الأربعاء 20 أيلول/سبتمبر 2017
TEXT_SIZE

السود في أميركا: كتلة مضمونة لهيلاري إن تحركت للتصويت !

د. منذر سليمان*

تحول السود عن الحزب الجمهوري

اقصاء قطاعات اجتماعية معينة من المشاركة في تقرير مصيرها ظاهرة واكبت بروز النظم الحاكمة عبر التاريخ. بيد أن التهميش والإقصاء في النظام الأميركي تحديدا تعود جذوره ليس لحاجة النظام الرأسمالي ليد عاملة رخيصة فحسب، بل هي في صلب النظام القائم على التفرقة العنصرية.

الإقصاء أيضا طال المرأة عبر مراحل تاريخ الكيان السياسي الأميركي، ولم تكسب حقها في دخول المعترك السياسي إلا مطلع القرن العشرين ومصادقة الكونغرس على مادة التعديل التاسعة عشر للدستور الأميركي، آب 1920.

دشنت نهاية الحرب الأهلية الأميركية، 1865، حاجة النظام السياسي للإنفتاح ومصالحة القطاعات الاجتماعية الأخرى، وبروز المطالبة بإنهاء نظام الرق والعبودية، وشهدت العقود الثلاثة المقبلة (1895) بوادر تشكل "حركة الحقوق المدنية" بين السود تحديدا للمطالبة بالمساواة وحق تملك الأراضي. على الطرف المقابل، أقدمت الدولة الأميركية على برنامج إعماري ضخم لترميم ما دمرته الحرب الأهلية في الولايات الأميركية الجنوبية.

الانفتاح الرسمي واجهه أقطاب النظام العنصري ببلورة منظمات وتجمعات إرهابية، أشهرها كوكلاكس كلان ومثيلاتها "القمصان الحمر،" و "عصبة البيض" والتي برزت على المسرح منذ عام 1870 هدفها الإبقاء على نظام العبودية والفصل العنصري، من ناحية، نظرا لحاجة عجلة الانتاج الزراعي لأيدي عاملة كثيفة وشبه مجانية، وحصر المكاسب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالعنصر الأبيض ليس إلا.

راوغ النظام السياسي بعد إنتهاء الحرب الأهلية كثيرا، وسعى لاستقطاب ما استطاع من السود لتأييده، وأصدر "التعديل الخامس عشر" للدستور الأميركي، شباط - فبراير 1870، تضمن حرية التصويت لمواطني الولايات المتحدة المقصود بها آنذاك الذكور السود حصرا. بيد أن حقيقة الأمر لم تشهد المادة المذكورة تجسيدا حقيقيا إلا بعد انقضاء نحو قرن من الزمن، وبقيت حبيسة الأدراج طيلة تلك الفترة.

جسد النظام السياسي "العبودية" وشرعنتها مرة أخرى في قضية تدخلت فيها المحكمة العليا عام 1896، بمصادقتها على تشريع الفصل العنصري بمفردة أضحت أشهر من علم، نظام "الفصل لكنه عادل،" واستمر مفعوله قائما لعام 1954 بإقرار المحكمة عينها قرارا مضادا للفصل العنصري "براون مقابل هيئة التدريس؛" وعمليا استمر نظام الفصل معمول به في بعض الولايات الجنوبية لعقد الستينيات من القرن الماضي.

حركة "القضاء على نظام الرق" الأميركية بدأها عناصر في الحزب الجمهوري في الزمن الغابر، وهو الحزب الذي أفرز الرئيس الأسبق ابراهام لينكولن، بينما اصطف الحزب الديموقراطي آنذاك إلى جانب الحفاظ على النظام العنصري.

وعليه، أيد السود أو ما تمكن منهم من حجز مقعد في السلم الاجتماعي آنذاك، الحزب الجمهوري غريزيا. الحزب الديموقراطي لم يسمح للسود المشاركة في مؤتمره العام إلا بدرورة العام 1924، مع عودة بعض السود ممن شاركوا القتال في الحرب العالمية الأولى.

التحول الاجتماعي الأبرز في توجهات السود لم يظهر إلى السطح إلا في أعقاب أزمة "الكساد الكبير،" 1929، وإعلان الرئيس فرانكلين روزفلت عن مشروع "الاقتصاد الجديد،" ليستقطب قطاعات واسعة من العاطلين على العمل وإعادة تشغيل الاقتصاد الأميركي.

وعليه، وجدت الأقليات، ومنهم السود، في خطة التنمية الاقتصادية ضالتهم. وأشارت الاحصائيات آنذاك عن ميل نحو 71% من السود إلى تأييد الحزب الديموقراطي، في حين أن نسبة عضويتهم في الحزب لم تتعدى 44%. وتتالت منذئذ التشريعات والمبادرات الرئاسية لإلغاء بعض مظاهر الفصل العنصري، بدءا بالقوات المسلحة في عهد الرئيس ترومان عام 1948، واجراءات مشابهة للحد من الإقصاء العنصري في هيكل القوى العاملة في أجهزة الدولة.

انتخابات ذلك العام،1948، أسفرت عن تصويت 56% من السود لصالح الحزب الديموقراطي، واستمر التأييد تصاعديا منذئذ إلى المستويات الراهنة، رغم بعض التراجعات في عقد الستينيات من القرن الماضي والحرب الفيتنامية.

يشار إلى أن الأب الروحي لحركة الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ، ووالده كانا مسجلين في صفوف الحزب الجمهوري، الذي استند إلى قاعدة دعم شبه ثابتة خاصة في الولايات الجنوبية، قبل حدوث الهزات الاجتماعية على خلفية الحرب الفيتنامية وتداعياتها الداخلية.

عند هذه المرحلة المفصلية، صادق الرئيس الأميركي ليندون جونسون على "وثيقة الحقوق المدنية،" والتي رفضها عدد من ممثلي الكونغرس الديموقراطيين عن الولايات الجنوبية. بالطبع لا يجوز اغفال دور الرئيس الأسبق جون كنيدي المفصلي في الدفع لاقرار الحقوق المدنية، والذي استكمله خلفه جونسون.

فازت الوثيقة بدعم بارز للرئيس جونسون من ممثلين عن الحزب الجمهوري في الكونغرس. تداعيات "الوثيقة" ظهرت في التحول المباشر لغالبية قطاع السود لتأييد الحزب الديموقراطي وسيطرته على الكونغرس لفترة زمنية طويلة؛ وحصل جونسون على تأييد 94% من أصوات السود ذاك العام.

تقلصت كتلة السود المؤيدة للحزب الجمهوري تباعا منذ عام 1936، من نسبة 28% إلى نسبة 6% عام 2012؛ اشدها انخفاضا كانت انتخابات عام 1968 التي انحدرت فيها إلى نسبة 3% في عهد الرئيس نيكسون. وعليه باشر الحزب الجمهوري ببلورة "استراتيجية لولايات الجنوب،" لاستقطاب العنصر الأبيض بعد تيقنه من خسارته قطاع السود إلى فترة زمنية طويلة.

استراتيجية نيكسون أعلاه حافظت على "نقاء" العنصر الأبيض جنوبي الولايات المتحدة وتأييده الحزب الجمهوي، الأمر الذي يسلط الضوء على قاعدة الدعم "الصلبة" من البيض خلف المرشح دونالد ترامب، مقابل تأييد الأغلبية من السود المرشحة كلينتون.

بيد أن التغيرات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية في صفوف السود بشكل عام قد لا تذهب تلقائيا لتأييد المرشحة كلينتون، استنادا للبيانات المستقاة من طبيعة التصويت في الانتخابات التمهيدية.

دروس الانتخابات التمهيدية

مشاركة السود بشكل عام في الانتخابات التمهيدية، خاصة المغلقة للحزب الديموقراطي بشكل حصري، شهدت عزوفا ملحوظا في ظل غياب مرشح أسود، وقد يتكرر معدل تقلصها في الانتخابات الرئاسية.

أشارت البيانات الرسمية عن نتائج الانتخابات التمهيدية في الولايات ساحة الصراع، العام الجاري، تقلص نسبة مشاركة السود قياسا إلى انتخابات عام 200840% في ولاية أوهايو، 38% في ولاية فلوريدا، 34% في ولاية نورث كارولينا.

وأوضح مؤسس منظمة "أصوات السود ذو أهمية،" شارلي كينغ، أن حملة المرشحة هيلاري كلينتون ستواجه عقبة كبيرة في كسب الناخبين الديموقراطيين الذين صوتوا لصالح الرئيس الأسبق رونالد ريغان، فضلا عن انضمام أربعة ملايينناخب جديد الذين شكلوا العصب الحساس لنجاح المرشح أوباما." وأضاف أن ادراك تلك الحقيقة يفسر "خطورة حملة منافسها دونالد ترامب."

وأضاف كينغ، المستشار الاستراتيجي السابق للحزب الديموقراطي، أن منظمته لا يساورها القلق من نسبة تصويت مرتفعة من السود لصالح الحزب الديموقراطي، بيد أن الخطورة تكمن في نسبة المشاركين التي تطمح كلينتون لتعادلها مع النسبة الكبيرة المصوتة للمرشح أوباما.

أحدث استطلاعات الرأي لأركان المؤسسة الحاكمة، أجرتها سوية شبكة (ان بي سي) للتلفزة وصحيفة وول ستريت جورنال، أشارت إلى تأييد نحو 81% من السود لكلينتون، وبذلك تتفوق نسبة الدعم على معدل التأييد لها بين أوساط عموم الناخبين الديموقراطيين، 7551% للجالية اللاتينية؛ و73% بين صفوف الليبراليين.

التأييد المبدئي لمرشح ما لا يعادله إقبال قوي للناخبين عند انطلاق صفارة التصويت في الثامن منتشرين الثاني - نوفمبر المقبل.

تنامت مشاركة السود في الانتخابات الرئاسية بتثاقل ملحوظ مقارنة مع مشاركة مجمل القاعدة الانتخابية، وفق البيانات المعتمدة: 10% في انتخابات عام 2000؛ 11% عام 2004؛ 13% عام 2008 و2012. الدورتين الأخيرتين شهدتا أكبر اندفاعة بالمشاركة، نظرا لترشح الرئيس أوباما، وشكلت شبه تعادل مع نسبة مشاركة البيض: 66% للسود مقابل 64% للبيض. يشار إلى أن مشاركة البيض في الانتخابات فاقت مشاركة السود بنسبة ثابتة بين السنوات 1996 – 2004، بلغ الفارق بينهما سبعةنقاط مئوية.

بيانات الدورة الانتخابية لعام 2012، أشارت بوضوح إلى أن مشاركة السود النشطة كانت العامل الحاسم وراء فوز الرئيس أوباما في سبع من الولايات الحاسمة: فلوريدا، ماريلاند، ميشيغان، نيفادا، اوهايو، ويسكونسن، بنسلفانيا وفرجينيا التي بلغ مجموع مندوبيها للهيئة الانتخابية العامة 112 صوتا، من مجمل 270 صوتا، التي كان من اليسير خسارة الانتخابات بدون تأييدها. الدور الحاسم للولايات المذكورة، باستثناء ماريلاند، يتكرر في الدورة الانتخابية الحالية أيضا.

انخفاض مشاركة السود، نظريا، لن يضعضع حظوظ المرشحة كلينتون، بل سيجسر الهوة الفاصلة مع منافسها في عدد من الولايات التي هي بغنى عن أي نسبة خطأ قد تلحق بها. لمزيد من الإيضاح، أشارت البيانات المعتمدة إلى أن نسبة مشاركة السود في ولاية فرجينيا، مثلا 20% الدورة الماضية؛ وإن انخفضت إلى نسبة طفيفة لـ 18% كان سيفوز بنسبة 1.6% بدلا من رصيده البالغ آنذاك 3.9%. القلق عينه قد يتجسد في ولايات حاسمة مثل اوهايو وويسكونسن.

أما في ولاية فلوريدا فإن أي تقلص، مهما كان ضئيلا، في نسبة مشاركة السود والتصويت لصالح كلينتون قد يؤدي إلى خسارتها بالكامل، وهي التي خسرها المرشح الجمهوري ميت رومني بنسبة 49% مقارنة لنسبة منافسه أوباما البالغة 50%. تعاظمت أهمية ولاية فلوريدا في العقود الأخيرة التي تعني خسارتها لأي مرشح خسارة صافية بالمجمل.

عند حسبان نسبة الناخبين البيض من الديموقراطيين والذين سيصطفون لجانب ترامب نكاية بكلينتون، الذين كان يطلق عليهم وصف "ديموقراطيوا ريغان،" تتضح حجم الخسارة التي تنتظر المرشحة كلينتون. لمزيد من الإيضاح، نال الرئيس أوباما تأييد 36% من أصوات الطبقة العاملة من البيض عام 2012، والذين من المرجح بقائهم في صف تأييد المرشح ترامب، إن لم يتم تدارك الأمر من قبل الحزب الديموقراطي وإستعادة ثقة وتأييد تلك الشريحة.

ترامب يغازل السود

في خطوة فاجأت أغلب المراقبين، استغل المرشح دونالد ترامب وجوده في ضاحية يقطنها أغلبية من البيض بالقرب من مدينة ديترويت للتودد إلى قطاع السود طالبا تأييدهم لأن "تجمعات الأميركيين من أصول أفريقية تعاني من سيطرة الحزب الديموقراطي.. ماذا ستخسرون بتأييدي. تعانون من فقر مدقع، مدارسكم ليست جيدة، ومعدلات البطالة بينكم مرتفعة، وتبلغ النسبة نحو 58% بين صفوف الشباب." بالطبع كانت القاعة خالية من أي تواجد للسود، إذا استثنينا بعض الصحافيين وموظفي حملته.

من نافل القول إن ترامب لا يحظى بنسبة تأييد معتبرة داخل تجمعات السود، ومعظمهم يعتبرونه من أشد المتعصبين والعنصريين والذي لا يفوت فرصة أو مناسبة دون إهانة وتحقير السود والأقليات الأخرى.

بالمقابل، لم تفلح جهود المرشحة كلينتون بحشد السود أو الناخبين البيض للحظة بينما تجرأ ترامب على مخاطبة خصومه طمعا في التأييد. وووجه ترامب انتقادا قاسيا لكل من الرئيس أوباما والمرشحة كلينتون "لفشل سياساتهما في تحسين أوضاع السود طيلة الأعوام الثمانية الماضية."

مهرجانات ترامب الخطابية "ناصعة البياض" بدأت تشهد حضورا رمزيا لبعض الرموز الدينية من السود، كما شهدنا مطلع الأسبوع في مدينة أوستن بولاية تكساس، وأثمرت جهود الاستقطاب بحضور عدد أكبر من السود في اللقاء المذكور، للدلالة على صوابية نظريته بأن السود بغالبيتهم ليسوا في صف المرشحة كلينتون.

خطاب ترامب بدأ يلقى بعض التجاوب بين صفوف المهمشين والعاطلين عن العمل خاصة لانتقاداته القاسية لسياسات "عولمة التجارة" التي أدت إلى إقصاء المزيد عن سوق العمل وهروب الرأسماليين خارج الولايات المتحدة طمعا في جني معدلات أعلى من الأرباح. يشار إلى أن حالة الاقتصاد والرفاه الاجتماعي تحتل أهمية بلغت نسبتها نحو 40% بين صفوف السود بشكل خاص.

تصريحات ترامب لها ما يبررها وإن كان صاحب الرسالة لا يتمتع بمصداقية عالية. بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، وصف تردي الأوضاع الاجتماعية واالاقتصادية بين صفوف السود بأنها نتيجة "وباء الغش والخداع،" في أعقاب إنهيار سوق العقارات عام 2008.

حقيقة الأمر أن ترامب ليس بحاجة لكسب نسبة معتبرة من أصوات السود ليحقق الفوز، وما عليه إلا التأثير على قطاع ضئيل لكسب تأييده لا يتعدى حجمه 2-3%، وهي النسبة التي اصطفت لجانب المرشح الجمهوري ميت رومني سابقا.

أشار استطلاع حديث للرأي أجرته "جامعة اتلانتيك فلوريدا" إلى تأييد نسبة 20% من الناخبين السود في الولاية للمرشح دونالد ترامب؛ بالمقابل نال ميت رومني تأييد 4% فقط من السود هناك. أما المرشحة كلينتون فقد نالت تأييد نسبة 68% من أصوات السود في فلوريدا، وفق الاستطلاع أعلاه . بل إن ترامب تقدم على منافسته كلينتون بنسبة 43% مقابل 41% في فلوريدا.

الأوساط المقربة من ترامب ترجح نجاح مرشحهم في كسب تأييد نسبة "كبيرة" من أصوات السود "الأكبر في تاريخ الحزب الجمهوري" الحديث، وقد تبلغ ازيد من 15%  وربما تقترب من 20%. تعليل الفرضية يستند إلى "عدم تقيد" المرشح بتقاليد المؤسسة وميله لتسمية الأشياء باسمائها "مهما كانت قاسية وصادمة،" وفق رواياتهم المتعددة.

 ------------------------------------------------------------------------------------

*مدير الدراسات العربية والأمريكية

المصدر: www.thinktankmonitor.org