الأحد 17 كانون1/ديسمبر 2017
TEXT_SIZE

أمسية تأبين وتكريم للدكتور فرحان باقر

 
أقامت "مكتبة الحكمة" في منطقة العاصمة واشنطن  أمسية تأبين وتكريم للراحل الدكتور فرحان باقر أحد رواد الطب في  العراق.
وبحضور نخبة من الأطباء وأبناء الجالية العربية، قدم الأستاذ الدكتور عبدالهادي الخليلي والدكتور عامر صالح صائب الجبوري سيرة ومسيرة الراحل فرحان باقر. وشارك عدد من الحضور في تقديم شهادات وذكريات عن الراحل فرحان باقر كان بينهم سعادة سفير العراق لدى الولايات المتحدة الأستاذ  فريد ياسين  والدكتور الرائد حكمت الشعر باف والدكتور شوقي العطار وآخرين. 
افتتح الأمسية صاحب "مكتبة الحكمة" السيد ضياء السعداوي الذي يواصل جهوده في إقامة الأماسي الثقافية بهدف تمتين العلاقات بين أبناء الجالية العربية والتعريف بالمنجز الثقافي العربي والشخصيات التي كان لها دور  بارز في نهوض بلدانهم في الحقول العلمية والمعرفية.  ويكرس دور وسعي المكتبة الحثيث في المحافظة على الآرث الثقافي والمعرفي العربي عبر نافذة المكتبة الالكترونية في تزويد أبناء الجالية العربية والمواطن الأمريكي والمؤسسات البحثية والأكاديمية والجامعات بالمطبوع والكتاب العربي.
 
وينشر موقع "صوت الحكمة" نص كلمة السيد السعداوي، للاطلاع على ماورد فيها من نقاط مهمة عن مسيرة الراحل الدكتور فرحان باقر .
السلام عليكم جميعاً أيها الأخوة والأخوات الأفاضل
أشكر الجميع على حضورهم هذه الأمسية الخاصة من أنشطة مكتبة الحكمة الفكرية والثقافية وذلك لتكريم وتأبين علم وقامة كبيرة من أعلام العراق العلمية والطبية ولما قدمّه من جليل عمله عبر رحلة تسعين عام. وعندما نقول علم من اعلام العراق هذا الشرف والوسام الكبير الذي أستحقه بكل جدارة، وسوف نوضّح حجم المسؤولية لرفع مثل هذا المشعل الحضاري ممن سبقوه منذ فجر التاريخ ودور الأنسان العراقي فيه. وأترك الحديث عن حياته المهنية والطبية والأكاديمية الى عالمين جليلين وطبيبين كبيرين من تلامذة المرحوم يفتخر العراق بهما أيضاً لما قدماه في مجال الطب والعلم بمجال تخصصهما وهما الدكتور عبدالهادي الخليلي، أخصائي جراح في الأعصاب والجملة العصبية وأكاديمي طبي، والدكتور عامر صالح الجبوري أخصائي جراح في الكلى والمجاري البولية والتناسلية والعقم والسرطان وأكاديمي طبي. عَرفَ الدكتور باقر بعمق معنى الأنتماء للعراق وحضارته وإن الإنتماء ليس بالهوية فقط بل هو مسؤولية تاريخية بالمحافظة على ما تركه لنا الأجدادا بكل فخر وأجلال وأعتزاز وبأستمرار العطاء للأنسانية والحضارة من علم ينفع الأنسان أينما كان. 
كان الدكتور فرحان نعم الأبن البار لهذا الوطن فكان النموذج والقدوة وكان أكبر من السياسة والعاطفة الطائفية السلبية والمدينة. كان أبناً للعراق بكل قومياته وأديانه وطوائفه ومدنه. فسبيكة الصلب والفولاذ أقوى من الحديد، وهذا ما يجب أن يكون عليه حال المجتمع العراقي والمواطن لأن العراق عظيم وكبير وكان مهداً ومرقداً لمعظم الأنبياء وسبعة من أئمة وأولاد بيت الرسول وأئمة الفقه أبتداءاً بالنبي آدم وأبراهيم وهود وصالح ونوح ويونس وعزرا وذا الكفل والعزير وشيت وجرجس ودانيال وغيرهم. ويعتبر مركز الديانة الصابئية المندائية والأيزيدية وإن الإمام علي أختاره مركزاً للخلافة الأسلامية في الكوفة وأنشأ أول نظام حكم ديمقراطي أسلامي فيه، وبعدها كان مركز للخلافة العباسية في بغداد وأثنان من أئمة الفقه الأربعة هما أحمد بن حنبل وأبو حنيفة النعمان وقطبين من أئمة الصوفية هما أحمد الرفاعي والشيخ عبدالقادر الكيلاني. وإن أشهر مدرستين للغة العربية موطنها العراق وهما مدرسة الكوفة والبصرة. وكان أكبر بلد قدم للأمة من علماء وفلاسفة وشعراء ومفكرين منهم على سبيل المثال لا الحصر أبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد والحسن البصري والمتنبي والجاحظ والكندي وأبن الهيثم وأسحاق الموصلي وزرياب والزهاوي والرصافي والصافي النجفي والجواهري ونازك الملائكة والسياب والنواب والدكتور علي الوردي وغيرهم بالألوف. أما أقتصادياً فهو أكبر بلد منتج للتمور وبلد الرافدين دجلة والفرات وفي الثروة المعدنية فيه أكبر أحتياطي للنفط بالعالم وفيه الغاز واليوانيوم والفوسفات وغيرها من المعادن. وكذلك أكثر من ثلاثة الآف عالم معترف بهم عالمياً في كافة الأختصاصات العلمية والأنسانية. ونعود للتاريخ حيث وِسم الأنسان العراقي قبل التاريخ بأنه أول من أستعمل النار وصنع عدة العمل وبناء المساكن وصناعة القوراب والنقل النهري ونظام الري وصناعة الأسلحة والفخار والنسيج والزجاج وأبتكر الزراعة وتربية الحيوان وأخترع العجلة وصك النقود وصنع الآلآت الموسيقية وبه سُجّل للأنسان العراقي بداية كتابة التاريخ بأبتكاره الكتابة المسمارية متجاوزاً للجنس البشري مائتين الف عام من النطق فقط الى كتابة ما يفكر وبذلك بزغ فجر الحضارة الأنسانية الأولى في سومر وأكد وأشور. وكذلك كان العراقي حمورابي أول من سّن وشرّع القانون والذي كان نواة للدساتير لتنظيم حقوق وواجبات المواطن وبهذا المسار الأنساني الحضاري، وكانت البداية للأنسان الأدمي بمفارقة الأنسان الحيوان. ووصولاً الى المأمون العباسي ذو الريادة في ترسيخ مدرسة العقل والعدل في الفلسفة الأسلامية من خلال مدرسة الأعتزال وكان بحق أول رجل عولمة في التاريخ بتقبله كل علم وفلسفة نافعة من أي أمة وتطويرها ونشرها الى كافة أمم الأرض في زمانه من خلال بيت الحكمة وعملية الترجمة لكل الأنتاج الفكري والحضاري الأنساني من الأغريق والرومان وبلاد فارس والهند والصين الى العربية ومن ثم نسخه ونشره كأشعاع لكافة العلوم والفلسفة الى كل أمم الأرض وهذا ما أستفادت منه أوروبا بإعادة أكتشاف فلاسفتهم مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من جديد وكانت بداية الثورة الفكرية الأوربية الغربية بتحررها من سطوة الكنيسة على العلم فكانت الأنطلاقة الحضارية الى ما وصلت اليه اليوم. وعندما ننظر الى واقعنا اليوم مع عدم التعميم لأنه في كل شعب ودين ومذهب يوجد الصالح والطالح، الخيّر والشرير، الذكي والأحمق. السؤال الأصعب ما هو أسوأ مما تمر به الأمة العربية اليوم ليس النكسة والنكبة على الصعيد العسكري والسياسي والثقافي والفكري والحضاري بل هو أهتزاز المثل والقيم ومنظومة الأخلاق في بنية الأنسان بترتيب وتقييم سلّم الأوليات والذي بدونه لا يمكن لأي أمة وشعب أن يفيق من سباته وأن يستعيد توازنه ويرتقي من جديد سلّم النهوض والرقي الحضاري مع باقي الأمم. 
وعموماً الأذكياء منهم من يستخدم ذكائه في الخير والبناء وإعلاء القيم والمبادئ مثل الدكتور فرحان باقر الذي سخّر كل حياته وذكائه وطاقته لبناء صحة الأنسان وفق مقولة العقل السليم في الجسم السليم. فنذر نفسه لهذا الهدف النبيل ليس فقط في معالجة المرضى وأنقاذ حياتهم بل بترسيخ وبناء مناهج علمية حديثة لخلق مؤسسات طبية وكادر طبي حديث وفق مناهج ارقى الجامعات العلمية البريطانية والعالم للكليات الطبية والمؤسسات والمستشفيات الطبية في العراق. أو هنالك من يستخدم ذكائه مع الأسف في الشر والهدم والعاطفة السلبية.  
* ويسجّل للدكتور فرحان باقر عبر رحلة عمره خلال 90 عاماً كان شعلة من الذكاء المتوهج لعمل الخير والبناء كعَلَم عراقي وقامة كبيرة في عطائه وعلمه وخلقه ومعرفته البناءة كطبيب أنقذ حياة عشرات الألوف من المرضى وتخرج على يده ألوف من الأطباء الكبار الذين هم الآن علماء في أرقى الجامعات ومستشفيات العالم. وكان المثال في المحافظة على قسم أبي قراط في ممارسة قدسية وأخلاقية مهنة الطب في التفاني وصون حياة وكرامة واسرار المريض، معطاء لا يبخل بعلمه وعمله وبدون حدود الى من يصغره مهارة وخبرة. لذا كان محط إعجاب ومحبة أساتذته وزملائه وطلابه ومرضاه الذين تسابقوا في الحصول على فرصة العلاج على يده من المواطن البسيط الى زملائه في العمل والكثير من أصحاب المسؤوليات من أساتذة وعمداء ورؤساء جامعات ووزراء وأخيراً كان حكيم الحكام حيث كان الطبيب لحكام العراق منذ فترة عبدالكريم قاسم عام 1958 وعبدالرحمن البزاز وعبدالرحمن عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين ولغاية تقاعده عام 1979 وبعدها أنتقل خارج العراق ليواصل عطاؤه في أي بلد يحل فيه سواء في امريكا أو أوربا أو دول الخليج.
* الدكتور فرحان عميق الجذور وشديد الأنتماء لعراقيته وعروبته حيث فور تخرجه من كلية الطب عام 1948 أُستدعي لخدمة العلم "الخدمة الألزامية العسكرية" كضابط أحتياط في مجال تخصصه الطبي أصر أن تكون خدمته ضمن قطعات الجيش العراقي الذاهبة الى فلسطين وقدم هنالك كل ما لديه من علم وطاقة لهذا الواجب المقدس والهدف النبيل.
* أما سياسياً فالبرغم من حبه وأيمانه بالقيم الوطنية العليا ألا أنه لم ينجرف سياسياً الى التيارات العاصفة من أقصى اليمين الى اليسار بتقلباتها وسلبياتها لذا فضّل أن يكون مستقلاً ومركزاً طاقته نحو العلم كسلاح في خدمة الوطن والأنسان والأهداف النبيلة. 
* وعندما نقف اليوم بكل فخر وأعتزاز وعرفان أمام علم العراق الدكتور فرحان باقر، نحزن اليوم أيضاً أمام حالات سلبية أخرى في العراق أنزلقت في الأرهاب والتطرف أو ممن غرقوا في الفساد المالي والتخلف الفكري أو الأهتزاز في الثقة في النفس وعدم أحترام أنفسهم وتاريخ بلدهم، وهي أيضاً رسالة لمراجعة الذات والعودة الى البوصلة الصحيحة بتحديد الهدف الصحيح والأسمى الذي سار عليه أبناء العراق الشرفاء كالدكتور فرحان للمحافظة على أرث وتاريخ العراق من جهة ومواصلة العطاء والبناء الأنساني من جهة أخرى.
* كتب ونشر المئات من البحوث ذات القيمة العلمية في حقل أختصاصه وتوّجها في أواخر أيامه بخلاصة تجربته لأكثر من سبعين سنة في العمل بأختصاصه كطبيب وأكاديمي وتربوي وعالم وباحث ومؤرخ بكتابين مهمين أثريا المكتبات العربية وهنا كنت محظوظاً بالتعرف على المرحوم عن قرب من خلال التحدث معه هاتفياً عدة مرات حول كتبه وهو خارج امريكا. فكان بحق حالة متميزة كان أخر همّه الربح المادي بل كان يرغب أن يصل العلم والخبرة والتجربة والتاريخ الموجود في هذه الكتب الى أكبر شريحة من الناس والمتخصصين فوجدت لديه إضافة الى الخصال الراقية من خُلق وأدب وتواضع مع الثقة في النفس وكرم في كل شيء في حياته كما ذكرنا وبعد وفاته كذلك، ومنها هذا اللقاء الخيّر الذي يجمعنا هذا اليوم وأكاد أشعر وكأن روح المرحوم ترفرف وهي فرحة وسعيدة بهذا اللقاء مع أهله وأخوة وأصدقاء وزملاء وطلاب له. فكان بحق شعلة تضيء كل ما حوله وكان هذين الكتابين من الكتب النفيسة التي تفتخر مكتبة الحكمة بأقتناء هذه الكتب وهما الأول "حكيم الحكام من قاسم الى صدام" والثاني "لمحات من الطب المعاصر في العراق" والذي يُعد بحق من أفضل الكتب مصداقية التي أرخّت تاريخ الطب في العراق منذ فجر الحضارة الأنسانية وحتى عصر العراق الحديث.
وفي الختام لا يسعني الا أن أكرر شكري وأمتناني للجميع وفي الخصوص من حضر من عائلة المرحوم وكذلك الى الدكتور عبدالهادي الخليلي والدكتور عامر الجبوري على ما سوف ينورانا به من ذكريات وتاريخ يربطهما مع المرحوم. وشكرا
ضياء السعداوي
=============
وللاستماع إلى كلمات المتحدثين والشهادات المقدمة من الحضور عن شخصية الراحل الدكتور فرحان باقر. يمكنكم متابعة الرابط التالي: