الإثنين 27 آذار/مارس 2017
TEXT_SIZE

عن الجالية العربية في أميركا.. وأين "اللوبي العربي"!

 

بداية أشير إلى خصوصية تتصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية الذين هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد لكن يقوم على أصول ثقافية متعددة.

ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهم بنظر المجتمع الأميركي – وحتى المنطقة العربية- "جالية واحدة" بينما واقع الأمر أنهم يتوزعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافة طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.

ورغم مضي أكثر من قرن على بدء الهجرة العربية لأميركا، فإن واقع العرب في أميركا أستمر كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكل عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة "الأمة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وبناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم. ولعل "النموذج الأميركي" في كيفية فهم "الهوية الأميركية" واستيعاب هذه الهوية لتنوع ثقافي وإثني وديني هو ما تحتاجه البلاد العربية في تعاملها مع مسألة الهوية العربية.

وفي ظل هذه "البيئة العربية الإنقسامية" السائدة بين العرب في أميركا، بدأت وتستمر تجربة "مركز الحوار العربي" http://www.alhewar.comفي واشنطن (تأسس المركز عام 1994) من خلال أنشطة متعددة وحوارات دورية أسبوعية لتشجيع العرب على أسلوب الحوار فيما بينهم بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية، وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية. فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة لا تقوم على أصل عنصري أو إثني، ولا يختصّ بها أبناء دين دون آخر.. ثقافة عربية هي الآن الرمز الوحيد الباقي فاعلاً للتعبير عن انتماء العرب إلى أمّةٍ واحدة.

أنّ بداية تجربة "مركز الحوار العربي" في واشنطن، لم تكن فقط يوم افتتاح مقرّه في 18 ديسمبر 1994.. بل كانت عملياً قبل ذلك بسنتين أي منذ عام 1992 في لقاءاتٍ جرت بشكلٍ دوري شهري كانت تدعو لها مجلة "الحوار" التي تأسست عام 1989، وبعد أن نشرت "الحوار" افتتاحية بشكل نداء للمفكرين العرب، كان عنوانها:

"الأمّة التي لا يفكّر لها أبناؤها تنقاد لما يفكّر لها الغرباء".

 وقد شارك في هذه اللقاءات الشهرية عدد من المفكرين والأكاديميين والدبلوماسيين والإعلاميين العرب، وهم كانوا من أوطانٍ عربيةٍ مختلفة ومن آراء فكرية وطوائف دينية متنوعة.

لقد حرصت تجربة "مركز الحوار العربي" منذ تأسيسها على الأهتمام بالشأن الفكري والقناعة بأنّ وجود تعددية فكرية في أي مجتمع تتطلب أيضاً تعددية سياسية في حياته العامة. فوحدة الانتماء الحضاري ووحدة الانتماء الثقافي لا يجب أن تعنيا إطلاقاً وحدة الانتماء الفكري أو الانتماء السياسي .. ولا يجوز أن يكون اختلاف الفكر والتوجه السياسي سبباً للخلاف بين الأشخاص أو لصراعات عنفية بين الجماعات في المجتمع الواحد.

وإذا كان سؤال المرحلة الآن: (أين الأزمة.. في الفكر أو المفكرين؟) فأنّ ذلك يؤكد أن الحل هو في الفكر، والحل هو أيضاً في دور المفكرين، والحل هو حتماً في الربط بين الفكر والأسلوب. وهكذا هو معنى وجود ودور تجربة "مركز الحوار العربي": تأكيد على أهمية الفكر وعلى أهمية اسلوب الحوار بين المفكرين العرب من أجل إصلاح أوضاع العرب أينما كان...

إن الساحة الأميركية مفتوحة لأبناء "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من أبناء أميركا والغرب الذين يريدون معرفة الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود. وكما تلقَّت الجمعيات والمؤسسات العربية والإسلامية في أميركا التهديدات ورسائل الشتم من بعض الأفراد الأميركيين، كذلك تلقَّت من مواطنين آخرين العديد من مظاهر الدعم والتأييد والتضامن والرسائل التي تسأل عن ماهيَّة الإسلام والمسلمين والعرب، وترفض أسلوب الحقد العنصري ضدَّهم وضدَّ دينهم وثقافتهم.

 وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة (بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع) لاستبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب.

 لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل المعرفي مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية وبالفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام والثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر عبر وسائل الإعلام والإنترنت وباللقاءات الخاصَّة.

 هي مهمَّة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب: تحسين وإصلاح "الجسم" (الواقع) بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح "الصورة"، وبناء الذات السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس ولدى الآخر.

 فالمرحلة الآن – وربّما لفترةٍ طويلة - هي مرحلة إقناع المواطن الأميركي والغربي عموماً، بمن نكون "نحن" أكثر ممّا هي "ما الذي نريده"، وهي مرحلة تضعنا أمام خيارين: إمَّا السقوط أيضاً مع الغربيين في فخِّ نظرية "صراع الحضارات" و"الخطر الإسلامي" القادم من الشرق، أو محاولة انتشال بعض هذا الغرب من هذا الكمين الذي تستفيد منه فقط إسرائيل وكلّ أعداء العرب والمسلمين.

العرب.. و"اللوبي الإسرائيلي" في أميركا

وعلى الرغم مما تحقق للجالية العربية الأمريكية من إنجازات في ربع القرن الأخير وظهور العديد من المنظمات النشطة التي جعلت للعرب الأمريكيين صوتاً سياسياً يُسمَع، ويُدعى لشهادات في الكونغرس أو للقاءات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، فإن العلاقة الخاصة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل تجعل السياسة الأمريكية تسير في خط معاكس للمصالح الأميركية/العربية المشتركة وللحقوق العربية، وبذلك تزداد صعوبة عمل العرب الأمريكيين أمام الأذرع الأميركية الممدودة لاحتضان اللوبي الإسرائيلي.

أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا يتعامل مع علاقة واحدة خاصة هي علاقة إسرائيل بأمريكا بينما تتعامل المؤسسات العربية الأمريكية مع علاقات عربية أميركية متشعبة ومختلفة لأكثر من عشرين دولة عربية.

أن العرب الأمريكيين يتعاملون مع واقع عربي مجزأ بينما يدافع اللوبي الإسرائيلي عن كيان واحد هو إسرائيل.

إن نجاح "اللوبي الإسرائيلي"  لا يعود سببه فقط إلى بداية اليهود لعملهم السياسي في أمريكا قبل مائة عام أو أنهم أكثر عطاءً بالتطوع والمال، فالعنصر المرجح لكفة اللوبي الإسرائيلي إنما سببه أن أمريكا نفسها ليست طرفاً محايداً يتنافس عليه العرب من جهة وبعض اليهود من جهة أخرى. فأمريكا أسهمت منذ البداية في الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وزودته وما زالت تزوده بكل إمكانات التفوق النوعي على الدول العربية.

لكن ذلك لا يعني رفع "الراية البيضاء" من قبل العرب الأميركيين فدورهم مطلوب الآن وبشكلٍ أكثر فعالية من أي وقتٍ مضى، وإذا اجتمعت جهودهم مع جهود المسلمين الأمريكيين (وأكثريتهم من غير الأصول العربية) الآخذة في التنامي، فقد يشكلان معاً تحدياً قوياً أمام اللوبي الإسرائيلي.

***

لكن هناك مقارنة خاطئة تتكرر أحياناً في الإعلام العربي والفكر السياسي العربي وهي مقارنة حالة العرب في أميركا بحالة اليهود الأمريكيين‏.‏ فالواقع أن "العرب الأميركيين" هم حالة جديدة في أميركا مختلفة تماما عن الحالة اليهودية‏.‏ العرب جاءوا لأمريكا كمهاجرين حديثاً من أوطان متعددة إلى وطن جديد‏,‏ بينما اليهود في أمريكا هم مواطنون أمريكيون ساهم العديد منهم في إقامة (إسرائيل‏) في قلب المنطقة العربية،‏ أي عكس الحالة العربية والإسلامية الأميركية وما فيها من مشكلة ضعف الاندماج مع المجتمع الأميركي‏.‏

حالة العرب في أميركا مختلفة أيضا من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية،‏ فكثير منهم جاء مهاجراً لأسباب اضطهاد سياسي أو عوز مادي، وأحياناً بسبب حالات أمنية تعيشها المنطقة العربية،‏ مما يؤثر على نوع العلاقة بين العربي في أمريكا والبلدان العربية‏.‏ بينما حالة العلاقة بين اليهود الأميركيين وإسرائيل هي حالة من ساهم في بناء هذه الدولة وما زال يدعمها‏.‏

أيضاً، ليس هناك حالة من التنافس الموضوعي بين الطرفين على المجتمع الأمريكي‏.‏ أي ليس هناك مؤسسات رسمية أو إعلامية أميركية محايدة تتنافس عليها الجالية العربية مع الجالية اليهودية، فعدد كبير من المؤسسات الإعلامية الأميركية هو مملوك من أمريكيين على صداقة خاصة مع إسرائيل، وهذا بذاته يجعل المقارنة غير عادلة‏.‏

من ناحية أخرى، فأن لدى العرب الأمريكيين أزمة تحديد الهوية ومشكلة ضعف التجربة السياسية، وهي مشاكل لا يعانيها اليهود الأميركيون‏.‏ فلقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعددة ومن بلاد ما زالت فيها الديمقراطية تجربة محدودة. إضافة إلى أثار الصراعات المحلية في بلدان عربية على مسألة الهوية العربية المشتركة.

أن الجمعيات العربية الأميركية التي تأسست على مستوى أقل من هوية وطنية أو عربية (كأبناء بلدة أو قرية)، هي  أقوى بكثير في مجال العضوية من الجمعيات الوطنية أو المنظمات ذات الصفة العربية‏.

إضافة لذلك، علينا أن نميز بين "الأمريكيين من أصول عربية"، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول الذين اندمجوا كلياً في المجتمع الأميركي،‏ وبين "العرب الأميركيين" وهم أبناء الأجيال التالية التي لم تذب تماما ولكنها مندمجة بقوة في الحياة الأميركية،‏ وهناك أيضاً "عرب في الولايات المتحدة" وهؤلاء هم المهاجرون الجدد الذين لم يصبحوا بعد من المواطنين الأميركيين حيث ما زالت أولوياتهم تتمحور حول أوضاعهم المعيشية والقانونية، ويصرفون وقتهم في مسائل تثبيت الوجود وليس البحث عن دور فعال في المجتمع الجديد.‏

وبينما نجد أغلب الفئة الأولى أي "الأمريكيين من أصل عربي" بدون تواصل مع البلاد العربية الأم، نرى أن‏ الفئة الأخيرة (أي المهاجرون الجدد) غير متواصلة مع المجتمع الأمريكي،‏ ولكل من هذه الفئات طبيعة علاقة مختلفة مع المجتمع الأمريكي والمؤسسات العربية فيه‏.

أضف على ذلك أيضاً، تعدد الانتماءات الدينية والطائفية في الجالية العربية‏.‏ البعض مثلا يندفع نحو منظمات دينية وهو ما يستبعد النصف الآخر من الجالية العربية. وبعض الجالية يتقوقع مذهبياً وعائلياً سواء بسبب منطلقات خاصة به أو انعكاساً لما يحدث في المنطقة العربية‏.‏

فالجالية العربية والجالية الإسلامية تنتميان إلى أصول وطنية ودينية متنوعة، إذ أنَّ حوالي نصف تعداد الجالية العربية هم من أتباع الديانة المسيحية، وينتمون في أصولهم الوطنية إلى بلدان لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر والأردن، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية (حوالي 7 مليون) ينتمون في أصول أوطانهم إلى بلدان غير عربية (من بلدان آسيا وأفريقيا غير العربية) إضافةً إلى عددٍ من الأميركيين الذين اختاروا الإسلام ديناً لهم ومعظمهم من الأميركيين السود.

أن أكثر من نصف الجالية العربية هم من المسيحيين العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصولٍ غير عربية. ولا يمكن وضعهم جميعاً (العرب والمسلمين في أميركا) في "سلَّةٍ واحدة" من الناحتين الدينية والوطنية.

إذن، كلما كان هناك تعاون وتنسيق بين أبناء الجاليتين العربية والإسلامية، وكلما كان هناك طرح لفكر عربي سليم فيما يتعلق بمسألة الهوية الثقافية ومضمونها الحضاري، بمقدار ما تستطيع الجالية العربية أن تنجح عملياً وتتجاوز الكثير من الثغرات والعقبات‏.‏

 ---------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

الواقع العربي المأزوم والمراجعات الواجبة

في الثاني من كانون الثاني من العام الجاري، نشرت فضائية CNNتقريرا عن الوطن العربي استنادا لتقرير الإرهاب الدولي للعام 2016. تضمن الآتي:

يبلغ سكان الوطن العربي 5 % من سكان العالم، فيما نصيبه 17.5 % من الصراعات العالمية، وأن 45 % من الهجمات الارهابية، و47 % من الهجرات الداخلية. ويبلغ اللاجئون من مواطنيه 57,5 % من اللاجئين في العالم، وأنه شهد 68,5 % من المعارك المتسببة بالقتل على صعيد العالم.

ويذكر التقرير أن من بين 15 - 29 عاما يقاربون 30 % من القوى العربية العاملة، وأن هذا القطاع الشبابي هو اليوم الأكثر خسرانا وتعرضا للعنف على نحو غير مسبوق في العصر الحديث. واستنادا لتقرير البنك الدولي للعام 2015 ، يشير إلى أن 30 % من القوى العاملة العربية تعاني من البطالة، فيما نسبة البطالة عالميا  13.99 %.

ينبه التقرير لتأثير التوقعات الاقتصادية المتدنية في ظهور المواقف الرديكالية المتسببة بعدم الاستقرار السياسي. ويذهب الى أنه يتوجب على دول الشرق الأوسط توفير 60 مليون فرصة عمل في العام 2020. وينبه أيضا إلى وضوح المخاطر التي تواجه الشرق الأوسط إذا لم ينهض قادة الأقطار الأكثر سكانا لمواجهة التحديات بايجاد فرص العمل اللازمة لاحياء آمال الشباب، وإلا سيواجهون اضطرابات نظير ما شهدته بعض الاقطار عام 2011 بعد تفجر "الربيع العربي".

يذكر أن مؤشر تطور الشباب العرب خلال السنوات الخمس التالية للعام 2010 نصف ما كان عليه خلال العقد السابق، وهو دون المؤشر الدولي.

تجدر الإشار إلى أنه خلال الشهور القليلة الماضية انقلب قارب في البحر الأبيض المتوسط يعتقد أنه كان قادما من ليبيا، وأدى إلى غرق العشرات من العمال الشباب. وقد تبين أن غالبيتهم من مصر، كانوا يأملون بالحصول على فرص حياة أفضل في أوروبا لكي يستطيعوا دعم أسرهم.

أشار التقرير إلى أن تعداد مواطني مصر يقارب المائة مليون، فيما اقتصادها متدهور وأسعار السلع في تصاعد الأمر الذي دفع الشباب لتصعيد معارضتهم للنظام خلال سنوات 2011 – 2013. وخلص التقرير إلى أن الاقليم العربي هو الأكثر تخلفا في مجال توفير فرص العمل لشبابه قياسا بما هو متوفر في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وأوروبا ووسط آىسيا وشرق آسيا ومنطقة المحيط الهادىء وجنوب آسيا وافريقيا جنوبي الصحراء والعالم بشكل عام.

ما تضمنه التقرير، ونبّه له من مخاطر، غاية في الخطورة والأهمية. إلا أن واضعيه وناشريه إنما سلطوا الأضواء بكثافة على ظواهر الواقع العربي المأزوم دون تناول العوامل الداخلية والخارجية فيما يعانيه شبابه من بطالة وتهميش، وما تواجهه مجتمعاته من تهديد لأمنها واستقرارها. إن الوطن العربي الأكثر استهدافا عالميا من قبل القوى الدولية والاقليمية المتطلعة للسيطرة على موقعه الاستراتيجي وموارده وأسواقه، وتلك الأكثر تحسبا وعداء للعروبة والإسلام والمسيحية المشرقية بحيث لا تكون قراءة الواقع العربي موضوعية ما لم تتسم بالعمق والشمول.

السؤال الذي يفرض ذاته، هل كان نصيب الوطن العربي من الصراعات الدولية يجاوز ثلاثة أضعاف نسبة سكانه لولا المداخلات الدولية والإقليمية في أدق شؤون مواطنيه، وتأثيرها في صناعة قرار نخبه على مختلف الصعد؟ هل كان اللاجئون من مواطنيه يبلغون 57,5 % من اللاجئين في العالم لولا ما اقترفته اسرائيل ولما تزل من جرائم التطهير العرقي في فلسطين، واجتياحاتها المتوالية للجنوب اللبناني، فضلا عما تسبب به الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما هو ثابت من دور صناع القرار الأمريكي والاوروبي في عدوان الجماعات التكفيرية، القاعدة وداعش وغيرهما، على أمن وآمان المواطنين العرب مسلمين وغير مسلمين؟ أليست القوى الدولية والاقليمية والمحلية التابعة، صاحبة دور رئيسي بأن يشهد الوطن العربي 68,5 % من الحروب المتسببة بالقتل؟

إن التذكير بالتصاعد الطردي في عدد السكان ومطالبهم وحاجاتهم تتجاوز نمو الموارد في غالبية اقطار العالم دفعت للتكامل الاقليمي، كما حصل بالاتحاد الاوروبي كمثال، في حين أن التكامل العربي بات معطلا نتيجة قيام إسرائيل كفاصلة بين جناحي الوطن العربي الأسيوي والافريقي وعلى تخوم مصر لتحجيم دورها القومي التاريخي. أليست الاستثمارات العربية محكومة في غالبيتها للمؤثرات الخارجية. ما فيه الدلالة الواضحة على أن ما استعرضه تقرير CNN  لا يعود فقط لقصور الفعل والفكر العربي عن مواكبة العصر علميا ومعرفيا وتقدما تكنولوجيا، وتلبية احتياجات المواطنين المتزايدين عدداً وطموحا، والتحول الواضح خلال العقود الأربعة الأخيرة من إعطاء الأولوية لتنمية الانتاج الوطني والاستثمار في الإنسان، والتحول إلى مجتمعات استهلاكية، يعتمد غالبيتها على "المعونات" الخارجية.

إلا أن الواقع العربي المأزوم يشكل تحديا وطنيا وقوميا ويستدعي مراجعات جذرية للسياسات المعتمدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وإدراك أن أمن واستقرار كل قطر وعربي شديد التأثر والتأثير بما هو جار في بقية الأقطار العربية. وبقدر ما تسهم النخب العربية بالعمل الجاد لتطوير التعليم في كل المراحل، والتوسع في ايجاد معاهد ومراكز التأهيل المهني، والعمل على تعزيز وتعميق الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية تجاه ما تواجهه المجتمعات العربية من تحديات، واستنهاض ارادة التصدي والممانعة المتجذرة في الثقافة العربية الاسلامية، كل ذلك يستدعي مراجعة جذرية شاملة.

مراكز الأبحاث ترسم خريطة سياسات ترامب المقبلة

د. منذر سليمان*

تميزت حملة ترامب الانتخابية باطلاقه التصريحات الحادة على عواهنها، ولم يوفر مؤسسات مراكز الأبحاث من ازدرائه وانتقاداته وتوجسه، وطالب بتقليص أدوارها ونفوذها على أركان المؤسسة الحاكمة، ونادى "بتجفيف مستنقع" السياسيين في واشنطن. بعد هدوء عاصفة الانتخابات بادر بعض مسؤولي المراكز المحافظة التقليدية الاتصال بأركان فريقه الانتقالي لعرض الخدمات المنوطة بالرئيس المقبل بلورتها، وتشذيب رؤاه.

في هذا السياق تتعزز محورية الأضاءة المكثفة على "حقيقة" مراكز الأبحاث التي حافظت على نفوذها الطاغي في أركان المؤسسة السياسية الأميركية، التشريعية والتنفيذية والقضائية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتدريجيا خلال الحرب الباردة وما تلاها من هزات وتطورات محلية وعالمية. وامتدادا، يمكن الاستنتاج أيضا بما تقوم به رديفاتها الأوروبية، وعلى رأسها "معهد تشاتام هاوس،" في بريطانيا، من رسم سياسات أوروبية موازية ولا تتعارض مع السياسات الأميركية.

جدير بالاشارة أن متطلبات العولمة في القرن الحالي وتداعياتها على الدول النامية، بشكل خاص، أدت لتراجع دور الدولة المركزية لصالح إملاءات وتوجهات مراكز الأبحاث وملحقاتها من "منظمات غير حكومية" التي يراها البعض أداة ميدانية لمموليها في مراكز الأبحاث والمنتشرة في عدد من الدول والمناطق المختلفة؛ تجمعات بمسميات رفيعة تجري مسحا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا لمجتمعاتها بما يتسق وأهداف الممولين من "مراكز" ومؤسسات.

مدخل: مراكز أبحاث أم حكومات ظل موازية

تعتبر مراكز الأبحاث امتدادا للسياسة الأميركية وتشاطرها وظيفة "بلورة ورسم السياسات المقبلة،" بعيدا عن أي هيئة رقابة أو محاسبة، بعضها يتلقى معونات مالية حكومية دون أن يرافقها مساءلة واضحة – على نقيض ما تفترضه الممارسات الديموقراطية التي تستند إلى المساءلة والمحاسبة. ربما الوصف الأدق هو أنها بمجموعها تخضع لسيطرة "بعض الأفراد" النافذين بين النخب السياسية والاقتصادية، التقليدية والصاعدة، الذين "يمارسون أدوارا هامة ترافقها قدرات ذاتية غير محددة المعالم والمميزات ولا تخضع لاجراءات المساءلة."

الركائز الفكرية الجامعة لتلك "النخب" هي رؤاها الضيقة لمستقبل الكون برمته انطلاقا من تسليمها بنظرية التفوق الأحادي في "صراع الحضارات" البائسة؛ ترويج لا يزال طاغيا وإن بمسميات أخرى مبتكرة، خاصة وأن خلاصاتها تتجسد في "اجترار حلول وأهداف تتحقق بفعل الصراع والتجزئة والتقسيم، وإثارة القلاقل" في مناطق إقليمية معينة تخدم مصالحها، وليس بفعل التعاون والتنافس السلمي – كما تروج أدبياتها.

شهد أفول القرن الماضي وبروز القرن الحادي والعشرين ظاهرة تعددية "المنظمات غير الحكومية،" وانتشارها في بقع جغرافية محددة، لا سيما في المنطقة العربية والساحة الفلسطينية ودول "الطوق" بشكل أدق؛ تعود مرجعيتها بغالبيتها إن لم نقل بشموليتها إلى عدد محدود من "مراكز الفكر والأبحاث،" أميركية بالدرجة الأولى وأوروبية عندما تتطلب الحاجة، أبرزها مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية، بشطريها المرتبطين بالحزب الديموقراطي والجمهوري تباعا. تلك المؤسسة وأخواتها في أميركا كان لها الدور الأبرز في احتضان واطلاق "الثورات الملونة" التي اجتاحت بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة، وامتدت للمنطقة العربية عبر "ثورة الياسمين،" وما درج على تسميته "الربيع العربي" الدموي.

من ضمن "المؤسسات" مميزة النفوذ مؤسسة هاريتاج، الركيزة الفكرية الأهم للحزب الجمهوري واداراته المتعاقبة؛ مؤسسة راند، المعروفة أيضا بشركة راند البحثية التي تعد من أبرز المتنفذين في أجندة الاستخبارات الأميركية وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية، كما يفيد بعض ضباطها المتقاعدين.

فيما يخص العالم العربي برمته، تبرز مؤسسة كارنيغي ومعهدها البحثي والوقفي في آن، ويمتد نفوذها على رقعه جغرافية واسعة منها مقر رئيس وهام في بيروت، ولاحقا الدوحة، ومراكز أخرى في موسكو وبيجينغ ونيودلهي؛ مما يوفر لها ممارسة نفوذها على نطاق عالمي.

صناع سياسة ترامب

من أهم ميزات "المرحلة الانتقالية" في مؤسسة الرئاسة الأميركية أن الرئيس المقبل، دونالد ترامب، حافظ على أولوية حضور الجنرالات في مراكز صنع القرار، وارتكازه أيديولوجيا على مراكز أبحاث هامة تمثل التيارات اليمينية والمحافظين الجدد. تلك الإشارة ضرورية لسبر أغوار المرحلة المقبلة من السياسة الأميركية.

كانت مؤسسة راند البحثية أول من دشن معالم السياسات العامة للادارة المقبلة، واطلاق العنان لسباق التسلح، باصدارها "دراسة" تبشر فيها بالتأزم والصدام المقبل في شرق آسيا، بعنوان "الحرب مع الصين: التفكير بالاحتمالات فوق العادية،" منتصف شهر آب- أغسطس العام الماضي.

بايجاز، استعرضت الدراسة التي شارك في إعدادها سلاح البر الأميركي "الخيارات المتاحة الناجمة عن نشوب حرب بين دولتين نوويتين دون أدنى مبالاة للعواقب الكارثية التي ستطال شعوب الولايات المتحدة والصين وبقية العالم."

كما استندت الدراسة إلى جملة من الفرضيات الخاطئة: الحرب مع الصين لن تستدعي تدخل قوى أخرى؛ وإنها ستبقى محصورة في منطقة شرقي آسيا؛ وعدم لجوء الدولتين لاستخدام الأسلحة النووية. واستنتجت أن كلفة الصراع ستكون باهظة لا سيما وأن "الولايات المتحدة لا يمكنها الرهان على تفوقها ميدانيا، أو قدرتها على تدمير الدفاعات الجوية الصينية المتطورة، و إنجاز نصر مؤزر .." وتستطرد أن الخسائر الأميركية "ستتصاعد" في حال إرجاء الصدام العسكري لعام 2025، مقارنة بالصدام النظري السابق الذي شهدنا تجسيده عام 2015.

الصدام المرئي المذكور جائز من الناحية النظرية استنادا إلى الأزمة البنيوية التي تعتري النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، إن لم يتم تفاديه باعادة ترتيب بعض الأولويات الكونية، على رأسها قبول الولايات المتحدة بمنافسين دوليين آخرين لها على الساحة العالمية.

عودة لاختيارات ترامب، ما يتضح هو افراط ثقة فريقه بمؤسسات الفكر والأبحاث المؤيدة للتيار المحافظ والمحافظين الجدد، ومن الطبيعي الاستنتاج أنه سيصغي لارشاداتهم وتصوراتهم، خاصة وأن عناصر طاقمه للأمن القومي والسياسة الخارجية مروا على منابر   المؤسسات الفكرية المتعددة: مؤسسة هاريتاج؛ معهد المشروع الأميركي؛ معهد هوفر؛ ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – التي تم التطرق لها بمجموعها في تقريرنا السابق.

مؤسسة هاريتاج   

تعتبر هاريتاج إحدى أعرق المؤسسات اليمينية منذ تأسيسها عام 1973، بتمويل من وريث عائلة "كوورز Coors" لمشروب الجعة، جوزيف كوورز؛ وضمت نائب الرئيس الأسبق ديك شيني كأحد مستشاريها عام 2013.

تتميز المؤسسة عن قريناتها الأخريات من مؤسسات التيار المحافظ بأن لديها مروحة واسعة من القضايا ذات الاهتمام تتوزعها نخبة من نحو 50 "خبير وعضو مشارك،" يعاونهم نحو 235 عنصر اداري وبحثي لمراقبة كافة نواحي المسائل الهامة للتيار المحافظ.

نظرا لتلك الخصائص وغيرها، من المرجح أن تعود المؤسسة إلى صدارة الأحداث والقرارات السياسية في عهد ترامب، على المستويين الداخلي والخارجي على السواء، خاصة وأن المؤسسة تتبجح بفرادة نمط عملها المستند إلى "آلية انتاج دراسات دقيقة ذات أبعاد أيديولوجية،" على الرغم من عدم تقيدها بالقواعد العلمية والبحثية الصارمة، يعززها تمويل ثابت لا ينضب من كبريات الشركات والممولين.

تعرضت مؤسسة هاريتاج إلى حوادث قرصنة لسجلاتها وتمويلها وملفاتها الداخلية، تموز - يوليو 2015، ونشرت محتوياتها على شبكة الانترنت. أوضحت الملفات المذكورة حجم العلاقة الوثيقة القائمة بين المؤسسة وكبريات شركات الأسلحة، لوكهيد مارتن، وسيل التبرعات السخية. في هذا السياق، أقدمت وزارة الدفاع آنذاك على إلغاء مشروع طائرة أف-22، عام 2009، التي تصنعها شركة لوكهيد؛ وتحركت مؤسسة هاريتاج على الفور عقب لقاءات شبه شهرية مع مدراء الشركة بهدف شن حملة شرسة لدى الحكومة الأميركية لاعادة العمل بتمويل المشروع الضخم. وهذا ما كان.

من القضايا "المقدسة" بالنسب للمؤسسة فرط اهتمامها بوزارة الدفاع وزيادة الانفاق على الشؤون العسكرية ورفعها إلى مرتبة متقدمة عن الأولويات الأخرى. بالنظر إلى وعود ترامب الانتخابية "لاعادة بناء وتأهيل المؤسسة العسكرية الأميركية" فليس عسيرا الاستنتاج بدور فاعل وبارز وربما حاسم لمؤسسة هاريتاج في صياغة السياسات الدفاعية، لا سيما وإن من أبرز اصدراتها كانت دراسة بعنوان "مخطط للادارة الجديدة،" تناشد فيها ضرورة سد الثغرات الكامنة في الأوضاع العسكرية وإيلاء الأولوية لتعزيز الجهوزية القتالية للقوات الأميركية وزيادة عديدها وتحديث ترسانتها، بعيدا عن ضغوط المتطلبات الاجتماعية الأخرى.

يشار إلى أن الرئيس أوباما وضع ملامح رؤيته العسكرية ضمنه خطاب ألقاه أمام كلية "ويست بوينت" العريقة، عام 2014، بمفاضلته "تدخلات عسكرية محدودة تستند إلى دعم وانخراط قوى دولية متعددة .. لمكافحة الإرهاب ومواجهة التحديات العالمية الأخرى؛" الأمر الذي عاد عليه بانتقادات لاذعة من أقطاب اليمين ومؤيدي المؤسسة العسكرية، واتهامه بترؤس مهمة "انحدار الولايات المتحدة وانسحابها من المسرح الدولي."

رؤية الرئيس باراك أوباما لوظيفة القوات العسكرية تلخصت بالاعتماد على وحدات "القوات الخاصة" لتنفيذ المهام الكبرى بعد الأعياء الذي أصاب القوات العسكرية الأميركية نتيجة انخراطها في حروب متتالية ومستمرة.

كما أن الأسلحة الأميركية المعتمدة هي نتاج تصاميم عصر الحرب الباردة والتي بانت ثغراتها الكبرى في أداء أبرز وأحدث طائرة مقاتلة، أف-35، وأكثرها كلفة، اذ فشلت في التحليق والمناورة في ظروف جوية ماطرة، وهي في طريقها الانضمام لسلاح الجو الصهيوني، قبل أسابيع معدودة.

يذكر أيضا أن "مشروع الميزانية" العامة لعام 2011 الذي تبناه رئيس لجنة الموازنات في مجلس النواب آنذاك، بول رايان، استند بكثافة على مواد بحثية أجرتها مؤسسة هاريتاج، بعنوان "خارطة طريق لمستقبل أميركا،" التي شكلت بداية توجهات الكونغرس لنقض برنامج الرعاية الصحية الشاملة.

في عهد الرئيس أوباما، سلكت مؤسسة هاريتاج مسارا سياسيا متباينا مقارنة بأركان الحزب الجمهوري الذين "احتضنوا" التيارات المتطرفة والمنددة بالمؤسسة الرسمية، تيار حزب الشاي مثالا. وركزت هاريتاج جهودها على تصويب مسار ووجهة ممثلي الحزب الجمهوري في مجلسي الكونغرس في صراع أيديولوجي مع الرئيس أوباما وأجنداته، ومواجهة برنامج الرعاية الصحية الشاملة – أوباما كير، بعيدا عن رسم سياسات واستنباط برامج خاصة.

اختيار ترامب لوزير الطاقة، حاكم ولاية تكساس السابق ريك بيري، يضفي خطورة مضاعفة على الأسلحة النووية، انتاجا وتطويرا واستخداما، نظرا لخضوع برامج تطويرها وصيانتها تحت سلطة وزير الطاقة الجديد وتوجهاته المساندة لصناعة الأسلحة وتحديث الترسانة النووية.

استقراء توجهات مؤسسة هاريتاج نحو قضايا الشرق الأوسط يقودنا إلى القول إن هاريتاج ترجح المسار التصادمي ".. ففي الشرق الأوسط، يتعين على الرئيس مواجهة طموحات إيران النووية ودعمها للإرهاب في سوريا والعراق وليبيا، ومناطق أخرى من العالم."

كما حثت هاريتاج الرئيس المقبل على"التنصل من الاتفاق المشترك" مع إيران وإعادة العمل بنظام العقوبات الأميركية، والبحث في آلية مختلفة تؤدي بمجلس الأمن الدولي تفعيل عقوباته السابقة ضد إيران تدفعها لتفكيك منشآتها النووية. وتطالب المؤسسة إتخاذ إجراءات عقابية مماثلة ضد كوريا الشمالية.

الصين، بنظر مؤسسة هاريتاج، تمثل التحدي البارز لنفوذ الولايات المتحدة، وتطالب الرئيس المقبل بانتهاج سياسة متشددة نحوها وتعزيز علاقاته مع الحلفاء الإقليميين في اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا، تحديدا، وطمأنتهم بالتزام واشنطن تعهداتها الأمنية، بما فيها دعم نظام جزيرة تايوان. كما تناشده تكثيف الدوريات البحرية الأميركية في مواجهة البحرية الصينية امعانا في حرية الملاحة في المنطقة، ومقاومة مساعي الصين للسيطرة على جزر ومناطق في المحيط الهاديء.

اختيار ترامب لوزير خارجيته الجديد، ريكس تيلرسون، يؤشر على نيته في إعادة ترتيب أولويات وزارة الخارجية الأميركية، بالاتساق مع نصائح مؤسسة هاريتاج التي طالبت بخفض مستويات عدد من مكاتب وزارة الخارجية للشؤون الإقليمية "إذ شهد حضورها خلال عقدين ونيف ماضيين على تنامي عديد وحجم الكادر المهني والإمكانيات المخصصة لتلك المكاتب. فالنمو المذكور نجم عنه إهدار للإمكانيات والموارد، وأسهم في تعميق هوة الخلاف السياسي، وأدى لتداخل السلطات والصلاحيات فيما بينها."

وناشدت هاريتاج وزير الخارجية المقبل "إعادة هيكلة طواقم الوزارة وتقليص صلاحيات المكاتب المختصة وإلحاقها بالمكاتب الإقليمية في الوزارة تحت أمرة منصب مستحدث لنائب الوزير للشؤوون متعددة الأطراف."

وأوضحت هاريتاج ضيق ذرع القائمين عليها من تمدد الجهود الديبلوماسية النشطة لوزير الخارجية (في الادارة الديموقراطية،) مطالبة الطاقم القادم "الحد من الاعتماد على صيغ المبعوثين الخاصين والممثلين الخاصين" على السواء. ورصدت المؤسسة وجود نحو 60 مبعوث خاص للشؤون الديبلوماسية موزعون على تصنيفات متعددة: مبعوث خاص، ممثل خاص، منسق، مستشار خاص، وجملة أخرى من رتب ومناصب رفيعة ملحقة أوكلت إليها مهام وادارة ملفات خاصة متعددة. ودقت المؤسسة ناقوس الخطر من الابقاء على تلك الصيغة لا سيما وأن المعنيين عادة ما يلجأون للتصرف واتخاذ مواقف خارج الصلاحيات الرسمية لوزارة الخارجية (وفق تفسيرها الضيق) وما قد يترتب عليها من تنافر صلاحيات مع السفراء الأميركيين في المناطق المعنية، علاوة على الكلفة الاضافية.

أدبيات مؤسسة هاريتاج تدل بوضوح على حثها الرئيس ترامب النأي عن سياسات الحفاظ على البيئة، الأجندة الخضراء، لما تشكلة من قيود ومعوقات على برامج التسليح وبلوغها أهدافها المرسومة. 

على سبيل المثال، أقرت المؤسسة بأن "الوقود الاحيائي" لا يستطيع تلبية متطلبات توفير الطاقة للقوات العسكرية، وعليه ينبغي إحياء الاعتماد على الطاقة الأحفورية المهددة للبيئة. يشار في هذا الصدد إلى "تكامل" رؤية مرشح ترامب لمنصب وزير الدفاع، جيمس ماتيس، مع تصورات هاريتاج، إذ طالب قياداته العسكرية إبان اجتياح واحتلال العراق "استثناء" قواته من مشاة البحرية – المارينز من القيود المفروضة على حصص الطاقة زاعما أنها كانت أحد مسببات تعثر تقدم القوات الأميركية.

لب رؤى مؤسسة هاريتاج في مجال توزيع حصص الطاقة والوقود يمكن إيجازه بايلاء الأولوية للمتطلبات العسكرية وتذليل العقبات، العمل على تخفيف المتطلبات اللوجستية، والنظر إلى إمكانية الاعتماد على الطاقة النووية – هكذا وبدون خجل.

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

نادرا ما يتم دحض القراءة العامة لدور "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية،" كأحد أهم معاقل بلورة السياسات الخارجية التي تقتدي بها الادارات المتعاقبة والدول الأخرى.

انتاج المركز يمكن تصنيفه بالمدرار كما ونوعا، تناول قطاعات ومواضيع متعددة: قضايا الدفاع والأمن القومي؛ الأمن العالمي؛ الاقتصاد والطاقة؛ أساليب الحكم؛ دراسات إقليمية متعددة تعالج قضايا أفريقية وآسيوية وأميركا اللاتينية وروسيا ودول حلف الناتو.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان أشاد مرارا بالمركز وانتاجاته وتفضيله على ما عداه في دعم سياساته الخاصة بتأييد قوات الثورة المضادة وفرق الموت، الكونترا، في أميركا الوسطى واللاتينية. بل تصدر المركز جهود الدفاع "الفكري" والاعلامي عن فضيحة إيران-كونترا؛ بيع إيران أسلحة في حربها مع العراق واستخدام ريعها لدعم عناصر الكونترا.

مدى نفوذ المركز في أروقة الكونغرس ظاهرة لكل عيان، ويستخدم سياسة الباب الدوار إذ يستقطب بعض الأعضاء للعمل معه بعد تقاعدهم الرسمي. وأوضح رئيس المركز الأسبق، عاموس جوردان، مضمون تقارير مركزه للكونغرس بأن "ما يرغب في قراءاته هو افكار تم صياغتها وبلورتها لتصب في سياق خطابه السياسي،" عوضا عن دراسات مكثفة وعميقة.

وزير الخارجية المرشح، ريكس تيلرسون، يشغل مركز عضو مجلس أمناء المركز، مما يؤشر على عمق النفوذ المنتظر للمركز أن يلعبه في رسم معالم السياسة الخارجية الأميركية.

بعد إعلان ترامب ترشيحه لتيلرسون، أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بيانا أشاد فيه بقدرات الأخير قائلا "السيد تيلرسون كان عضو في مجلس أمناء المركز منذ عام 2005 .. ولعب دوراً نشطاً في الانتاج الفكري للمركز، بتركيز خاص على مسألة الرعاية الصحية على المستوى الدولي؛ وكان أحد مدراء برنامج  هيئة المركز لسياسات الصحة العالمية."

في مسائل رؤى وبلورة السياسات الخارجية، سينشر المركز قريبا سلسلة من أحدث إصداراته بعنوان "الانتقال 45،" يحث فيها الرئيس المقبل وفريقه على ضرورة التحلي بالكياسة والواقعية وتفادي مفردات الخطاب الانتخابي، وتحديد معالم السياسة المقبلة والعقيدة العسكرية "على وجه السرعة."

ومن بين العناصر الهامة للمركز ضرورة "طرح (ترامب) معالم رؤيته لدور الولايات المتحدة في العالم، تحديد مصالح الأمن الوطني؛ الوسائل التي (ينوي) استخدامها لحماية تلك المصالح، وبشكل خاص دور القوات المسلحة في تلك المعادلة."

تتضمن السلسة أيضا "تحذيرات" موجهة ضد روسيا والصين، مع الادراك التام أن الولايات المتحدة بحاجة لمساعدتهما في عدد من القضايا، تنص على ".. روسيا غزت بلدان مجاورة والصين اتخذت خطوات لعسكرة خطوط الملاحة البحرية الدولية. الولايات المتحدة كانت بحاجة لتعاون الدولتين معا لصياغة، ومن ثم تطبيق، سبل تضمن عدم انتشار الأسلحة ضد إيران وكوريا الشمالية."

مركز الدراسات أيضا له باع طويل في بلورة الوعي الجمعي من حالات التطرف، وتصدر انتاجها تحت عنوان إعادة النظر بتهديد التطرف الإسلامي: المتغيرات المطلوبة في الاستراتيجية الأميركية. تستند الدراسة إلى التنبيه من تشتيت الجهود الأميركية الرسمية ومحورها الراهن هو التهديد المباشر من تنظيم داعش، والخطر الخارجي الذي يمثله على الولايات المتحدة وأوروبا. ويمضي المركز بالقول إن قلة ضئيلة من الأميركيين تدرك أهمية نسج الولايات المتحدة شراكة استراتيجية مع دول غالبيتها اسلامية، وإن المعركة الحقيقية مع التطرف الإسلامي تجري داخل أراضي دول إسلامية، كما أنها معركة تدور حول مستقبل الديانة الإسلامية – عوضا عن التهديد المحدود الذي تمثله المعركة على ديانات ودول خارجية.

ويوضح المركز في دراساته أنه يتعين على الولايات المتحدة توفير الدليل الحسي لقدرتها على التصرف بحزم وأيضا كشريك باستطاعة الأطراف الأخرى المشاركة منحه الثقة. وفي نفس الوقت، عليها العمل سوية مع الشركاء الأمنيين في الدول الإسلامية ودعمهم في تحديد ثغرات أدت لفشل الأداء وبلورة تدابير فعالة لمحاربة التطرف، وتكثيف الجهود لتعزيز الأوضاع الدفاعية، وتحديد مناحي الفشل الذي لحق بجهود تحديد جذور التطرف الإسلامي.

معهد المشروع الأميركي

يصنف المعهد ضمن فئة أبرز مراكز المحافظين الجدد، ويرجح أن يحجز مقعدا متقدما له في المرحلة المقبلة، يعززه تصريح لرئيس مجلس النواب الحالي، بول رايان، عام 2012 قائلا إن المعهد يشكل "رأس جسر لحركة المحافظين الحديثة."

يشار إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق، جيرالد فورد، انضم لطاقم المعهد عقب انتهاء ولايته عام 1976، مصطحبا بعض أبرز الشخصيات اليمينية مثل القاضي روبرت بورك والصحافي البارز ديفيد غيرغين.

كما يعد المعهد من أنشط المراكز المؤيدة "لاسرائيل،" وقدم درع تقدير لبنيامين نتنياهو، تشرين الأول عام 2015، لجهوده في "اثراء الانتاج الفكري المميز وتطوير السياسة الرسمية .."

ضم المعهد بعضا من أهم الشخصيات السياسية والمستشارين في ادارة الرئيس جورج بوش الابن، منهم جون بولتون، بول ولفوويتز، ريتشارد بيرل وجون يو. كما انضم لفريقه السيناتور السابق ومرشح  نائب الرئاسة الأسبق، جو ليبرمان.

للمعهد أيضا علاقة مميزة مع ادارة الرئيس أوباما، وكان من أبرز وأنشط المؤيدين لنشر قوات عسكرية أميركية في العراق وسوريا من منطلق حاجة الاستراتيجية الأميركية لاثبات التزامها باستخدام القوة لتحقيق أهدافها. وطالب فريدريك كيغان، أحد كبار مدراء المعهد، البيت الأبيض "ارسال ما لا يقل عن 25،000 جندي أميركي للعراق وسوريا، والمرابطة الدائمة هناك."

شجّع المعهد ادارة ترامب على ترشيح جيمس ماتيس لمنصب وزير الدفاع نظرا "لخبرته القتالية السابقة التي تؤهله لتبؤ موقع فريد لمساعدة الرئيس الجديد" في ادارة الحروب الجارية في أفغانستان والعراق. كما يتردد من بعض التسريبات إمكانية اختيار ترامب  لجون بولتون كمرشح لمنصب نائب وزير الخارجية.

وشاطر المعهد ترشيح تيلرسون لمنصب وزير الخارجية للأسباب عينها التي ساقتها مؤسسة هاريتاج بالتعويل على خبرة المرشح لإحداث اصلاحات جادة في هيكلية وزارة الخارجية الأميركية، ويبلغ تعداد "موظفيها نحو 70،000 شخص بميزانية سنوية قدرها 65 مليار دولار؛" مشددا على أن الوزارة بحاجة ماسة لإعادة الحيوية والنشاط لطواقمها المتعددة وترشيد عدد موظفيها امتثالا للمهام المطلوب انجازها في عهد الادارة الجديدة.

التطرف وتأييد مساعي التغيير بالقوة العسكرية من سمات فكر وانتاج المعهد. في العراق، مثلا تصدر المعهد جهود تبرير دوافع شن العدوان على العراق والتلاعب بمضمون التقارير الاستخباراتية لدعم الغزو والاحتلال؛ بل مضى  في تأييد أساليب التعذيب المختلفة التي نفذتها ادارة بوش، لا سيما  استخدام أسلوب محاكاة الإغراق ، وما رشح من معتقل أبو غريب.

في سوريا، دعا المعهد إلى تكثيف الغارات الجوية في المسرح السوري معتبرا  أن "سلاح الجو (الأميركي) لم يفشل هناك؛ بل لم يتم انخراطه ومشاركته بفعالية." وأضاف في سياق تبريره استخدام القوة أن "الطائرات الأميركية المقاتلة تنفذ غارات ضد سوريا بمعدل سبع غارات يوميا .. مما يمثل معدلا أقل بمئة مرة عما فعله في العراق."

في العراق وسوريا، يشار إلى ديمومة مطالبة المعهد صناع القرار توفير الدعم العسكري للكرد؛ والحث على استخدام مكثف لوحدات القوات الخاصة الأميركية؛ مناشدا الرئيس ترامب العمل الحثيث مع الأردن لإنشاء وتوسيع منطقة آمنة على حدوده الشمالية مع سوريا التي يعتبرها "أزمة أجيال، مستقبلها يكمن في فدرلتها .."   

لا يخفي المعهد عداءه الشديد للاتفاق النووي مع إيران، مطالبا الرئيس المقبل بإلغاء الاتفاق، كما عبر عنه صراحة جون بولتون، وتسديد ضربات لايران لحملها على "إنهاء دعمها للارهاب، وتوفير فسحة أوسع للمناورة الأميركية حين تنضج ظروف التفاوض بشأن الملف النووي."

معهد هوفر

تأسس المعهد عام 1919 من قبل الرئيس الأميركي هيربرت هوفر، كما يوحي اسمه، قبل تسلمه منصب الرئاسة؛ بغية معالجة تداعيات الحرب العالمية الأولى وكل ما يتعلق بها من تطورات. يعتبر المعهد من أقدم المؤسسات البحثية في الولايات المتحدة، ومقره في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا. لا يعتبر المعهد من المقربين للدوائر الحاكمة في العاصمة واشنطن، بحكم بعده الجغرافي، بيد أنه رشح العديد من أكفأ خبرائه لمناصب عليا في الادارات الأميركية المتعاقبة: هنري كيسنجر؛ جورج شولتز؛ كونداليسا رايس؛ ويليام بيري؛ دونالد رامسفيلد؛ مرشح الرئيس ترامب لمنصب وزير الدفاع جيمس ماتيس؛ ورئيس القيادة المركزية الأسبق جون أبي زيد الذي انضم لطاقمه عقب انتهاء خدمته العسكرية.

يتسم المعهد بميله الشديد لتأييد أجندة المحافظين الجدد، لا سيما في مجال السياسة الخارجية الأميركية؛ وخرج من صفوفه الأكاديمي العربي السابق فؤاد عجمي، المستشار السابق لادارة الرئيس بوش.

الأطر العامة التي تحكم رؤى وفكر المعهد ضمنها في دراسة أصدرها عام 2015 بعنوان استراتيجية أميركية كبرى جديدة، شارك في غعدادها المرشح لمنصب وزير الدفاع جيمس ماتيس. البند الخاص بالشرق الأوسط أوضح أن "ما نحتاجه هيكلية أمن جديدة مبنية على سياسة صائبة، تلك التي تسمح لنا التصرف بملء ارادتنا في هذا القتال." وأضاف أن الاستراتيجية المقصودة ينبغي أن تنطلق من "نقطة أساسية تليها القضايا الأخرى، وهي هل يخدم الاسلام السياسي مصالحنا؟ إن كان الجواب بالنفي فما هي معالم سياستنا لدعم القوى المضادة؟ حلفاؤنا المنتشرين عبر العالم وفي الشرق الأوسط يهبون لمساعدتنا لكن سياستنا لم تعرف وضوحا في بعدها أين نقف في مساعي تعريف أو التعامل مع تهديد الجهاديين الارهابي العنيف."

في هذا السياق، سلط المعهد جهوده على التهديد المتخيل للبلاد نتيجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأصدر أحد مدراء وباحثي المعهد، دينيش دي سوزا، عام 2007 مخطوطته العدو الداخلي: اليسار الحضاري ومسؤوليته في 11/9، محملا ما أسماه شريحة الليبراليين مسؤولية انتعاش "غضب التشدد الاسلامي."

إيران احتلت حيزا بارزا في الدراسة المذكورة باعتبارها "حالة خاصة ينبغي معالجتها كتهديد على الاستقرار الاقليمي، نوويا وغير ذلك." وطالبت الكونغرس إنزال عقوبات إضافية عليها "أثناء سير المفاوضات."

كما خصص المعهد لإيران مساحة إضافية لتقييد تمددها في "لبنان والعراق والبحرين واليمن والمملكة السعودية، ومناطق أخرى في المنطقة،" معتبرا أن جذورها تكمن في السياسات الأميركية الخاطئة.

وحذر باحث المعهد فيكتور هانسن الادارة الأميركية من "سوء تقدير حجم الانفصام بين أقطاب النظام الإيراني، وينبغي التعامل معه "بالقوة وحدها." وطالبت الدراسة الحكومة الأميركية الالتفات لتشكيل حلف مناهض موازي لإيران عماده "مصر والسعودية ودولة الامارات وبقية دول مجلس التعاون الخليجي .. الذي باستطاعته دعم سياستنا شريطة ادراك أطرافه لأهداف سياستنا الخارجية بوضوح يتعدى مسألة برنامج ايران النووي."

معهد أبحاث السياسة الخارجية

انشيء عام 1955 تحت رعاية جامعة بنسلفانيا ومقره في مدينة بيتسبيرغ بهدف "تنوير القادة السياسيين حول طبيعة الصراع طويل الأجل (الحرب الباردة) .. وآليات الفوز بها." وأضاف لاحقا إلى مهماته "بلورة سياسات تتعهد بالحفاظ على المصالح الوطنية الأميركية،" لا سيما فيما يخص صعود الصين والتحولات داخل الدول الاسلامية.

من أبرز الشخصيات والكفاءات المرتبطة بالمعهد المؤرخ المعروف بيرنارد لويس، الذي يشغل منصب عضو في مجلس مستشاري المعهد، إضافة إلى وزير الخارجية الأسبق الكسندر هيغ. وخرج من بين ثناياه لعالم السياسة المسؤول المالي السابق في البنتاغون، دوف زخايم، وآخرين من أقطاب الفكر المحافظ.

إصدارات المعهد تتسم بنظرة الجناح الواقعي في اليمين المحافظ. وجاء في تقريره السنوي لعام 2012 تحذير الساسة الأميركيين من الادانة الجماعية ".. ومن الخطأ التنبؤ بوجهة مسلك المعارضين الاسلاميين والارهابيين استنادا إلى العقيدة الاسلامية وحدها أو حتى الفكر الاسلامي بمفرده .." بالمقابل، سعى المعهد لابراز التيار المحافظ بترويج مقولة إن "الحضارة الأميركية أفضل من (الحضارة) الاسلامية." وذهب إلى اتهام تنظيم الأخوان المسلمين التمثل المباشر بالفكر النازي؛ مفضلا "نشوب حرب أهلية في مصر الآن عوضا عن الانتظار لحين تتوفر للاسلاميين أسلحة أفضل وتهيئة وإعداد مناسب." (أدبيات المعهد منتصف تموز- يوليو 2012).

كما انتقد المعهد مبدأ "الاستثنائية" الأميركية بشدة عام 2012 محذرا في ادبياته من ذلك المفهوم الذي "يرافقه مزيد من المتاعب وربما حتى يشكل خطرا أكبر من عائداته" على السياسة الأميركية. أما الثابت في أدبيات وإصدارات المعهد فهي الدراسات المذيلة بتوقيع أبرز الشخصيات المتطرفة: ريتشارد بيرل، جيمس وولسي، دانيال بايبس، فريدريك كيغان وآخرين.

الأرضية السياسية والفكرية التي يجمع عليها أقطاب المعهد هي مسألة زيادة الانفاق العسكري، كما جاء في مقال لعضو مجلسه الاستشاري، فرانك هوفمان، عام 2012 حاثا فيه الادارة الأميركية الحفاظ على ميزانية لوزارة الدفاع يتجاوز سقفها 500 مليار دولار سنويا.

اتساقا بما سبق من استعراض، باستطاعة المرء تنبؤ توجهات المعهد المتشددة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط. وكان في قائمة الصدارة لسيل الانتقادات من فعالية المفاوضات النووية مع ايران؛ واستهداف ادارة الرئيس أوباما "لاحجامها عن التدخل العسكري في سوريا."

في الشأن الداخلي الأميركي، انضم المعهد لجوقة المطالبين بتقليص حجم ونفوذ مجلس الأمن القومي الذي تضخم في عهد الرئيس أوباما لنحو 400 عنصر، واتهامه للمجلس بفقدان استراتيجة واضحة المعالم.

وناشد صناع القرار الاقتداء باداء "وكالة الأمن الوطني عند التحضير وتنسيق الجهود وتطبيق القرارات الرئاسية،" التي يفتقدها مجلس الأمن القومي، كما يقول المعهد. وطالب بدخول عناصر محدودة من ذوي الكفاءات الاستراتيجية على طاقم الأمن الوطني لتبوء مهام تحليل المعلومات وبلورة خيارات للرئيس للأخذ بها.

معهد واشنطن

تم إنشاء المعهد من قبل "اللوبي الاسرائيلي – ايباك" للدفاع عن سياسات "اسرائيل" وحشد الدعم الرسمي الأميركي لها؛ ويعتبر من أهم أركان "اللوبي الاسرائيلي" في واشنطن وتيار المحافظين الجدد.

إصدارات وأدبيات المعهد تركز على قضايا المنطقة العربية بشكل عام، والصراع العربي-الصهيوني بشكل خاص. وأصدر عدد من الدراسات موجهة للرئيس دونالد ترامب وما يتعين عليه القيام به في شتى المجالات.

في المسألة السورية، يناشد المعهد الادارة المقبلة التسليم بما يعتبره حقائق راسخة، منها:

1. التسليم بأن سوريا أضحت مقسمة فعليا ويتعين انشاء مناطق آمنة في مناطق مختلفة تحت سيطرة قوى المعارضة وبمحاذاة الحدود التركية والأردنية للحد من تدفق اللاجئين للخارج، ومحاربة الارهاب. وأضاف أن انشاء تركيا لمنطقة آمنة شمالي مدينة حلب، بمباركة من روسيا، تشكل فرصة جديدة لحماية السوريين واستخدامها كقاعدة انطلاق للأعمال العسكرية والسياسية لاقتلاع تنظيم داعش على طول وادي الفرات. كما أن المناطق الكردية، في الشمال، والأخرى في جنوب سوريا تشكل خيارات إضافية.

2. التفاوض مع موسكو: ينبغي على ادارة ترامب امتحان مدى التزام روسيا بمكافحة الارهاب في سوريا، وتقييد نظام الأسد، والتوصل لتسوية سياسية قابلة للتطبيق؛ محورها إقامة عقبات بينة من أجل التعرف على نوايا موسكو.

3. إحداث شرخ بين إيران وروسيا حول سوريا: ليس من اليقين مدى تطابق أهداف طهران وموسكو السياسية في سوريا؛ وينبغي على الولايات المتحدة التفاوض مع روسيا للتوصل الى تسوية مستدامة في سوريا من شأنها إبعاد حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى الموالية لإيران عن سوريا؛ الأمر الذي يصب في تعهدات ادارة ترامب في التوصل لاتفاق أفضل من الاتفاق النووي الحالي مع إيران، والحد من تمددها الإقليمي.

فيما يخص إيران، تجدر الإشارة إلى خطاب المعهد المتشدد دوما في التعامل مع إيران داعيا الولايات المتحدة إلى "افتعال أزمة معها مما يتطلب واشنطن اتخاذ خطوات عسكرية ضد إيران في حال فشل المفاوضات النووية." وأضاف مدير الأبحاث في المعهد، باتريك كلاوسون، محذرا تردد الادارة الأميركية ".. في الحقيقة لن يلجأ الوفد الايراني لتقديم تنازلات، ومن الأفضل أن يقدم طرف آخر لاشعال الحرب" معها – في إشارة واضحة إلى "اسرائيل." (أيلول - سبتمبر 2012).

خلاصة القول فيما يخص مراكز الفكر والأبحاث المختلفة أن بعضا منها سيحظى بنفوذ واضح للتأثير على بلورة معالم سياسات ترامب المقبلة، على الرغم من أن أطباعه تشده إلى انتقاء ما يناسبه في لحظة زمنية معينة، وغير ملزم بالتقيد في الأبعاد الأيديولوجية للارشادات والنصائح المقدمة.

--------------------------------------------------------------

*مدير مكتب قناة الميادين في العاصمة الأمريكية "واشنطن"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المصدر:

http://www.almayadeen.net/articles/studies/49761/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB-%D8%AA%D8%B1%D8%B3%D9%85-%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84%D8%A9

أوباما وسياساته التخريبية عند الوداع

يطلق الأمريكيون على رئيسهم في الأسابيع الأخيرة المتبقية من ولايته، بالبطة العرجاء (The lame duck) ولكن الرئيس باراك حسين أوباما يريد أن يثبت أنه ليس بطة عرجاء، بل مازال ناشطاً. لذلك اتخذ قرارات قوية وهو على وشك مغادرة البيت الأبيض، و لكن المؤسف أن غالبية قرارته هذه تخريبية، وآخر قرار تخريبي أصدره هو يوم أمس (29/12/2016) القاضي "بطرد 35دبلوماسيا روسيا، وإغلاق مركزين تابعين لموسكو يستخدمان لأغراض استخباراتية في ولايتي نيويورك وميريلاند، كما وشملت العقوبات تسعة كيانات وأفرادا من بينها وكالتان للاستخبارات الروسية وهما GRUوFSB.. وهذه الإجراءات هي ردا على ما يُعتقد أنه هجمات الكترونية استهدفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في البلاد ضد مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون، وعلى المضايقات المزعومة التي تعرض لها دبلوماسيون أمريكيون في موسكو. والغرض الثاني من هذه الاتهامات والإجراءات التعسفية، هو لجعل الحياة صعبة لخلفه الرئيس المنتخب دونالد ترامب، الذي استنكر تلويح واشنطن بفرض المزيد من العقوبات على روسيا قائلا: "من المفترض أن نتجاوز الأمر ونواصل حياتنا"(1)

وردَّ الناطق باسم الحكومة الروسية، أن روسيا لن تتعجل حتى يصبح دونالد ترامب رئيسا للبلاد. ونفى أي تورط لروسيا في القرصنة الإلكترونية، ووصف العقوبات الأمريكية بأنها "بدون أساس".(2). وكان الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب رفض في وقت سابق مزاعم القرصنة و وصفها بأنها "سخيفة".

لا شك أن أوباما أراد من عمله التخريبي هذا أن يدفع بوتين لاتخاذ عمل مماثل، لتصعيد التوتر بين البلدين، ولإحراج ترامب، و دفع الشعب الأمريكي بالضغط عليه لمواصلة الصراع والتوتر، ولكن بوتين كان أذكى منه، فخيَّب أمله، إذ رفض النزعة الانتقامية، وتصرف بمنتهى الذكاء. لذلك، وخلافاً لما كان متوقعاً في هذه الحالات، واقتراح وزير خارجيته في الرد على أوباما بالمثل، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بلاده لن ترد بالمثل، وأن روسيا تحتفظ لنفسها بحق الرد في انتظار الاطلاع على سياسات الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، بعد توليه السلطة يوم 20يناير/كانون الثاني المقبل. مضيفاً:"لكننا لن ننزل الى مستوى دبلوماسية غير مسؤولة" متعهدا بعدم التسبب في"مشاكل للدبلوماسيين الاميركيين". واغتنم بوتين مناسبة نهاية السنة ليتمنى للرئيس أوباما "ولأفراد أسرته عاما سعيدا رغم كل شيء". كما وجه بوتين دعوة لكل أطفال الدبلوماسيين الاميركيين المعتمدين في روسيا إلى الاحتفال التقليدي الذي يقام في الكرملين بمناسبة عيد رأس السنة وعيد الميلاد لدى الطائفة الارثوذكسية في السابع من يناير/كانون الثاني.(2)

لا شك أن هذا الرد العقلاني أحرج أوباما، وأظهره لشعبه أنه تصرف بحماقة. كما وصرح أحد رؤساء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) السابقين للبي بي سي مساء 30/12/2016، أنه لا يعتقد بتدخل روسيا عن طريق القرصنة الإلكترونية، وأنها غيرت مجرى ونتائج الانتخابات الرئاسية.

والجدير بالذكر أن تزامنت هذه الاجراءات الانتقامية مع اللقاء بين روسيا وتركيا وسبعة من فصائل المعارضة السورية في أستانة، عاصمة كازاخستان، الذي تم فيه الاتفاق على وقف القتال في سوريا، وبدون مشاركة أمريكا. وقال بوتين عقب الاتفاق "إنه جرى توقيع ثلاث وثائق تمهد الطريق لحل الأزمة السورية." وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ عند منتصف ليلة الخميس/الجمعة، بالتوقيت المحلي (2200بتوقيت غرينتش)، في أحدث مسعى لإنهاء إراقة الدماء المستمرة منذ قرابة ستة أعوام.(3)

لا شك أن هذا الاتفاق، وبدون مشاركة أمريكا (رغم إعلان تأييدها له)، أغاض أوباما مما دفعه للإسراع لاتخاذ هذه الإجراءات الانتقامية ضد روسيا، وبوتين بالذات، وهي إجراءات صبيانية من شأنها تصعيد الحرب الباردة بين الدولتين العظميين.

إن اتهامات أوباما ضد روسيا بالقرصنة الالكترونية والتدخل بالانتخابات تفتقر إلى المصداقية، وإذا كانت صحيحة، فلماذا لم يعترض عليها خلال الحملة الانتخابية، ولماذا انتظر كل هذه المدة لأكثر من شهر بعد إعلان نتائج تلك الانتخابات؟

أما بخصوص تأييد رؤساء الاستخبارات الأمريكية (FBI) و(CIA)، لهذه الاتهامات، "إلى أن الهدف من الاختراق كان إلحاق الضرر بكلينتون والديمقراطيين لصالح ترامب."، فيرد الروس أن هذه المؤسسات الاستخباراتية فقدت مصداقيتها، فهي نفسها التي ادعت امتلاك صدام حسين سلاح الدمار الشامل، وعلى أساسها شنت أمريكا الحرب عليه، وبعد الحرب أثبتت لجان التفتيش الأممية عدم صحة هذه المعلومات.

إنه لمؤسف أن يغادر الرئيس أوباما البيت الأبيض ويلوث تاريخه بهذه الاتهامات الزائفة، والإجراءات الانتقامية، وهو الذي كان قد وعد في حملته الانتخابية الرئاسية الأولى، بعدم زج أمريكا في حروب أخرى، وإغلاق معتقل غوانتينامو السيئ الصيت، وبذل جهوداً لكسب ود العالم الإسلامي بخطابه التاريخي في جامعة القاهرة، في مسعى منه لإلحاق الهزيمة بالإرهاب الإسلامي، وأنه يعمل كل ما في وسعه لإنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي وإحلال سلام عادل، الأمر الذي سارعت لجنة نوبل السويدية بمنحه جائزة نوبل للسلام. ولكنه بعد ثمان سنوات من ولايتيه، فشل الرئيس أوباما في تحقيق أي من هذه الوعود، ما عدا وعداً واحداً فقط، وهو سحب القوات الأمريكية من العراق، والذي كان تنفيذاً للإتفاقية الاستراتيجية المبرمة مسبقاً بين العراق وأمريكا في عهد الرئيس السابق جورج بوش. وأوباما نكث العهد في هذه الاتفاقية، وتلكأ عمداً في تنفيذ بنودها، وأهمها الدفاع عن العراق إذا ما تعرض للعدوان الخارجي. وظهر ذلك جلياً عندما تعرض العراق إلى هجمة داعش في 10حزيران 2014، والتي كانت نتاج مؤامرة دولية وإقليمية ومحلية، وقال أوباما حينها أنه لم يساعد العراق في حربه على داعش إلا بعد إزاحة نوري المالكي عن رئاسة الحكومة. 

ولعل من أهم إيجابيات إدارة أوباما وهو على وشك المغادرة، هي عدم استخدام النقض (فيتو) على قرار مجلس الأمن الدولي الأخير الذي أدان فيه إسرائيل، وطالبها بوقف بناء المساكن في الأراضي الفلسطينية، وكذلك خطاب وزير خارجيته، جون كيري، الذي انتقد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتن ياهو بشدة، ووصفه بأنه يرأس حكومة هي أشد يمينية في التاريخ، وأنه يهدد السلام بين الشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي، لرفضه الحل القاضي بدولتين.

إن أوباما وهو يتهيأ لمغادرة البيت الأبيض، يطبِّق المثل العراقي: (يا مغرِّب خرِّب)، أو (يا رايح كثِّر من الفضايح). وهذا لا يليق برئيس دولة عظمى مثل أوباما الذي كنا نأمل منه الحفاظ على السلام والوئام بين الشعوب، و من أجل وعوده هذه نال جائزة نوبل. أعتقد أنه خيب أمل الجميع.

يقول الشاعر ابن دريد:

إنـما الـمرء حـديث بـعده .... فـكن حـديثاً حـسناً لمن روى

-------------------------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   

http://www.abdulkhaliqhussein.nl

الجوانب الاقتصادية لمعرض الطاقة العراقي للاختراعات

الجوانب الاقتصادية لمعرض الطاقة العراقي للاختراعات

د. إحسان ابراهيم العطار*

تم برعاية السيد وزير النفط في المركز الثقافي النفطي في بغداد وعلى مدى يومي الاحد والاثنين 18و19كانون الأول 2016وبالتعاون مع منتدى المخترعين العراقيين معرض الطاقة العراقي للاختراعات حيث قدمت مجموعة من الحاصلين على براءات الاختراع من العاملين في دوائر الدولة ومن الافراد العاملين في القطاع الخاص معروضاتهم للاطلاع عليها من قبل زوار المعرض إضافة الى تقييمها من قبل لجنة تقييم شكلتها لهذا الغرض وزارة النفط من عدد من الخبراء المختصين.

وقد تم اختياري عضوا في لجنة التحكيم هذه والمكونة من (9) تسعة اشخاص (4) اربعة منهم من وزارة النفط و (5) من الاساتذة التدريسيين في الجامعات العراقية برئاسة السيد مساعد رئيس الجامعة التكنولوجية حيث حددت مهمة اللجنة الاطلاع على كافة الاختراعات المعروضة البالغ عددها (72) اختراعا وطبيعة عملها والمواد الأولية المستخدمة والجدوى الفنية والاقتصادية من تصنيعها ومجالات تطبيقها والاستفادة منها وبالتالي إمكانية تسويقها في السوق التجارية بالتعاون مع مستثمرين محتملين في القطاعين العام او الخاص، حيث كان يتعين على لجنة التحكيم اعداد تقرير باعمالها يتضمن تسمية افضل (10) عشرة براءات اختراع تُمنح المدالية الذهبية ثم اختيار (20) عشرين براءة اختراع تمنح المدالية الفضية بينما تمنح بقية الاختراعات المشاركة المدالية البرونزية.

أكملت لجنة التحكيم مهمتها ضمن الوقت المحدد ووفق معايير علمية ومهنية وضعتها مسبقا لهذا لغرض شملت (امكانية التطبيق التأثير على البيئة الفكرة العلمية).  وتم تقييم كل براءة اختراع على حدة بعد الاطلاع عليها عن كثب ومحاورة صاحب الاختراع والاستفسار منه والحصول على كافة الأجوبة المقنعة عن معايير التقييم التي وضعتها اللجنة حتى أكملت عملها بكل حيادية ومهنية تتناسب والمهمة المكلفة بها.  وتم توزيع الجوائز في نهاية اليوم الثاني بحضور السيد وزير النفط.

ملاحظاتي الشخصية على هامش هذا المعرض هي ان التعامل مع براءات الاختراع هذه لم يكن موجها بالشكل الصحيح المثمر اقتصاديا كما هو معمول به في الدول المتقدمة والتي نجد ان الهدف النهائي للاختراعات وبراءات الاختراع هو العمل باتجاه ان تأ خذ هذه الاختراعات طريقها الى الإنتاج التجاري والتسويق بشكل اقتصادي يسهم في دعم الوضع الاقتصادي للبلد ويعود بالفائدة على الفرد والمجتمع بينما نجد في بلدنا العراق ان هذه الاختراعات تبقى على الرف وان اقصى ما يحصل عليه صاحب براءة الاختراع هو وثيقة براءة الاختراع كي تؤطر لتتحول الى شهادة جدارية يعلقها المخترع على احد جدران داره او مكتبه.

ما جلب انتباهي في هذا المعرض كلمة احد الضيوف المدعوين الأجانب، السيد رئيس معهد البحوث والاختراعات في جمهورية روسيا الاتحادية، التي القاها في الجلسة الافتتاحية والتي تبين مدى اهتمام الإدارة العليا في بلده بأمور الاختراعات حيث فهمت من كلمته ان المعهد يحضى برعاية اعلى سلطة في البلد المتمثلة برئيس الجمهورية (بوتين) نفسه حيث انه الرئيس الأعلى للمعهد، وان الدولة الروسية تخصص في ميزانيتها السنوية مبالغ عالية بملايين الدولارات غايتها تبني الاختراعات الناجحة وتطويرها ووضعها قيد الإنتاج والتسويق التجاري في السوق الوطنية دعما لاقتصاد البلاد ولفائدة الفرد والمجتمع، وان ما يعادل من مئات الآلاف من الدولارات تخصص للمخترعين بهدف تمكينهم من تطوير مخترعاتهم والوصول بها الى مستوى يحضى باهتمام المستثمرين من القطاعين العام والخاص وبما يخرجها الى نور الانتاج والتسويق التجاري وبما يعود بالنفع الشامل على شخص المخترع ابتداء ومن ثم على افراد المجتمع وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام وفق مبدأ راسخ هو ان الغاية النهائية لأي اختراع ناجح هو إمكانية انتاجه والوصول به الى السوق التجارية بما يفيد البلاد والعباد.

بالمقارنة لم نسمع نحن في لجنة التحكيم من أي من أصحاب براءات الاخترع انه لقي بعد حصوله علىها قبولا او تشجيعا من أي من المسؤولين في القطاع العام او المستثمرين العاملين في القطاع الخاص بما يمكنه من الخطوة التالية نحو الهدف الأسمى الا وهو تصنيع وتسويق المنتج وان جهودهم هذه تبقى جهودا شخصية ان لم تستثمر تجاريا سرعان ما تأخذ طريقها الى النسيان.  بل ان أحد أصحاب براءات الاختراع هذه ادعى بانه تعرض الى ما يشبه التهديد ممن يعتقد بان الاختراع الجديد ينافس انتاجه المستورد وقد يعرضه للخسارة المادية في حالة استثماره وتسويقه تجاريا.

في نهاية المعرض في اليوم الثاني أعلنت نتائج لجنة التحكيم وفق ما هو مطلوب وتم بموجبها توزيع الجوائز على الفائزين كما تم الاعلان عن ان معرض الاختراعات هذا ستتم اعادة اقامته في العراق سنويا.

توصيتنا الى العاملين على إقامة مثل هذا المعرض:

1.    ان يكون الهدف الأسمى من الاختراعات هو تسويق السلع والخدمات الناتجة عنها كما هو معمول به عالميا وان أي اختراع لا يحتمل ان يجد طريقه الى السوق التجارية لاقيمة له.

2.    التركيز على القطاع الخاص بدرجة اعلى من القطاع العام باعتباره المؤهل والقادر عل تصنيع وتسويق مثل هذه الاختراعات ويجب ان تكون مثل هذه المعارض مركز جذب للمستثمرين من كلا القطاعين والذي يجب ان يخصص في موازنات كل منهما مبالغ مجزية لدعم الاستثمار في مثل هذه الاختراعات والمبتكرات الجديدة وفق منظور اقتصادي بحت.

3.    ن تهتم الإدارة العليا في الدولة بشريحة أصحاب براءات الاختراع وتخصص لهم مبالغ مجزية في الموازنة السنوية ليس فقط لمنح الجوائز فهذه أمور رمزية دعائية واعلامية لا جدوى فيها وانما المهم هو ضمان وصول المنتج المبتكر الى السوق التجارية كي يجني المخترع ثمرة جهوده الخلاقة ويحقق دعما إضافيا للاقتصاد الوطني وتنمية القطاع الخاص العراقي.

-----------------------------------------------------

 (*) خبير نفطي

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين 

هل ما زال هناك فعلاً هُويّة عربية مشتركة..؟

هل ما زال هناك فعلاً هُويّة عربية مشتركة..؟

وما هو دور المهاجرين العرب؟!

يتكرّر لدى بعض المشاركين في ندوات "مركز الحوار العربي" بمنطقة العاصمة الأميركية، طرح مسألتين متلازمتين، وهما: "هل ما زال هناك فعلاً هُويّة عربية مشتركة؟"، ثمّ "ما هو دور المهاجرين العرب تجاه ما يحدث في بلدان العرب؟". وحتماً، فإنّ هذين الموضوعين هما أيضاً قضية مثارة في أي محفل فكري عربي في دول الغرب والمهجر عموماً، لأنّ الصراعات العربية البينية هي الطاغية الآن، فعن أي "هُوية عربية" نتحدث؟!، وأين هو دور من يشكّلون طليعة عربية مثقّفة في دول المهجر إذا كان السائد عربياً هو أسلوب العنف، لا التحاور أو التفاعل الفكري المثمر؟!.  

ورغم مصداقية هذه التساؤلات، فإنّ خلاصاتها السلبية لا تتناسب مع الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى حدوثها، ذلك أنّ مشاعر اليأس التي تزداد الآن بين العرب، وتصل ببعضهم إلى حدّ البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وإلى تحميل العروبة مسؤولية تردّي أوضاع أوطانهم، هي ناتجة عن مشكلة الخلط بين الانتماء الطبيعي وبين الظروف المصطنعة، بين العروبة الحضارية وبين الأنظمة والحكومات، بين الهويّة الثقافية وبين الممارسات السياسية والحزبية.

أي إنّها مشكلة التعامل مع الانتماء القومي بمقدار ما ننظر إليه آنيّاً وليس بمقدار ما هو قائمٌ موضوعياً. فسواء رضي بعضنا بذلك أم لم يرضَه، فإنّ الانتماء للهوية العربية، ليس ثياباً نلبسها ونخلعها حين نشاء، بل هو جلد جسمنا الذي لا نستطع تغييره مهما استخدمنا من عملياتٍ جراحية وأدواتٍ مصطنعة.

إنّ "الهوية العربية"، والانتماء لها، فخرٌ للعرب، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فيكفيهم فخراً أنّ أرضهم العربية هي أرض كلّ الرسالات السماوية، وأنّ الله عزَّ وجلَّ كرّمها بأنّ بعث رسله كلّهم منها وعليها، وكانت هذه الأرض الطيّبة منطقة ومنطلق الهداية الإلهيّة للناس أجمعين وفي كلّ مكان، وبأنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، وأن الثقافة العربية كانت الحاضنة الأولى للدعوة الإسلامية.

أيضاً، إنّ مسألة الهوية لا ترتبط فقط بالجغرافيا بل بالتاريخ المشترك، وبالمستقبل الأفضل القائم على التكامل، وبالحاضر السياسي والثقافي والاجتماعي الموحّد في حال العرب. فالهويّات المتعدّدة للإنسان الفرد أو الجماعة هي ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى أو تتناقض فيما بينها، فلا تتفاعل أو تتلاقى، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها، بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها، إبتداءً من العائلة وصولاً إلى وحدة الإنسانية.

ونجد أيضاً في مشكلة الهويّة العربية هذا الانفصام الحاصل بين وجود ثقافة عربية واحدة وبين عدم وجود دولة عربية واحدة. فمعظم شعوب العالم اليوم تكوّنت دوله على أساس خصوصية ثقافية، بينما الثقافة العربية لا يُعبّر عنها بعد في دولة واحدة. فالموجود الآن من الدول العربية هو أوطان لا تقوم على أساس ثقافات خاصّة بها، بل هي محدّدة جغرافياً وسياسياً بفعل ترتيبات وظروف مطلع القرن العشرين التي أوجدت الحالة الراهنة من الدول العربية، إضافةً طبعاً لزرع "دولة إسرائيل" في قلب المنطقة العربية.

إنّ "الهوية العربيَّة" كانت موجودةً كلغةٍ وثقافة قبل وجود الإسلام، لكنَّها كانت محصورة بالقبائل العربيَّة وبمواقع جغرافية محدّدة في الجزيرة العربية .. بينما "الهويّة العربية الحضارية" الآن، والتي أستحسن تسميتها ب"العروبة"  –كَهويَّة انتماءٍ ثقافي غير عنصري وغير قبلي- بدأت مع ظهور الإسلام، ومع ارتباط اللغة العربيَّة بالقرآن الكريم، وبنشر الدعوة بواسطة روَّادٍ عرب. فالعروبة هي إضافة حضارية مميَّزة أوجدها الإسلام على العربيّة كلغة نتيجة ارتباط الإسلام بالوعاء الثقافي العربي، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وبالتَّالي خرجت الثقافة العربية من دائرة العنصر القبلي، ومن حدود الجغرافية الصغيرة، إلى دائرةٍ تتَّسع في تعريفها ل"العربي" ليشمل كلّ من يندمج في الثقافة العربيَّة بغضِّ النَّظر عن أصوله العرقية أو الإثنية أو القبلية أو الدينية.

ومن المهمّ الإدراك أنّ العرب هم أمَّة واحدة في الإطار الثقافي وفي الإطار الحضاري وفي المقاييس التاريخية والجغرافية (اشتراك في عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والأرض)، لكنَّهم لم يجتمعوا تاريخياً في إطارٍ سياسيٍّ واحد على أساس مرجعية العروبة فقط. فالأرض العربيَّة كانت تحت سلطةٍ واحدة في مراحل عديدة من التاريخ، لكن على أساس تسمياتٍ لمرجعياتٍ دينيةٍ إسلامية (الخلافة) لا على أساسٍ قوميٍّ عربيّ.

من هنا أهمّية التوافق على مسألتين:

الأولى: حسم مسألة الانتماء إلى أمَّةٍ عربيَّةٍ واحدة من حيث عناصر تكوين الأمَّة (لغة- ثقافة- تاريخ - أرض مشترَكة)، وحسم مسألة البُعد الحضاري الإسلامي الخاصّ في العروبة، والمميِّز لها عن باقي القوميات في العالم الإسلامي..

الثانية: ضرورة المرونة في كيفيَّة الوصول إلى تعبيرٍ دستوريٍّ سياسي عن وحدة الأمَّة العربية، وفي عالمنا المعاصر نماذج عديدة ممكن الأستفادة منها كالتجربة الأميركية (دستور اتحادي/فيدرالي بين خمسين ولاية) والتجربة الأوروبية (تكامل تدريجي/من الكونفدرالية إلى الفيدرالية بين أممٍ ودولٍ مختلفة).

لكن يبقى الأساس في أيَّة وسيلةٍ تستهدف الوصول إلى دولة "الولايات العربية المتحدة" أو إلى "الاتحاد العربي"، هو:

1- الدعوة السلمية ورفض الابتلاع أو السيطرة أو الهيمنة من وطنٍ عربيٍّ على آخر..

2- تحرّر الأوطان العربية من الهيمنة الأجنبية (الإقليمية والدولية) وإقامة أنظمة حكم ديمقراطية تصون عملية الوحدة أو الاتحاد. فالتَّحرر الوطني والبناء الدستوري السليم، معاً هما المدخل السليم لوسائل تحقيق الوحدة أو أيّ شكلٍ اتحاديٍّ عربيّ.

إنّ العروبة الثقافية الجامعة بين كلّ العرب هي حجر الزاوية في البناء المنشود لمستقبلٍ أفضل داخل البلدان العربية، وبين بعضها البعض. وحينما تضعف الهُويّة العربية فإنّ بدائلها ليست هُويّات وطنية موحّدة للشعوب، بل انقسامات حادّة تولد حروباً أهلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس معاً.

***

أمّا عن دور المهاجرين العرب إلى الغرب، فقد توفَّرت لهم فرصة التفاعل المشترك فيما بينهم بغضِّ النظر عن خصوصياتهم الوطنية، وبالتالي توفَّر إمكان بناء النموذج المطلوب لحالة التفاعل العربي في أكثر من مجال. أيضاً أتاحت لهم الإقامة في الغرب فرص الاحتكاك مع تجارب ديمقراطية متعدّدة من الممكن الاستفادة منها عربياً في الإطارين الفردي والمجتمعي. لذلك فإنّ للمهاجرين العرب خصوصية مميّزة في عملية التكامل والإصلاح العربي المنشودين.

لكن المشكلة عند المهاجرين العرب، هو التشكّك الذاتي الحاصل لدى بعضهم في هويّته الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي أو في أحسن الحالات إقليمي. وربّما يرجع سبب ذلك إلى طغيان الانقسامات وسمات مجتمع "الجاهلية" على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.

لذلك، فإنّ الدور المنشود من المهاجرين العرب يُحتّم عليهم أولاً تحسين وإصلاح ما هم عليه الآن من خلل في مسألة الهوية، ومن سلبية تجاه مؤسّسات العمل العربي المشترك في الغرب.

ولا أعلم لِمَ لا يستفيد المهاجرون العرب من تجارب سابقة في الهجرة العربية للغرب، كان في مقدّمتها في مطلع القرن العشرين تجربة الأدباء العرب ذوي الأصول اللبنانية، الذين استوطنوا في معظمهم بمدينة نيويورك الأميركية وشكّلوا فيما بينهم "الرابطة القلمية" بمبادرة من الكاتب والمفكّر جبران خليل جبران، حيث كانت هذه "الرابطة" نموذجاً لما نحتاجه اليوم في دول المهجر من منتديات وروابط وجمعيات تقوم على أساس المشترك من الهُوية الثقافية والاهتمامات والعمل، لا على الأصول الوطنية والطائفية والمناطقية. فعلى الرغم من أنّ كل هؤلاء الأدباء الذين جمعتهم "الرابطة القلمية" كانوا من أصول لبنانية ودينية مسيحية فإن "رابطتهم" كانت الأدب العربي، فلم يجتمعوا أو يعملوا في أطر فئوية، ولم يُطلقوا على أنفسهم اسم "الرابطة اللبنانية" أو "الرابطة المسيحية". فكان "قلمهم" من أجل نهضة أوطانهم ووحدة شعوبهم، ومن أجل الإنسان عموماً بغضَّ النظر عن العنصر والدين. كذلك فعل أدباء المهجر آنذاك في أميركا الجنوبية حيث أسّسوا "الرابطة الأندلسية" التي برزت فيها أسماء رشيد سليم الخوري وفوزي المعلوف وآخرون.

وفي فترة زمنية متقاربة مع فترة تأسيس "الرابطة القلمية" في نيويورك، حدثت تجربة الإصلاحي الإسلامي الشيخ محمد عبده من خلال تأسيس مجلة "العروة الوثقى" في باريس. وكما حرص الشيخ محمد عبده على توظيف منبره (العروة الوثقى) لإصلاحيين ومفكّرين آخرين، كان في مقدّمتهم الشيخ جمال الدين الأفغاني، كذلك كانت "الرابطة القلمية" التي أسّسها جبران منبراً لعدد مهمّ من المفكّرين والأدباء كميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي. فهذا النموذج من المهاجرين العرب أدرك واجبه ومسؤوليته في إصلاح المجتمع الذي هاجر منه، وفي المساهمة الفكرية والعملية بتقديم المشروع النهضوي المطلوب، وفي جعل بلد المهجر مصنعاً لخميرة إيجابية جيّدة وجديدة، لا مرآةً تعكس سلبيات الأوطان التي هاجروا منها. ولم يجد هؤلاء في "الآخر" منهم منافساً بل مكمّلاً لعطائهم. تعلّموا الكثير من بلدان الغرب لكن لم يفقدوا هُويّتهم ولا نسوا أوطانهم. حافظوا على لغتهم وثقافتهم في بلاد المهجر لكن كانوا فاعلين إيجابيين أيضاً في مجتمعاتهم الجديدة. كان همّهم الأول في "الشرق" وإن كان تواجدهم في "الغرب". استفادوا من حسنات المكان لكي يساهموا في تغيير سيّئات زمن أوطانهم، وهذا ما على المهاجرين العرب فعله الآن.

----------------------------------------------------------------

* مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

المدخل السياسي إلى الصحة

المدخل السياسي إلى الصحة ... السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية

بقلم: زكرياء الإبراهيمي 

ارتبط مفهوم الصحة بميشيل فوكو، بشكل كبير وغريب كذلك، فإلى جانب انتمائه إلى عائلة من الأطباء، وعيشه بين أسرة كانت ترغب في تحوّله إلى جرّاح يجيد تشريح الأجساد، وإلى جانب اعتياده لأكثر من مرّة مستشفى الأمراض العقلية، وموته متأثّراً بمرض السيدا، وارتباطه بممارسة غالباً ما كانت تعدّ مرضاً أي “المثلية الجنسية”، فإن ميشيل فوكو لم يكن فقط مؤرخاً لمفهوم المرض “تاريخ الجنون في العصر الوسيط، تاريخ الجنسانية، ولادة العيادة” يجري وراء حفريات هذا المفهوم وأثر وطريقة تشكله وتطوّره عبر تاريخ الممارسة العلمية وخاصة الطبّ، كما لم يكن إبيستمولوجياً، يعيد إنتاج أقدم إشكالية علمية في تاريخ المعرفة العلمية “النظرية والتجربة” لحظة بحثه في الظاهرة الطبية زمن تشكلها داخل العيادة، ولم يكن فقط باحثاً في أزمة بعض العلوم وعجزها عن تفسير عدد من الظواهر الإنسانية ذات الطبيعة المرضية “المرض العقلي والسيكولوجيا”.

لقد كان ميشيل فوكو فيلسوفاً وسوسيولوجياً للصحة تخترق أسئلته المجال المرئيّ والبسيط للممارسة الطبية والظاهرة الصحية، من خلال ربطه للبيولوجيا والمرض والمستشفى والجنس والجسد والمتعة…الخ، بالسلطة التي اعتبرها فوكو المسؤول الأوّل والوحيد عن صحة البشر وحياتهم وموتهم وولادتهم. وهنا تكمن فرادة أطروحة هذا الأخير، حيث أنّ اتجاهه نحو دراسة البعد الدولتي للبيولوجي، وإبداع مفاهيم جديدة من قبيل “دولنة البيولوجي” و“عنصرية الدولة” “السلطة الحيوية”، “السياسية الحيوية”، “إدارة الحياة” “النزولوجيا السياسية”، “الآليات الانضباطية، الآليات التنظيمية” “الحقّ في الإماتة” و“الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة” “إدارة الأجساد” “التدبير الحسابي للحياة” “الاقتصاد السياسي للحياة”…الخ. ، هو ما جعل من الرجوع إلى ميشيل فوكو لدراسة الظاهرة الصحية ضرورة قصوى، لأنّ نزوع بعض الباحثين إلى دراسة تطوّر الممارسة الطبية والقضايا الصحّية المرتبطة بها بعيداً عن السلطة السياسية التي تحتضنها، والشروط السياسية والتاريخية والاجتماعية التي تولد داخلها هو ما أفقد هذا النوع من الدراسات جزءاً من كمالها[1]، ومنح لأعمال فوكو قيمة مضافة علمية تفتقدها العديد من الدراسات التي تدّعي لنفسها دراسة الصحّة والمرض داخل المجتمعات الإنسانية.

من جهة ثانية فإنّ ما يميّز مقاربة فوكو للظاهرة البيولوجية هو اهتمامه بالبعد التاريخي لتشكّل هذا النوع من الظواهر، وحرصه على الإحاطة بظروف ولادتها وظهورها، لأنّ فهم طبيعتها لا يتأتّى إلا من خلال الكشف عن طريقة تشكّلها وتطوّرها عبر التاريخ، لذلك فإنّ ما يفسّر اهتمام فوكو بتاريخ الجنون وكلّ ما يرتبط بالمرض سواء في صيغته العقلية أو العضوية، هو بحثه عن حقيقة هذا النوع من الظواهر.

عموماً يمكن القول إنّ مقاربة فوكو للمرض اتّخذت صورتين، أولى يمكن أن نسمّيها بالبعد السياسي للمرض، وارتبط ببداية تدخل الدولة في تدبير الحياة وجودة الحياة وطولها، وكيفية تحوّل هذه الوظيفية إلى عنصر أساسي لتقييم جودة الأنظمة السياسية، وكذا بظهور الرأسمالية التي أصبحت تحتاج كلّ إمكانيات البشر لتحقيق أكبر إنتاج ممكن، وثانية هي السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية.

أوّلا: البعد السياسي للصحّة:

إذا كانت بداية التكوين العلمي للطبّ قد اقترنت بالقرن الثامن عشر، فإنّ الاهتمام السياسي بالصحة والجسد يعود إلى ما قبل هذا التاريخ، فهو يعود إلى القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، بل وإلى ما قبل هذا التاريخ مادام الموت والحياة اعتبرا داخل المجتمعات السابقة على القرن السابع عشر – يحيل ميشيل فوكو على الإمبراطورية الرومانية- “ليسا من الظواهر الطبيعية المباشرة والأصلية التي تكون خارج السلطة السياسية…، إننا نجد للعاهل حقّ الحياة والموت على الرعية وفقاً للقانون. وعليه فإنّ حياة وموت الرعية، لا يصبحان حقاً إلا بإرادة العاهل”[2].

إن هذه السلطة على الحياة التي تمثّلت داخل المجتمعين القديم والقروسطي في الحقّ في الإماتة و الإبقاء على قيد الحياة، ستستبدل داخل المجتمع الحديث في نظر ميشيل فوكو بسياسة حيوية Biopolitiqueجديدة، تتجسد في سلطة الإحياء بدل الحقّ في الإماتة، ورفض الموت بدل الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة، وذلك بعد أن جعلت الدولة لنفسها مكاناً في التدخل “في الحياة وطريقة الحياة ومستوى الحياة ورفع مستوى الحياة، والتحكم في الأعراض والحوادث والنقائص”[3].

اتخذ تدخل الدولة في الحياة تكنولوجيات كثيرة جداً، وارتبط باستراتيجيات وسياسات ومخططات حيوية عديدة يعتقد ميشيل فوكو أنها تنخرط في آليتين رئيسيتين، أولى انضباطية، تبدو كشكل من أشكال الرقابة البوليسية العفوية، وتظهر في الاشتغال على “الجسد كآلة بترويضه والرفع من كفاءاته، وانتزاع قواه، والنمو المتوازن لمنفعته وانقياده واندماجه في منظومات للمراقبة فعالة واقتصادية، كل هذا قد أمنته إجراءات لسلطة تحدد”الانضباطات“[4]، وثانية تنظيمة تبدو داخل”أنظمة الضمان الصحي، والتقاعد والشيخوخة وقواعد المحافظة على الصحّة التي تضمن إطالة عمر السكان قدر الإمكان“[5].

لقد كانت الغاية الأساسية من خلق هذه السلطة على الحياة، هي التحكّم أوّلا في نسبة الولادة والوفاة وتجنب الموت الدائم الذي يهدد البشر، من خلال تجنب الأمراض القاتلة وأسباب وجودها، لأن هذه الظواهر (أي الولادة، ومعدّل الخصوبة والإنجاب، والأمراض) تهدد بشكل مباشر الإنتاج، وتساهم بوجودها في”ضعف الإنتاج وانخفاض وقت العمل وتدني الطاقة وارتفاع التكلفة الاقتصادية، إنها تتسبب في نقص الإنتاج والعلاج المكلف“[6].

غنيّ عن التوضيح إذن أنّ ظهور سلطة حيوية - خلال القرن الثامن عشر- تتغيا مراقبة الأجساد والحفاظ على جودتها، كان بدافعين اثنين، أول اقتصادي، كانت تسعى من خلاله الدولة إلى مطابقة الظواهر السكانية مع السيرورات الاقتصادية، كما أنها استحضرت دائما حجم المشاكل الاقتصادية والسياسية التي يطرحها الفرد على الجماعات السياسية والاجتماعية التي ينتمي إليها في حالة المرض، والأمر لا يرتبط بكلفة العلاج فقط، وإنما بالعجز عن الإنتاج كذلك فـ”المريض بدون شك غير قادر على العمل، إنه يوضع داخل المستشفى ويصبح حملا مزدوجاً“[7]، إن هذا الحمل المزدوج الذي يتحدث عنه فوكو، لا ينعكس سلباً على الدولة التي تصبح ملزمة بتوفير العلاج ومكان العلاج”المستشفيات“وأداة العلاج ووسائطه”الطبيب والأدوية“[8]، بل إنه ينعكس على الأسرة كذلك إذ بدل الاتجاه نحو مساعدة الأسرة التي تعيش حالة بؤس وفقر، سيمسي المريض هو الشخص الوحيد المستفيد من هذه الإعانة من خلال مجانية العلاج وإلزاميته.

من جهة ثانية يكشف ميشيل فوكو عن الدور الذي لعبته الرأسمالية في بناء السلطة البيولوجية، والتكنولوجيا السياسية للحياة، وبلورة تمثل جديد عن الجسد، يقول فوكو في هذا الصدد”غير أنّ ما حدث في القرن الثامن عشر في بعض البلاد الغربية، والذي تم ربطه بنمو الرأسمالية، هو ظاهرة أخرى تماماً وربما ذات مدى أكبر من الأخلاق الجديدة التي كانت تبدو أنها تحتقر الجسد، إنها لم تكن في شيء أقل من دخول الحياة في التاريخ - أعني ظهور الظواهر الخاصة بحياة النوع البشري في نظام المعرفة والسلطة- في حقل التقنيات السياسية. إن الأمر لا يتعلق بالزعم أنّ في هذه اللحظة بالذات وقع أول اتصال للحياة بالتاريخ. بل بالعكس، كان ضغط البيولوجي على التاريخ قد ظل، على امتداد آلاف السنين قوياً جداً؛ فالوباء والمجاعة شكّلا الشكلين المأساويين الكبيرين لهذه العلاقة التي ظلت على هذا النحو موضوعة تحت علامة الموت، وبسيرورة دائرية، سمح النمو الاقتصادي و الزراعي بوجه خاص للقرن الثامن عشر، وتزايد الإنتاجية والموارد الذي كان أسرع من النمو الديمغرافي الذي كان يساعد عليه، سمحا بأن تتراخى بعض الشيء هذه التهديدات العميقة: فعهد فتك الجوع والجذام، - عدا بعض الانبعاثات – انتهى قبل الثورة الفرنسية؛ وبدأ الموت يكفّ عن تطويق الحياة مباشرة. ولكن في ذات الوقت، كان تطور المعارف، المتعلقة بالحياة بصفة عامة، وتحسين التقنيات الزراعية، والملاحظات والتدابير التي تستهدف الحياة وبقاء البشر، كانت كلها تساهم في هذا الارتخاء: هكذا كان التحكم النسبي في الحياة يبعد البعض من وشكات الموت. على هذا النحو، تدخلت طرائق للسلطة والمعرفة لتنظيمه وتوسيعه، وأخذت بعين الاعتبار سيرورات الحياة واهتمت بمراقبتها و تغييرها. هكذا بدأ الإنسان الغربي يتعلم شيئا فشيئاً معنى أن يكونا نوعاً حياً في عالم حي، أن يكون له جسد وشروط وجود، واحتمالات حياة، وصحة فردية وجماعية، وقوى يمكن تغييرها وفضاء يمكن فيه توزيعها بطريقة أمثل“[9].

أما الدافع الثاني لتكون هذه السلطة -السلطة البيولوجية- وتشكّلها، وهو أكثر أهمية من الدافع الاقتصادي، فقد كان سياسياً محضا، ويمكن ووصفه بالاتجاه نحو دولنة الصحة، بعد أن أضحت سؤالا سياسياً واجتماعياً، تقاس من خلاله جودة الأنظمة السياسية وسوئها[10].

انطلق الاهتمام السياسي بالصحة في نظر ميشيل فوكو مع بداية القرن الثامن عشر من خلال مأسسة التدخل السياسي لتدبير الصحة ووضع قوانين وإصدار أظهرة، تدعو إلى إحداث مؤسسات طبية تهتم بكل جوانب الوجود الصحي للناس البدني منه والنفسي العقلي، بعدما كان تدخل الدولة في هذا المجال يتميز بخصائص عقابية وانتقامية، من قبيل السجن والنفي و القتل والإلقاء بالمرضى في البحار…الخ.

إن هذا الانتقال الاستراتيجي للدولة في التعاطي مع المرض،- من سفينة الحمقى إلى ميلاد المارستان، ومن الاعتقال الكبير إلى ظهور المستشفى- أملاه في نظر فوكو التحول الذي عرفته القيمة السياسية للصحة داخل المجتمعات الإنسانية، حيث تحولت الصحة من شأن فردي خاص، إلى أمر سياسي عام، فبعد أن كان المريض يجد في الأسرة مكانه الطبيعي الذي لا يمكن أن يستبدله بأي مجال أو مؤسسة أخرى، ظهرت المستشفى كمعنى حضاري جديد يمكن من خلاله للدولة أن تتدخل عبر الطب في إعادة التوازن للجسم المريض، وإعادة الحياة للمريض، وهكذا أصبح الطب يحمل كل خصائص الدولة”عنف، اصطناعية، مراقبة، نظام، ترتيب، مؤسسات…الخ“، وأضحت أهميته السياسية، تفوق بكثير نجاعته العلمية، فليس من المهم أن يكون الطب فعالاً طبياً، أي ليس من المهم أن يكون قادراً على مداواة الأمراض، وعلاج المرضى، بقدر ما يهم أن يكون فعالا سياسياً[11]. لذلك فإن الوظيفة الأولى للطبيب يجب أن تكون سياسية، لأن”محاربة الأمراض يجب أن تقوم أولا على الحرب ضد الحكومات الفاسدة“[12]. من الواضح إذن أن الملاحظة الأخير لفوكو تكشف عن جانب مهمّ من الاشتغال السوسيولوجي على الصحة وهو المرتبط أساساً، بارتباط المرض والوباء، والجوع والبؤس وكل أشكال العجز الطبيعي والاجتماعي بالأنظمة السياسية، فكلما كان النظام فاسداً كان المرض متفشياً ودائرة الألم أكثر اتساعاً، ومساحة الهشاشة والتهميش أكبر.

أما الطب وقد تماهى مع الدولة وأصبح جهازاً أساسياَ من أجهزتها التي تشتغل على المستوى المادي –اشتغال مباشر على الأجساد- والأدلوجي -”مواساة“ الأرواح-، فقد استثمرت الدولة كل إمكانياتها من أجل جعل الطب جهازاً يمكن أن يقوم بــ”دولنة الصحة“، من خلال مجانية العلاج وإلزاميته، فالطبيب لا يجب أن يطلب مقابلا من أولئك الذين يعالجهم، لأن مساعدة المرضى ستكون خدمة يجب أن تتكفل بها الدولة كواحدة من مهامها المقدسة، بالإضافة إلى تعيين أطباء وجرّاحين”من أجل تتبع الأوبئة التي يمكن أن تحدث في مجالاتهم“، وشرطة”تراقب المناجم والمقابر“، وهيئة من المراقبين الصحيين يمكن”توزيعهم على مختلف الأقاليم وينصب كل واحد على إقليم محدد، ويكلفون بملاحظة المجالات التي تمس الطبّ، ولكن أيضاً الكيمياء والتاريخ الطبيعي والطبوغرافيا وعلم الفلك“[13].

يشير ميشيل فوكو إلى وظيفة سياسية هامة للصحة، تشكل مبرراً جيداً تحتفي وراءه الدولة لاحتكار حقل تدبير الأجساد، ومسوغاً إضافياً يبرر خلقها لمؤسسات رقابية جديدة شبيهة بالسجن، حيث يصبح للجسد معنى آخر، واقتصاد سياسي آخر، وتاريخ آخر، وقابلية للخضوع للسلطة نفسها، سلطة الدولة. إن هذا المسوغ الجديد الذي يبدو أنه كان أكثر تأثيراً من غيره، من الناحية السياسية، هو حماية الأجساد ومراقبتها على الطريقة الانضباطية، فبعد نقاش طويل وسجال أطول بين اللجان الطبية والقائمين على الشأن العام تم الاهتداء”إلى ضرورة حلق مكان للمراقبة مستمر، ووجود مستشفى للمرضى بدون عائلات، وفي الحالات المعدية، ومن أجل الأمراض المعقدة والصعبة وغير العادية، التي يجد الطبّ العام نفسه أمامها عاجزاً. ويبدو على المستوى المحلي – المستشفى – حماية الأشخاص من المرضى، وحماية المرضى من ممارسات الجهلة، وحماية المرضى من أنفسهم، ومن بعضهم البعض“[14]. يبدو أن الوظيفة العلاجية في هذا المقام لم تكن الغاية الأولى من استحداث المؤسسة الصحية، لأنها لم تخلق كبقية مؤسسات الدولة إلا كــ”مراكز تدريب وتأهيل وتنميط. تشتغل جاهزياتها بأحدث العلوم من طب جسدي ونفسي وحقوق وسياسة واجتماع وقانون الخ… لكنها مع ذلك تظل لها استقلاليتها من حيث طرق تشغيلها وإنتاجها للجسد المنمط حسب المواصفات المعرفية التي يختص بها كل نوع من هذه الأبنية غير الحيادية أبداً، فالهندسة ليست علماً رياضياً خالصاً ولا فنا مجرداً، ولكنها في هذه المعارف والإبداعات الموظفة في خدمة مفاهيم الانضباط، وحسب التشكيل الفضائي المسموح به للفرد في ظل حداثة القرنين الماضيين وعقلنتها التشميلية الكليانية. وقد ترجمت العقلانية كممارسة إلى انضباطية استيعابية كاملة. وكلما انصبت على تأهيل الجسد باعتباره الوحدة المادية التي يتألف منها البنيان الاجتماعي الذي يجب تشغيله كآلية إنتاجية كبرى“[15].

زيادة على ذلك فإن تدخل الدولة في المجال الصحي، بعد أن أصبح هذا التدخل واجبا اجتماعياً وجماعياً للمساعدة، يتجسد كذلك حسب ميشيل فوكو في عمل الدولة منذ نهاية القرن الثامن عشر على إصلاح البنية الطبية، من خلال تشكيل إدارة مركزية تدير العلاج وتتحكم فيه، ومركزة العلاج، وخلق مؤسسات تأوي المرضى بدون أسر والفقراء منهم، وإصدار قوانين تأسيسية و تنظيمية للمؤسسات الاستشفائية، وتقنين الممارسة الطبية”كل فرد يمارس الطب دون اجتياز امتحانات المدارس، أو التقدم للجان المختصة سيعاقب بغرامة أو السجن في حالة العود“[16]، ومأسسة وتنظيم التعليم الطبي؛ عن طريق إصدار مراسيم لـ”تكوين الجيش الجمهوري من ممتهني الصحة“، ووضع برامج للتكوين تحوي كل ما يجب أن يعلمه الطبيب الطالب عن مهنة الطب، وكل ما يمكن أن يتعلمه هذا الطالب من علوم وتقنيات تسهل ممارسة الطب.

في نفس السياق يعتقد ميشيل فوكو أن الدولة استعملت الطب في تحديث المجتمع، وتحديث نفسها قبل ذلك، بفضل عملها على علمنة الصحة، بإقصاء الكنيسة من تدبير المجال الصحي، والتدخل في علمية العلاج، و استبعاد البعد الديني للمعالج، لأن الطبيب ليس ساحراً أو قساً وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تملك صفات الأول ولا قدرات الآخر، بل يمارس مهمته في إطار سياسي، لا ينتظم لنفس قوانين الحقل الديني، لكن دون القطع مع منهجيته في ترتيب هذا المجال، وتنظيم العلاج، ويمكن أن يلاحظ هذا الإجراء بشكل عملي في نظر فوكو، داخل إعادة إنتاج الدولة لنفس المنطق الديني، رغم تغير الاستراتيجيات وتبدل الآليات التي يشتغل بها كل حقل، وتباينها.

يظهر البعد السياسي للصحة داخل كل أعمال ميشيل فوكو، سواء التاريخية منها أو التحليلية في سعيه الدائم نحو إظهار المستشفى كحلقة في نظام اعتقالي كبير تتعدد خطاباته وهندساته، لكنه ظل محكوماً بنفس قواعد اللعب التي تبتدئ عادة بالاعتقال وتنتهي بالمراقبة، لقد كان الاعتقال والقتل من فنون التعامل مع”الجنون والجذام وكل أشكال المرض العادي منها والوبائي“قبل أن تصل الدولة إلى أن المجنون ومن خلاله المريض يحتاج إلى رعاية وحماية ومراقبة”المستشفى“، وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع مخالف القانون و القواعد” المجرم“الذي كان مصيره القتل أو التعذيب في أحسن الأحوال، قبل أن يكتشف أن”المجرم“مريض يحتاج إلى إصلاح وتقويم” السجن“. غير أن تغير الاستراتيجيات التي انتهجتها الدولة في التعاطي مع ظواهر الجسد، الانتقال من الاعتقال والإعدام إلى العلاج والإصلاح، لا يعني كما سبق أن قلنا تغير المنطق السلطوي الذي حكم علاقة الدولة بـ”شواذها“.

ثانيا: البعد التاريخي والإبيستمولوجي لمفهوم الصحة:

لم يكن استناد ميشيل فوكو على التاريخ في أبحاثه وكتاباته الكبرى”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ولادة العيادة، المراقبة والمعاقبة، تاريخ الجنسانية“اعتماداً مذهبياً قائما على تشبعه وإيمانه بقيم التاريخ وقيمة التاريخانية، لأنه أنكر أكثر من مرة طريقة اشتغال المؤرخين والمناهج التاريخية ونعتها بالتقليدية مع كل ما يحمله لفظ التقليد من دلالات قدحية داخل المخيال الفرنسي، فـ”الطريقة التقليدية التاريخية“تسبح في ممارسة خاطئة يجب مناهضتها على منوال البنيويين الذين ينتمي إليهم، من حيث شكل تفكيكها وتحليلها واهتمامها بالأسئلة الكبرى للمجتمع. وعليه فإن اهتمامه بالتاريخ كذلك لم يكن منهجياً، ففوكو انتقد في الممارسة التاريخية ميلها إلى”إغفال الأحداث المباغتة لصالح بنيات لا يمكن للإغفال أن يعرف طريقاً لها“[17]، ويعني بذلك أن الممارسة التاريخية لا تجنح إلا نحو دراسة التطورات والقوانين والانتظامات، مستعينة في ذلك بما أنتجته بعض العلوم الاجتماعية الأخرى من مناهج وأدوات ونماذج، فهي تستدعي من الاقتصاد مثلا”نماذج النمو الاقتصادي، والتحليل الكمي لسيل التبادلات“، ومن الديموغرافيا تستقي”منحى التغيرات الديموغرافية“وتستقبل من علم المناخ كيفية دراسة المناخ وتقلباته”[18]…الخ. إن سبب انتقاد ميشيل فوكو لهذا النوع من الفعل التأريخي هو رغبته الدائمة والأكيدة في نفي انتسابه إلى التيار التاريخي، وإيمانه بالنزعة التاريخية، ذلك أن ما يقوم به من أبحاث تاريخية وسياسية، ليست في الواقع، إلا دراسات جينيالوجية يرمي من خلالها وضع اليد على ما يسميه بسلطة الإثبات بما هي “سلطة إنشاء ميادين من الموضوعات يمكن أن تنفي قضايا صادقة وأخرى كاذبة” ويكفي في هذا الصدد أن نعود إلى الطريقة التي وصل من خلالها فوكو إلى كيفية تشكل الجنون كظاهرة مرضية، أو خلقت بها المستشفيات كوعاءات تحتضن المرضى، أو تحولت من خلالها المثلية الجنسية من ظاهرة عادية إلى مرضية.

إن ما دفعنا إلى العودة إلى “الممارسة التاريخية” لفوكو، هو اختزان هذه الممارسة لفعل إبيستمولوجي عميق جداً يكشف عن طبيعة الظاهرة الفزيولوجية والنفسية وكيفية انتقالها المستمر بين العادي و المرضي، بل إنها تتضمن كذلك مجموعة من الإجابات عن عدد من الأسئلة السوسيولوجية الكبرى في مجال الصحة، من قبيل السياسات الصحية، والعلاقات العلاجية، والمؤسسات الصحية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والصحة، والخصائص السوسيولوجية للمريض، ونشأة المرض….الخ، وهذا ربما حاصل مجمل أعماله التاريخية المرتبطة بالجنون والعيادة والجنسانية والسجن.

1. الجنون أولا:

يعتبر البحث في الجنون أول أعمال ميشيل فوكو النظرية الكبرى، وأول بنية في واحد من أضخم المشاريع الفكرية التي سيعرفها القرن العشرون، وأكبر علامة على الطريق الذي سيتخذه فوكو في حياته الفكرية برمتها؛ سواء من حيث طبيعة الإشكالات التي سينزع إلى التفكير فيها، أو من حيث المنهج الذي سيختاره لكتابة تاريخ موضوعاته.

يحمل تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي سؤالا واحداً يختزن بين ظهرانيه عدداً لا محدوداً من الإشكالات النظرية الكبرى في تاريخ الممارسة العلمية و الإنسانية، وهو سؤال تخفي بساطته الواضحة : متى أصبح الجنون مرضاً عقلياً؟، تركيباً عميقاً، نظراً لارتباطه الشديد بجملة من الممارسات الاجتماعية والسياسية والعلمية التي كانت تنتج الجنون كشر يجب التخلص منه. إن سؤال مركب لأنه يعكس إن صح التعبير “انتقالا إيبديمولوجيا وتحولا اجتماعياً وسياسياً وعلمياً عرفته أوروبا عند نهاية القرون الوسطى، وهو انتقال وتحوّل كانت تتسع قبله دائرة الممنوع والمحرم ويتخذه في المرض بكل أصنافه شكلا من أشكال الشذوذ الذي يجب محاربته والإبحار به خارج المدينة، وإبعاده عبر النفي أو القتل أو الحبس والتعذيب والتهميش، غير أن تجربة القرون الوسطى والحديثة فضلت إعادة ترتيب حقل”اللاعقل والشذوذ“عبر استراتيجيات جديدة، وقواعد لعب مغايرة أظهرت فيها السلطة الحيوية كحد انضباطي، تصوراً جديداً للجنون يقوم على الرعاية والإصلاح والتطبيب والتمريض والحماية.

ليس سؤال الجنون هو أغرب ما يتضمنه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، بل إن فرادته الحقيقية تبدو في المنهج الذي اتبعه فوكو في كتابة تاريخ الجنون والعيادة والجنسانية والسجن، إن تاريخا يعتمد تأريخياً أنتربولوجيا، ويعتمد مفهوماً جديداً للوثيقة يتجاوز المعنى التقليدي لهذه الأخيرة، حيث استند فوكو على غير عادة المؤرخين على أرشيف مغاير يتضمن تاريخاً منسياً،”استقاه من كل الخبرات الإنسانية، من الطب الوضعي الحديث، ومن الأدب والفن والمسرح والفلسفة، ومن الشعوذة والخيمياء وكل الممارسات السحرية، ومن تاريخ الدولة ومؤسساتها، البرلمان والشرطة والجيش والأوامر الملكية والمستشفيات العامة والمارستان والسجن والدور الصغيرة دون أن ننسى مؤسسة الحجز وهي اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة“[19].

لقد كان الغرض من هذه التجربة الجديدة في كتابة التاريخ أو التاريخ في ثوبه الجديد كما يقول ميشيل فوكو هو إخراج التاريخ من تجربته التقليدية، وتجاوز أساليبه العتيقة القائمة على معنى ذابل للأرشيف والوثيقة من كتب ونصوص وحكايات وسجلات وعقود ومنشآت ومؤسسات وقواعد وتقنيات وأشياء وعادات الخ، واستبدالها بأخرى. إن التاريخ الذي يروم فوكو تأسيسه يحول الوثائق إلى نصب أثرية، ويعرض كمية من العناصر التي يمكن عزلها والجمع بينها وإبرازها والروابط بينها وحصرها في مجموعات.”في هذه النقطة يتحدد المشروع _ يقول فوكو_ الذي حاولنا أن نرسم خطوطه العامة الأولية في الكلمات والأشياء وتاريخ الحمق

وميلاد العيادة. وهو مشروع نسعى فيه إلى قياس التحولات التي تحدث عامة في التاريخ؛ إنه مشروع يطرح موضع السؤال، المناهج والحدود والمضامين الخاصة التي يدور عليها تاريخ الأفكار“[20].

بعد أن تم بسط الأهمية النظرية الكبرى لتاريخ الجنون داخل متن ميشيل فوكو، يمكن الآن أن نقف عند الانفصالات والتحولات التي عرفتها تجربة الجنون داخل المجتمع الغربي وهي التجربة التي تشترك فيها كل الأمراض مع الجنون، ويمكن تلخيصها في ثلاث لحظات كبرى لكل واحدة خصوصياتها وإكراهاتها وتمثلاتها التي تجعلها متميزة عن الأخرى وهي:

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل

2. لحظة الطب

3. لحظة الدولة

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل:

نقصد بلحظة السفينة أول نماذج علاقة الإنسان مع المرض والجنون كما قدمها ميشيل فوكو، وهي علاقة تختزن بين ظهرانيها عنفاً كبيراً يتجسد في ممارسة كل أشكال العسف واستدعاء كل أجهزة السلطة الانضباطية داخل اقتصاد سياسي للجسد يرمي التحكم في البيولوجي ورسم خريطة للسواء الفيزيولوجي والنفسي، مرفقة بهوامش توضع عليها العناصر المرضية التي مثل الجذام والأمراض التناسلية والجنون والفقر والتسول أهمها. وقد كان الإبعاد والإقصاء الاجتماعي بمختلف تجلياته السمة المميزة لهذه اللحظة من تدبير المرض داخل المدينة وأول إجراءات السياسة البيولوجية للدولة، من خلال إعدام المجانين والمرضى وسجنهم ونفيهم وتهجيرهم وتعذيبهم وطردهم…الخ. وهذا ما يعني أن لحظة السفينة تضم في الواقع لحظات متعددة، ظهر أولها داخل نفي الحمقى وتهجيرهم، وتجسد ثانيها في تحول النفي إلى اعتقال بعد احتفاء الأدب و الفن بالجنون، وتمثل ثالثها في تحول الاعتقال إلى إصلاح.

إن ما يميز هذه اللحظة كذلك في نظر فوكو هو حضور الجنون بين مفهومين كبيرين، وهما الخوف والمرض، فالجنون يرتبط بالخوف، لأن كل التدابير التي اختارتها الدولة في تنظيم حقل الجنون كانت تخفي وراءها خوفاً من المرض، فالتهجير والتعذيب والاعتقال والعلاج والعلاج والقتل كلها مفاهيم تدل على أن عنف الدولة والمجتمع اتجاه المجنون، له ما يبرره وهو خوفهما من الجنون. أما ارتباط الجنون بالمرض، فمرد ذلك إلى اشتراك الجنون مع كل الأمراض واقع وجودها وشروط إنتاجها، إذ أن صورة المجنون كانت انعكاساً رمزياً لصورة المرض والمريض داخل المجتمعات الغربية بأكملها وخاصة ألمانيا وفرنساً.

إن مفهوم سفينة الحمقى ههنا كما استعمله فوكو، يشير إلى تعبير أدبي يرتبط بفن الرسم ( حيث اللوحة المشهورة لجيروم بوش Jerome Bosch) وبشكل أكثر بالرواية ( حيث الرواية المشهورة لسبستيان برانت Sébastien Brantسفينة الصحة وبلوي شوت blauwe schuteلجاكوب فان أستفورن jacob van oestaven، هذا دون إغفال سفينة الحمقى وزورق المجنونات لجوسي باد). معنى ذلك أن الجنون كان عبارة عن موضوع متخيل، ومصدراً من المصادر المتعددة للإبداع الإنساني التي انطلقت مع بداية تمجيد النزعة الإنسانية للجنون.

غير أن هذا الكائن المتخيل”سفينة الحمقى“، سرعان ما سيتضح مع فوكو على أنه كائن حقيقي فــ”سفينة الحمقى من بين هذه الأساطيل الروائية أو الهجائية، هي التي كان لها وجود حقيقي. فالسفن التي كانت تنقل حمولتها الجنونية من مدينة إلى أخرى وجدت حقاً. ولهذا فإن الحمقى كانوا يعيشون التيه. لقد كانت المدن تطردهم من جنباتها، ليلتحقوا بالبراري حيث يتيهون على وجوههم، هذا في الحالة التي لا يشحنون فيها مع بضائع تجار أو قافلة حجاج. وهذه ممارسة كانت سائدة في ألمانيا. فقد تم في نورينبورغ، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، إحصاء 62 مجنوناً، 31 منهم تم طردهم من المدينة. وفي النصف الثاني من هذا القرن، تم تسجيل 21 حالة رحيل قسري. والأمر لا يتعلق سوى بالمجانين الذين يتم إحصاؤهم من طرف السلطات البلدية. وقد يحدث أن يعهد بهم إلى بعض العاملين في السفن: ففي فرانكفورت في 1399 كان يكلف بعض البحارة بتخليص المدينة من أحمق يتجول عارياً في شوارعها، وفي السنوات الأولى من القرن الخامس عشر تم التخلص من مجرم أحمق بنفس الطريقة. وأرسل إلى مايانس. وأحياناً كان البحارة يلقون بالحمقى خارج السفينة قبل نقطة الوصول“[21].

تعبر سفينة الحمقى إذن عن تدبير سياسي جديد للمرض ظهر مع بداية التخلص من الجذام الذي كان يعتبر المشكلة الأولى للعالم الغربي، ويكشف هذا التدبير الجديد عن طبيعته الإقصائية، لأن المجنون مثله مثل المجذوم أقصي من الحياة ومن العيش وسط الجماعة، لأن في إبعاده الاجتماعي عملا مقدساً يرضي الله. وهو قبل ذلك عمل مطهر، يغسل المدينة من أوحالها، أي من المجانين وأمثالهم. إن إقصاء المجانين من المجال الاجتماعي عن طريق تهجيرهم والرمي بهم في البحر أحياناً، كان نتيجة لفقدان تيمة الموت أهميتها داخل المخيال الاجتماعي بفعل القضاء على الجذام وأسباب الطاعون والحرب، ولكن وبشكل أكبر نتيجة لاستمحال الجنون موضع الموت، فـــالجنون هو”الحضور المسبق للموت“، وبالتالي فإن إبعاد المجنون، يعني إبعاداً للموت أو على الأقل تفاديه المؤقت مادام يشكل النهاية الحتمية للأفراد.

لم تكن سفينة الحمقى في الحقيقة إلا إجراءً وقائياً، ضمن إجراءات وقائية كثيرة، أملاها الخوف من الجنون باعتباره تجلياً من تجليات الموت، ما يميزها عن باقي الأفعال التحكمية الأخرى مثل القتل والاعتقال والإصلاح، هو الصورة التي كانت تحملها المجتمعات الغربية عن الجنون، وهي صورة أدى تغيرها لحظة دخول الفن والأدب والفلسفة والعلم مجال التفكير في الجنون، إلى تغير فكرة التهجير والنفي واستبدالها بفكرة العلاج والإصلاح، بعدما أضحى الجنون شكلا من أشكال الوجود المريض، الذي يلزم مدحه أحياناً، واستلهام مقدماته أحياناً أخرى، والبحث عنه في ذواتنا مادام الإنسان كائناً مجنوناً،”لقد ولدت التجربة الكلاسيكية للجنون، وخفت حدة التهديد المتصاعد الذي وصل مداه في القرن الخامس عشر، وفقدت القوى المقلقة التي استوطنت لوحات بوش عنفها. وظلت هناك أشكال، وهي الآن أشكال شفافة وغير عنيفة، تكون موكباً، هو الموكب الضروري للعقل. وكف الجنون عن أن يكون تجسيداً في محيط العالم والإنسان والموت، وصورة عن العالم الآخر، لقد تلاشت ظلمات تلك الليلة التي كانت العيون مشدودة إليها، والتي تنبع منها أشكال المستحيل، وجلل النسيان العالم الذي كانت تجوبه العبودية الحرة للسفينة، إنها لن تذهب، في رحلتها الغريبة، أبعد مما هو موجود، ولا دون ما هو موجود. إنها لن تكون أبداً تلك الحدود الهاربة المطلقة. هاهي ترسو بثبات وسط الأشياء والناس. لقد احتفظ بها وثبتت في مكانها، إنها لم تعد قارباً، بل أصبحت مستشفى“[22]

تلخص هذه العبارة الفوكونية في الواقع مجمل التغير الذي عرفته صورة الجنون داخل العصور الوسطى، ذلك أن الصورة القاتمة التي كان يحملها الناس عن الجنون، تغيرت شيئاً، حيث استبدلت السفينة بالمستشفى، وتحول التهجير إلى اعتقال كبير، إلا أن فوكو سيكتشف داخله أن عنف هذا الاعتقال”المستشفى“لا يقل عن عنف السفينة والإبحار. بل هو أعنف منها خاصة عندما ستتحول دور الحجز إلى مؤسسات سياسية تستجيب لرهانات السلطة المتمثلة في التحكم في حقل البؤس وترتيب عناصره.

إن تقنية الاعتقال التي يتحدث عنها ميشيل فوكو ترتبط بالقرن السابع عشر، تاريخ ظهور أول مستشفى عام بباريس، تنفيذا لمرسوم ملكي صدر سنة 1656. وتمثل لحظة جديدة من عمر الفهم والتدبير الإنساني للمرضي، خاصيته الأساسية تحول الجنون إلى شكل من أشكال البؤس الذي يعم المجتمع الغربي، وبالتالي لم يعد المرض ظاهرة توجب الإبعاد والتهجير، وإنما تحتاج مؤسسات طبية وبنيات قانونية قادرة على تدبير البؤس وهو ما شكلت دور الحجز والمستشفيات أول مظاهره:”المستشفى العام ليس مؤسسة طبية، بل هو بنية قانونية، ما يشبه الكيان الإداري الذي بالإضافة إلى سلطاته المعترف بها خارج المحاكم، يقرر ويحكم وينفذ“[23].

لقد جاء خلق دور الحجز والمستشفيات نتيجة لرغبة سياسية أولا ودينية بعد ذلك في القضاء على البؤس، لأنه نتاج فوضى وعائق أمام النظام، تحول من خلاله الفقر والمرض إلى خطيئة ضد النظام العام وهو ما جعل من هذه المؤسسات”بؤرة لصراعات متعددة، بين الاختبارات القديمة للكنيسة الخاصة بإغاثة الفقراء ضمن طقوس الضيافة، وبين طموحات البورجوازية في إعادة تنظيم البؤس: الرغبة في الإغاثة والحاجة إلى القمع، واجب الإحسان وإرادة التعسف“[24]

إن هذا المظهر الجديد الذي اتخذه البؤس داخل المجتمع، سيحول المرض إلى”مشكلة بوليسية“لها علاقة بنظام الأفراد داخل المدينة، وهذا ما سيجعل من المريض والمتشرد والمجرم والمتسول والوقح والجشع والعجوز والمومس والعاق والغبي والضال و…الخ، نماذج متماثلة تحتاج إلى الاعتقال لا إلى الإحسان، لأن في اعتقالها تطهيرا للفضاء الاجتماعي، وإبعادا للعناصر الطفيلية أو الضارة. وهو ما يفسر كيف أن”لا يحتوي على أي فكرة طبية، لا من حيث اشتغاله، ولا من حيث خطابه، إنه محفل من محافل النظام، النظام الملكي البرجوازي الذي كان منهمكاً في تنظيم أوضاعه“[25].

لقد أدى دخول الكنيسة إلى حقل تدبير المرض والبؤس على امتداد العصر الكلاسيكي، واستدعاء الدولة معظم البنيات التي نظمت من خلالها الكنيسة علاقتها بالمرض إلى”إحداث الانقلاب الكبير الذي قامت به الكلاسيكية في علاقات تربط الجنون بالتجربة الأخلاقية“[26]، فما الذي يقصده فوكو بالانقلاب الكبير؟

يعني أولا استبدال التقنيات القديمة لتدبير البؤس وتنظيمه، او على الأقل إعادة ترتيب عناصره، فكما أن الاستعاضة بالحجز على الكنيسة كان لتغير النظرة إلى الجنون والجذام والمرض بصفة عامة، فإن الانقلاب الذي يتحدث عنه فوكو في هذا المجال يتمثل في استبدال الوظيفة الكبرى للمستشفى العام من الاعتقال إلى الإصلاح والعلاج والعقاب، خاصة وأن ما كان يعرض على المستشفى العام من مصابين بأمراض تناسلية لم يعالجوا، وإنما عرضوا على الأطباء من أجل”تقويم سلوكهم أولا، ثم جلدهم ثانياً، وهو أمر تشهد عليه تذكرة إرسالهم. ولم يكن المصابون بالأمراض التناسلية في الأصل يعاملون معاملة تختلف عن تلك الخاصة بالمصابين بالأوبئة من قبيل الجوع والطاعون والجروح الأخرى“[27]

 تتميز اللحظة الثالثة من حياة السياسة الحيوية التي تشكلت عبر التاريخ، بخاصية أساسية تمثلت أساساً في اتساع دائرة المرض بعد أن أصبحت الصحة مرتبطة بالمقدس في شكله الديني أو الاجتماعي، فاللواط والإلحاد والخيانة الزوجية والشعوذة والممارسات السحرية والتنجيم …الخ، أصبحت أمراضاً، لأنها”خطابات وممارسات تقود إلى تدنيس ما في الدين من مقدسات“[28]، وتهدد قيم العائلة التي تشكل الركيزة الأساسية للنظام الاجتماعي. إنها لحظة لم تقص الحجز كما يمكن نتصور لكنها أفضت إلى حقيقة كبرى، وهي: أن الحجز ومن خلاله المستشفى لم يكن يشكل وحدة مؤسساتية، ولم يكن يتوفر على أي انسجام طبي أو سيكولوجي أو طبعقلي، ولم يكن موجهاً لفئة دون أخرى، حيث كان فضاءً يتسع دون أن يضيق. كما أنه لم يكن حقلاً للعلاج وحسب، بل امتد إلى ممارسة العقاب والتقويم والإصلاح.

-----------------------------------

المدخل السياسي إلى الصحة (2/2)

يتبين إذن من خلال ما سبق أن ميشيل فوكو يقدم اللحظة الأولى من عمر التدبير السياسي والاجتماعي للمرض، كلحظة عقابية، تحتوي على بنيات ومؤسسات طبية وقوانين صحية، لكنها لا تتجه نحو ممارسة العلاج والإشفاء، بقدر ما تستعمل في الإقصاء الاجتماعي وممارسة التعسف السياسي ضمن مقاربة لن نجد أحسن من تعبير ميشيل فوكو لوصفها، أي ضمن مقاربة بوليسية.

 لحظة الطب:

أما أن يكون العصر الكلاسيكي قد اعتقل المريض “المجذوم، المجنون، المريض جنسيا، الملحد، المتسول….الخ”، اعتقاداً منه، أن في اعتقاله خلاصاً وتطهير للفضاء الاجتماعي، وحماية لقيم المجتمع ومؤسساته، فذلك ما لا يمكن الشك فيه، وأما أن يكون الاعتقال والتعسف هو الحل الأخير الذي راهنت عليه الدولة والمجتمع لتدبير المرض، فذلك ما يسهل رفضه ورده. ويرجع ذلك إلى اتجاه العصر الكلاسيكي نحو وعي المرض“من خلال دراسة الجنون”، رغم كل ما ميز هذه التجربة من غموض وعدم قدرة على تحديد ماهية الجنون وأسبابه وأشكاله وحدوده، بل وعجز جعل من الجنون “معنى في حالة تشظي دائم”[1].

 إن هذا الوعي الذي ميز العصر الكلاسيكي لم يتخذ شكلا واحداً، وإنما اتخذ أنماطا مختلفة حددها فوكو في أربعة أساسية تشير كل واحدة منها إلى ممارسة علمية محددة، ترتبط فيما بينها لأنها تحتاج إلى بعضها البعض، رغم وجودها منفصلة، دون أن يستوعب بعضها البعض. فهناك أولا وعي نقدي خاصيته الأولى أنه “ينخرط كلية في حكمه، قبل بلورة مفاهيمه، وعي لا يحدد بل يدين”[2]، وهناك كذلك؛ وعي عملي للجنون، ميزته أنه “بقدر ماهو اجتماعي ومعياري، ومدعوم بشكل جيد منذ البداية، فإنه وعي درامي”[3]، بالإضافة إلى هذا يوجد وعي تلفظي بالجنون، ويتميز بـكونه “وعيا يمكن من القول، مباشرة دونما اعتماد على المعرفة: هذا مجنون”[4]، أخيراً وليس آخر، يظهر الوعي التحليلي للجنون “وليس الجنون داخله أكثر من كلية ظواهره… إن هذا الشكل من الوعي هو الذي يؤسس إمكانية معرفة موضوعية للجنون”[5].

 تعكس التجربة الطبية لحظة دخولها إلى حقل المرض، قطيعة جديدة وانفصالا مهماً، حيث تم التحول من المرض المقصي إلى المرض الموضوعي، وبالتالي من وعي عملي بالمرض إلى آخر نظري، وهي تجربة وجد الطب نفسها داخلها مع الفلسفة جنباً إلى جنب. إن ميزة الوعي الطبي للجنون ومن خلاله للمرض، هو “بحثه عن الجنون في الفضاء الطبيعي الذي يحتله، فالجنون مرض من بين أمراض أخرى، اضطرابات في الجسم و الروح، فهو ظاهرة من الطبيعة، يتطور في الطبيعة وضدها في الوقت دانه”[6].

 لقد بدأ الوعي الطبي للجنون حسب فوكو مع فييسنس Viessensالإبن، في إنتاج هذا النوع من التصورات حول الجنون باعتباره مرضاً “المركز البيضوي في الدماغ هو: بؤرة وظائف الذهن، لأن الدم الشرياني يتخذ شكلا دقيقاً ويتحول إلى ذهن حيواني، وبالتالي فإن صحة الذهن، في أبعادها المادية، محكومة بانتظام وتساوي حرية سير الأذهان في تلك القنوات الصغيرة”[7]، وقد استفاد الوعي بالجنون كثيراً من تطور المعرفة الطبية التي أضحت خلال القرن الثامن عشر أبعد من أي وقت مضى عن الفهم الميتافيزيقي للمرض، القائم على وجود جواهر موربيفية Morbifiqueوعلى مقولة عامة للمرض عقيمة. وهو ما يشير إلى أن ابتعاد التصور الجديد للمرض عن المقولات الميتافيزيقية، يعني الارتماء بين أحضان البراديغم التجريبي، الذي يعتبر الوجود الواقعي للظواهر، وقابليتها للملاحظة، هو ما يمنحها صفة العلمية، ويوجه العلم نحوها من أجل دراستها.

 إن ما يميز الاشتغال الطبي على المرض هو حمله لرهانات مغايرة، لتقنيات السلطة لحظة التفكير في المرض، فإذا كانت الثانية اتجهت بشكل عام نحو اعتقال المرض وإبعاده وإخفائه، فإن ما سميناه بلحظة الطب، نحت اتجاه “تحرير المرض”، تحريره أولا من النظرة الشمولية التي كانت تختزل في مفهوم المرض فئات اجتماعية واسعة، لا يجمع بينها إلا شيء واحد وهو جمع السلطة لها داخل قالب واحد. وتحريره كذلك من خلال إعادة تنظيم العالم الباتولوجي وفق معايير جديدة، استوحاها الطب من عالم النبات، وكما يقول بول سيدنام Paul Sydenham“علينا أن نجمع كل الأمراض في أنواع محددة بنفس حرص دقة عالم النبات”[8] وهو الأمر نفسه الذي انتهى إليه كل من غوبيوس Gaubiusودوسوفاج de sauvage…الخ، حيث تم تنظيم المرض وفق مقدمات جديدة، تختلف جذرياً عن الطريقة التي فهم بها المرض في الماضي، أهم معاملها الاتجاه التدريجي نحو علمنة المرض، أو بطريقة أصح إبعاد الطابع الديني عن الفهم الإنساني للمرض، بعدما كان يعتقد قديما أن المرض عقاب إلهي[9]. وفي الأخير يظهر الدور التحريري للطب داخل مساهمته في انفتاح الممارسة العلاجية من التصور الوحيد للمرض، حيث بدأ الجنون مثلا “المرض” يفقد طابعه الموحد لصالح، نماذج وأنواع جديدة وفق أعمال تصنيفية يقدم فوكو داخلها “بلاتر Plater، وجونستون jonston، وبواسيي دو سوفاج boissier de sauvageو ليني linnéو فييكار weickheird” كنماذج متقدمة لفهم المرض وخاصة المرض العقلي.

 بقي أن نشير إلى خاصية أخيرة أضافها الطب إلى حقل المرض أو حقل الصحة، وهي الانتقال بالمرض من عالم الاعتقال إلى عالم الشفاء مع كل ما ميز هذا الانتقال من خلق لمعايير وقيم ومبادئ ونماذج وآثار ومؤسسات…الخ، حولت المجنون والمريض من مذنب إلى إنسان أو على الأقل إلى جسد يحتاج العلاج لا العقاب، مع كل ما رافق هذا الانتقال من تحولات كبرى على مستوى الممارسة النظرية للطب التي لم يكن لها دائم تأثير مباشر على فعل العلاج. بالإضافة إلى المساهمة في تكون نظرة جديدة عن المرض مع علم النفس والتحليل النفسي.

 1. لحظة الدولة:

 تدخلت الدولة تاريخا في تنظيم البؤس عبر تقنيات كثيرة، تجسدت في مراسيم و ظهائر يصدرها الملك وقوانين وتشريعات يصدرها البرلمان، وتمثلت ثانيا في إحداث دور للحجز و المستشفيات و “الإصلاحيات”، تتخذ شكل مؤسسات للإبعاد والاعتقال و العلاج والإصلاح، وتشكلت كذلك من خلال ترتيب إجراءات وتدابير يمكن أن نصفها بلغة معاصرة باسم سياسات صحية. ويمكن القول أن الغاية الأساسية لهذا التدخل كان هو الوصول إلى دولنة الجسد و الصحة، من خلال نزع الطابع الفردي أو العائلي عنها. بالإضافة إلى سعيها، في إطار صراعها مع الكنيسة، إلى علمنة الصحة عن طريق نزع الطابع الديني عن الممارسة العلاجية.

 إن الحقيقة التي كشف عنها فوكو، ويمكن القول بنوع من الإحتراس، أن بعض تجلياتها ما تزال حاضرة إلى اليوم، وهي أن: المؤسسات العلاجية بكل أصنافها لا تقوم بأي وظيفة طبية، لأنها لا تتوفر على أي فكرة طبية. فمهمتها الأولى سياسية أولا، شبيهة بتلك التي يقوم بها السجن، ضمن سياسة انضباطية عامة، تقوم على “المراقبة و المعاقبة، للعناية والقمع، للمساعدة والاعتقال، الشيء الذي يجعل هذه المؤسسات السياسية،” مؤسسات غريبة يصعب أحياناً تحديد معناها ووضعها"[10].

 إن السؤال الأساسي الذي اتجه فوكو نحو الكشف عنه من خلال الوقوف على المظاهر الكبرى لتدبير المرض، هو ما هي المظاهر السياسية للمرض، وقبل ذلك متى بدأ الجنون يأخذ معنى المرض العقلي؟.

لقد ساهم اهتمام فوكو بتاريخ الجنون، بشكل كبير في اتساع رقعة اهتمامه بالجسد والصحة والطب، وهو ما بدا واضحاً في اتجاه فوكو نحو تفكيك بنيات جديدة، في الممارسة العلاجية والبحث في تفاصيلها الصغيرة وفي شكل القطائع و الهوامش التي تشكلت داخل بنية تكونها. وقد ارتبط هذا الاهتمام بسؤال جديد وهو " كيف تشكلت النظرة العيادية داخل النظرة الطبية؟

2. العيادة، والتشكل العلمي للممارسة الطبية:

 غني عن التأكيد أن فوكو لم يحبس نفسه للتفكير في تاريخ المؤسسة الطبية، كما قد يوحي بذلك عنوان ثاني كتبه “تاريخ العيادة”، إذ اتجه منذ بداية مؤلفه تحديد مسارات والتي حددها في ثلاث مفاهيم أساسية تشكل في نظره البنية الأولية لكل ممارسة طبية، يتعلق الأمر بمفهوم المجال ومجموع النقاشات التي أحاطت بها داخل الممارسة الطبية من حيث القدرة أو عدمها على توطين المرض، وهو نقاش يكشف ميشيل فوكو جزء منها داخل تاريخ الجنون، بالإضافة إلى مفهومي اللغة و الموت و ما يرتبط بهما من ممارسات علمية، تبدأ انطلاقاً مما يستعمله الطبيب من رموز في توصيف المرض وتقديمه، وصولا إلى التشريح، باعتباره العلمية التي جعلت الطب يكرس نفسه كعلم للفرد.

 إذا كان لابد من الإشارة أعلاه، فإن ما يهمنا في “ولادة العيادة” ليس تقديم ما انتهى إليه فوكو من خلاصات نظرية كبرى بخصوص تطور النظرة الطبية للمرض والجسد والموت، بقدر ما يشكل الحفر في المظاهر السوسيولوجية للممارسة الطبية والمجال الصحي و التي يعتبر الكتاب غني بها، أول هدف نتغيا الوصول، لاسيما وأن ميشيل فوكو، لم يلزم يوماً قراءه بنظرة واحدة دون غيرها.

 تستمد الممارسة الطبية كل مقوماتها في نظر ميشيل فوكو من العالم المحيط بها، فهي أولا تتأثر بعالم الحياة الذي عملت على إعادة إنتاج أطروحاته بخصوص طبيعة المرض وماهية الصحة “إن نظام المرض ليس إلا انعكاساً لعالم الحياة، نفس البنيات تسود هنا وهناك، ونفس أشكال التوزيع ونفس الانتظام، إن عقلانية الحياة تشبه مايهددها”[11]، كما أنها تأثرت وبشكل كبير بعالم السياسة، من حيث وجود أوغياب البنيات الصحية، فإذا كانت الثورة الفرنسية مثلا قد حملت فكرة إلغاء المستشفيات وجمعيات الأطباء Corporation، فإن هذا الفراغ المؤسساتي وتحول المستشفى إلى مجال جديد يتقاطع فيه التعليم و التعلم، المراقبة و الممارسة الطبية، وبكلمة أعم الخطاب التربوي والتدخل العلاجي.

 من جهة ثانية لم يفت ميشيل فوكو البحث في البعد العلائقي للظاهرة الصحية من خلال تفكيكه لبنية العلاقة التي تجمع الطبيب بمريضه، وبالتالي الطب بالمريض، وهو ما يجرنا إلى القول إن ميشيل فوكو لم يكن إبيستمولوجيا في ولادة العيادة فقط، وإنما كان سوسيولوجيا كذلك.

 تنبني علاقة المريض و الطبيب في نظر ميشيل فوكو على العنف والإقصاء، لأن معرفة المرض و الوصول إلى حقيقة الظاهرة الباثولوجية، لا تقوم داخل وجهة النظر الطبية إلا عندما يقوم الطبيب بتجريد المرض، وبالتالي إقصاء المريض من حلقة العلاج، فالطب“ لا يتجه نحو الجسد الملموس، نحو هذا الكل المرئي، نحو هذا الامتلاء الوضعي الذي يوجد أمامه، وإنه يتجه نحو فواصل طبيعية، نحو هفوات ومسافات تظهر سلبية، إنها العلامات التي تميز كل مريض عن آخر”[12].

 يقوم وصف ميشيل فوكو لعلاقة الطبيب بالمريض بالعنيفة، على كثير من المقدمات السوسيولوجية الكبرى، أولها أن الطبيب لا يشتغل على المرض إلا من موقع واحد، داخل ثنائية تقليدية، تتأسس على الجهل و المعرفة، فالطبيب يتخذ موقع العالم الذي لا يحتاج إلى ما يقوله المريض من أجل معرفة المرض، لأن المريض لا يمثل إلا تمظهراً خارجياً بالنسبة لما يعانيه، لذلك فإن القراءة الطبية لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله المريض عن مرضه، إلا لكي تضعه بين مزدوجتين، لان ما يهم الطبيب يوجد في البنية الداخلية لأجسادنا لا فيما نقوله. ورغم ذلك، أي رغم إقصاء الطبيب للمريض، ورفض الثاني للصورة التي يتخذها تدخل الأول، فإنها ملزمان بالتعايش مع بعضهما البعض، إنها يتعايشان كما يقول فوكو كتشويش لا مجال لتجنبه.

 غني عن التوضيح أن ميشيل فوكو أولى اهتماماً خاصاً بالتاريخ السياسي للمؤسسات الصحية وما رفق نشأتها و غيابها من نقاشات سياسية كبرى داخل المجتمع الفرنسي، انتهى من خلاله إلى أن “المستشفى مثله مثل الحضارة، مجال اصطناعي يهدد داخله المرض بفقدان صورته الأساسية”[13]، وهي ملاحظة ما تزال تجلياتها موجودة داخل المجتمع المعاصر، ذلك أن معرفة الناس بأمراضهم وعلاقتهم مع هذه الأمراض غالباً ما تجد معنى آخر ووجوداً مغايراً داخل المستشفى.

 وإذا كانت المستشفى مؤسسة اصطناعية، يفقد فيها المرض صورته الأصلية، فإن الأسرة هي المجال الطبيعي للمرض، بما هي مجال طبيعي للحياة، حيث رقة العلاجات العفوية وقوة الارتباط، وحيث وجود رغبة جماعية في العلاج، من خلال تعبئة جماعية لمساعدة المريض على تجاوز مرضه. وهو الأمر بطبيعة الحال الذي لا يوجد داخل المستشفى.

 يعني وجود مجالين للمرض، وعجز المريض عن القيام بأدواره الاقتصادية، خلال القرن الثامن عشر، ظهور نقاش جديد حول صلاحية وجود المستشفى داخل المجتمع، حيث دعى أصحاب هذا السؤال إلى ضرورة استثمار الخيرات التي توجه نحو بناء المستشفيات إلى إعانة مباشرة للأسرة، التي سيصبح آنذاك من مهمتها مساعدة المريض على تجاوز مرضه، وهنا تكون الدولة قد قامت بإجراءين، مساعدة المريض على المرض، ومساعدة أسرته على البؤس والفقر. غير أن هذا النقاش انتهى لصالح توجه آخر يرى في بقاء المؤسسات الصحية ووجود هيئات لمراقبة الصحة العامة ومراقبة عمل الأطباء، بالإضافة إلى تنظيم الحقل الطبي من خلال إصدار تشريعات تقنن الممارسة الطبية، وتعاقب كل ممارسة لمهنة الطب لا يحمل تفويضاً مؤسساتياً لممارسة الطب، إما بغرامة أو بالسجن في حالة العود، لكن أهم توصية حملها دعاة هذا الاتجاه الذي اختارته الدولة هو مجانية العلاج، بحيث تقدم الخدمة الطبية للجميع، وتتكفل الدولة بتعويض الطبيب، ثم إلزامية العلاج، حيث لم يعد مسموحاً أم يترك أي مريض لحال سبيله.

 لم يكن ميشيل فوكو في خضم بحثه التاريخي عن المظاهر السياسية للصحة داخل المجتمعات الغربية، مستغرباً من الوصول إلى حقيقة سوسيولوجية وتاريخية أخرى تهم المرض، يتعلق الأمر بالطابع التاريخي والاجتماعي للمرض “فالأمراض تتنوع حسب الحقب والأماكن، ففي العصور الوسطى مثلا حيث الحروب والمجاعات. ارتبطت الأمراض بالخوف والإنهاك” سكتات دماغية، حمى الدق“لكن خلال القرن السابع عشر بدأت تضعف القيم الوطنية وكل ما يرتبط بها من التزامات، حيث انطوت الإنسانية على ذاتها، مقابل انتشار النهم والشبق” أمراض الزهري، الأمراض المعوية والدموية، وخلال القرن الثامن أدى البحث عن المنفعة من خلال الخيال، إلى الاهتمام بالمسرح و الرواية والحماس إلى نقاشات طويلة، يسهر الأفراد في الليل وينامون بالنهار، الشيء الذي أدى إلى الهستيريا والوسواس المرضي والأمراض العصبية"[14].

تركيب:

إذا كان إميل دوركايم قد أسس للبعد الاجتماعي للصحة والمرض، وكشف عن ملامح تدخل المجتمع في ترتيب المرض وتدبير الصحة، فإن ميشيل فوكو استطاع من خلال مشروع الأركيولوجي والجينيالوجي أن يبين الجانب السياسي والتاريخي للصحة والطب، من خلال أبحاثه التي استطاع من خلالها الكشف عن الجانب التاريخي والسياسي للمرض والطب والمؤسسات الطبية، فإما الجانب التاريخي فيبدو في ارتباط المرض بالتاريخ، بما هو وضع اجتماعي وسياسي وثقافي، إذ أن لكل فترة تاريخية أمراضها التي ترتبط بها، وهي خاصية يشترك مع فوكو في تأكيدها مختلف السوسيولوجيين والأنتربولوجيين الباحثين في الصحة بدءاً بمارك أوجي وروجي باستيد وكلودين هيرزليتش وصولا إلا رايمون ماسي ومارك ترومبلاي و ستودلر…الخ. أما البعد السياسي للصحة، فيبدو في نظر فوكو في تحول السلطة الحيوية القديمة، بما هي سلطة على الإماتة والإحياء والقتل والإبعاد والنفي، إلى الدولة الحديثة التي أنشأت المؤسسات الطبية للعقاب أولا وللإصلاح بعد ذلك، رغبة منها في الاستفادة من أرواح الناس وأجسادهم في العمل الإنتاجي.

 إن قيمة العمل الفوكوني المرتبطة بالصحة والمرض والمؤسسات الصحية، يجد تجلياته اليوم ليس داخل الكتابات التي تحتفي بما أنجزه فوكو فقط، وإنما يستمد مشروعيته كذلك من داخل الأسئلة التي طرحها فوكو، وما تزال إلى اليوم راهنة في سياقها الأم وفي سياقات اجتماعية مغايرة.

---------------------------------------------------------

هوامش الجزء الأول من البحث:

[1] يمكن أن نشير في الصدد إلى دراستين اثنتين، في سياقين مختلفين وإن كان المجال العلمي يحتضن بين ظهرانيه أكثر من ذلك، نقصد هنا جورج كانغليم، من خلال دراسته المهمة العادي و المرضي، حيث أن الشرط السياسي والتاريخي غير حاضر أبداً في دراسات الرجل كما لو أن تكون المفاهيم والنظريات العلمية ينشأ خارج سياقاتها التاريخية. بالإضافة إلى دراسة لوسيان لوكليرك حول تاريخ الطب العربي.

[2] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003 ص 233،234.

[3] نفس المرجع ص 240.

[4] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004 ص116

[5] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ص 242.

[6] نفس المرجع ص 236

[7] Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995 P24

[8] يعتبر ميشيل فوكو أن الطبيب ليس إلا أداة تستعمل الدولة ضمن تكنولوجياتها السياسية للحياة، ( سنعود إلى هذه النقطة لاحقاً”

[9] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI 118

[10] اتجاه ميشيل فوكو نحو القول بتشكل البعد السياسي للصحة خلال القرن الثامن عشر، يعني أن الاهتمام السياسي بها ليس وليدة اللحظ الراهنة، أو مجال تدخل الدولة المعاصرة

[11] Foucault, Michel, naissance de la clinique, P44

[12] Ibidem

[13] IbidP32

[14] Ibid P55

[15] ميشيل فوكو، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الانماء القومي بيروت، 1990 ص35

[16] Ibid. P120

[17] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة ص8

[18] نفس المرجع ص 5

[19] فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006 ص14

]* يستعمل سالم يفوت تاريخ الحمق بدل تاريخ الجنون

[20] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ص15

[21] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ص ص 29/30

[22] فوكو ميشيل، المرجع السابق ، ص 63

[23] فوكو، ميشيل، المرجع السابق، ص71

[24] المرجع السابق ص75

[25] نفس المرجع ص72

[26] نفس المرجع ص108

[27] نفس المرجع، نفس الصفحة,

[28] نفس المرجع ص 120

-------------------------------------

  هوامش الجزء الثاني من البحث:

[1] نفسه ص185

[2] نفسه ص186

[3] نفسه ص 187

[4] نفسه ص 188

[5] نفسه ص 189

[6] نفسه ص 195

[7] نفسه 199

[8] نفسه ص 209

[9] هي ملاحظة سنكتشف داخل بعض الأطروحات الأنتربولوجية أن لم تختف أبدا، ويمكن في هذا الصدد العودة إلى إدمون دوتي وليفي برويل ومالينوفسكي و دوركايم…الح

[10] نفسه ص74

[11] IbidP8

[12] Ibid P10

[13] Ibid P21

[14] IbidP44

----------------------------------------------

قائمة المراجع باللغتين العربية والفرنسية:

1. فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003

2. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

3. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

4. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

5. فوكو، ميشيل ، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي بيروت، 1990

6. فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة2001

7. فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006

8. غرو، فريديريك، ميشال فوكو، ترجمة محمد وطفه، طريق المعرفة

9. Augé, marc , hérzlich, Claudine, le sens du mal, Éditions des archives contemporaines,1984

10. Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995

11. Foucault, Michel, Les Mots et les Choses. Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, 1966

12. Foucault, Michel, Folie et Déraison. Histoire de la folie à l’âge Classique, Paris, Librairie Plon, 1961

https://modernitysite.wordpress.com/2016/08/19/%D9%85%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%88%D9%83%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A7/

المزيد من المقالات...

  1. داعش، بندقية للإيجار أنتهى دورها
  2. "المحافظون الجدد" يحرضون على ضرب سوريا
  3. علمانيون في جلاليب "النصرة"
  4. العدالة ضد رعاة الارهاب