الإثنين 29 أيار 2017
TEXT_SIZE

المدخل السياسي إلى الصحة

المدخل السياسي إلى الصحة ... السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية

بقلم: زكرياء الإبراهيمي 

ارتبط مفهوم الصحة بميشيل فوكو، بشكل كبير وغريب كذلك، فإلى جانب انتمائه إلى عائلة من الأطباء، وعيشه بين أسرة كانت ترغب في تحوّله إلى جرّاح يجيد تشريح الأجساد، وإلى جانب اعتياده لأكثر من مرّة مستشفى الأمراض العقلية، وموته متأثّراً بمرض السيدا، وارتباطه بممارسة غالباً ما كانت تعدّ مرضاً أي “المثلية الجنسية”، فإن ميشيل فوكو لم يكن فقط مؤرخاً لمفهوم المرض “تاريخ الجنون في العصر الوسيط، تاريخ الجنسانية، ولادة العيادة” يجري وراء حفريات هذا المفهوم وأثر وطريقة تشكله وتطوّره عبر تاريخ الممارسة العلمية وخاصة الطبّ، كما لم يكن إبيستمولوجياً، يعيد إنتاج أقدم إشكالية علمية في تاريخ المعرفة العلمية “النظرية والتجربة” لحظة بحثه في الظاهرة الطبية زمن تشكلها داخل العيادة، ولم يكن فقط باحثاً في أزمة بعض العلوم وعجزها عن تفسير عدد من الظواهر الإنسانية ذات الطبيعة المرضية “المرض العقلي والسيكولوجيا”.

لقد كان ميشيل فوكو فيلسوفاً وسوسيولوجياً للصحة تخترق أسئلته المجال المرئيّ والبسيط للممارسة الطبية والظاهرة الصحية، من خلال ربطه للبيولوجيا والمرض والمستشفى والجنس والجسد والمتعة…الخ، بالسلطة التي اعتبرها فوكو المسؤول الأوّل والوحيد عن صحة البشر وحياتهم وموتهم وولادتهم. وهنا تكمن فرادة أطروحة هذا الأخير، حيث أنّ اتجاهه نحو دراسة البعد الدولتي للبيولوجي، وإبداع مفاهيم جديدة من قبيل “دولنة البيولوجي” و“عنصرية الدولة” “السلطة الحيوية”، “السياسية الحيوية”، “إدارة الحياة” “النزولوجيا السياسية”، “الآليات الانضباطية، الآليات التنظيمية” “الحقّ في الإماتة” و“الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة” “إدارة الأجساد” “التدبير الحسابي للحياة” “الاقتصاد السياسي للحياة”…الخ. ، هو ما جعل من الرجوع إلى ميشيل فوكو لدراسة الظاهرة الصحية ضرورة قصوى، لأنّ نزوع بعض الباحثين إلى دراسة تطوّر الممارسة الطبية والقضايا الصحّية المرتبطة بها بعيداً عن السلطة السياسية التي تحتضنها، والشروط السياسية والتاريخية والاجتماعية التي تولد داخلها هو ما أفقد هذا النوع من الدراسات جزءاً من كمالها[1]، ومنح لأعمال فوكو قيمة مضافة علمية تفتقدها العديد من الدراسات التي تدّعي لنفسها دراسة الصحّة والمرض داخل المجتمعات الإنسانية.

من جهة ثانية فإنّ ما يميّز مقاربة فوكو للظاهرة البيولوجية هو اهتمامه بالبعد التاريخي لتشكّل هذا النوع من الظواهر، وحرصه على الإحاطة بظروف ولادتها وظهورها، لأنّ فهم طبيعتها لا يتأتّى إلا من خلال الكشف عن طريقة تشكّلها وتطوّرها عبر التاريخ، لذلك فإنّ ما يفسّر اهتمام فوكو بتاريخ الجنون وكلّ ما يرتبط بالمرض سواء في صيغته العقلية أو العضوية، هو بحثه عن حقيقة هذا النوع من الظواهر.

عموماً يمكن القول إنّ مقاربة فوكو للمرض اتّخذت صورتين، أولى يمكن أن نسمّيها بالبعد السياسي للمرض، وارتبط ببداية تدخل الدولة في تدبير الحياة وجودة الحياة وطولها، وكيفية تحوّل هذه الوظيفية إلى عنصر أساسي لتقييم جودة الأنظمة السياسية، وكذا بظهور الرأسمالية التي أصبحت تحتاج كلّ إمكانيات البشر لتحقيق أكبر إنتاج ممكن، وثانية هي السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية.

أوّلا: البعد السياسي للصحّة:

إذا كانت بداية التكوين العلمي للطبّ قد اقترنت بالقرن الثامن عشر، فإنّ الاهتمام السياسي بالصحة والجسد يعود إلى ما قبل هذا التاريخ، فهو يعود إلى القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، بل وإلى ما قبل هذا التاريخ مادام الموت والحياة اعتبرا داخل المجتمعات السابقة على القرن السابع عشر – يحيل ميشيل فوكو على الإمبراطورية الرومانية- “ليسا من الظواهر الطبيعية المباشرة والأصلية التي تكون خارج السلطة السياسية…، إننا نجد للعاهل حقّ الحياة والموت على الرعية وفقاً للقانون. وعليه فإنّ حياة وموت الرعية، لا يصبحان حقاً إلا بإرادة العاهل”[2].

إن هذه السلطة على الحياة التي تمثّلت داخل المجتمعين القديم والقروسطي في الحقّ في الإماتة و الإبقاء على قيد الحياة، ستستبدل داخل المجتمع الحديث في نظر ميشيل فوكو بسياسة حيوية Biopolitiqueجديدة، تتجسد في سلطة الإحياء بدل الحقّ في الإماتة، ورفض الموت بدل الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة، وذلك بعد أن جعلت الدولة لنفسها مكاناً في التدخل “في الحياة وطريقة الحياة ومستوى الحياة ورفع مستوى الحياة، والتحكم في الأعراض والحوادث والنقائص”[3].

اتخذ تدخل الدولة في الحياة تكنولوجيات كثيرة جداً، وارتبط باستراتيجيات وسياسات ومخططات حيوية عديدة يعتقد ميشيل فوكو أنها تنخرط في آليتين رئيسيتين، أولى انضباطية، تبدو كشكل من أشكال الرقابة البوليسية العفوية، وتظهر في الاشتغال على “الجسد كآلة بترويضه والرفع من كفاءاته، وانتزاع قواه، والنمو المتوازن لمنفعته وانقياده واندماجه في منظومات للمراقبة فعالة واقتصادية، كل هذا قد أمنته إجراءات لسلطة تحدد”الانضباطات“[4]، وثانية تنظيمة تبدو داخل”أنظمة الضمان الصحي، والتقاعد والشيخوخة وقواعد المحافظة على الصحّة التي تضمن إطالة عمر السكان قدر الإمكان“[5].

لقد كانت الغاية الأساسية من خلق هذه السلطة على الحياة، هي التحكّم أوّلا في نسبة الولادة والوفاة وتجنب الموت الدائم الذي يهدد البشر، من خلال تجنب الأمراض القاتلة وأسباب وجودها، لأن هذه الظواهر (أي الولادة، ومعدّل الخصوبة والإنجاب، والأمراض) تهدد بشكل مباشر الإنتاج، وتساهم بوجودها في”ضعف الإنتاج وانخفاض وقت العمل وتدني الطاقة وارتفاع التكلفة الاقتصادية، إنها تتسبب في نقص الإنتاج والعلاج المكلف“[6].

غنيّ عن التوضيح إذن أنّ ظهور سلطة حيوية - خلال القرن الثامن عشر- تتغيا مراقبة الأجساد والحفاظ على جودتها، كان بدافعين اثنين، أول اقتصادي، كانت تسعى من خلاله الدولة إلى مطابقة الظواهر السكانية مع السيرورات الاقتصادية، كما أنها استحضرت دائما حجم المشاكل الاقتصادية والسياسية التي يطرحها الفرد على الجماعات السياسية والاجتماعية التي ينتمي إليها في حالة المرض، والأمر لا يرتبط بكلفة العلاج فقط، وإنما بالعجز عن الإنتاج كذلك فـ”المريض بدون شك غير قادر على العمل، إنه يوضع داخل المستشفى ويصبح حملا مزدوجاً“[7]، إن هذا الحمل المزدوج الذي يتحدث عنه فوكو، لا ينعكس سلباً على الدولة التي تصبح ملزمة بتوفير العلاج ومكان العلاج”المستشفيات“وأداة العلاج ووسائطه”الطبيب والأدوية“[8]، بل إنه ينعكس على الأسرة كذلك إذ بدل الاتجاه نحو مساعدة الأسرة التي تعيش حالة بؤس وفقر، سيمسي المريض هو الشخص الوحيد المستفيد من هذه الإعانة من خلال مجانية العلاج وإلزاميته.

من جهة ثانية يكشف ميشيل فوكو عن الدور الذي لعبته الرأسمالية في بناء السلطة البيولوجية، والتكنولوجيا السياسية للحياة، وبلورة تمثل جديد عن الجسد، يقول فوكو في هذا الصدد”غير أنّ ما حدث في القرن الثامن عشر في بعض البلاد الغربية، والذي تم ربطه بنمو الرأسمالية، هو ظاهرة أخرى تماماً وربما ذات مدى أكبر من الأخلاق الجديدة التي كانت تبدو أنها تحتقر الجسد، إنها لم تكن في شيء أقل من دخول الحياة في التاريخ - أعني ظهور الظواهر الخاصة بحياة النوع البشري في نظام المعرفة والسلطة- في حقل التقنيات السياسية. إن الأمر لا يتعلق بالزعم أنّ في هذه اللحظة بالذات وقع أول اتصال للحياة بالتاريخ. بل بالعكس، كان ضغط البيولوجي على التاريخ قد ظل، على امتداد آلاف السنين قوياً جداً؛ فالوباء والمجاعة شكّلا الشكلين المأساويين الكبيرين لهذه العلاقة التي ظلت على هذا النحو موضوعة تحت علامة الموت، وبسيرورة دائرية، سمح النمو الاقتصادي و الزراعي بوجه خاص للقرن الثامن عشر، وتزايد الإنتاجية والموارد الذي كان أسرع من النمو الديمغرافي الذي كان يساعد عليه، سمحا بأن تتراخى بعض الشيء هذه التهديدات العميقة: فعهد فتك الجوع والجذام، - عدا بعض الانبعاثات – انتهى قبل الثورة الفرنسية؛ وبدأ الموت يكفّ عن تطويق الحياة مباشرة. ولكن في ذات الوقت، كان تطور المعارف، المتعلقة بالحياة بصفة عامة، وتحسين التقنيات الزراعية، والملاحظات والتدابير التي تستهدف الحياة وبقاء البشر، كانت كلها تساهم في هذا الارتخاء: هكذا كان التحكم النسبي في الحياة يبعد البعض من وشكات الموت. على هذا النحو، تدخلت طرائق للسلطة والمعرفة لتنظيمه وتوسيعه، وأخذت بعين الاعتبار سيرورات الحياة واهتمت بمراقبتها و تغييرها. هكذا بدأ الإنسان الغربي يتعلم شيئا فشيئاً معنى أن يكونا نوعاً حياً في عالم حي، أن يكون له جسد وشروط وجود، واحتمالات حياة، وصحة فردية وجماعية، وقوى يمكن تغييرها وفضاء يمكن فيه توزيعها بطريقة أمثل“[9].

أما الدافع الثاني لتكون هذه السلطة -السلطة البيولوجية- وتشكّلها، وهو أكثر أهمية من الدافع الاقتصادي، فقد كان سياسياً محضا، ويمكن ووصفه بالاتجاه نحو دولنة الصحة، بعد أن أضحت سؤالا سياسياً واجتماعياً، تقاس من خلاله جودة الأنظمة السياسية وسوئها[10].

انطلق الاهتمام السياسي بالصحة في نظر ميشيل فوكو مع بداية القرن الثامن عشر من خلال مأسسة التدخل السياسي لتدبير الصحة ووضع قوانين وإصدار أظهرة، تدعو إلى إحداث مؤسسات طبية تهتم بكل جوانب الوجود الصحي للناس البدني منه والنفسي العقلي، بعدما كان تدخل الدولة في هذا المجال يتميز بخصائص عقابية وانتقامية، من قبيل السجن والنفي و القتل والإلقاء بالمرضى في البحار…الخ.

إن هذا الانتقال الاستراتيجي للدولة في التعاطي مع المرض،- من سفينة الحمقى إلى ميلاد المارستان، ومن الاعتقال الكبير إلى ظهور المستشفى- أملاه في نظر فوكو التحول الذي عرفته القيمة السياسية للصحة داخل المجتمعات الإنسانية، حيث تحولت الصحة من شأن فردي خاص، إلى أمر سياسي عام، فبعد أن كان المريض يجد في الأسرة مكانه الطبيعي الذي لا يمكن أن يستبدله بأي مجال أو مؤسسة أخرى، ظهرت المستشفى كمعنى حضاري جديد يمكن من خلاله للدولة أن تتدخل عبر الطب في إعادة التوازن للجسم المريض، وإعادة الحياة للمريض، وهكذا أصبح الطب يحمل كل خصائص الدولة”عنف، اصطناعية، مراقبة، نظام، ترتيب، مؤسسات…الخ“، وأضحت أهميته السياسية، تفوق بكثير نجاعته العلمية، فليس من المهم أن يكون الطب فعالاً طبياً، أي ليس من المهم أن يكون قادراً على مداواة الأمراض، وعلاج المرضى، بقدر ما يهم أن يكون فعالا سياسياً[11]. لذلك فإن الوظيفة الأولى للطبيب يجب أن تكون سياسية، لأن”محاربة الأمراض يجب أن تقوم أولا على الحرب ضد الحكومات الفاسدة“[12]. من الواضح إذن أن الملاحظة الأخير لفوكو تكشف عن جانب مهمّ من الاشتغال السوسيولوجي على الصحة وهو المرتبط أساساً، بارتباط المرض والوباء، والجوع والبؤس وكل أشكال العجز الطبيعي والاجتماعي بالأنظمة السياسية، فكلما كان النظام فاسداً كان المرض متفشياً ودائرة الألم أكثر اتساعاً، ومساحة الهشاشة والتهميش أكبر.

أما الطب وقد تماهى مع الدولة وأصبح جهازاً أساسياَ من أجهزتها التي تشتغل على المستوى المادي –اشتغال مباشر على الأجساد- والأدلوجي -”مواساة“ الأرواح-، فقد استثمرت الدولة كل إمكانياتها من أجل جعل الطب جهازاً يمكن أن يقوم بــ”دولنة الصحة“، من خلال مجانية العلاج وإلزاميته، فالطبيب لا يجب أن يطلب مقابلا من أولئك الذين يعالجهم، لأن مساعدة المرضى ستكون خدمة يجب أن تتكفل بها الدولة كواحدة من مهامها المقدسة، بالإضافة إلى تعيين أطباء وجرّاحين”من أجل تتبع الأوبئة التي يمكن أن تحدث في مجالاتهم“، وشرطة”تراقب المناجم والمقابر“، وهيئة من المراقبين الصحيين يمكن”توزيعهم على مختلف الأقاليم وينصب كل واحد على إقليم محدد، ويكلفون بملاحظة المجالات التي تمس الطبّ، ولكن أيضاً الكيمياء والتاريخ الطبيعي والطبوغرافيا وعلم الفلك“[13].

يشير ميشيل فوكو إلى وظيفة سياسية هامة للصحة، تشكل مبرراً جيداً تحتفي وراءه الدولة لاحتكار حقل تدبير الأجساد، ومسوغاً إضافياً يبرر خلقها لمؤسسات رقابية جديدة شبيهة بالسجن، حيث يصبح للجسد معنى آخر، واقتصاد سياسي آخر، وتاريخ آخر، وقابلية للخضوع للسلطة نفسها، سلطة الدولة. إن هذا المسوغ الجديد الذي يبدو أنه كان أكثر تأثيراً من غيره، من الناحية السياسية، هو حماية الأجساد ومراقبتها على الطريقة الانضباطية، فبعد نقاش طويل وسجال أطول بين اللجان الطبية والقائمين على الشأن العام تم الاهتداء”إلى ضرورة حلق مكان للمراقبة مستمر، ووجود مستشفى للمرضى بدون عائلات، وفي الحالات المعدية، ومن أجل الأمراض المعقدة والصعبة وغير العادية، التي يجد الطبّ العام نفسه أمامها عاجزاً. ويبدو على المستوى المحلي – المستشفى – حماية الأشخاص من المرضى، وحماية المرضى من ممارسات الجهلة، وحماية المرضى من أنفسهم، ومن بعضهم البعض“[14]. يبدو أن الوظيفة العلاجية في هذا المقام لم تكن الغاية الأولى من استحداث المؤسسة الصحية، لأنها لم تخلق كبقية مؤسسات الدولة إلا كــ”مراكز تدريب وتأهيل وتنميط. تشتغل جاهزياتها بأحدث العلوم من طب جسدي ونفسي وحقوق وسياسة واجتماع وقانون الخ… لكنها مع ذلك تظل لها استقلاليتها من حيث طرق تشغيلها وإنتاجها للجسد المنمط حسب المواصفات المعرفية التي يختص بها كل نوع من هذه الأبنية غير الحيادية أبداً، فالهندسة ليست علماً رياضياً خالصاً ولا فنا مجرداً، ولكنها في هذه المعارف والإبداعات الموظفة في خدمة مفاهيم الانضباط، وحسب التشكيل الفضائي المسموح به للفرد في ظل حداثة القرنين الماضيين وعقلنتها التشميلية الكليانية. وقد ترجمت العقلانية كممارسة إلى انضباطية استيعابية كاملة. وكلما انصبت على تأهيل الجسد باعتباره الوحدة المادية التي يتألف منها البنيان الاجتماعي الذي يجب تشغيله كآلية إنتاجية كبرى“[15].

زيادة على ذلك فإن تدخل الدولة في المجال الصحي، بعد أن أصبح هذا التدخل واجبا اجتماعياً وجماعياً للمساعدة، يتجسد كذلك حسب ميشيل فوكو في عمل الدولة منذ نهاية القرن الثامن عشر على إصلاح البنية الطبية، من خلال تشكيل إدارة مركزية تدير العلاج وتتحكم فيه، ومركزة العلاج، وخلق مؤسسات تأوي المرضى بدون أسر والفقراء منهم، وإصدار قوانين تأسيسية و تنظيمية للمؤسسات الاستشفائية، وتقنين الممارسة الطبية”كل فرد يمارس الطب دون اجتياز امتحانات المدارس، أو التقدم للجان المختصة سيعاقب بغرامة أو السجن في حالة العود“[16]، ومأسسة وتنظيم التعليم الطبي؛ عن طريق إصدار مراسيم لـ”تكوين الجيش الجمهوري من ممتهني الصحة“، ووضع برامج للتكوين تحوي كل ما يجب أن يعلمه الطبيب الطالب عن مهنة الطب، وكل ما يمكن أن يتعلمه هذا الطالب من علوم وتقنيات تسهل ممارسة الطب.

في نفس السياق يعتقد ميشيل فوكو أن الدولة استعملت الطب في تحديث المجتمع، وتحديث نفسها قبل ذلك، بفضل عملها على علمنة الصحة، بإقصاء الكنيسة من تدبير المجال الصحي، والتدخل في علمية العلاج، و استبعاد البعد الديني للمعالج، لأن الطبيب ليس ساحراً أو قساً وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تملك صفات الأول ولا قدرات الآخر، بل يمارس مهمته في إطار سياسي، لا ينتظم لنفس قوانين الحقل الديني، لكن دون القطع مع منهجيته في ترتيب هذا المجال، وتنظيم العلاج، ويمكن أن يلاحظ هذا الإجراء بشكل عملي في نظر فوكو، داخل إعادة إنتاج الدولة لنفس المنطق الديني، رغم تغير الاستراتيجيات وتبدل الآليات التي يشتغل بها كل حقل، وتباينها.

يظهر البعد السياسي للصحة داخل كل أعمال ميشيل فوكو، سواء التاريخية منها أو التحليلية في سعيه الدائم نحو إظهار المستشفى كحلقة في نظام اعتقالي كبير تتعدد خطاباته وهندساته، لكنه ظل محكوماً بنفس قواعد اللعب التي تبتدئ عادة بالاعتقال وتنتهي بالمراقبة، لقد كان الاعتقال والقتل من فنون التعامل مع”الجنون والجذام وكل أشكال المرض العادي منها والوبائي“قبل أن تصل الدولة إلى أن المجنون ومن خلاله المريض يحتاج إلى رعاية وحماية ومراقبة”المستشفى“، وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع مخالف القانون و القواعد” المجرم“الذي كان مصيره القتل أو التعذيب في أحسن الأحوال، قبل أن يكتشف أن”المجرم“مريض يحتاج إلى إصلاح وتقويم” السجن“. غير أن تغير الاستراتيجيات التي انتهجتها الدولة في التعاطي مع ظواهر الجسد، الانتقال من الاعتقال والإعدام إلى العلاج والإصلاح، لا يعني كما سبق أن قلنا تغير المنطق السلطوي الذي حكم علاقة الدولة بـ”شواذها“.

ثانيا: البعد التاريخي والإبيستمولوجي لمفهوم الصحة:

لم يكن استناد ميشيل فوكو على التاريخ في أبحاثه وكتاباته الكبرى”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ولادة العيادة، المراقبة والمعاقبة، تاريخ الجنسانية“اعتماداً مذهبياً قائما على تشبعه وإيمانه بقيم التاريخ وقيمة التاريخانية، لأنه أنكر أكثر من مرة طريقة اشتغال المؤرخين والمناهج التاريخية ونعتها بالتقليدية مع كل ما يحمله لفظ التقليد من دلالات قدحية داخل المخيال الفرنسي، فـ”الطريقة التقليدية التاريخية“تسبح في ممارسة خاطئة يجب مناهضتها على منوال البنيويين الذين ينتمي إليهم، من حيث شكل تفكيكها وتحليلها واهتمامها بالأسئلة الكبرى للمجتمع. وعليه فإن اهتمامه بالتاريخ كذلك لم يكن منهجياً، ففوكو انتقد في الممارسة التاريخية ميلها إلى”إغفال الأحداث المباغتة لصالح بنيات لا يمكن للإغفال أن يعرف طريقاً لها“[17]، ويعني بذلك أن الممارسة التاريخية لا تجنح إلا نحو دراسة التطورات والقوانين والانتظامات، مستعينة في ذلك بما أنتجته بعض العلوم الاجتماعية الأخرى من مناهج وأدوات ونماذج، فهي تستدعي من الاقتصاد مثلا”نماذج النمو الاقتصادي، والتحليل الكمي لسيل التبادلات“، ومن الديموغرافيا تستقي”منحى التغيرات الديموغرافية“وتستقبل من علم المناخ كيفية دراسة المناخ وتقلباته”[18]…الخ. إن سبب انتقاد ميشيل فوكو لهذا النوع من الفعل التأريخي هو رغبته الدائمة والأكيدة في نفي انتسابه إلى التيار التاريخي، وإيمانه بالنزعة التاريخية، ذلك أن ما يقوم به من أبحاث تاريخية وسياسية، ليست في الواقع، إلا دراسات جينيالوجية يرمي من خلالها وضع اليد على ما يسميه بسلطة الإثبات بما هي “سلطة إنشاء ميادين من الموضوعات يمكن أن تنفي قضايا صادقة وأخرى كاذبة” ويكفي في هذا الصدد أن نعود إلى الطريقة التي وصل من خلالها فوكو إلى كيفية تشكل الجنون كظاهرة مرضية، أو خلقت بها المستشفيات كوعاءات تحتضن المرضى، أو تحولت من خلالها المثلية الجنسية من ظاهرة عادية إلى مرضية.

إن ما دفعنا إلى العودة إلى “الممارسة التاريخية” لفوكو، هو اختزان هذه الممارسة لفعل إبيستمولوجي عميق جداً يكشف عن طبيعة الظاهرة الفزيولوجية والنفسية وكيفية انتقالها المستمر بين العادي و المرضي، بل إنها تتضمن كذلك مجموعة من الإجابات عن عدد من الأسئلة السوسيولوجية الكبرى في مجال الصحة، من قبيل السياسات الصحية، والعلاقات العلاجية، والمؤسسات الصحية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والصحة، والخصائص السوسيولوجية للمريض، ونشأة المرض….الخ، وهذا ربما حاصل مجمل أعماله التاريخية المرتبطة بالجنون والعيادة والجنسانية والسجن.

1. الجنون أولا:

يعتبر البحث في الجنون أول أعمال ميشيل فوكو النظرية الكبرى، وأول بنية في واحد من أضخم المشاريع الفكرية التي سيعرفها القرن العشرون، وأكبر علامة على الطريق الذي سيتخذه فوكو في حياته الفكرية برمتها؛ سواء من حيث طبيعة الإشكالات التي سينزع إلى التفكير فيها، أو من حيث المنهج الذي سيختاره لكتابة تاريخ موضوعاته.

يحمل تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي سؤالا واحداً يختزن بين ظهرانيه عدداً لا محدوداً من الإشكالات النظرية الكبرى في تاريخ الممارسة العلمية و الإنسانية، وهو سؤال تخفي بساطته الواضحة : متى أصبح الجنون مرضاً عقلياً؟، تركيباً عميقاً، نظراً لارتباطه الشديد بجملة من الممارسات الاجتماعية والسياسية والعلمية التي كانت تنتج الجنون كشر يجب التخلص منه. إن سؤال مركب لأنه يعكس إن صح التعبير “انتقالا إيبديمولوجيا وتحولا اجتماعياً وسياسياً وعلمياً عرفته أوروبا عند نهاية القرون الوسطى، وهو انتقال وتحوّل كانت تتسع قبله دائرة الممنوع والمحرم ويتخذه في المرض بكل أصنافه شكلا من أشكال الشذوذ الذي يجب محاربته والإبحار به خارج المدينة، وإبعاده عبر النفي أو القتل أو الحبس والتعذيب والتهميش، غير أن تجربة القرون الوسطى والحديثة فضلت إعادة ترتيب حقل”اللاعقل والشذوذ“عبر استراتيجيات جديدة، وقواعد لعب مغايرة أظهرت فيها السلطة الحيوية كحد انضباطي، تصوراً جديداً للجنون يقوم على الرعاية والإصلاح والتطبيب والتمريض والحماية.

ليس سؤال الجنون هو أغرب ما يتضمنه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، بل إن فرادته الحقيقية تبدو في المنهج الذي اتبعه فوكو في كتابة تاريخ الجنون والعيادة والجنسانية والسجن، إن تاريخا يعتمد تأريخياً أنتربولوجيا، ويعتمد مفهوماً جديداً للوثيقة يتجاوز المعنى التقليدي لهذه الأخيرة، حيث استند فوكو على غير عادة المؤرخين على أرشيف مغاير يتضمن تاريخاً منسياً،”استقاه من كل الخبرات الإنسانية، من الطب الوضعي الحديث، ومن الأدب والفن والمسرح والفلسفة، ومن الشعوذة والخيمياء وكل الممارسات السحرية، ومن تاريخ الدولة ومؤسساتها، البرلمان والشرطة والجيش والأوامر الملكية والمستشفيات العامة والمارستان والسجن والدور الصغيرة دون أن ننسى مؤسسة الحجز وهي اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة“[19].

لقد كان الغرض من هذه التجربة الجديدة في كتابة التاريخ أو التاريخ في ثوبه الجديد كما يقول ميشيل فوكو هو إخراج التاريخ من تجربته التقليدية، وتجاوز أساليبه العتيقة القائمة على معنى ذابل للأرشيف والوثيقة من كتب ونصوص وحكايات وسجلات وعقود ومنشآت ومؤسسات وقواعد وتقنيات وأشياء وعادات الخ، واستبدالها بأخرى. إن التاريخ الذي يروم فوكو تأسيسه يحول الوثائق إلى نصب أثرية، ويعرض كمية من العناصر التي يمكن عزلها والجمع بينها وإبرازها والروابط بينها وحصرها في مجموعات.”في هذه النقطة يتحدد المشروع _ يقول فوكو_ الذي حاولنا أن نرسم خطوطه العامة الأولية في الكلمات والأشياء وتاريخ الحمق

وميلاد العيادة. وهو مشروع نسعى فيه إلى قياس التحولات التي تحدث عامة في التاريخ؛ إنه مشروع يطرح موضع السؤال، المناهج والحدود والمضامين الخاصة التي يدور عليها تاريخ الأفكار“[20].

بعد أن تم بسط الأهمية النظرية الكبرى لتاريخ الجنون داخل متن ميشيل فوكو، يمكن الآن أن نقف عند الانفصالات والتحولات التي عرفتها تجربة الجنون داخل المجتمع الغربي وهي التجربة التي تشترك فيها كل الأمراض مع الجنون، ويمكن تلخيصها في ثلاث لحظات كبرى لكل واحدة خصوصياتها وإكراهاتها وتمثلاتها التي تجعلها متميزة عن الأخرى وهي:

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل

2. لحظة الطب

3. لحظة الدولة

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل:

نقصد بلحظة السفينة أول نماذج علاقة الإنسان مع المرض والجنون كما قدمها ميشيل فوكو، وهي علاقة تختزن بين ظهرانيها عنفاً كبيراً يتجسد في ممارسة كل أشكال العسف واستدعاء كل أجهزة السلطة الانضباطية داخل اقتصاد سياسي للجسد يرمي التحكم في البيولوجي ورسم خريطة للسواء الفيزيولوجي والنفسي، مرفقة بهوامش توضع عليها العناصر المرضية التي مثل الجذام والأمراض التناسلية والجنون والفقر والتسول أهمها. وقد كان الإبعاد والإقصاء الاجتماعي بمختلف تجلياته السمة المميزة لهذه اللحظة من تدبير المرض داخل المدينة وأول إجراءات السياسة البيولوجية للدولة، من خلال إعدام المجانين والمرضى وسجنهم ونفيهم وتهجيرهم وتعذيبهم وطردهم…الخ. وهذا ما يعني أن لحظة السفينة تضم في الواقع لحظات متعددة، ظهر أولها داخل نفي الحمقى وتهجيرهم، وتجسد ثانيها في تحول النفي إلى اعتقال بعد احتفاء الأدب و الفن بالجنون، وتمثل ثالثها في تحول الاعتقال إلى إصلاح.

إن ما يميز هذه اللحظة كذلك في نظر فوكو هو حضور الجنون بين مفهومين كبيرين، وهما الخوف والمرض، فالجنون يرتبط بالخوف، لأن كل التدابير التي اختارتها الدولة في تنظيم حقل الجنون كانت تخفي وراءها خوفاً من المرض، فالتهجير والتعذيب والاعتقال والعلاج والعلاج والقتل كلها مفاهيم تدل على أن عنف الدولة والمجتمع اتجاه المجنون، له ما يبرره وهو خوفهما من الجنون. أما ارتباط الجنون بالمرض، فمرد ذلك إلى اشتراك الجنون مع كل الأمراض واقع وجودها وشروط إنتاجها، إذ أن صورة المجنون كانت انعكاساً رمزياً لصورة المرض والمريض داخل المجتمعات الغربية بأكملها وخاصة ألمانيا وفرنساً.

إن مفهوم سفينة الحمقى ههنا كما استعمله فوكو، يشير إلى تعبير أدبي يرتبط بفن الرسم ( حيث اللوحة المشهورة لجيروم بوش Jerome Bosch) وبشكل أكثر بالرواية ( حيث الرواية المشهورة لسبستيان برانت Sébastien Brantسفينة الصحة وبلوي شوت blauwe schuteلجاكوب فان أستفورن jacob van oestaven، هذا دون إغفال سفينة الحمقى وزورق المجنونات لجوسي باد). معنى ذلك أن الجنون كان عبارة عن موضوع متخيل، ومصدراً من المصادر المتعددة للإبداع الإنساني التي انطلقت مع بداية تمجيد النزعة الإنسانية للجنون.

غير أن هذا الكائن المتخيل”سفينة الحمقى“، سرعان ما سيتضح مع فوكو على أنه كائن حقيقي فــ”سفينة الحمقى من بين هذه الأساطيل الروائية أو الهجائية، هي التي كان لها وجود حقيقي. فالسفن التي كانت تنقل حمولتها الجنونية من مدينة إلى أخرى وجدت حقاً. ولهذا فإن الحمقى كانوا يعيشون التيه. لقد كانت المدن تطردهم من جنباتها، ليلتحقوا بالبراري حيث يتيهون على وجوههم، هذا في الحالة التي لا يشحنون فيها مع بضائع تجار أو قافلة حجاج. وهذه ممارسة كانت سائدة في ألمانيا. فقد تم في نورينبورغ، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، إحصاء 62 مجنوناً، 31 منهم تم طردهم من المدينة. وفي النصف الثاني من هذا القرن، تم تسجيل 21 حالة رحيل قسري. والأمر لا يتعلق سوى بالمجانين الذين يتم إحصاؤهم من طرف السلطات البلدية. وقد يحدث أن يعهد بهم إلى بعض العاملين في السفن: ففي فرانكفورت في 1399 كان يكلف بعض البحارة بتخليص المدينة من أحمق يتجول عارياً في شوارعها، وفي السنوات الأولى من القرن الخامس عشر تم التخلص من مجرم أحمق بنفس الطريقة. وأرسل إلى مايانس. وأحياناً كان البحارة يلقون بالحمقى خارج السفينة قبل نقطة الوصول“[21].

تعبر سفينة الحمقى إذن عن تدبير سياسي جديد للمرض ظهر مع بداية التخلص من الجذام الذي كان يعتبر المشكلة الأولى للعالم الغربي، ويكشف هذا التدبير الجديد عن طبيعته الإقصائية، لأن المجنون مثله مثل المجذوم أقصي من الحياة ومن العيش وسط الجماعة، لأن في إبعاده الاجتماعي عملا مقدساً يرضي الله. وهو قبل ذلك عمل مطهر، يغسل المدينة من أوحالها، أي من المجانين وأمثالهم. إن إقصاء المجانين من المجال الاجتماعي عن طريق تهجيرهم والرمي بهم في البحر أحياناً، كان نتيجة لفقدان تيمة الموت أهميتها داخل المخيال الاجتماعي بفعل القضاء على الجذام وأسباب الطاعون والحرب، ولكن وبشكل أكبر نتيجة لاستمحال الجنون موضع الموت، فـــالجنون هو”الحضور المسبق للموت“، وبالتالي فإن إبعاد المجنون، يعني إبعاداً للموت أو على الأقل تفاديه المؤقت مادام يشكل النهاية الحتمية للأفراد.

لم تكن سفينة الحمقى في الحقيقة إلا إجراءً وقائياً، ضمن إجراءات وقائية كثيرة، أملاها الخوف من الجنون باعتباره تجلياً من تجليات الموت، ما يميزها عن باقي الأفعال التحكمية الأخرى مثل القتل والاعتقال والإصلاح، هو الصورة التي كانت تحملها المجتمعات الغربية عن الجنون، وهي صورة أدى تغيرها لحظة دخول الفن والأدب والفلسفة والعلم مجال التفكير في الجنون، إلى تغير فكرة التهجير والنفي واستبدالها بفكرة العلاج والإصلاح، بعدما أضحى الجنون شكلا من أشكال الوجود المريض، الذي يلزم مدحه أحياناً، واستلهام مقدماته أحياناً أخرى، والبحث عنه في ذواتنا مادام الإنسان كائناً مجنوناً،”لقد ولدت التجربة الكلاسيكية للجنون، وخفت حدة التهديد المتصاعد الذي وصل مداه في القرن الخامس عشر، وفقدت القوى المقلقة التي استوطنت لوحات بوش عنفها. وظلت هناك أشكال، وهي الآن أشكال شفافة وغير عنيفة، تكون موكباً، هو الموكب الضروري للعقل. وكف الجنون عن أن يكون تجسيداً في محيط العالم والإنسان والموت، وصورة عن العالم الآخر، لقد تلاشت ظلمات تلك الليلة التي كانت العيون مشدودة إليها، والتي تنبع منها أشكال المستحيل، وجلل النسيان العالم الذي كانت تجوبه العبودية الحرة للسفينة، إنها لن تذهب، في رحلتها الغريبة، أبعد مما هو موجود، ولا دون ما هو موجود. إنها لن تكون أبداً تلك الحدود الهاربة المطلقة. هاهي ترسو بثبات وسط الأشياء والناس. لقد احتفظ بها وثبتت في مكانها، إنها لم تعد قارباً، بل أصبحت مستشفى“[22]

تلخص هذه العبارة الفوكونية في الواقع مجمل التغير الذي عرفته صورة الجنون داخل العصور الوسطى، ذلك أن الصورة القاتمة التي كان يحملها الناس عن الجنون، تغيرت شيئاً، حيث استبدلت السفينة بالمستشفى، وتحول التهجير إلى اعتقال كبير، إلا أن فوكو سيكتشف داخله أن عنف هذا الاعتقال”المستشفى“لا يقل عن عنف السفينة والإبحار. بل هو أعنف منها خاصة عندما ستتحول دور الحجز إلى مؤسسات سياسية تستجيب لرهانات السلطة المتمثلة في التحكم في حقل البؤس وترتيب عناصره.

إن تقنية الاعتقال التي يتحدث عنها ميشيل فوكو ترتبط بالقرن السابع عشر، تاريخ ظهور أول مستشفى عام بباريس، تنفيذا لمرسوم ملكي صدر سنة 1656. وتمثل لحظة جديدة من عمر الفهم والتدبير الإنساني للمرضي، خاصيته الأساسية تحول الجنون إلى شكل من أشكال البؤس الذي يعم المجتمع الغربي، وبالتالي لم يعد المرض ظاهرة توجب الإبعاد والتهجير، وإنما تحتاج مؤسسات طبية وبنيات قانونية قادرة على تدبير البؤس وهو ما شكلت دور الحجز والمستشفيات أول مظاهره:”المستشفى العام ليس مؤسسة طبية، بل هو بنية قانونية، ما يشبه الكيان الإداري الذي بالإضافة إلى سلطاته المعترف بها خارج المحاكم، يقرر ويحكم وينفذ“[23].

لقد جاء خلق دور الحجز والمستشفيات نتيجة لرغبة سياسية أولا ودينية بعد ذلك في القضاء على البؤس، لأنه نتاج فوضى وعائق أمام النظام، تحول من خلاله الفقر والمرض إلى خطيئة ضد النظام العام وهو ما جعل من هذه المؤسسات”بؤرة لصراعات متعددة، بين الاختبارات القديمة للكنيسة الخاصة بإغاثة الفقراء ضمن طقوس الضيافة، وبين طموحات البورجوازية في إعادة تنظيم البؤس: الرغبة في الإغاثة والحاجة إلى القمع، واجب الإحسان وإرادة التعسف“[24]

إن هذا المظهر الجديد الذي اتخذه البؤس داخل المجتمع، سيحول المرض إلى”مشكلة بوليسية“لها علاقة بنظام الأفراد داخل المدينة، وهذا ما سيجعل من المريض والمتشرد والمجرم والمتسول والوقح والجشع والعجوز والمومس والعاق والغبي والضال و…الخ، نماذج متماثلة تحتاج إلى الاعتقال لا إلى الإحسان، لأن في اعتقالها تطهيرا للفضاء الاجتماعي، وإبعادا للعناصر الطفيلية أو الضارة. وهو ما يفسر كيف أن”لا يحتوي على أي فكرة طبية، لا من حيث اشتغاله، ولا من حيث خطابه، إنه محفل من محافل النظام، النظام الملكي البرجوازي الذي كان منهمكاً في تنظيم أوضاعه“[25].

لقد أدى دخول الكنيسة إلى حقل تدبير المرض والبؤس على امتداد العصر الكلاسيكي، واستدعاء الدولة معظم البنيات التي نظمت من خلالها الكنيسة علاقتها بالمرض إلى”إحداث الانقلاب الكبير الذي قامت به الكلاسيكية في علاقات تربط الجنون بالتجربة الأخلاقية“[26]، فما الذي يقصده فوكو بالانقلاب الكبير؟

يعني أولا استبدال التقنيات القديمة لتدبير البؤس وتنظيمه، او على الأقل إعادة ترتيب عناصره، فكما أن الاستعاضة بالحجز على الكنيسة كان لتغير النظرة إلى الجنون والجذام والمرض بصفة عامة، فإن الانقلاب الذي يتحدث عنه فوكو في هذا المجال يتمثل في استبدال الوظيفة الكبرى للمستشفى العام من الاعتقال إلى الإصلاح والعلاج والعقاب، خاصة وأن ما كان يعرض على المستشفى العام من مصابين بأمراض تناسلية لم يعالجوا، وإنما عرضوا على الأطباء من أجل”تقويم سلوكهم أولا، ثم جلدهم ثانياً، وهو أمر تشهد عليه تذكرة إرسالهم. ولم يكن المصابون بالأمراض التناسلية في الأصل يعاملون معاملة تختلف عن تلك الخاصة بالمصابين بالأوبئة من قبيل الجوع والطاعون والجروح الأخرى“[27]

 تتميز اللحظة الثالثة من حياة السياسة الحيوية التي تشكلت عبر التاريخ، بخاصية أساسية تمثلت أساساً في اتساع دائرة المرض بعد أن أصبحت الصحة مرتبطة بالمقدس في شكله الديني أو الاجتماعي، فاللواط والإلحاد والخيانة الزوجية والشعوذة والممارسات السحرية والتنجيم …الخ، أصبحت أمراضاً، لأنها”خطابات وممارسات تقود إلى تدنيس ما في الدين من مقدسات“[28]، وتهدد قيم العائلة التي تشكل الركيزة الأساسية للنظام الاجتماعي. إنها لحظة لم تقص الحجز كما يمكن نتصور لكنها أفضت إلى حقيقة كبرى، وهي: أن الحجز ومن خلاله المستشفى لم يكن يشكل وحدة مؤسساتية، ولم يكن يتوفر على أي انسجام طبي أو سيكولوجي أو طبعقلي، ولم يكن موجهاً لفئة دون أخرى، حيث كان فضاءً يتسع دون أن يضيق. كما أنه لم يكن حقلاً للعلاج وحسب، بل امتد إلى ممارسة العقاب والتقويم والإصلاح.

-----------------------------------

المدخل السياسي إلى الصحة (2/2)

يتبين إذن من خلال ما سبق أن ميشيل فوكو يقدم اللحظة الأولى من عمر التدبير السياسي والاجتماعي للمرض، كلحظة عقابية، تحتوي على بنيات ومؤسسات طبية وقوانين صحية، لكنها لا تتجه نحو ممارسة العلاج والإشفاء، بقدر ما تستعمل في الإقصاء الاجتماعي وممارسة التعسف السياسي ضمن مقاربة لن نجد أحسن من تعبير ميشيل فوكو لوصفها، أي ضمن مقاربة بوليسية.

 لحظة الطب:

أما أن يكون العصر الكلاسيكي قد اعتقل المريض “المجذوم، المجنون، المريض جنسيا، الملحد، المتسول….الخ”، اعتقاداً منه، أن في اعتقاله خلاصاً وتطهير للفضاء الاجتماعي، وحماية لقيم المجتمع ومؤسساته، فذلك ما لا يمكن الشك فيه، وأما أن يكون الاعتقال والتعسف هو الحل الأخير الذي راهنت عليه الدولة والمجتمع لتدبير المرض، فذلك ما يسهل رفضه ورده. ويرجع ذلك إلى اتجاه العصر الكلاسيكي نحو وعي المرض“من خلال دراسة الجنون”، رغم كل ما ميز هذه التجربة من غموض وعدم قدرة على تحديد ماهية الجنون وأسبابه وأشكاله وحدوده، بل وعجز جعل من الجنون “معنى في حالة تشظي دائم”[1].

 إن هذا الوعي الذي ميز العصر الكلاسيكي لم يتخذ شكلا واحداً، وإنما اتخذ أنماطا مختلفة حددها فوكو في أربعة أساسية تشير كل واحدة منها إلى ممارسة علمية محددة، ترتبط فيما بينها لأنها تحتاج إلى بعضها البعض، رغم وجودها منفصلة، دون أن يستوعب بعضها البعض. فهناك أولا وعي نقدي خاصيته الأولى أنه “ينخرط كلية في حكمه، قبل بلورة مفاهيمه، وعي لا يحدد بل يدين”[2]، وهناك كذلك؛ وعي عملي للجنون، ميزته أنه “بقدر ماهو اجتماعي ومعياري، ومدعوم بشكل جيد منذ البداية، فإنه وعي درامي”[3]، بالإضافة إلى هذا يوجد وعي تلفظي بالجنون، ويتميز بـكونه “وعيا يمكن من القول، مباشرة دونما اعتماد على المعرفة: هذا مجنون”[4]، أخيراً وليس آخر، يظهر الوعي التحليلي للجنون “وليس الجنون داخله أكثر من كلية ظواهره… إن هذا الشكل من الوعي هو الذي يؤسس إمكانية معرفة موضوعية للجنون”[5].

 تعكس التجربة الطبية لحظة دخولها إلى حقل المرض، قطيعة جديدة وانفصالا مهماً، حيث تم التحول من المرض المقصي إلى المرض الموضوعي، وبالتالي من وعي عملي بالمرض إلى آخر نظري، وهي تجربة وجد الطب نفسها داخلها مع الفلسفة جنباً إلى جنب. إن ميزة الوعي الطبي للجنون ومن خلاله للمرض، هو “بحثه عن الجنون في الفضاء الطبيعي الذي يحتله، فالجنون مرض من بين أمراض أخرى، اضطرابات في الجسم و الروح، فهو ظاهرة من الطبيعة، يتطور في الطبيعة وضدها في الوقت دانه”[6].

 لقد بدأ الوعي الطبي للجنون حسب فوكو مع فييسنس Viessensالإبن، في إنتاج هذا النوع من التصورات حول الجنون باعتباره مرضاً “المركز البيضوي في الدماغ هو: بؤرة وظائف الذهن، لأن الدم الشرياني يتخذ شكلا دقيقاً ويتحول إلى ذهن حيواني، وبالتالي فإن صحة الذهن، في أبعادها المادية، محكومة بانتظام وتساوي حرية سير الأذهان في تلك القنوات الصغيرة”[7]، وقد استفاد الوعي بالجنون كثيراً من تطور المعرفة الطبية التي أضحت خلال القرن الثامن عشر أبعد من أي وقت مضى عن الفهم الميتافيزيقي للمرض، القائم على وجود جواهر موربيفية Morbifiqueوعلى مقولة عامة للمرض عقيمة. وهو ما يشير إلى أن ابتعاد التصور الجديد للمرض عن المقولات الميتافيزيقية، يعني الارتماء بين أحضان البراديغم التجريبي، الذي يعتبر الوجود الواقعي للظواهر، وقابليتها للملاحظة، هو ما يمنحها صفة العلمية، ويوجه العلم نحوها من أجل دراستها.

 إن ما يميز الاشتغال الطبي على المرض هو حمله لرهانات مغايرة، لتقنيات السلطة لحظة التفكير في المرض، فإذا كانت الثانية اتجهت بشكل عام نحو اعتقال المرض وإبعاده وإخفائه، فإن ما سميناه بلحظة الطب، نحت اتجاه “تحرير المرض”، تحريره أولا من النظرة الشمولية التي كانت تختزل في مفهوم المرض فئات اجتماعية واسعة، لا يجمع بينها إلا شيء واحد وهو جمع السلطة لها داخل قالب واحد. وتحريره كذلك من خلال إعادة تنظيم العالم الباتولوجي وفق معايير جديدة، استوحاها الطب من عالم النبات، وكما يقول بول سيدنام Paul Sydenham“علينا أن نجمع كل الأمراض في أنواع محددة بنفس حرص دقة عالم النبات”[8] وهو الأمر نفسه الذي انتهى إليه كل من غوبيوس Gaubiusودوسوفاج de sauvage…الخ، حيث تم تنظيم المرض وفق مقدمات جديدة، تختلف جذرياً عن الطريقة التي فهم بها المرض في الماضي، أهم معاملها الاتجاه التدريجي نحو علمنة المرض، أو بطريقة أصح إبعاد الطابع الديني عن الفهم الإنساني للمرض، بعدما كان يعتقد قديما أن المرض عقاب إلهي[9]. وفي الأخير يظهر الدور التحريري للطب داخل مساهمته في انفتاح الممارسة العلاجية من التصور الوحيد للمرض، حيث بدأ الجنون مثلا “المرض” يفقد طابعه الموحد لصالح، نماذج وأنواع جديدة وفق أعمال تصنيفية يقدم فوكو داخلها “بلاتر Plater، وجونستون jonston، وبواسيي دو سوفاج boissier de sauvageو ليني linnéو فييكار weickheird” كنماذج متقدمة لفهم المرض وخاصة المرض العقلي.

 بقي أن نشير إلى خاصية أخيرة أضافها الطب إلى حقل المرض أو حقل الصحة، وهي الانتقال بالمرض من عالم الاعتقال إلى عالم الشفاء مع كل ما ميز هذا الانتقال من خلق لمعايير وقيم ومبادئ ونماذج وآثار ومؤسسات…الخ، حولت المجنون والمريض من مذنب إلى إنسان أو على الأقل إلى جسد يحتاج العلاج لا العقاب، مع كل ما رافق هذا الانتقال من تحولات كبرى على مستوى الممارسة النظرية للطب التي لم يكن لها دائم تأثير مباشر على فعل العلاج. بالإضافة إلى المساهمة في تكون نظرة جديدة عن المرض مع علم النفس والتحليل النفسي.

 1. لحظة الدولة:

 تدخلت الدولة تاريخا في تنظيم البؤس عبر تقنيات كثيرة، تجسدت في مراسيم و ظهائر يصدرها الملك وقوانين وتشريعات يصدرها البرلمان، وتمثلت ثانيا في إحداث دور للحجز و المستشفيات و “الإصلاحيات”، تتخذ شكل مؤسسات للإبعاد والاعتقال و العلاج والإصلاح، وتشكلت كذلك من خلال ترتيب إجراءات وتدابير يمكن أن نصفها بلغة معاصرة باسم سياسات صحية. ويمكن القول أن الغاية الأساسية لهذا التدخل كان هو الوصول إلى دولنة الجسد و الصحة، من خلال نزع الطابع الفردي أو العائلي عنها. بالإضافة إلى سعيها، في إطار صراعها مع الكنيسة، إلى علمنة الصحة عن طريق نزع الطابع الديني عن الممارسة العلاجية.

 إن الحقيقة التي كشف عنها فوكو، ويمكن القول بنوع من الإحتراس، أن بعض تجلياتها ما تزال حاضرة إلى اليوم، وهي أن: المؤسسات العلاجية بكل أصنافها لا تقوم بأي وظيفة طبية، لأنها لا تتوفر على أي فكرة طبية. فمهمتها الأولى سياسية أولا، شبيهة بتلك التي يقوم بها السجن، ضمن سياسة انضباطية عامة، تقوم على “المراقبة و المعاقبة، للعناية والقمع، للمساعدة والاعتقال، الشيء الذي يجعل هذه المؤسسات السياسية،” مؤسسات غريبة يصعب أحياناً تحديد معناها ووضعها"[10].

 إن السؤال الأساسي الذي اتجه فوكو نحو الكشف عنه من خلال الوقوف على المظاهر الكبرى لتدبير المرض، هو ما هي المظاهر السياسية للمرض، وقبل ذلك متى بدأ الجنون يأخذ معنى المرض العقلي؟.

لقد ساهم اهتمام فوكو بتاريخ الجنون، بشكل كبير في اتساع رقعة اهتمامه بالجسد والصحة والطب، وهو ما بدا واضحاً في اتجاه فوكو نحو تفكيك بنيات جديدة، في الممارسة العلاجية والبحث في تفاصيلها الصغيرة وفي شكل القطائع و الهوامش التي تشكلت داخل بنية تكونها. وقد ارتبط هذا الاهتمام بسؤال جديد وهو " كيف تشكلت النظرة العيادية داخل النظرة الطبية؟

2. العيادة، والتشكل العلمي للممارسة الطبية:

 غني عن التأكيد أن فوكو لم يحبس نفسه للتفكير في تاريخ المؤسسة الطبية، كما قد يوحي بذلك عنوان ثاني كتبه “تاريخ العيادة”، إذ اتجه منذ بداية مؤلفه تحديد مسارات والتي حددها في ثلاث مفاهيم أساسية تشكل في نظره البنية الأولية لكل ممارسة طبية، يتعلق الأمر بمفهوم المجال ومجموع النقاشات التي أحاطت بها داخل الممارسة الطبية من حيث القدرة أو عدمها على توطين المرض، وهو نقاش يكشف ميشيل فوكو جزء منها داخل تاريخ الجنون، بالإضافة إلى مفهومي اللغة و الموت و ما يرتبط بهما من ممارسات علمية، تبدأ انطلاقاً مما يستعمله الطبيب من رموز في توصيف المرض وتقديمه، وصولا إلى التشريح، باعتباره العلمية التي جعلت الطب يكرس نفسه كعلم للفرد.

 إذا كان لابد من الإشارة أعلاه، فإن ما يهمنا في “ولادة العيادة” ليس تقديم ما انتهى إليه فوكو من خلاصات نظرية كبرى بخصوص تطور النظرة الطبية للمرض والجسد والموت، بقدر ما يشكل الحفر في المظاهر السوسيولوجية للممارسة الطبية والمجال الصحي و التي يعتبر الكتاب غني بها، أول هدف نتغيا الوصول، لاسيما وأن ميشيل فوكو، لم يلزم يوماً قراءه بنظرة واحدة دون غيرها.

 تستمد الممارسة الطبية كل مقوماتها في نظر ميشيل فوكو من العالم المحيط بها، فهي أولا تتأثر بعالم الحياة الذي عملت على إعادة إنتاج أطروحاته بخصوص طبيعة المرض وماهية الصحة “إن نظام المرض ليس إلا انعكاساً لعالم الحياة، نفس البنيات تسود هنا وهناك، ونفس أشكال التوزيع ونفس الانتظام، إن عقلانية الحياة تشبه مايهددها”[11]، كما أنها تأثرت وبشكل كبير بعالم السياسة، من حيث وجود أوغياب البنيات الصحية، فإذا كانت الثورة الفرنسية مثلا قد حملت فكرة إلغاء المستشفيات وجمعيات الأطباء Corporation، فإن هذا الفراغ المؤسساتي وتحول المستشفى إلى مجال جديد يتقاطع فيه التعليم و التعلم، المراقبة و الممارسة الطبية، وبكلمة أعم الخطاب التربوي والتدخل العلاجي.

 من جهة ثانية لم يفت ميشيل فوكو البحث في البعد العلائقي للظاهرة الصحية من خلال تفكيكه لبنية العلاقة التي تجمع الطبيب بمريضه، وبالتالي الطب بالمريض، وهو ما يجرنا إلى القول إن ميشيل فوكو لم يكن إبيستمولوجيا في ولادة العيادة فقط، وإنما كان سوسيولوجيا كذلك.

 تنبني علاقة المريض و الطبيب في نظر ميشيل فوكو على العنف والإقصاء، لأن معرفة المرض و الوصول إلى حقيقة الظاهرة الباثولوجية، لا تقوم داخل وجهة النظر الطبية إلا عندما يقوم الطبيب بتجريد المرض، وبالتالي إقصاء المريض من حلقة العلاج، فالطب“ لا يتجه نحو الجسد الملموس، نحو هذا الكل المرئي، نحو هذا الامتلاء الوضعي الذي يوجد أمامه، وإنه يتجه نحو فواصل طبيعية، نحو هفوات ومسافات تظهر سلبية، إنها العلامات التي تميز كل مريض عن آخر”[12].

 يقوم وصف ميشيل فوكو لعلاقة الطبيب بالمريض بالعنيفة، على كثير من المقدمات السوسيولوجية الكبرى، أولها أن الطبيب لا يشتغل على المرض إلا من موقع واحد، داخل ثنائية تقليدية، تتأسس على الجهل و المعرفة، فالطبيب يتخذ موقع العالم الذي لا يحتاج إلى ما يقوله المريض من أجل معرفة المرض، لأن المريض لا يمثل إلا تمظهراً خارجياً بالنسبة لما يعانيه، لذلك فإن القراءة الطبية لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله المريض عن مرضه، إلا لكي تضعه بين مزدوجتين، لان ما يهم الطبيب يوجد في البنية الداخلية لأجسادنا لا فيما نقوله. ورغم ذلك، أي رغم إقصاء الطبيب للمريض، ورفض الثاني للصورة التي يتخذها تدخل الأول، فإنها ملزمان بالتعايش مع بعضهما البعض، إنها يتعايشان كما يقول فوكو كتشويش لا مجال لتجنبه.

 غني عن التوضيح أن ميشيل فوكو أولى اهتماماً خاصاً بالتاريخ السياسي للمؤسسات الصحية وما رفق نشأتها و غيابها من نقاشات سياسية كبرى داخل المجتمع الفرنسي، انتهى من خلاله إلى أن “المستشفى مثله مثل الحضارة، مجال اصطناعي يهدد داخله المرض بفقدان صورته الأساسية”[13]، وهي ملاحظة ما تزال تجلياتها موجودة داخل المجتمع المعاصر، ذلك أن معرفة الناس بأمراضهم وعلاقتهم مع هذه الأمراض غالباً ما تجد معنى آخر ووجوداً مغايراً داخل المستشفى.

 وإذا كانت المستشفى مؤسسة اصطناعية، يفقد فيها المرض صورته الأصلية، فإن الأسرة هي المجال الطبيعي للمرض، بما هي مجال طبيعي للحياة، حيث رقة العلاجات العفوية وقوة الارتباط، وحيث وجود رغبة جماعية في العلاج، من خلال تعبئة جماعية لمساعدة المريض على تجاوز مرضه. وهو الأمر بطبيعة الحال الذي لا يوجد داخل المستشفى.

 يعني وجود مجالين للمرض، وعجز المريض عن القيام بأدواره الاقتصادية، خلال القرن الثامن عشر، ظهور نقاش جديد حول صلاحية وجود المستشفى داخل المجتمع، حيث دعى أصحاب هذا السؤال إلى ضرورة استثمار الخيرات التي توجه نحو بناء المستشفيات إلى إعانة مباشرة للأسرة، التي سيصبح آنذاك من مهمتها مساعدة المريض على تجاوز مرضه، وهنا تكون الدولة قد قامت بإجراءين، مساعدة المريض على المرض، ومساعدة أسرته على البؤس والفقر. غير أن هذا النقاش انتهى لصالح توجه آخر يرى في بقاء المؤسسات الصحية ووجود هيئات لمراقبة الصحة العامة ومراقبة عمل الأطباء، بالإضافة إلى تنظيم الحقل الطبي من خلال إصدار تشريعات تقنن الممارسة الطبية، وتعاقب كل ممارسة لمهنة الطب لا يحمل تفويضاً مؤسساتياً لممارسة الطب، إما بغرامة أو بالسجن في حالة العود، لكن أهم توصية حملها دعاة هذا الاتجاه الذي اختارته الدولة هو مجانية العلاج، بحيث تقدم الخدمة الطبية للجميع، وتتكفل الدولة بتعويض الطبيب، ثم إلزامية العلاج، حيث لم يعد مسموحاً أم يترك أي مريض لحال سبيله.

 لم يكن ميشيل فوكو في خضم بحثه التاريخي عن المظاهر السياسية للصحة داخل المجتمعات الغربية، مستغرباً من الوصول إلى حقيقة سوسيولوجية وتاريخية أخرى تهم المرض، يتعلق الأمر بالطابع التاريخي والاجتماعي للمرض “فالأمراض تتنوع حسب الحقب والأماكن، ففي العصور الوسطى مثلا حيث الحروب والمجاعات. ارتبطت الأمراض بالخوف والإنهاك” سكتات دماغية، حمى الدق“لكن خلال القرن السابع عشر بدأت تضعف القيم الوطنية وكل ما يرتبط بها من التزامات، حيث انطوت الإنسانية على ذاتها، مقابل انتشار النهم والشبق” أمراض الزهري، الأمراض المعوية والدموية، وخلال القرن الثامن أدى البحث عن المنفعة من خلال الخيال، إلى الاهتمام بالمسرح و الرواية والحماس إلى نقاشات طويلة، يسهر الأفراد في الليل وينامون بالنهار، الشيء الذي أدى إلى الهستيريا والوسواس المرضي والأمراض العصبية"[14].

تركيب:

إذا كان إميل دوركايم قد أسس للبعد الاجتماعي للصحة والمرض، وكشف عن ملامح تدخل المجتمع في ترتيب المرض وتدبير الصحة، فإن ميشيل فوكو استطاع من خلال مشروع الأركيولوجي والجينيالوجي أن يبين الجانب السياسي والتاريخي للصحة والطب، من خلال أبحاثه التي استطاع من خلالها الكشف عن الجانب التاريخي والسياسي للمرض والطب والمؤسسات الطبية، فإما الجانب التاريخي فيبدو في ارتباط المرض بالتاريخ، بما هو وضع اجتماعي وسياسي وثقافي، إذ أن لكل فترة تاريخية أمراضها التي ترتبط بها، وهي خاصية يشترك مع فوكو في تأكيدها مختلف السوسيولوجيين والأنتربولوجيين الباحثين في الصحة بدءاً بمارك أوجي وروجي باستيد وكلودين هيرزليتش وصولا إلا رايمون ماسي ومارك ترومبلاي و ستودلر…الخ. أما البعد السياسي للصحة، فيبدو في نظر فوكو في تحول السلطة الحيوية القديمة، بما هي سلطة على الإماتة والإحياء والقتل والإبعاد والنفي، إلى الدولة الحديثة التي أنشأت المؤسسات الطبية للعقاب أولا وللإصلاح بعد ذلك، رغبة منها في الاستفادة من أرواح الناس وأجسادهم في العمل الإنتاجي.

 إن قيمة العمل الفوكوني المرتبطة بالصحة والمرض والمؤسسات الصحية، يجد تجلياته اليوم ليس داخل الكتابات التي تحتفي بما أنجزه فوكو فقط، وإنما يستمد مشروعيته كذلك من داخل الأسئلة التي طرحها فوكو، وما تزال إلى اليوم راهنة في سياقها الأم وفي سياقات اجتماعية مغايرة.

---------------------------------------------------------

هوامش الجزء الأول من البحث:

[1] يمكن أن نشير في الصدد إلى دراستين اثنتين، في سياقين مختلفين وإن كان المجال العلمي يحتضن بين ظهرانيه أكثر من ذلك، نقصد هنا جورج كانغليم، من خلال دراسته المهمة العادي و المرضي، حيث أن الشرط السياسي والتاريخي غير حاضر أبداً في دراسات الرجل كما لو أن تكون المفاهيم والنظريات العلمية ينشأ خارج سياقاتها التاريخية. بالإضافة إلى دراسة لوسيان لوكليرك حول تاريخ الطب العربي.

[2] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003 ص 233،234.

[3] نفس المرجع ص 240.

[4] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004 ص116

[5] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ص 242.

[6] نفس المرجع ص 236

[7] Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995 P24

[8] يعتبر ميشيل فوكو أن الطبيب ليس إلا أداة تستعمل الدولة ضمن تكنولوجياتها السياسية للحياة، ( سنعود إلى هذه النقطة لاحقاً”

[9] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI 118

[10] اتجاه ميشيل فوكو نحو القول بتشكل البعد السياسي للصحة خلال القرن الثامن عشر، يعني أن الاهتمام السياسي بها ليس وليدة اللحظ الراهنة، أو مجال تدخل الدولة المعاصرة

[11] Foucault, Michel, naissance de la clinique, P44

[12] Ibidem

[13] IbidP32

[14] Ibid P55

[15] ميشيل فوكو، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الانماء القومي بيروت، 1990 ص35

[16] Ibid. P120

[17] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة ص8

[18] نفس المرجع ص 5

[19] فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006 ص14

]* يستعمل سالم يفوت تاريخ الحمق بدل تاريخ الجنون

[20] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ص15

[21] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ص ص 29/30

[22] فوكو ميشيل، المرجع السابق ، ص 63

[23] فوكو، ميشيل، المرجع السابق، ص71

[24] المرجع السابق ص75

[25] نفس المرجع ص72

[26] نفس المرجع ص108

[27] نفس المرجع، نفس الصفحة,

[28] نفس المرجع ص 120

-------------------------------------

  هوامش الجزء الثاني من البحث:

[1] نفسه ص185

[2] نفسه ص186

[3] نفسه ص 187

[4] نفسه ص 188

[5] نفسه ص 189

[6] نفسه ص 195

[7] نفسه 199

[8] نفسه ص 209

[9] هي ملاحظة سنكتشف داخل بعض الأطروحات الأنتربولوجية أن لم تختف أبدا، ويمكن في هذا الصدد العودة إلى إدمون دوتي وليفي برويل ومالينوفسكي و دوركايم…الح

[10] نفسه ص74

[11] IbidP8

[12] Ibid P10

[13] Ibid P21

[14] IbidP44

----------------------------------------------

قائمة المراجع باللغتين العربية والفرنسية:

1. فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003

2. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

3. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

4. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

5. فوكو، ميشيل ، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي بيروت، 1990

6. فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة2001

7. فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006

8. غرو، فريديريك، ميشال فوكو، ترجمة محمد وطفه، طريق المعرفة

9. Augé, marc , hérzlich, Claudine, le sens du mal, Éditions des archives contemporaines,1984

10. Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995

11. Foucault, Michel, Les Mots et les Choses. Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, 1966

12. Foucault, Michel, Folie et Déraison. Histoire de la folie à l’âge Classique, Paris, Librairie Plon, 1961

https://modernitysite.wordpress.com/2016/08/19/%D9%85%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%88%D9%83%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A7/