الأحد 19 تشرين2/نوفمبر 2017
TEXT_SIZE

دعاء الشرق : وقفة تأمّل

" رائعة هي كلمات الشاعر  محمود حسن اسماعيل، وخلود لحن وضعه وغناه الموسيقار محمد عبد الوهاب قبل اكثر من ستين عاما".

لقد كان دعاء الشرق الجميل قد سمعناه طويلا .. نحن جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي عاش خصب حياته في النصف الثاني من القرن العشرين.. لقد كانت قصيدة رائعة محفّزة، ولكنها توهم الناس بجعل الأخيلة حقائق ثابتة، وكان الناس قد آمن معظمهم بمبادئ كانت أساسية في تفكيرهم .. ولما توالت النكبات والهزائم.. هربوا منها نحو  أخيلة وأوهام من نوع آخر، ولم يفكروا أبدا بواقعهم، وما الذي يمكنهم أن يعملوا من أجله .. لقد استلبت تلك المعاني من قبل الأحزاب القومية على مدى ثلاثين سنة، وعند العام 1979، بدأت تلك المعاني تسحقها أحزاب الاسلام السياسي واتجاهاته القاتلة . 

إن دعاء الشرق ستحلق بنا في أجواء مشحونة بالكرامة والتمجيد والمفاخر، وإن كلماتها ولحنها معا تجعل الانسان اليوم يتأسّى كثيرا لما كان عليه الحال قبل ستين سنة .. دعونا نتوقف قليلا عند صاحبها الشاعر الرائع وموسيقارها الكبير ونسمعه بصوته.

وقفة عند الشاعر

ولد الشاعر المصري القدير محمود حسن إسماعيل في بلدة النخيلة بمحافظة أسيوط  2 يوليو - تموز  1910، وتوفي في الكويت  25 أبريل - نيسان  1977، ونقل جثمانه ليدفن في مصر، وكان قد تخرج في كلية دار العلوم، وقد نبغ في الشعر نبوغا مبكرًا واستقطب  أدبه الشباب، وأصدر ديوانه الأول وهو طالب سنة 1935 بعنوان "أغاني الكوخ" وبعد ثلاثين سنة من الابداع، نال جائزة الدولة في الشعر سنة 1965 على عهد الرئيس عبد الناصر. غنى له العديد من الفنانين، وفي مقدمتهم الموسيقار محمد عبد الوهاب قصيدة "النهر الخالد".

وتغنّى ببغداد  في قصيدة "بغداد يا قلعة الأسود" التي غنتها السيدة أم كلثوم، وقصيدة "نداء الماضي" التي غناها الفنان عبد الحليم حافظ، وأنشودة "يد الله" للمطربة نجاح سلام و"الصباح الجديد" التي غنتها الفنانة فيروز.

إن أعمال محمود حسن إسماعيل تتمثل في القصائد والأشعار في دواوين، هي:  أغاني الكوخ 1935، هكذا أغني 1937، الملك 1946  أين المفر 1947، نار وأصفاد 1959، قاب قوسين  1964، لا بد 1966، التائهون 1967، صلاة ورفض 1970، هدير البرزخ 1972، صوت من الله 1980، نهر الحقيقة 1972، موسيقى من السر 1978، رياح المغيب، نشرته دار سعاد الصباح لأول مرة عام 1993.

عمل محررا ومساعدا للدكتور طه حسين في المجمع اللغوي المصري، كما عمل مستشارا ثقافيا في الإذاعة المصرية، وتقلد منصب مدير عام البرامج الثقافية والدينية ورئيس لجنة النصوص في الإذاعة المصرية. وأنشأ محطة القرآن الكريم وجمع تسجيلات الشيخ محمد رفعت وحفظها.  وأخيرا عمل مستشارا في لجنة المناهج بوزارة التربية في الكويت التي توفي فيها عام 1977.

الذي يقرأ أشعاره يجده من التقليديين المجددين المتأثرين بجماعة شعر أبولو الشهيرة، وهو رومانسي النزعة مع التزام ديني .. خياله خصب وعاطفته مشبوبة ويرسم الأوهام حقائق، إنه يعبّر عن مرحلة تفكير غير واقعية في مرحلة تاريخية كان الناس يعتقدون أن الأحلام تتحقق أو هي متحققة في أذهانهم ..

نص " دعاء الشرق "

لقد اهتم الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب بهذا " النص" ، وخرج مبدعا في تلحينه لحنا رائعا وقام بأدائه بنفسه. إنه " نص " يلائم تلك المرحلة التاريخية الصعبة التي خرج منها العرب عند منتصف القرن العشرين. وقد تأسست اسرائيل في قلب فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية .. ونضوج الفكر ة القومية التي كان العرب يهيمون بالأهداف التي رسموها لهم. وبروز جيل جديد يسعى إلى التحرر والتقدم بوسائل مختلفة.

لقد قسّم عبد الوهاب اللحن الذي أعده لغناء هذه القصيدة إلى ثلاثة كوبليهات .. أستطيع أن أصف الكوبليه الأول بأنه  تمجيدي يحكي قصة العرب في الشرق وانتقالهم من الظلام إلى المجد، ولكن يحفز، ويغنيها عبد الوهاب بحركة هادئة متسلسلة مكررا إياها:

يّا سَمَاءَ الشَّرقِ طُوفِي بِالضِّيَاءِ وَانشُرِي شَمسَكِ فِي كُلِّ سَمَاءِ

ذَكِّـرِيهِ وَاذكُـرِي أيِّامَهُ بِهُدَى الحَــقِّ وَنُـــــــــورِ الأنبِيَــــاءِ

كَانَــتِ الدُّنيــــَا ظَلامًا حَـــولَهُ وَهوَ يَهدِي بِخُطَاهُ الحَائِرِينَا

أَرضُــهُ لَم تَعــرِفِ القَيـــدَ وَلا خَفَضَت إلا لِبَارِيهَا الجَبِينَــا

كَيفَ يَمشِي فِي ثَرَاهَا غَاصِبٌ يَملأُ الأُفــقَ جِرَاحًا وَأنِينَــا

كيف من جناتها يجنى المنى ونرى في ظلها كالغرباء

ثم الكوبليه الثاني يبدأ التساؤل عن الرايات وهي تزحف عبر التاريخ وكأنها قادمة من أعماق العصور الوسطى يحملها المنتصرون، وكانت خفاقة في الشهب ..  كلمات مشبوبة تحكي إلى أين وصل العز والبأس والكلّ يمشي وراء ذلك .. وصاغ عبد الوهاب هذا الكوبليه كأنه مارش عسكري يحتاجه الشباب في اندفاعهم نحو بناء الحياة، وهو تصويري لزحف غاضب كبير نحو الغاصبين الذين ملأوا الأفق جراحا وأنينا، ويغني عبد الوهاب:

أيها السائل عن راياتنا   لم تزل خفاقة في الشهب

تشعل الماضي و تذكي ناره   عزة الشرق و بأس العرب

سيرانا الدهر نمضي خلفها   وحدة مشبوبة باللهب

أمماً شتى و لكن العلى    جمعتنا أمة يوم الندا

ثم يأتي الكوبليه الثالث ليحكي لنا قصة الحاضر، ويتخيل وحدة الشعب وانبعاثه من جديد في طريق واحد .. ويفترض الهدى والحق والإباء وميثاق العهد .. لكن الشاعر يتخيل أنه كان يحلم في نومه، وقد شقّ الفجر، واشرقت الشمس وينتهي بأجمل صورة بأن ذلك الفجر  الذي كان مقيدا بدمائنا، وأن جذوتها قلوب الشهداء الذين ضحّوا من أجل مبادئ وقيم عليا .. أخذت بالاضمحلال هذا اليوم في الحقيقة ويا للأسف .. فهل كان الحلم مزيفا ؟ أم كان الناس يعيشون أوهاما ويصدقونها ؟ كل ما حدث ويحدث لا يترجم أبدا تلك " الصورة " المثالية التي تربينا عليها قبل خمسين سنة !

نحنُ شعبٌ عربيٌ واحد ضمّـــه في حَومة البَعث طريقٌ

الهُدَى وَالحَقُّ مِن أعلامِهِ وَإبَاءُ الرُّوحِ وَالعَهـــدُ الوَثِيــقُ

أَذَّنَ الفَجــــرُ عَلَى أيَّامِنَــا وَسَرَى فَوقَ رَوَابِيهَا الشُّــرُوقُ

كُلُّ قَيــــدٍ حَولَهُ مِن دَمِنَــا جَذوَةُ تَدعُـــو قُلُوبَ الشُّــــهَدَاءِ

وأخيرا أقول بأن كلمة "البعث" التي استخدمها الشاعر، لم يقصد بها حزب البعث، بل كان يقصد الإنبعاث من الموت إلى الحياة. كلاهما الكلام واللحن يعبران عن روح عصر نهضوي جديد، ومن دون أن يدرك الشاعر أن الشعب لم يكن واحدا، ولكنه " دعاء " خذل من قبل أهله قبل أن يكتسحه الآخرون لنصبح غرباء في بيوتنا وفي أطراف هذا العالم بعد مرور ستين سنة على حلم ذلك الزمن الجميل.

--------------------------------------------------------------------------------------------

نشرت على موقع الدكتور الجميل:

www.sayyaraljamil.com

https://www.youtube.com/watch?v=DmqqUE9HVNI