الأربعاء 20 أيلول/سبتمبر 2017
TEXT_SIZE

"الأمير عبد الإله الوصي علي عرش العراق" حياته ودوره السياسي

 
 
أقامت مكتبة "الحكمة" في العاصمة الأميركية واشنطن أمسية ثقافية لتوقيع كتاب "الأمير عبد الإله بن علي الهاشمي- الوصي على عرش العراق- حياته ودوره السياسي - حقائق تنشر لأول مرة" تأليف المحامي الدكتور غزوان محمود غناوي.
وكانت كلمة صاحب مكتبة "الحكمة" الأستاذ ضياء السعداوي، في بداية الأمسية، قد أبرزت أهمية تدوين التاريخ وإعادة قراءته بموضوعية وعلمية للاستفادة من دروسه في بناء مجتمع واع ومدرك لمشكلاته وتحدياته الراهنة. لافتا إلى ضرورة الابتعاد عن فكرة التقديس والمقدس عن الكثير مما جاء في كتب التاريخ.
وأشار السعداوي في كلمته إلى حالة الاحباط وفقدان الأمل التي يعيشها الكثيرون بسبب تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية فضلا عن تراجع ملحوظ في مستوى التعليم والصحة والقضاء. 
ويحرص موقع "صوت الحكمة" على نشر كلمة السيد ضياء السعداوي للاستفادة مما ورد فيها بالإضافة إلى أهمية توثيق هذه الأماسي في إطار تقوية العلاقات بين أبناء الجالية العربية والتعريف بالمنجز الثقافي العربي. 
السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات الأعزاء
نلتقي اليوم من جديد في مكتبة الحكمة ضمن موسمها الثقافي والفكري في أمسية متميزة ... حيث تجمّع في رجل واحد رصيد متراكم من الأصالة والتاريخ والعلم والسياسة والقانون .... نلتقي اليوم مع المحامي الدكتور غزوان محمود غناوي الزهيري وهو من نخبة الرجال الذين أعتز بصداقتهم لما يتمتع به من صفات وخصال حميدة. على الصعيد الأنساني الشخصي هو الصديق المخلص ومن نخبة الرجال الذين سبق وأن تحدثنا عنهم في مرات سابقة لكونه لم يكتفي بما لديه من أرث وأن يقول كان أبي. فأبوه كان من أعلام العراق التربويين؛ الدكتور محمود غناوي الذي أوفد الى القاهرة عام 1939، وهو رواد الرعيل الأول ليكمل رسالة الدكتوراة، وعيّن فور عودته أستاذا في الجامعة، ودلاس في العديد من الكليات. وعيّن عميداً في جامعة بغداد حتى عام 1971. وتقلّد والد الدكتور غزوان مواقع ادارية قيادية في قطاع التربية بينها مدير عام التعليم العام في وزارة المعارف العراقية. وأسس وأصلح في النظم التعليمية، وتخرج على يده علماء ومفكرين وأدباء وتربويين عراقيين. 
ضيفنا الدكتور غزوان لم يكتف بهذا الرصيد الأسري بل كان خير خلف لخير سلف، فسيرته العلمية تدل على ذلك فضلا عن مرافقة والده في مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث على سبيل المثال الأضرابات والأضطرابات الطلابية التي سبقت انقلاب ثمانية شباط 1963. 
ولد المحامي الدكتور غزوان محمود غناوي الزهيري في بغداد عام 1943م. كانت دراسته في المراحل الأولى، مدرسة تطبيقات دار المعلمين الابتدائية في الأعظمية، ومتوسطة الأعظمية للبنين, وثانوية المقدادية للبنين في محافطة ديالى. تخرج من كلية الحقوق - جامعة بغداد في عام 1965م. مارس مهنة المحاماة بعد تخرجه من الكلية مباشرة، ثم دخل كلية الضباط الاحتياط وبعد أن أنهى خدمته العسكرية عاد لمزاولة المحاماة وقد قضى فيها أكثر من نصف قرن.   
سافر الي القاهرة لإكمال دراسته العليا وحصل علي شهادة الماجستير في القانون من جامعة عين شمس، ثم نال الدكتوراة في القانون المدني من جامعو لاهاي في هولندا. لقد تخصص بدعاوى القانون المدني وعلى نحو خاص الدعاوي المتعلقة بالملكية العقارية. وقد نشر كتبا تعالج المشاكل المتعلقة بالعقارات لعل أبرزها كتاب (أزالة شيوع العقارات) الذي لقي رواجآ في العراق والأردن وفلسطين. وكذلك تناول ادارة المال الشائع وإجراءات التنفيذ العيني الجبري في نقل حق الملكية العقاري، وقد ناقش في هذا الكتاب المشاكل التي  تواجه صاحب العقار الذي باع عقاره لآخر الذي لم يتم إجراءات نقل الملكية. واقترح الدكتور غزوان الكثير من الحلول من خلال تعديل بعض النصوص القانونية أو تشريع نصوص جديدة.
وشغف الدكتور غزوان بالتاريخ وخصوصا تاريخ العراق الحديث الأمر الذي دفعه إلى الكتابة عن فترات عاصرها عبر البحث والتقصي عن وقائع وأحداث بعينها. وأصدر في هذا المضمار (لمحات من الماضي القريب من تاريخ العراق) و( الأمير عبد الآله الوصي علي عرش العراق). وينتظر باصدار كتب أخرى (ملوك العراق)، (السياسي المعتد بنفسه صالح جبر) و(السياسي المفتري عليه طاهر يحيي).     
في الواقع، كلنا ثقة باخلاص الدكتور غزوان وحبه للعراق، وهو يأمل بالعراق كوطن ودولة وبلد تاريخ وحضارة، أن ينعم بالقانون والعدل وأن ينعم جميع مواطنيه بحقوقهم الدستورية والانسانية. 
 قد لا تتطابق وجهات النظر في قراءة بعض الواقائع والأحداث من التاريخ، لكننا نؤكد ونصّر بأن العراق الذي لديه أبناء مخلصين أبرار مثل الدكتور غزوان سوف لم ولن يُخذل أو ويموت ويخرج من دائرة التاريخ كما يتمنى له أعداءه. 
سبق وأن تحدثنا عن حالة الإنهيار التي تعصف بالمجتمع العربي والتي ترتبط بأسباب داخلية وخارجية الأمر الذي يجعلنا أمام امتحان وخيارين لا ثالث لهما. هل نحن مع التسليم بموت جسد الأمة؟ أم الرهان على عودة الروح لها؟. 
وكل حالة لها أسبابها وعلاجها وهذا يقودنا الى سؤال قديم جديد؛ هل نؤمن بالله الخالق ايماناً وحباً بعظمة خلقه ورحمته وعدله، وجعل لنا كل شيء من قوانين وقيم وخُلق ومُثل أنسانية لتنظيم الحياة وسخّرها للخير والسعادة والبناء؟. أم نتبع ما يريده الله خوفاً من العقاب والبلاء في الدنيا وجهنم في الأخرة؟. وهذا أيضاً يرتبط بالقانون والمُثل والقيم والأخلاق. هل نلتزم بها حباً إيماناً لأنها سنّة الخير لنا والحياة السعيدة الخيّرة البنّاءة؟ أم نحن نلتزم بالقانون والقيم الأخرى خوفاً ورهبة من العقاب سواء من الدولة أو المجتمع؟ 
 ليس هناك أدنى شك أن نسبة من أي مجتمع ودولة وهبها الله العقل والحكمة والذكاء الإيجابي بأن تؤمن وتحب الله مقتنعة مختارة بقوانينه الألهية والقوانين المدنية للمجتمعات المتحضرة وتلتزم بها أيماناً وقناعة وحباً وأختياراً وليس خوفاً ورهبة. لكن هناك دائماً نسبة، مهما كانت قليلة أو كثيرة من المجتمع، تفهم الأيمان بالله خوفاً من جهنم وتلتزم بالقانون خوفاً من العقاب لا ايماناً وحباً واختيارا. وهذه النسبة تعد وفق العلم، بأنها أشبه بالفايروسات التي تُصيب الجسد ولابد من معالجتها بطرق عدّة سواء بتقوية مناعة الجسد أو مكافحتها مباشرة والقضاء عليها كي لا تُصيب باقي الجسد بالعطل أو الموت. نعم هذا هو حال المجتمعات العربية من المغرب وحتى المشرق، كلها تعاني من أفات وأمراض وإن تعددت الأسماء والأسباب فالحال واحد، ألا وهو احتضار الجسد العربي. فبلدان تواجه صراعا أثنيا أو قبليا أو مناطقيا أو دينيا أو طائفيا. وقد وصل الحال في بلدان إلة ماهو أخطر من انتشار مخاطر التطرف والتكفير والقتل على الهوية بكل بشاعة، كذلك تصاعد وتيرة الارهاب بكل أشكاله والفساد بكل ألوانه ابتداءاً بالمادة والادارة ووصولاً إلى كل مفاصل المجتمع. وكلما ضعفت الدولة والقانون، قل الخوف من العقاب. وكما قيل ( من آمن العقاب أساء الأدب). وبالتالي ازداد الإنحدار والإنهيار وكثرت الأمراض والآفات الأجتماعية حتى وصل الحال أن الكثيرين قد أصيبوا بالإحباط وفقدان الأمل بالمستقبل. فأصبح أسير وهم المقارنة بأن اليوم أسوأ من الأمس والأمس أسوأ من الذي قبله فوصل إلى أن يكون أسيراً للتاريخ ولفترة رومانسية السلف. نعم كان السلف قدوة صالحة لكن هم رجال ونحن رجال. كانوا أبناء عصر وفترة لها خصوصيتها وأعرافها وقوانينها، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. لم يكونوا أنبياء بل أجتهدوا، أصابوا وأخطأوا، والذي يقول غير ذلك فقد انحرف عن الصواب، وأصبح عبداً لهؤلاء القدوة وليس لله. إن الله يخاطب سيد البرية النبي محمد (ص) في محكم كتابه: " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ..... " الاية 110 من سورة الكهف. 
وهكذا نرى من ينكر التاريخ ويرفضه تماماً أو يلتصق بالتاريخ حتى التقديس. وكلا الطرفين جانبه الصواب. كلنا يعرف التاريخ يكتبه المنتصر والقوي، لكن هناك ما حفظته الأجيال والشعوب من تاريخ غير مكتوب. يصبح التاريخ مهما فعلا فيما إذا أخذت منه العِبر وكل ما هو إيجابي في بناء المجتمع، والحكيم من يدرس التاريخ ويبني على حجر سليم، ويواصل قدماً بخطوات صحيحة نحو الهدف، وأن يمتلك البوصلة للكشف عن الخطأ والعيب، وأن يصلح ما يمكن اصلاحه أو على الأقل لا يكرر نفس الأخطاء، وأن لا يضع نفسه في خانة الأحمق. فالتاريخ كالمرآة لا تسير أو تقاد أي مركبة سيارة بدونه إلى الأمام، فلابد من النظر إلى الخلف بين الحين والأخر لتصحيح الاتجاه والتأكد من سلامة الطريق. 
ولهذه الأسباب الناتجة عن السؤال السابق الذي طرحناه حول الأيمان بالله والقانون هل هو ناتج عن قناعة أو خوف. فإذا كان عن قناعة وحب وعقل وذكاء ايجابي كان الجسد سليم ومعافى ويتسابق في العطاء إلى البناء السليم، أما إذا كان عن خوف وتغييب للعقل وتغليب الغرائز الحيوانية فكانت بداية الانهيار والاحتضار لهذا الجسد. إذن لابد لكل فرد من مراجعة الذات بالقراءة الدقيقة والربط بين الأمس واليوم والمستقبل، والانحياز للعقل والحق والحكمة والحب لله أولاً والإنسان الأخر ثانياً والعمل البنّاء الإيجابي لأنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى شاطئ وبر الأمان. 
في الختام أكرر شكري وأمتناني للدكتور غزوان على الجهود الخيرة في عطائه الفكري والقانوني من خلال كتاباته وعطائه عبر مسيرة زاخرة بالنجاح. وأتمنى له وللجميع أمسية نافعة ومفيدة وأترككم مع الأخ الاستاذ أحسان الخالدي لإدارة الندوة. 
 
ضياء السعداوي
12 آب - أغسطس 2017