بحفر رموز الرسوم، ثم بالخط الأبجدي وتشكيل علامات رقمية بدائية. ورُغم صعوبة الكتابة والحساب بتلك الأساليب، واصلت المجتمعات الإنسانية عملية التدوين والتأليف والحساب بجهد جهيد، إلى أن اخترع الورق في الصين في مطلع القرن الثاني الميلادي، واقتبس صناعته المسلمون بسمرقند في القرن الثامن الميلادي، ثم اقتبس الغرب صناعة الورق من العالم الإسلامي في بغداد وسمرقند في القرن الثالث عشر، ثم اخترع الغرب – ألمانيا تحديدا - بعد قرنين آلة الطباعة. بتزاوج الورق وآلة الطباعة منذ القرن الخامس عشر قفزت عملية الكتابة وتأليف الكتب قفزة ضوئية. ومع مطلع القرن التاسع عشر، بإنشاء مدارس منظمة، عُمم التعليم الابتدائي، فنشطت الكتابة عامة منذئذ بوتيرة متسارعة.
من هنا تثمين دور الكاتب التنويري عبر التاريخ، إن كان في مجتمعه أو في إثراء المشهد الثقافي وتشييد الصرح المعرفي عبر العالم. كتابة الكتب كانت من أصعب الأعمال قبل عصر الطباعة، لذا اليوم نحن نثمن المخطوطات تثمينا خاصا لما استدعي تخطيطها من جهد وجلد - نثمنها بصرف النظر عما جاء فيها من محتوى سمين أو غث.

ومن يكون الكاتب؟ كان ولا يزال: قصاصا وروائيا وشاعرا وناقدا ومؤرخا ومفكرا وعالما متخصصا في علم طبيعي أو إنساني. هو اليوم أيضا إعلامي يكتب يوميا أو دوريا عن أحداث جارية في مختلف حقول الحراك الإنساني. هو اليوم أيضا شارح للناتج العلمي المتبلور من خلال مواصلة الدراسة والبحث من قبل المتصدرين الحركة العلمية عبر العالم. هو في عصرنا أيضا مدون إلكتروني. وهو في كل ذلك قد يكون كاتبا محترفا متفرغا للكتابة، أو مؤلفا في مجال تخصصه، أو ممارسا الكتابة كنشاط جانبي في حقل مأثور لديه، أو في مختلف الحقول.
أيا كان مجاله ونمطه، دور الكاتب لطالما تميز بالريادة، ومهمته لطالما اتسمت بالتنوير. مَن من الكتّاب اليوم هكذا يعي دوره ويثمن مهمته لا يعفى نفسه من أن يكون مجيدا فن الكتابة، دقيقا في النقل، منهجيا في العرض، بارعا في الشرح، وفي جميع الحالات مراعيا مطلبي صدقية النقل وسلامة ممارسة حرية التعبير. أما حيث يتهاون الكتاب في أيما مجتمع بمراعاة مواصفات مهنية راقية للكتابة، فهنالك يتدني مستوى الكتابة، فينصرف جمهور القراء، بالأخص منهم الأكثر وعيا وقابلية في التأثير، عن كتابات الكتاب في مجتمعهم إلى كتابات كتاب آخرين.
إلى جانب صقل مهني في الإخبار والشرح في مجال الإعلام السائر تتطلب الكتابة قدرة على التحليل والتقييم. لكي يمارس دوره في مجتمعه، رياديا وتنويريا، وعلى نحو مفيد وناجع، لا ينبغي للكاتب الإعلامي أن يكتفي بمجرد نقل حدث أو وصف حال سائد أو إيراد نص خطاب أو ترديد تصريح رسمي. هو مطالب أن يتناول أيضا ما قد يترتب على الحدث أو على استمرار الحال السائد أو على الخطاب الرسمي أو على السياسة المصرحة من آثار إيجابية أو سلبية حسب ما يستنبط ويقدر. هو مطالب بالتفنيد والتمحيص، وجلب ما يدعم زعمه ويرجح رأيه بموضوعية وعرض رصين. بذلك يمارس الكاتب دورا فاعلا في تبصير اجتهادات مجتمعه، أكان على صعيد تكون الرأي العام أو تشكل التوجهات الرسمية حول أيما موضوع مهم. كل ذلك بغية الوصول للأوفى والأمثل من المعالجات والحلول بمعيار خدمة الصالح الوطني في المؤدى الأخير. بذلك يغدو الكاتب ممارسا دورا رياديا وتنويريا في مجتمعه، ويغدو حقا أهلا لكل تقدير.
الريادة أداء متميز من موقع اعتيادي، وكونها كذلك، هي متاحة لأي أحد منا من موقع عمله وحسب قابليته. إلا أنها متاحة للكاتب بشكل أخص. هي متاحة له ليس في النقل والشرح والتقييم للأمور السائدة أو الجارية فحسب، بل أيضا في المجال الفكري المعني ببحث المفاهيم وتطوير الرؤى في اتجاه الأجدر والأوفق من الترجمات العملية في الواقع المعاش. بذلك ترتدف الريادة بمهمة التنوير – أي التبصير بالأوفى والأمثل وطنيا وإنسانيا باطراد. لا يتغير شيئ ما لا يتغير فهمنا له وتفكيرنا إزاءه. ولكي يأتي التغيير في اتجاه الأصلح لا بد من أن تشرح مبرراته معرفيا وتسند مقاصده أخلاقيا في جميع الحالات حتى يقتنع الناس بسلامة وصواب ما يُعرض. ولأن دور الكاتب ريادي وتنويري معا، لزم أن يحرص دأبا على أمانة النقل وصدقية الإخبار وموضوعية الرأي ورصانة العرض في كل ما يكتب. فللكلمة مسؤولية يجب أن تراعى في جميع الأحوال، أأطلقت الكلمة خطابا، أو سطرت مقالا، أو نظمت شعرا، أو حتى همست همسا خلف جدران. أما وظيفة القانون إزاء الكتابة والكاتب فالأحرى أن تكون تنظيمية في إطار ما يستوجب الضبط والانضباط لأجل حظر قذف أو تشهير، أو تحريض ذي مساس خطر بالشأن الوطني أو بالصالح الإنساني. أما حيث يتعدى أداء الرقابة القانونية ذلك إلى كبح أوقيد لحرية التعبير من خلال مساءلات غير قابلة للتبرير بمعيار ما ذكرت من محظورات محددة، فهنالك تنشأ إشكالية الأجدر أن يفصل فيها ليس بقرار سياسي أو إجراء إداري، وإنما بحكم قضائي.
نحن مجتمع متطور، ومن حولنا عالم يتطور بوتيرة متسارعة، واعدا بفرص ومتوعدا بتحديات. لذا وجب أن تتنامى قدراتنا العلمية والمعرفية طردا مع وتيرة التطور العالمي، كي نستطيع التعامل بنباهة ونجاعة مع المستجد من الفرص والمعترض من التحديات. طبعا للكاتب في مجتمعه إزاء هذا الحراك العالمي دور ريادي، فهو الناقل والشارح والمقيّم والناصح، ومن بعد ذلك هو يثري الثقافة الوطنية بعطاء أدبي، فكري، ومعرفي. مقابل ذلك، على المجتمع رعاية الكاتب وتشجيعه وتمكينه من أداء مهمته بحرية وطمأنينة. أما دور القانون إزاء الكتابة والكاتب، فالأحرى أن يكون موازنا بمعيار دقيق وأمين ومنصف بين حق الحرية وحد المساءلة، منطلقا من وعي راسخ أن الحرية هي الأصل وأن المساءلة هي العارض، ولا يجوز تغليب عارض على أصل.
نعم، نحن مجتمع متطور في وعيه، ولا يعقل أن يتطور الوعي في أيما مجتمع وطني ولا تتطور معه المدارك والمفاهيم، أو أن تتطور المدارك والمفاهيم ولا يتطور بتطورها الواقع المعاش، أو أن يتطور الواقع المعاش ولا يستولد ذلك تطلعات نحو الأوفى والأمثل من إيجابيات الحياة. الحرية – حرية الفكر والتعبير والتجمع لغرض مشروع – هي أولى تلك الإيجابيات. وهي أقواها استظهارا للنبوغ، وأصلبها ضمانا لعيش آمن كريم. للكاتب تحديدا، الحرية إكسير الإبداع
 

أين الخلل في مسار الثورات العربية؟

ثلاث سنوات مضت على ما يُعرف الآن باسم الثورات الشعبية العربية، وهي التي بدأت في تونس ثم انتقلت إلى مصر حاملةً المواصفات نفسها ومحققةً النتائج ذاتها. لكن ما حدث بعد ذلك في اليمن والبحرين وليبيا وسوريا، وأحياناً في الأردن والمغرب، لم يكن استكمالاً للمواصفات والنتائج المصرية والتونسية.
فالثورتان التونسية والمصرية اتصفتا بالسلمية رغم قمع السلطات الأمنية في البلدين، وتميَّز الحراك الشعبي فيهما بالاستقلالية عن القوى السياسية التقليدية وعن الارتباط بأي جهة إقليمية أو دولية. أيضاً، اشتركت الثورتان في تونس ومصر بحيادية المؤسسة العسكرية أولاً ثمّ بدعمها للحراك الشعبي وضغطها على الحاكم للاستقالة. وهذه المواصفات غابت عن باقي مواقع الحراك الشعبي العربي الذي حدث منذ ثلاث سنوات.
لكن المشترك بين كل أنواع الانتفاضات الشعبية العربية التي حصلت حتّى الآن هو عدم توفّر العناصر الكفيلة بنجاح أي ثورة. فلم يكن هناك في أيٍّ منها الوضوح الكامل في القيادات ولا في المشروع الفكري والسياسي البديل للنظام الحاكم، لذلك وجدنا سهولةً كبيرة في الانقضاض على هذه الثورات من قوى سياسية تقليدية أحياناً أو من جهات إقليمية ودولية، أحياناً أخرى. ولذلك حصل ويحصل هذا التعثّر في مسيرة الحراك الشعبي وفي تحويره لمصالح وأهداف لا تتّفق مع ما قامت فعلاً من أجله.
ومع نهاية هذا العام، تقف المنطقة العربية أمام مفترق طرق وخيارات حاسمة حول قضايا تتفاعل منذ عقودٍ طويلة في المنطقة، وليس كحصادٍ للسنوات الثلاث الماضية فقط. فما كان قِطَعاً مبعثرة ومتناثرة؛ من أزماتٍ إقليمية متنوعة، ومن حالات ظلم واستبداد وفساد على المستوى الداخلي، ومن مفاهيم ومعتقدات فكرية وثقافية سائدة في المجتمعات، تجمّعت كلّها الآن وامتزجت مع بعضها البعض في ظلّ حراكٍ شعبيٍّ عربيٍّ كبير ومتواصل، وبأساليب لم تشهدها بلدان المنطقة من قبل.
إنّ العام 2014 لن يكون عاماً حاسماً لمصير بعض الأنظمة والحكومات العربية فقط، بل أيضاً لمصير بعض الكيانات وحدودها الجغرافية، وما هي عليه تاريخياً من تركيبة اجتماعية وسكّانية. ولن يقتصر الأمر على جناحٍ واحد من جناحيْ الأمَّة العربية، فبلدان آسيا العربية وإفريقيا العربية كلّها في دائرة حسم المصير المشترك.
صحيحٌ أنّ الانتفاضات الشعبية قد نجحت في تغيير أنظمة الحاكمين في تونس ومصر وليبيا، لكن تفاعلات ما بعد ذلك هي أيضاً مرحلة حبلى بالمخاطر على مستقبل هذه الأوطان ووحدة شعوبها. وسيكون العام القادم هو عام حسم اتجاه نوع التغيير في كلٍّ منها، ومدى تأثير هذا التغيير السياسي على الكيان الوطني نفسه وعلى مكوّناته الطائفية أو الإثنية أو القبلية. ولا يجب أن ننسى أنّ بارقة الأمل، التي اتجهت شرقاً منذ ثلاث سنوات نحو مصر من تونس، قد سبقها هاجس التقسيم الذي حصل جنوب مصر في السودان.
إنّ ما حدث حتى الآن في بعض البلدان العربية لم يصل إلى التغيير الإيجابي الشامل المنشود لعموم "المجتمع العربي". فالمشكلة عربياً لم تكن بالأشخاص والحكومات فقط، بل أيضاً بالسياسات، وبنهج التبعية للخارج، وببعض المفاهيم والمعتقدات على المستويين "النخبوي" و"الشعبي"، وبوجود حالاتٍ انقسامية داخل مكوّنات الأوطان العربية وبين الأوطان نفسها. لذلك تتأكّد أهمية الجمع في أهداف التغيير بين شعارات الديمقراطية والوحدة الوطنية والعدالة والتحرّر الوطني والهويّة العربية، حيث في تلازم هذه الأهداف، وفي التمسّك بسلمية التحرّك والأساليب، ضمانات لنجاح التغيير وشموليته ولعدم حرفه أو انحرافه عن مساره السليم.
إنّ ما حدث في المنطقة العربية، من حراكٍ شعبيٍّ كبير، هو أشبه بنهرٍ جارف شقّ مساره في جبالٍ وعرة، لكن مهما كان صفاء هذا "النهر" ونقاوة مياهه، فإنّ جهاتٍ عديدة وضعت سدوداً أمام تدفّقه لتمنع تقدمّه، ولتُحوّله إلى طوفانٍ على من فيه وحوله. أيضاً، توجد إلى جانب هذا "النهر الجارف" قوًى خارجية أرادت حرف مساره، مع دعم تدفّقه طبعاً، لكن من أجل صبّ مياهه في بحيرات مصالح هذه القوى ومزارعها الخصبة بمشاريع تفتيت هذه المنطقة والهيمنة على ثرواتها.
إنّ العام القادم هو أيضاً عامٌ حاسم لأزماتٍ إقليمية عديدة، منها ملف علاقات الغرب مع إيران، وفيها أيضاً السعي الأميركي لتحقيق تقدّمٍ في مسار المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، إضافةً إلى استحقاقاتٍ تتعلّق بانسحاب قوات "الناتو" من أفغانستان. ويبدو أنّ هناك الآن سعياً محموماً لدى دول "حلف الناتو" للتعامل مع هذه الملفات ب"الجملة" بعد فشل التعامل معها ب"المفرّق". بل هناك محاولاتٌ لتوظيف ما يحدث من تركيز في الاهتمامات الشعبية العربية على قضايا داخلية أصبحت لدى البعض هي المعيار، بدلاً من معايير سابقة كانت تتمحور مثلاً حول الصراع مع إسرائيل ومن يدعمها دولياً!!.
إنّ رؤية احتمالات الأحداث وتطوراتها في العام القادم الجديد تتطلّب التعامل مع أوضاع الأمَّة العربية ككل، وعلى ما يحدث فيها وحولها من متغيّرات سياسية، قد تُدخِل بعض شعوبها في التاريخ لكن قد تُخرج أوطانها من الجغرافيا!!.
إذ هل هي صدفةٌ أنّ العام 2011، عام بدء الثورات الشعبية العربية، قد بدأ بإعلان تقسيم السودان، وتحوّل جنوبه إلى دولة مستقلة، وَضَعت في أولويّاتها بناء أفضل العلاقة الخاصّة مع إسرائيل؟!
ثم أهي صدفةٌ أيضاً أن تكون القوات الأطلسية قد حطّت خلال العقد الماضي رحالها وهيمنتها في معظم أرجاء المنطقة، وأن يكون العراق قد تغّير نظامه الظالم السابق بفعل الاحتلال الأميركي/البريطاني، وأن تنشأ دولة جنوب السودان بدعم أميركي/أوروبي/إسرائيلي للجيش الجنوبي السوداني على مدار سنوات، ثمّ أن تتخلّص ليبيا من نظامها الاستبدادي بدعم أطلسي، وكلّ هذه المناطق نفطية هامّة؟!
وهل كانت صدفةً أيضاً أن تتزامن في ظلّ إدارة بوش الدعوة الغربية للديمقراطية في المنطقة مع احتلال العراق أولاً ثمّ ما تبعه من حربين لاحقاً على لبنان وغزّة؟!. ألم يُخصّص الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قمّة مجموعة الدول الثمانية، التي انعقدت في ولاية جورجيا الأميركية صيف العام 2004، من أجل موضوع الديمقراطية في المنطقة بعد عامٍ من احتلال العراق! ألم يقل الرئيس بوش في كلمته بقمّة الناتو في تركيا، في العام نفسه، إنّ تركيا التي هي عضو في حلف الناتو ولها علاقات مع إسرائيل، تصلح لأن تكون نموذجاً "للدول الديمقراطية" المنشودة في العالم الإسلامي؟!.
تساؤلاتٌ عديدة تدور الآن في المنطقة العربية، التي تختلط فيها الإيجابيات مع السلبيات دون فرزٍ دقيق بين ما هو مطلوب وما هو مرفوض. فحتماً هي مسألة إيجابية ومطلوبة أن يحدث التغيير في أنظمة الحكم التي قامت على الاستبداد والفساد، وأن ينتفض النّاس من أجل حرّيتهم ومن أجل الديمقراطية والعدالة. لكن معيار هذا التغيير، أولاً وأخيراً، هو وحدة الوطن والشعب واستقلالية الإرادة الشعبية عن التدخّلات الأجنبية. فما قيمة أيِّ حركةٍ ديمقراطية إذا كانت ستؤدّي إلى ما هو أسوأ من الواقع القائم، أي إلى تقسيم الأوطان والشعوب ومشاريع الحروب الأهلية!. ثمّ ما هي ضمانات العلاقة مع الخارج الأجنبي، وما هي شروط هذا الخارج حينما يدعم هذه الانتفاضة الشعبية أو تلك؟!
المشكلة هنا ليست في مبدأ ضرورة التغيير ولا في مبدأ حقّ الشعوب بالانتفاضة على حكّامها الظالمين، بل في الوسائل التي تُعتَمد وفي الغايات التي تُطرَح وفي النتائج التي تتحقَّق أخيراً. وهي كلّها عناصر ترتبط بمقوّمات نجاح أيّة حركة تغييرٍ ثوري، حيث لا فصل ولا انفصال بين ضرورة وضوح وسلامة القيادات والأهداف والأساليب. كذلك، لا يمكن تجاهل مدى علاقة التغيير الديمقراطي المنشود بمسائل الصراعات الأخرى الدائرة في المنطقة، وفي مقدّمتها الصراع العربي/الصهيوني والتنافس الدولي والإقليمي على المنطقة وثرواتها.

إنّ أعين العالم كلّه مشدودةٌ الآن إلى ما يحدث في المنطقة العربية من تحوّلات، فهي منطقة الثروات والموقع الإستراتيجي ومقرّ المقدّسات الدينية. لكن بعض هذا "العالم" لا يكتفي بالنّظر من بعيد، بل يمدّ يديه ويحاول وضع قدميه أيضاً في أرض هذه التحوّلات ومع صانعيها. لذلك، فإنّ الأمَّة العربية بحاجةٍ الآن إلى وعي كل طلائعها الفكرية والسياسية والدينية بما يحدث في أوطانهم وأمّتهم، كما الأمّة بحاجةٍ إلى حكّامٍ ومعارضين يدركون ما الذي يفعلونه ببلدانهم، ولا يكتفون بالمراهنة؛ على قوّة الأمن، أو قوّة الشارع، أو قوّة الدعم الخارجي!!.

---------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن
 

الهلال الكردي : اتجاهات جديدة في سوريا وتركيا والعراق وإيران

في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، خاطب مايكل نايتس وديفيد بولوك منتدى سياسي في معهد واشنطن لمناقشة رحلاتهما الأخيرة إلى «إقليم كردستان العراق» وكركوك وأذربيجان. ونايتس هو زميل ليفر في المعهد وعمل على نطاق واسع في العراق كمستشار للحكومات المحلية وقوات الأمن والمستثمرين الأجانب. وبولوك هو زميل كوفمان في المعهد حيث يركز على الديناميات السياسية لبلدان الشرق الأوسط. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهما."
مايكل نايتس
حققت "حكومة إقليم كردستان" العراق قدراً جيداً من الاستقرار والأمن على المستوى الأساسي. ورغم أنه لا تزال هناك توترات كبيرة بين الفصيلين السياسيين في "حكومة الإقليم"، إلا أن هذه الحكومة ماهرة في منع تصاعد هذه التوترات. لقد قامت "حكومة إقليم كردستان" بمدّ نطاق عملية انتقال القيادة باستخدام صيغة "الديمقراطية المُدارة". والأمر المهم الآن هو كيف تستغل "حكومة الإقليم" المساحة السياسية التي خلقتها من خلال إرجاء الانتخابات الرئاسية وانتخابات المحافظات: هل ستنتهز الفرصة لكي تتقاسم السلطة بين الرئاسة التنفيذية والبرلمان، أم هل ستنقل الصلاحيات إلى الحكومات المحلية على مستوى المحافظات؟
ومن حيث تطبيق حدودها الداخلية، تجاهلت "حكومة إقليم كردستان" التهديدات العسكرية من جانب الحكومة الفدرالية العراقية بشأن المناطق المتنازع عليها في عام 2012. ويمكن تسمية هذا العام بـ "عام عمليات الانتشار" حيث تفوقت "حكومة إقليم كردستان" بشكل متسق على الحكومة الفدرالية العراقية في المواجهات العسكرية على طول الحدود المتنازع عليها. وعلى النقيض من ذلك، كان عام 2013 "عام الوئام". وحيث ترى الحكومة العراقية أن الانتخابات العامة لعام 2014 تلوح في الأفق، بدأت في اتباع نهج تصالحي تجاه "حكومة إقليم كردستان". ويسعى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي فعلياً إلى إبرام اتفاق عدم اعتداء مع الأكراد. وقد أدى الإدراك المشترك للتهديد المتنامي لـ تنظيم «القاعدة» إلى تعزيز الوئام بين الحكومة المركزية و"حكومة إقليم كردستان". ومع اقتراب عام 2013 من نهايته، لا تستطيع الحكومة الفدرالية والأكراد إهدار وقتهم في مشاجرات سياسية عقيمة، في ضوء الأعمال الأكثر أهمية التي عليهم إنجازها.
ستتمثل المرحلة القادمة بالنسبة لـ "حكومة إقليم كردستان" بإظهار القوة الاقتصادية لمنطقتها الحبيسة. وخلال العام القادم، يرجح أن تُصدّر "حكومة الإقليم" المزيد من النفط والغاز بشكل مستقل عن سيطرة بغداد، ويرجح أن يتم ذلك عبر استخدام خط أنابيب مباشر إلى تركيا إلى جانب كميات صغيرة من الصادرات عبر الشاحنات. لقد توقفت الحكومة الفدرالية العراقية عن إصدار تهديدات قوية بشأن هذه المسألة، كما أن التزام أنقرة بصادرات النفط والغاز المستقلة لـ "حكومة إقليم كردستان" آخذ في الترسخ. لقد نصحت واشنطن أربيل وأنقرة بعدم الانفصال علانية عن بغداد بشأن مسألة الصادرات، لكن الحكومة الأمريكية سوف تتقبل الصادرات المباشرة لـ "حكومة الإقليم" إذا رضخت بغداد لذلك.
وعلى المدى الطويل، يلزم أن تكون الصادرات المستقلة لـ "حكومة إقليم كردستان" مضمونة بموجب ترتيب نهائي حول مشاركة الإيرادات بين بغداد و"حكومة الإقليم". ويجب أن ينظم مثل هذا الترتيب بموجب القانون، لكن مناقشة قانون النفط والغاز استمر لسنوات ولن يتم حسم الموضوع قبل عام 2015 على أقل تقدير. وفي ظل غياب ذلك القانون، يمكن أن تسلك "حكومة إقليم كردستان" أحد مسارين. مسار الاستقلال الكامل وهو الاحتفاظ بـ 100 في المائة من الإيرادات الناتجة عن صادراتها، واستخدامها لتغطية نفقات مقاولي النفط التابعين لها مع الاحتفاظ بالباقي ضمن إيرادات "حكومة الإقليم". والمسار الثاني هو أن تُعظِّم "حكومة إقليم كردستان" من مواردها المالية مع التخلي عن بعض الاستقلال السياسي؛ وسيحتم ذلك تسليم إيرادات الصادرات إلى بغداد مقابل الحصول على 17 في المائة من إيرادات النفط الفدرالية الإجمالية (أي من صادرات النفط من الجنوب وكذلك من "حكومة إقليم كردستان"). والمسار الأخير غير ممكن إلا إذا غطت بغداد مجمل تكاليف المقاولين في "حكومة الإقليم"؛ وحتى الآن لم تكن لدى بغداد الرغبة سوى في تغطية جزء صغير من هذه التكاليف. ويرجح أن يظهر حل وسط بين هذين المسارين جراء مناقشة قانون النفط والغاز.


ديفيد بولوك
هناك أهمية كبيرة لعلاقات كردستان مع حكومة العراق الفدرالية. لكن الأمر الأكثر أهمية من الناحية التاريخية هو التقارب والتراض، رغم هشاشتهما، بين أنقرة وأكراد العراق - ومع الأكراد داخل تركيا، وداخل سوريا أيضاً إلى حد ما. ويمكن القول إن العلاقات بين "حكومة إقليم كردستان" وتركيا آخذة في التنامي. فالأتراك أصبحوا يتقبلون بشكل متزايد فكرة وجود منطقة مستقلة للأكراد في العراق.
وفيما يتعلق بإيران والأهداف التي تسعى لتحقيقها في "حكومة الإقليم"، فيمكن تلخيصها على النحو التالي:
1. مراقبة الإيرانيين والأكراد في [المنطقة الخاضعة لسيطرة] "حكومة إقليم كردستان"، لا سيما المنشقين والمغتربين الإيرانيين.
2. ضمان اتباع "حكومة إقليم كردستان" لسياسات تدعم المصالح الإيرانية في العراق والمنطقة بشكل عام، لا سيما سوريا.
3. ضمان عدم تشكيل القادة في منطقة كردستان العراق لتحالفات مع مجموعات أخرى، مثل الشيعة المنشقين.
ومن ثم يمكن القول إن أكراد العراق ليس أمامهم خيار سوى الرضوخ للنفوذ الإيراني لدرجة ما.
وفيما يتعلق بالأكراد خارج العراق، فإن المشهد السياسي ملتبس تماماً. ففي تركيا، إن العلاقة بين أنقرة و"حزب العمال الكردستاني"، الذي خاضت ضده الحكومة التركية حرباً استمرت عقوداً، هي في وئام غير مؤكد.
وفي سوريا، فإن "حزب الاتحاد الديمقراطي" هو فصيل منظم يسيطر على "أكراد سوريا"، المعروفين كذلك باسم روجافا، وهذه المجموعة تمارس السلطة النهائية على المناطق الواقعة في شمال سوريا. إن "حزب الاتحاد الديمقراطي" غير مرتبط عن كثب بـ "حزب العمال الكردستاني" كما ذكر البعض، فضلاً عن أن لديه علاقات محدودة مع "حكومة إقليم كردستان"؛ والواقع أن "حكومة الإقليم" قررت الابتعاد عن الصراع في سوريا. وفي غضون ذلك فإن أنقرة غاضبة جراء النجاح العسكري لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي" في سوريا، حيث تخشى من يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار الحدود بين سوريا وتركيا. وبعد بيان ما سبق، يبدو أن الأتراك سوف يقبلون في النهاية بفكرة وجود منطقة كردية مستقلة على طول هذه الحدود. بيد أن تركيا و"حكومة إقليم كردستان" يتشككون للغاية من طموح "حزب الاتحاد الديمقراطي"، الذي قد يمتد إلى ما وراء سوريا.
وفي إيران، لن يكون الأكراد قادرون على تحقيق التقدم الذي حققه نظراؤهم السوريون والأتراك، ناهيك عن الاستقلال الذي حققه الأكراد العراقيون، رغم أنه لا تزال تراودهم آمال التغيير داخل المؤسسة الإيرانية.
وهناك مسألة هامة بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه الأكراد تتعلق بمشاكل إصدار التأشيرات للأشخاص القادمين من "حكومة إقليم كردستان". فحتى كبار المسؤولين في "حكومة الإقليم" واجهوا مشاكل كبيرة في استصدار تأشيرات أمريكية بسبب أنشطتهم السابقة في الصراع المسلح ضد صدام حسين. على الحكومة الأمريكية أن تجد طريقة لإزالة هذا العائق من أجل تحسين العلاقات مع "حكومة إقليم كردستان" واثنين من أحزابها السياسية الكبرى - "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" - وهما صديقان للولايات المتحدة.
===========
 *أعدت هذا الملخص المقررة نعوم ريدان. والمقال على الرابط التالي:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-kurdish-crescent-new-trends-in-syria-turkey-iraq-and-iran